المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[سورة الأنعام (6) : آية 46] - التحرير والتنوير - جـ ٧

[ابن عاشور]

فهرس الكتاب

- ‌[سُورَة الْمَائِدَة (5) : الْآيَات 82 إِلَى 84]

- ‌[سُورَة الْمَائِدَة (5) : آيَة 85]

- ‌[سُورَة الْمَائِدَة (5) : آيَة 86]

- ‌[سُورَة الْمَائِدَة (5) : الْآيَات 87 إِلَى 88]

- ‌[سُورَة الْمَائِدَة (5) : آيَة 89]

- ‌[سُورَة الْمَائِدَة (5) : الْآيَات 90 إِلَى 91]

- ‌[سُورَة الْمَائِدَة (5) : آيَة 92]

- ‌[سُورَة الْمَائِدَة (5) : آيَة 93]

- ‌[سُورَة الْمَائِدَة (5) : آيَة 94]

- ‌[سُورَة الْمَائِدَة (5) : آيَة 95]

- ‌[سُورَة الْمَائِدَة (5) : آيَة 96]

- ‌[سُورَة الْمَائِدَة (5) : آيَة 97]

- ‌[سُورَة الْمَائِدَة (5) : الْآيَات 98 إِلَى 99]

- ‌[سُورَة الْمَائِدَة (5) : آيَة 100]

- ‌[سُورَة الْمَائِدَة (5) : الْآيَات 101 إِلَى 102]

- ‌[سُورَة الْمَائِدَة (5) : آيَة 103]

- ‌[سُورَة الْمَائِدَة (5) : آيَة 104]

- ‌[سُورَة الْمَائِدَة (5) : آيَة 105]

- ‌[سُورَة الْمَائِدَة (5) : الْآيَات 106 إِلَى 108]

- ‌[سُورَة الْمَائِدَة (5) : الْآيَات 109 إِلَى 110]

- ‌[سُورَة الْمَائِدَة (5) : آيَة 111]

- ‌[سُورَة الْمَائِدَة (5) : الْآيَات 112 إِلَى 113]

- ‌[سُورَة الْمَائِدَة (5) : الْآيَات 114 إِلَى 115]

- ‌[سُورَة الْمَائِدَة (5) : الْآيَات 116 إِلَى 118]

- ‌[سُورَة الْمَائِدَة (5) : آيَة 119]

- ‌[سُورَة الْمَائِدَة (5) : آيَة 120]

- ‌6- سُورَةُ الْأَنْعَامِ

- ‌أَغْرَاَضُ هَذِهِ الْسُورَة

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 1]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 2]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 3]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 4]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 5]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 6]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 7]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : الْآيَات 8 إِلَى 9]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 10]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 11]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 12]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 13]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 14]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : الْآيَات 15 إِلَى 16]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 17]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 18]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 19]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 20]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 21]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : الْآيَات 22 إِلَى 24]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 25]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 26]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : الْآيَات 27 إِلَى 28]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 29]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 30]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 31]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 32]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 33]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 34]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 35]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 36]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 37]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 38]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 39]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : الْآيَات 40 إِلَى 41]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : الْآيَات 42 إِلَى 45]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 46]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 47]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : الْآيَات 48 إِلَى 49]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 50]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 51]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 52]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 53]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 54]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 55]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 56]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 57]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 58]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 59]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 60]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : الْآيَات 61 الى 62]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : الْآيَات 63 إِلَى 64]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 65]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : الْآيَات 66 إِلَى 67]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 68]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 69]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 70]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 71]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : الْآيَات 72 الى 73]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 74]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 75]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : الْآيَات 76 إِلَى 79]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 80]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 81]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 82]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 83]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : الْآيَات 84 إِلَى 87]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 88]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 89]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 90]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 91]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 92]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 93]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 94]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : الْآيَات 95 إِلَى 96]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 97]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 98]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 99]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 100]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 101]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 102]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 103]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 104]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 105]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : الْآيَات 106 إِلَى 107]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 108]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 109]

- ‌[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 110]

الفصل: ‌[سورة الأنعام (6) : آية 46]

أَخْرَجَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عَنِ النَّبِيءِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:

فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.

[46]

[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 46]

قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (46)

اسْتِئْنَافٌ ابْتِدَائِيٌّ عَادَ بِهِ إِلَى الْجِدَالِ مَعَهُمْ فِي إِشْرَاكِهِمْ بِاللَّهِ تَعَالَى بَعْدَ أَنِ انْصَرَفَ الْكَلَامُ عَنْهُ بِخُصُوصِهِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً [الْأَنْعَام: 19] وَمَا تَفَنَّنَ عَقِبَ ذَلِكَ مِنْ إِثْبَاتِ الْبَعْثِ وَإِثْبَاتِ صِدْقِ الرَّسُولِ وَذِكْرِ الْقَوَارِعِ وَالْوَعِيدِ إِلَى قَوْلِهِ: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ [الْأَنْعَام: 40] الْآيَاتِ. وَتَكْرِيرُ الْأَمر بالْقَوْل للْوَجْه الَّذِي تَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ [الْأَنْعَام: 40] الْآيَةَ.

وَالرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةٌ مُتَعَدِّيَةٌ إِلَى مَفْعُولَيْنِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِعْمَالِ الْمُتَقَدِّمِ آنِفًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ [الْأَنْعَام: 40] الْآيَةَ.

وَاخْتِلَافُ الْقُرَّاءِ فِي أَرَأَيْتُمْ كَاخْتِلَافِهِمْ فِي مِثْلِهِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ [الْأَنْعَام: 40] الْآيَةَ.

وَالْأَخْذُ: انْتِزَاعُ الشَّيْءِ وَتَنَاوُلُهُ مِنْ مَقَرِّهِ، وَهُوَ هُنَا مَجَازٌ فِي السَّلْبِ وَالْإِعْدَامِ، لِأَنَّ السَّلْبَ مِنْ لَوَازِمِ الْأَخْذِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَأْخُوذِ مِنْهُ فَهُوَ مَجَازٌ مُرْسَلٌ. وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَهُ تَمْثِيلًا لِأَنَّ اللَّهَ هُوَ مُعْطِي السَّمْعِ وَالْبَصَرِ فَإِذَا أَزَالَهَا كَانَتْ تِلْكَ الْإِزَالَةُ كَحَالَةِ أَخْذِ مَا كَانَ

ص: 233

أَعْطَاهُ، فَشُبِّهَتْ هَيْئَةُ إِعْدَامِ الْخَالِقِ بَعْضَ مَوَاهِبِ مَخْلُوقِهِ بِهَيْئَةِ انْتِزَاعِ الْآخِذِ شَيْئًا مِنْ مقرّه. فالهيئة المشبّه هُنَا عَقْلِيَّةٌ غَيْرُ مَحْسُوسَةٍ وَالْهَيْئَةُ الْمُشَبَّهَةُ بِهَا مَحْسُوسَةٌ. وَالْخَتْمُ عَلَى الْقُلُوبِ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [7] عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ. وَالْمُرَادُ بِالْقُلُوبِ الْعُقُولُ الَّتِي بِهَا إِدْرَاكُ الْمَعْقُولَاتِ.

وَالسَّمْعُ مَصْدَرٌ دَالٌّ عَلَى الْجِنْسِ فَكَانَ فِي قُوَّةِ الْجَمْعِ، فَعَمَّ بِإِضَافَتِهِ إِلَى ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِينَ وَلَا حَاجَةَ إِلَى جَمْعِهِ.

وَالْأَبْصَارُ جَمْعُ بَصَرٍ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ الْعَيْنُ عَلَى التَّحْقِيقِ. وَقِيلَ: يُطْلَقُ الْبَصَرُ عَلَى حَاسَّةِ الْإِبْصَارِ وَلِذَلِكَ جُمِعَ لِيَعُمَّ بِالْإِضَافَةِ جَمِيعَ أَبْصَارِ الْمُخَاطَبِينَ، وَلَعَلَّ إِفْرَادَ السَّمْعِ وَجَمْعَ الْأَبْصَارِ جَرَى عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ تَمَامُ الْفَصَاحَةِ مِنْ خِفَّةِ أَحَدِ اللَّفْظَيْنِ مُفْرَدًا وَالْآخَرُ مَجْمُوعًا عِنْدَ اقْتِرَانِهِمَا، فَإِنَّ فِي انْتِظَامِ الْحُرُوفِ وَالْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ فِي تَنَقُّلِ اللِّسَانِ سِرًّا عَجِيبًا مِنْ فَصَاحَةِ كَلَامِ الْقُرْآنِ الْمُعَبَّرِ عَنْهَا بِالنَّظْمِ. وَكَذَلِكَ نَرَى مَوَاقِعَهَا فِي الْقُرْآنِ قَالَ تَعَالَى: وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ [الْأَنْعَام: 26] .

وَالْقُلُوبُ مُرَادٌ بِهَا الْعُقُولُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ لِأَنَّ الْقَلْبَ سَبَبُ إِمْدَادِ الْعَقْلِ بِقُوَّةِ الْإِدْرَاكِ.

وَقَوْلُهُ: مَنْ إِلهٌ مُعَلِّقٌ لِفِعْلِ الرُّؤْيَةِ لِأَنَّهُ اسْتِفْهَامٌ، أَيْ أَعَلِمْتُمْ جَوَابَ هَذَا الِاسْتِفْهَامِ أَمْ أَنْتُمْ فِي شَكٍّ. وَهُوَ اسْتِفْهَامٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّقْرِيرِ يُقْصَدُ مِنْهُ إِلْجَاءُ السَّامِعِينَ إِلَى النَّظَرِ فِي جَوَابِهِ فَيُوقِنُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيهِمْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ الْخَالِقُ لِلسَّمْعِ وَالْأَبْصَارِ وَالْعُقُولِ فَإِنَّهُمْ لَا يُنْكِرُونَ أَنَّ الْأَصْنَامَ لَا تَخْلُقُ، وَلِذَلِكَ قَالَ لَهُمُ الْقُرْآنُ: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [النَّحْل: 17] .

ومَنْ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وإِلهٌ خَبَرُ مَنْ، وغَيْرُ اللَّهِ صِفَةُ إِلهٌ، ويَأْتِيكُمْ جُمْلَةٌ فِي مَحَلِّ الصِّفَةِ أَيْضًا، وَالْمُسْتَفْهَمُ عَنْهُ هُوَ إِلَهٌ، أَيْ لَيْسَ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِي بِذَلِكَ، فَدَلَّ عَلَى الْوَحْدَانِيَّةِ. وَمَعْنَى يَأْتِيكُمْ بِهِ يُرْجِعُهُ، فَإِنَّ أَصْلَ أَتَى بِهِ، جَاءَ بِهِ. وَلَمَّا كَانَ الشَّيْءُ الْمَسْلُوبُ إِذَا اسْتَنْقَذَهُ مُنْقِذٌ يَأْتِي بِهِ إِلَى مَقَرِّهِ أَطْلَقَ الْإِتْيَانَ بِالشَّيْءِ عَلَى

إِرْجَاعِهِ مَجَازًا أَوْ كِنَايَةً.

ص: 234

وَالضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ بِالْبَاءِ عَائِدٌ إِلَى السَّمْعِ وَالْأَبْصَارِ وَالْقُلُوبِ، عَلَى تَأْوِيلِهَا بِالْمَذْكُورِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ بِهَا. وَهَذَا اسْتِعْمَالٌ قَلِيلٌ فِي الضَّمِيرِ، وَلَكِنَّهُ فَصِيحٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ [36]، وَعِنْدَ قَوْلِهِ: وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فِي سُورَةِ النِّسَاءِ [4]، وَإِيثَارُهُ هُنَا عَلَى أَنْ يُقَالَ: يَأْتِيكُمْ بِهَا، لِدَفْعِ تَوَهُّمِ عَوْدِ الضَّمِيرِ إِلَى خُصُوصِ الْقُلُوبِ.

وَالْكَلَامُ جَارٍ مَجْرَى التَّهْدِيدِ وَالتَّخْوِيفِ، اخْتِيرَ فِيهِ التَّهْدِيدُ بِانْتِزَاعِ سَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَسَلْبِ الْإِدْرَاكِ مِنْ قُلُوبِهِمْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَشْكُرُوا نِعْمَةَ هَذِهِ الْمَوَاهِبِ بَلْ عَدِمُوا الِانْتِفَاعَ بِهَا، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلُهُ آنِفًا وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِها [الْأَنْعَام: 25] . فَكَانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا لَهُمْ عَلَى عَدَمِ إِجْدَاءِ هَذِهِ الْمَوَاهِبِ عَلَيْهِمْ مَعَ صَلَاحِيَتِهَا لِلِانْتِفَاعِ، وَنَاسَبَ هُنَا أَنْ يُهَدَّدُوا بِزَوَالِهَا بِالْكُلِّيَّةِ إِنْ دَامُوا عَلَى تَعْطِيلِ الِانْتِفَاعِ بِهَا فِيمَا أَمَرَ بِهِ خَالِقُهَا.

وَقَوْلُهُ انْظُرْ تَنْزِيلٌ لِلْأَمْرِ الْمَعْقُولِ مَنْزِلَةَ الْمُشَاهَدِ، وَهُوَ تَصْرِيفُ الْآيَاتِ مَعَ الْإِعْرَاضِ عَنْهَا حَتَّى إِنَّ النَّاظِرَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرَاهَا، فَأَمَّا الْأَمْرُ فَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّعْجِيبِ مِنْ حَالِ إِعْرَاضِهِمْ.

وَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا ابْتِدَائِيًّا تَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ التَّذْيِيلِ لِلْآيَاتِ السَّابِقَةِ، فَإِنَّهُ لَمَّا غَمَرَهُمْ بِالْأَدِلَّةِ عَلَى الْوَحْدَانِيَّةِ وَصِدْقِ الرَّسُولِ، وَأَبْطَلَ شُبَهَهُمْ عَقَّبَ ذَلِكَ كُلَّهُ بِالتَّعْجِيبِ مِنْ قُوَّةِ الْأَدِلَّةِ مَعَ اسْتِمْرَارِ الْإِعْرَاضِ وَالْمُكَابَرَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبٌ مِنْهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ [50] . وَهَذَا تَذْكِيرٌ لَهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ خَالِقُ أَسْمَاعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأَلْبَابِهِمْ فَمَا كَانَ غَيْرُهُ جَدِيرًا بِأَن يعْبدُونَ.

وَتَصْرِيفُ الْآيَاتِ اخْتِلَافُ أَنْوَاعِهَا بِأَنْ تَأْتِيَ مَرَّةً بِحُجَجٍ مِنْ مُشَاهَدَاتٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَأُخْرَى بِحُجَجٍ مِنْ دَلَائِلَ فِي نُفُوسِ النَّاسِ، وَمَرَّةً بِحُجَجٍ مِنْ أَحْوَالِ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ الَّتِي أَنْشَأَهَا اللَّهُ، فَالْآيَاتُ هُنَا هِيَ دَلَائِلُ الْوَحْدَانِيَّةِ، فَهِيَ مُتَّحِدَةٌ فِي الْغَايَةِ مُخْتَلِفَةُ

ص: 235