الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَقَوْلُهُ: وَهُمْ مُهْتَدُونَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: لَهُمُ الْأَمْنُ عَطْفُ جُزْءِ جُمْلَةٍ عَلَى الْجُمْلَةِ الَّتِي هِيَ فِي حُكْمِ الْمُفْرَدِ، فَيَكُونُ مُهْتَدُونَ خَبَرًا ثَانِيًا عَنِ اسْمِ الْإِشَارَةِ عُطِفَ عَلَيْهِ بِالْوَاوِ عَلَى إِحْدَى الطَّرِيقَتَيْنِ فِي الْأَخْبَارِ الْمُتَكَرِّرَةِ.
وَالضَّمِيرُ لِلْفَصْلِ لِيُفِيدَ قَصْرَ الْمُسْنَدِ عَلَى الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ، أَيِ الِاهْتِدَاءُ مَقْصُورٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ دُونَ غَيْرِهِمْ، أَيْ أَنَّ غَيْرَهُمْ لَيْسُوا بِمُهْتَدِينَ، عَلَى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الْبَقَرَة: 55] وَقَوْلِهِ: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ [التَّوْبَة: 104] . وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُخْبَرَ عَنْهُمْ لَمَّا نَبَذُوا الشِّرْكَ فَقَدِ اهْتَدَوْا.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: وَهُمْ مُهْتَدُونَ جُمْلَةً، بِأَنْ يَكُونَ ضَمِيرُ الْجَمْعِ مُبْتَدَأً ومُهْتَدُونَ خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ، فَيَكُونُ خَبَرًا ثَانِيًا عَنِ اسْمِ الْمَوْصُولِ، وَيَكُونُ ذِكْرُ ضَمِيرِ الْجَمْعِ لِأَجْلِ حُسْنِ الْعَطْفِ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً لَمْ يَحْسُنْ أَنْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ مُفْرَدٌ فِي مَعْنَى الْفِعْلِ، إِذْ لَا يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ:
أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ ومهتدون فَصِيَغُ الْمَعْطُوفِ فِي صُورَةِ الْجُمْلَةِ. وَحِينَئِذٍ فَالضَّمِيرُ لَا يُفِيدُ اخْتِصَاصًا إِذْ لَمْ يُؤْتَ بِهِ لِلْفَصْلِ، وَهَذَا النَّظْمُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التغابن: 1] وَقَوْلِهِ: تَعَالَى: لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الْحَدِيد: 2] عَلَى اعْتِبَارِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ عَطْفًا عَلَى لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا حَالٌ، وَهَذَا مِنْ مُحَسِّنَاتِ الْوَصْلِ كَمَا عُرِفَ فِي الْبَلَاغَةِ، وَهُوَ مِنْ بَدَائِعِ نَظْمِ الْكَلَام الْعَرَبِيّ.
[83]
[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 83]
وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83)
عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ وَحاجَّهُ قَوْمُهُ [الْأَنْعَام: 80] . وتِلْكَ إِشَارَةٌ إِلَى جَمِيعِ مَا تَكَلَّمَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ فِي مُحَاجَّةِ قَوْمِهِ، وَأُتِيَ بِاسْمِ إِشَارَةِ الْمُؤَنَّثِ لِأَنَّ الْمُشَارَ إِلَيْهِ حُجَّةٌ فَأَخْبَرَ عَنْهُ بِحُجَّةٍ فَلَمَّا لم يكن ثمّة مُشَارٌ إِلَيْهِ مَحْسُوسٌ تَعَيَّنَ أَنْ يُعْتَبَرَ فِي الْإِشَارَةِ لَفْظُ الْخَبَرِ لَا غَيْرَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ [الْبَقَرَة: 253] .
وَإِضَافَةُ الْحُجَّةِ إِلَى اسْمِ الْجَلَالَةِ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِهَا وَصِحَّتِهَا.
وآتَيْناها فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنِ اسْمِ الْإِشَارَةِ أَوْ مِنَ الْخَبَرِ. وَحَقِيقَةُ الْإِيتَاءِ الْإِعْطَاءُ، فَحَقُّهُ أَنْ يَتَعَدَّى إِلَى الذَّوَاتِ، وَيَكُونُ بِمُنَاوَلَةِ الْيَدِ إِلَى الْيَدِ. قَالَ تَعَالَى: وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى [الْبَقَرَة: 177]، وَلِذَلِكَ يُقَالُ: الْيَدُ الْعُلْيَا هِيَ الْمُعْطِيَةُ وَالْيَدُ السُّفْلَى هِيَ الْمُعْطَاةُ. وَيُسْتَعْمَلُ مَجَازًا شَائِعًا فِي تَعْلِيمِ الْعُلُومِ وَإِفَادَةِ الْآدَابِ الصَّالِحَةِ وَتَخْوِيلِهَا وَتَعْيِينِهَا لِأَحَدٍ دُونَ مُنَاوَلَةِ يَدٍ سَوَاءٌ كَانَتِ الْأُمُورُ الْمَمْنُوحَةُ ذَوَاتًا أَمْ مَعَانِيَ.
يُقَالُ: آتَاهُ اللَّهُ مَالًا، وَيُقَالُ: آتَاهُ الْخَلِيفَةُ إِمَارَةً وآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ [الْبَقَرَة: 258]، وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ [ص: 20] . فَإِيتَاءُ الْحُجَّةِ إِلْهَامُهُ إِيَّاهَا وَإِلْقَاءُ مَا يُعَبِّرُ عَنْهَا فِي نَفْسِهِ. وَهُوَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِذْ نَصَرَهُ عَلَى مُنَاظِرِيهِ.
وعَلى لِلِاسْتِعْلَاءِ الْمَجَازِيِّ، وَهُوَ تَشْبِيهُ الْغَالِبِ بِالْمُسْتَعْلِي الْمُتَمَكِّنِ مِنَ الْمَغْلُوبِ، وَهِي متعلّقة ب حُجَّتُنا خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَهُ. يُقَالُ: هَذَا حُجَّةٌ عَلَيْكَ وَشَاهِدٌ عَلَيْكَ، أَيْ تِلْكَ حُجَّتُنَا عَلَى قَوْمِهِ أَقْحَمْنَاهُمْ بِهَا بِوَاسِطَةِ إِبْرَاهِيمَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِ آتَيْناها لِمَا يَتَضَمَّنُهُ الْإِيتَاءُ مِنْ مَعْنَى النَّصْرِ.
وَجُمْلَةُ: نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الرَّفْعِ فِي آتَيْناها أَوْ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيَانِ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْإِيتَاءِ تَفْضِيلٌ لِلْمُؤْتَى وَتَكْرِمَةً لَهُ. وَرَفْعُ الدَّرَجَاتِ تَمْثِيلٌ لِتَفْضِيلِ الشَّأْنِ، شُبِّهَتْ حَالَةُ الْمُفَضَّلِ عَلَى غَيْرِهِ بِحَالِ الْمُرْتَقِي فِي سُلَّمٍ إِذَا ارْتَفَعَ مِنْ دَرَجَةٍ إِلَى دَرَجَةٍ، وَفِي جَمِيعِهَا رَفْعٌ، وَكُلُّ أَجْزَاءِ هَذَا التَّمْثِيلِ صَالِحٌ لِاعْتِبَارِ تَفْرِيقِ التَّشْبِيهِ، فَالتَّفْضِيلُ يُشْبِهُ الرَّفْعَ، وَالْفَضَائِلُ الْمُتَفَاوِتَةُ تُشْبِهُ الدَّرَجَاتِ، وَوَجْهُ الشَّبَهِ عِزَّةُ حُصُولِ ذَلِكَ لِغَالِبِ النَّاسِ.
وَقَرَأَ نَافِعٌ، وَابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَابْنُ عَامِرٍ، وَأَبُو جَعْفَرٍ، بِإِضَافَةِ دَرَجاتٍ إِلَى مَنْ. فَإِضَافَةُ الدَّرَجَاتِ إِلَى اسْمِ الْمَوْصُولِ بِاعْتِبَارِ مُلَابَسَةِ الْمُرْتَقِي فِي الدَّرَجَةِ لَهَا لِأَنَّهَا
إِنَّمَا تُضَافُ إِلَيْهِ إِذَا كَانَ مُرْتَقِيًا عَلَيْهَا،