الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لَدَى مَنْ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ ((عَنْ يَقِينٍ)) وَهُوَ حُكْمُ الذِّهْنِ الْجَازِمِ الْمُطَابِقِ لِلْوَاقِعِ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -:{إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ} [البقرة: 160] الْآيَةَ.
((تَنْبِيهٌ))
دَخَلَ فِي عُمُومِ مَا ذَكَرْنَا - الْحُلُولِيَّةُ، وَالْإِبَاحِيَّةُ، وَمَنْ يُفَضِّلُ مَتْبُوعَهُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَمَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ إِذَا حَصَلَتْ لَهُ الْمَعْرِفَةُ وَالتَّحْقِيقُ سَقَطَ عَنْهُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ، وَمَنْ يَزْعُمُ أَنَّ الْعَارِفَ الْمُحَقِّقَ يَجُوزُ لَهُ التَّدَيُّنُ بِدِينِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَبِأَيِّ دِينٍ شَاءَ، وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الِاعْتِصَامُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَمْثَالُ هَؤُلَاءِ الطَّوَائِفِ الْمَارِقِينَ، فَمَنْ صَدَقَتْ تَوْبَتُهُ، وَصَلَحَتْ سَرِيرَتُهُ، وَمُدِحَتْ سِيرَتُهُ، وَدَلَّتْ قَرَائِنُ الْأَحْوَالِ عَلَى رُجُوعِهِ، عَمَّا كَانَ مُرْتَكِبُهُ مِنَ الْإِفْكِ، وَالضَّلَالِ، فَمَقْبُولٌ عِنْدَ ذِي الْمِنَّةِ وَالْأَفْضَالِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[فَصْلٌ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْإِيمَانِ وَاخْتِلَافِ النَّاسِ فِيهِ وَتَحْقِيقِ مَذْهَبِ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ]
[الاختلاف في حقيقة الإيمان وقول السَّلَفِ أنه قول وعمل]
((فَصْلٌ))
((فِي الْكَلَامِ عَلَى الْإِيمَانِ وَاخْتِلَافِ النَّاسِ فِيهِ وَتَحْقِيقِ مَذْهَبِ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ))
اعْلَمْ وَفَّقَكَ اللَّهُ - تَعَالَى - أَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْإِيمَانَ لُغَةً التَّصْدِيقُ، وَاصْطِلَاحًا تَصْدِيقُ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم فِيمَا جَاءَ بِهِ عَنْ رَبِّهِ وَهَذَا الْقَدْرُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ هَلْ يُشْتَرَطُ مَعَ ذَلِكَ مَزِيدُ أَمْرٍ مِنْ جِهَةِ إِبْدَاءِ هَذَا التَّصْدِيقِ بِاللِّسَانِ الْمُعَبَّرِ عَمَّا فِي الْقَلْبِ، إِذِ التَّصْدِيقُ مِنْ أَفْعَالِ الْقُلُوبِ -، أَوْ مِنْ جِهَةِ الْعَمَلِ بِمَا صَدَّقَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ كَفِعْلِ الْمَأْمُورَاتِ وَتَرْكِ الْمَحْظُورَاتِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي اشْتُهِرَ مِنْ مَذْهَبِ السَّلَفِ وَلِذَا قَالَ:
((إِيمَانُنَا قَوْلٌ وَقَصْدٌ وَعَمَلْ
…
تَزِيدُهُ التَّقْوَى وَيَنْقُصُ بِالزَّلَلْ))
((إِيمَانُنَا)) مَعْشَرَ الْأَثَرِيَّةِ مِنْ أَهْلِ السَّلَفِ مَا يَأْتِي ذِكْرُهُ، وَهُوَ فِيمَا قِيلَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْأَمْنِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِتَبَايُنِ مَدْلُولَيِ الْأَمْنِ وَالتَّصْدِيقِ، إِلَّا إِنْ لُوحِظَ مَعْنًى مَجَازِيٌّ، فَيُقَالُ آمَنَهُ إِذَا صَدَّقَهُ، أَيْ آمَنَهُ التَّكْذِيبُ، وَفِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا} [يوسف: 17] أَيْ بِمُصَدِّقٍ لَنَا، وَقَدِ اعْتَرَضَ عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ، فَقَالُوا: بَلِ الْإِيمَانُ فِي اللُّغَةِ الْإِقْرَارُ، وَعِنْدَ مُحَقِّقِي السَّلَفِ أَنَّ الْإِيمَانَ، وَإِنْ قُلْنَا هُوَ التَّصْدِيقُ إِلَّا أَنَّهُ تَصْدِيقٌ خَاصٌّ مُقَيَّدٌ بِقُيُودٍ اتَّصَلَ اللَّفْظُ بِهَا، وَهَذَا لَيْسَ نَقْلًا لِلَّفْظِ عَنْ أَصْلِ اللُّغَةِ، وَلَا تَغْيِيرًا لَهُ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْنَا بِإِيمَانٍ مُطْلَقٍ، بَلْ بِإِيمَانٍ خَاصٍّ وَصَفَهُ وَبَيَّنَهُ، وَهُوَ تَصْدِيقٌ تَامٌّ قَائِمٌ بِالْقَلْبِ، مُسْتَلْزِمٌ لِمَا وَجَبَ مِنَ الْأَعْمَالِ الْقَلْبِيَّةِ وَأَعْمَالِ الْجَوَارِحِ فَإِنَّ هَذِهِ لَوَازِمُ الْإِيمَانِ التَّامِّ، وَانْتِفَاءُ اللَّازِمِ دَلِيلٌ عَلَى انْتِفَاءِ الْمَلْزُومِ ; وَلِهَذَا قَالَ:((قَوْلٌ)) بِاللِّسَانِ فَمَنْ لَمْ يُقِرَّ وَيُصَدِّقْ بِلِسَانِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ، كَمَا اتَّفَقَ عَلَى ذَلِكَ سَلَفُ الْأُمَّةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ. ((وَقَصْدٌ)) أَيْ عَقْدٌ بِالْجَنَانِ، فَمَنْ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ غَيْرَ مُعْتَقِدٍ لَهَا بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُنَافِقٌ، وَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ خِلَافًا، لِلْكَرَّامِيَّةِ الزَّاعِمِينَ بِأَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْقَوْلُ الظَّاهِرُ، وَإِذَا كَانَ مُصَدِّقًا بِقَلْبِهِ غَيْرَ نَاطِقٍ بِلِسَانِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ عِنْدَ سَلَفِ الْأُمَّةِ، خِلَافًا لِلْجَهْمِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنَ الْمُتَكَلِّمَةِ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 8] فَنَفَى اللَّهُ الْإِيمَانَ عَنِ الْمُنَافِقِينَ، وَهَذَا يَرُدُّ مَذْهَبَ الْكَرَّامِيَّةِ، فَإِنَّ الْمُنَافِقَ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وَقَدْ ضَلَّ مَنْ سَمَّاهُ مُؤْمِنًا، وَكَذَلِكَ مَنْ قَامَ بِقَلْبِهِ عِلْمٌ وَتَصْدِيقٌ وَهُوَ يَجْحَدُ الرَّسُولَ وَمَا جَاءَ بِهِ وَيُعَادِيهِ كَالْيَهُودِ وَغَيْرِهِمْ، مِمَّنْ سَمَّاهُ اللَّهُ كَافِرًا، وَلَمْ يُسَمِّهِمْ مُؤْمِنِينَ قَطُّ وَلَا دَخَلُوا فِي شَيْءٍ مِنْ أَحْكَامِ الْإِيمَانِ، فَهُمْ كُفَّارٌ خِلَافًا لِلْجَهْمِيَّةِ فِي زَعْمِهِمْ أَنَّهُمْ إِذَا كَانَ الْعِلْمُ فِي قُلُوبِهِمْ فَهُمْ مُؤْمِنُونَ كَامِلُو الْإِيمَانِ، حَتَّى قَالُوا: إِنَّ إِيمَانَهُمْ كَإِيمَانِ النَّبِيِّينَ، وَالصِّدِّيقِينَ، وَفِي الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ مِمَّا يَرُدُّ هَذَا مَا لَا يُحْصَى إِلَّا بِكُلْفَةٍ كَقَوْلِهِ:{وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: 14] الْآيَةَ {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ - فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} [البقرة: 146 - 89]((وَعَمَلٌ)) بِالْأَرْكَانِ، وَهَذَا هُوَ اللَّفْظُ الْوَارِدُ عَنِ السَّلَفِ، قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: وَهُوَ اللَّفْظُ الْوَارِدُ عَنِ السَّلَفِ
الَّذِينَ أَطْلَقُوا ذَلِكَ وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، قَالَ: وَالْمُرَادُ بِالْقَوْلِ النُّطْقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَأَمَّا الْعَمَلُ فَالْمُرَادُ بِهِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ عَمَلِ الْقَلْبِ، وَالْجَوَارِحِ ; لِيَدْخُلَ الِاعْتِقَادُ، وَالْعِبَادَاتُ، مُرَادُ مَنْ أَدْخَلَ ذَلِكَ فِي تَعْرِيفِ الْإِيمَانِ وَمَنْ نَفَاهُ إِنَّمَا هُوَ بِالنَّظَرِ إِلَى مَا عِنْدَ اللَّهِ، فَالسَّلَفُ قَالُوا: هُوَ اعْتِقَادٌ بِالْقَلْبِ وَنُطْقٌ بِاللِّسَانِ وَعَمَلٌ بِالْأَرْكَانِ، وَأَرَادُوا بِذَلِكَ أَنَّ الْأَعْمَالَ شَرْطٌ فِي كَمَالِهِ، وَمِنْ هُنَا نَشَأَ لَهُمُ الْقَوْلُ بِزِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنَقْصِهِ كَمَا سَيَأْتِي، وَالْمُرْجِئَةُ قَالُوا: هُوَ اعْتِقَادٌ وَنُطْقٌ فَقَطْ، وَالْكَرَّامِيَّةُ قَالُوا: هُوَ نُطْقٌ فَقَطْ، وَالْمُعْتَزِلَةُ قَالُوا: هُوَ الْعَمَلُ، وَالنُّطْقُ، وَالِاعْتِقَادُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّلَفِ أَنَّهُمْ جَعَلُوا الْأَعْمَالَ شَرْطًا فِي صِحَّتِهِ، وَالسَّلَفُ جَعَلُوهَا شَرْطًا فِي كَمَالِهِ، وَهَذَا بِالنَّظَرِ إِلَى مَا عِنْدَ اللَّهِ - تَعَالَى، أَمَّا بِالنَّظَرِ إِلَى مَا عِنْدَنَا، فَالْإِيمَانُ هُوَ الْإِقْرَارُ فَقَطْ، فَمَنْ أَقَرَّ أُجْرِيَتْ عَلَيْهِ الْأَحْكَامُ فِي الدُّنْيَا، وَلَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ بِكُفْرٍ إِلَّا إِنِ اقْتَرَنَ بِإِقْرَارِهِ فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَى كُفْرِهِ، كَالسُّجُودِ لِلصَّنَمِ، فَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْكُفْرِ كَالْفِسْقِ، فَمَنْ أَطْلَقَ عَلَيْهِ الْإِيمَانَ فَبِالنَّظَرِ إِلَى إِقْرَارِهِ وَمَنْ نَفَى عَنْهُ الْإِيمَانَ فَبِالنَّظَرِ إِلَى كَمَالِهِ، وَمَنْ أَطْلَقَ عَلَيْهِ الْكُفْرَ فَبِالنَّظَرِ إِلَى أَنَّهُ فَعَلَ فِعْلَ الْكَافِرِ، وَمَنْ نَفَاهُ عَنْهُ فَبِالنَّظَرِ إِلَى حَقِيقَتِهِ، وَأَثْبَتَتِ الْمُعْتَزِلَةُ الْوَاسِطَةَ كَمَا مَرَّ فَقَالُوا: الْفَاسِقُ لَا مُؤْمِنٌ وَلَا كَافِرٌ. انْتَهَى.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ فِي شَرْحِ الْأَرْبَعِينَ وَغَيْرِهِ: الْمَشْهُورُ عَنِ السَّلَفِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ، وَأَنَّ الْأَعْمَالَ كُلَّهَا دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى الْإِيمَانِ، وَحَكَى الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِمَّنْ أَدْرَكَهُمْ ذَلِكَ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ: أَنْكَرَ السَّلَفُ عَلَى مَنْ أَخْرَجَ الْأَعْمَالَ عَنِ الْإِيمَانِ إِنْكَارًا شَدِيدًا، وَمِمَّنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَى قَائِلِهِ وَجَعَلَهُ قَوْلًا مُحْدَثًا - سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ وَقَتَادَةُ، وَأَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، وَغَيْرُهُمْ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: هُوَ رَأْيٌ مُحْدَثٌ أَدْرَكْنَا النَّاسَ عَلَى غَيْرِهِ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: كَانَ مَنْ مَضَى مِنَ السَّلَفِ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْإِيمَانِ، وَالْعَمَلِ فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلِ الْإِيمَانَ. وَذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ. وَقَدْ دَلَّ عَلَى دُخُولِ الْأَعْمَالِ فِي الْإِيمَانِ قَوْلُهُ - تَعَالَى -:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ - الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ - أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} [الأنفال: 2 - 4]
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم «أَنَّهُ قَالَ لِوَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ: " آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ: الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَهَلْ تَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ؟ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ الْمَغَانِمِ الْخُمْسَ» " وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "«الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ -، أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ - شُعْبَةً فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ» " وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ، وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْأَنْصَارِيُّ شَيْخُ الشَّهْرِسْتَانِيِّ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ لِأَبِي الْمَعَالِي، بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ قَوْلَ أَصْحَابِهِ الْأَشَاعِرَةِ مِنْ أَنَّهُ مُجَرَّدُ التَّصْدِيقِ: وَذَهَبَ أَهْلُ الْأَثَرِ إِلَى أَنَّ الْإِيمَانَ جَمِيعُ الطَّاعَاتِ فَرْضِهَا وَنَفْلِهَا، وَعَبَّرُوا عَنْهُ بِأَنَّهُ إِتْيَانُ مَا أَمَرَ اللَّهُ فَرْضًا وَنَفْلًا، وَالِانْتِهَاءُ عَمَّا نَهَى عَنْهُ تَحْرِيمًا وَأَدَبًا.
قَالَ: وَبِهَذَا كَانَ يَقُولُ أَبُو عَلِيٍّ الثَّقَفِيُّ مِنْ مُتَقَدِّمِي أَصْحَابِنَا وَأَبُو الْعَبَّاسِ الْقَلَانِسِيُّ، وَقَدْ مَالَ إِلَى هَذَا الْمَذْهَبِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مُجَاهِدٍ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ إِمَامِ دَارِ الْهِجْرَةِ، وَمُعْظَمِ أَئِمَّةِ السَّلَفِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، فَكَانُوا يَقُولُونَ الْإِيمَانُ مَعْرِفَةٌ بِالْقَلْبِ وَإِقْرَارٌ بِاللِّسَانِ وَعَمَلٌ بِالْأَرْكَانِ. وَبَعْضُ السَّلَفِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ زَادَ: وَإِتْبَاعُ السُّنَّةِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ مَحْبُوبًا لِلَّهِ - تَعَالَى - إِلَّا بِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ.
وَمِنْهُمْ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى أَنَّهُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، وَأَرَادَ قَوْلَ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَعَمَلَ الْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ، وَمَنْ زَادَ الِاعْتِقَادَ أَيِ الْمَعْرِفَةَ وَالتَّصْدِيقَ رَأَى أَنَّ لَفْظَ الْقَوْلِ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ إِلَّا الْقَوْلُ الظَّاهِرُ، أَوْ خَافَ ذَلِكَ فَزَادَ الِاعْتِقَادَ بِالْقَلْبِ، وَمَنْ قَالَ مِنْهُمْ: إِنَّهُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ، قَالَ: الْقَوْلُ يَتَنَاوَلُ الِاعْتِقَادَ وَقَوْلَ اللِّسَانِ، وَأَمَّا الْعَمَلُ فَقَدْ لَا تُفْهَمُ مِنْهُ النِّيَّةُ فَزَادَ ذَلِكَ، وَمَنْ قَالَ مِنْهُمْ: إِنَّهُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ لَمْ يُرِدْ كُلَّ قَوْلٍ وَعَمَلٍ، وَإِنَّمَا أَرَادَ مَا كَانَ مَشْرُوعًا مِنَ الْأَقْوَالِ، وَالْأَعْمَالِ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: كَانَ مَقْصُودُهُمُ الرَّدَّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ الَّذِينَ جَعَلُوهُ قَوْلًا فَقَطْ، فَقَالُوا: بَلْ هُوَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، وَالَّذِينَ جَعَلُوهُ أَرْبَعَةً فَسَّرُوا مُرَادَهُمْ، كَمَا سُئِلَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيُّ عَنِ الْإِيمَانِ مَا هُوَ؟ فَقَالَ: قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ وَسُنَّةٌ
لِأَنَّ الْإِيمَانَ إِنْ كَانَ قَوْلًا بِلَا عَمَلٍ فَهُوَ كُفْرٌ، وَإِذَا كَانَ قَوْلًا وَعَمَلًا بِلَا نِيَّةٍ فَهُوَ نِفَاقٌ، وَإِذَا كَانَ قَوْلًا وَعَمَلًا وَنِيَّةً بِلَا سُنَّةٍ فَهُوَ بِدْعَةٌ. ثُمَّ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ -: الْإِيمَانُ الَّذِي أَصْلُهُ فِي الْقَلْبِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ شَيْئَيْنِ: تَصْدِيقُ الْقَلْبِ، وَإِقْرَارُهُ وَمَعْرِفَتُهُ، وَيُقَالُ لِهَذَا قَوْلُ الْقَلْبِ، قَالَ الْجُنَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: التَّوْحِيدُ قَوْلُ الْقَلْبِ، وَالتَّوَكُّلُ عَمَلُ الْقَلْبِ. فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ عَمَلِ الْقَلْبِ، وَقَوْلُهُ: ثُمَّ قَوْلُ الْبَدَنِ وَعَمَلُهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ عَمَلِ الْقَلْبِ، مِثْلَ حُبِّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَخَشْيَةِ اللَّهِ، وَيُحِبُّ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَإِخْلَاصِ الْعَمَلِ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ الَّتِي أَوْجَبَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَجَعَلَهَا مِنَ الْإِيمَانِ.
ثُمَّ الْقَلْبُ هُوَ الْأَصْلُ، فَإِذَا كَانَ فِيهِ مَعْرِفَةٌ سَرَى ذَلِكَ إِلَى الْبَدَنِ بِالضَّرُورَةِ، لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَخَلَّفَ الْبَدَنُ عَمَّا يُرِيدُهُ الْقَلْبُ ; وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي الْحَدِيثِ:" «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلُحَتْ صَلُحَ لَهَا سَائِرُ الْجَسَدِ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» " وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: الْقَلْبُ مَلِكٌ، وَالْأَعْضَاءُ جُنُودُهُ، فَإِذَا طَابَ الْمَلِكُ طَابَتْ جُنُودُهُ، وَإِذَا خَبُثَ الْمَلِكُ خَبُثَتْ جُنُودُهُ - قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -: قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ تَقْرِيبٌ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَحْسَنُ بَيَانًا، فَإِنَّ الْمَلِكَ وَإِنْ كَانَ صَالِحًا فَإِنَّ الْجُنْدَ لَهُمُ اخْتِيَارٌ قَدْ يَعْصُونَ بِهِ مَلِكَهُمْ، وَبِالْعَكْسِ فَقَدْ يَكُونُ فِيهِمْ صَلَاحٌ مَعَ فَسَادِهِ، أَوْ فَسَادٌ مَعَ صَلَاحِهِ بِخِلَافِ الْقَلْبِ، فَإِنَّ الْجَسَدَ تَابِعٌ لَهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ إِرَادَتِهِ قَطُّ، قَالَ: فَلَا بُدَّ فِي إِيمَانِ الْقَلْبِ مِنْ حَبِّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، قَالَ - تَعَالَى -:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة: 165] أَيْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَفِي الْآيَةِ قَوْلَانِ قِيلَ يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ، وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا مِنْهُمْ لِأَوْثَانِهِمْ، وَقِيلَ يُحِبُّونَهُمْ كَمَا يُحِبُّونَ اللَّهَ، وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ مِنْهُمْ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ لَا يُحِبُّونَ الْأَنْدَادَ مِثْلَ مَحَبَّةِ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ، وَالْمُحِبَّةُ تَسْتَلْزِمُ إِرَادَةً، وَالْإِرَادَةُ التَّامَّةُ مَعَ الْقُدْرَةِ تَسْتَلْزِمُ الْفِعْلَ، فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ مُحِبًّا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مُرِيدًا لِمَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِرَادَةً جَازِمَةً مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ
لَا يَفْعَلُهُ، فَإِذَا لَمْ يَتَكَلَّمْ بِالْإِيمَانِ مَعَ قُدْرَتِهِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي قَلْبِهِ الْإِيمَانُ الْوَاجِبُ الَّذِي فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ خَطَأُ قَوْلِ جَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ وَمَنِ اتَّبَعَهُ حَيْثُ ظَنُّوا أَنَّ الْإِيمَانَ مُجَرَّدُ تَصْدِيقِ الْقَلْبِ وَعَمَلِهِ، ثُمَّ جَعَلُوا إِيمَانَ الْقَلْبِ مِنَ الْإِيمَانِ وَظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْإِنْسَانُ مُؤْمِنًا كَامِلَ الْإِيمَانِ بِقَلْبِهِ، وَهُوَ مَعَ هَذَا يَسُبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُعَادِي أَوْلِيَاءَ اللَّهِ وَيُوَالِي أَعْدَاءَ اللَّهِ، وَيَقْتُلُ الْأَنْبِيَاءَ وَيَهْدِمُ الْمَسَاجِدَ، وَيُهِينُ الْمَصَاحِفَ يُكْرِمُ الْكُفَّارَ وَيُهِينُ الْمُؤْمِنِينَ، قَالُوا: وَهَذِهِ كُلُّهَا مَعَاصِي لَا تُنَافِي الْإِيمَانَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ، بَلْ يَفْعَلُ هَذَا وَهُوَ فِي الْبَاطِنِ عِنْدَ اللَّهِ مُؤْمِنٌ، قَالُوا: وَإِنَّمَا ثَبَتَ لَهُ فِي الدُّنْيَا أَحْكَامُ الْكَافِرِ ; لِأَنَّ هَذِهِ الْأَقْوَالَ وَالْأَفْعَالَ أَمَارَةٌ عَلَى الْكُفْرِ فَيُحْكَمُ بِالظَّاهِرِ كَمَا يُحْكَمُ بِالْإِقْرَارِ وَالشُّهُودِ، وَإِنْ كَانَ الْبَاطِنُ قَدْ يَكُونُ بِخِلَافِ مَا أَقَرَّ بِهِ وَبِخِلَافِ مَا شَهِدَ بِهِ، فَإِذَا أَوْرَدَ عَلَيْهِمُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْوَاحِدَ مِنْ هَؤُلَاءِ كَافِرٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مُعَذَّبٌ فِي الْآخِرَةِ، قَالُوا: فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى انْتِفَاءِ التَّصْدِيقِ، وَالْعِلْمِ مِنْ قَلْبِهِ.
وَالْكُفْرُ عِنْدَهُمْ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الْجَهْلُ وَالْإِيمَانُ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الْعِلْمُ أَوْ تَكْذِيبُ الْقَلْبِ وَتَصْدِيقُهُ فَإِنَّهُمْ مُتَنَازِعُونَ، هَلْ تَصْدِيقُ الْقَلْبِ شَيْءٌ غَيْرُ الْعِلْمِ، أَوْ هُوَ هُوَ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَهَذَا الْقَوْلُ مَعَ أَنَّهُ أَفْسَدُ قَوْلٍ قِيلَ فِي الْإِيمَانِ فَقَدْ ذَهَبَ إِلَيْهِ الْكَثِيرُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ، وَقَدْ كَفَّرَ السَّلَفُ كَوَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَالْإِمَامِ أَحْمَدَ وَأَبِي عُبَيْدَةَ وَغَيْرِهِمْ - مَنْ يَقُولُ بِهَذَا الْقَوْلِ، وَقَالُوا: فَإِبْلِيسُ كَافِرٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَإِنَّمَا كُفْرُهُ بِاسْتِكْبَارِهِ وَامْتِنَاعِهِ مِنَ السُّجُودِ لِآدَمَ لَا لِكَوْنِهِ كَذَّبَ خَبَرًا، وَكَذَلِكَ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - فِيهِمْ:{وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: 14] وَقَالَ مُوسَى عليه السلام لِفِرْعَوْنَ: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا} [الإسراء: 102] فَمُوسَى هُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ يَقُولُ " لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ " يَعْنِي الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ " إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ " فَدَلَّ عَلَى أَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ عَالِمًا بِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَاتِ، وَهُوَ مِنْ أَكْثَرِ خَلْقِ اللَّهِ عِنَادًا وَبَغْيًا لِفَسَادِ إِرَادَتِهِ وَقَصْدِهِ لَا لِعَدَمِ عِلْمِهِ، وَقَالَ - تَعَالَى - فِي أَهْلِ الْكِتَابِ:{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} [البقرة: 146] وَكَذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - فِيهِمْ: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام: 33] .
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: فَهَؤُلَاءِ غَلِطُوا فِي أَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّ الْإِيمَانَ مُجَرَّدُ تَصْدِيقٍ وَعِلْمٍ فَقَطْ، لَيْسَ مَعَ عَمَلٍ وَحَالٍ وَحَرَكَةٍ وَإِرَادَةٍ وَمَحَبَّةٍ وَخَشْيَةٍ فِي الْقَلْبِ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ غَلَطِ الْمُرْجِئَةِ مُطْلَقًا فَإِنَّ أَعْمَالَ الْقُلُوبِ الَّتِي يُسَمِّيهَا بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ أَحْوَالًا وَمَقَامَاتٍ وَمَنَازِلَ السَّائِرِينَ إِلَى اللَّهِ، أَوْ مَقَامَاتِ الْعَارِفِينَ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، كُلُّ مَا فِيهَا مِمَّا فَرَضَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَهُوَ مِنَ الْإِيمَانِ الْوَاجِبِ، وَكُلُّ مَا فِيهَا مِنَ الْإِيمَانِ مِمَّا أَحَبَّهُ اللَّهُ وَلَمْ يَفْرِضْهُ فَهُوَ مِنَ الْإِيمَانِ الْمُسْتَحَبِّ، فَالْأَوَّلُ لَا بُدَّ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْهُ، وَمَنِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فَهُوَ مِنَ الْأَبْرَارِ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، وَالثَّانِي لِلْمُقَرَّبِينَ السَّابِقِينَ، وَالْأَصْلُ الثَّانِي الَّذِي غَلِطُوا فِيهِ ظَنُّهُمْ أَنَّ كُلَّ مَنْ حَكَمَ الشَّارِعُ بِأَنَّهُ كَافِرٌ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ، فَإِنَّمَا ذَاكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي قَلْبِهِ شَيْءٌ مِنَ الْعِلْمِ، وَالتَّصْدِيقِ، وَهَذَا أَمْرٌ خَالَفُوا فِيهِ الْحِسَّ، وَالْعَقْلَ، وَالشَّرْعَ، وَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ طَوَائِفُ بَنِي آدَمَ السَّلِيمِي الْفِطْرَةِ وَجَمَاهِيرُ النُّظَّارِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَعْرِفُ الْحَقَّ مَعَ غَيْرِهِ، وَمَعَ هَذَا يَجْحَدُ ذَلِكَ لِحَسَدِهِ إِيَّاهُ، أَوْ لِطَلَبِ عُلُوِّهِ عَلَيْهِ، أَوْ لِهَوَى النَّفْسِ وَيَحْمِلُهُ ذَلِكَ الْهَوَى عَلَى أَنْ يَعْتَدِيَ عَلَيْهِ وَيَرُدَّ مَا يَقُولُ بِكُلِّ طَرِيقٍ، وَهُوَ فِي قَلْبِهِ يَعْلَمُ أَنَّ الْحَقَّ مَعَهُ. وَعَامَّةُ مَنْ كَذَّبَ الرُّسُلَ عَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ مَعَهُمْ، وَأَنَّهُمْ صَادِقُونَ، لَكِنَّ الْحَسَدَ وَإِرَادَةَ الْعُلُوِّ وَالرِّيَاسَةِ وَحُبَّهمْ لِمَا هُمْ عَلَيْهِ، وَإِلْفَهُمْ لِمَا ارْتَكَبُوهُ أَوْجَبَ لَهُ التَّكْذِيبَ وَالْمُعَادَاةَ لَهُمْ، وَجَمِيعُ مَنْ كَذَّبَ الرُّسُلَ لَمْ يَأْتِ بِحُجَّةٍ صَحِيحَةٍ تَقْدَحُ فِي صِدْقِهِمْ، وَإِنَّمَا يَعْتَمِدُونَ عَلَى مُخَالَفَةِ أَهْوَائِهِمْ كَقَوْلِهِمْ لِنُوحٍ عليه السلام:{أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} [الشعراء: 111] وَقَوْلِ فِرْعَوْنَ: {أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ} [المؤمنون: 47] وَقَوْلِه لِمُوسَى: {أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا} [الشعراء: 18] الْآيَتَيْنِ وَقَوْلِ مُشْرِكِي الْعَرَبِ لِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم {إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا} [القصص: 57] قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - رَدًّا عَلَيْهِمْ: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} [القصص: 57] بَلْ أَبُو طَالِبٍ وَغَيْرُهُ كَانُوا مَعَ مَحَبَّتِهِمْ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَمَحَبَّتِهِمْ لِعُلُوِّ كَلِمَتِهِ مِنْ عَدَمِ حَسَدِهِمْ لَهُ وَعِلْمِهِمْ بِصِدْقِهِ، وَحَمْلِهِمُ الْفَهْمَ لِدِينِ قَوْمِهِمْ وَكَرَاهَتِهِمْ لِفِرَاقِهِ وَذَمِّ قُرَيْشٍ لَهُمْ عَلَى عَدَمِ اتِّبَاعِه عَلَى دِينِهِ الْقَوِيمِ وَهَدْيِهِ الْمُسْتَقِيمِ، فَلَمْ يَتْرُكُوا الْإِيمَانَ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بَلْ لِهَوَى الْأَنْفُسِ، فَكَيْفَ يُقَالُ مَعَ هَذَا أَنَّ كُلَّ كَافِرٍ إِنَّمَا كَفَرَ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِاللَّهِ؟
فَإِنْ قِيلَ إِذَا كَانَ الْإِيمَانُ الْمُطْلَقُ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ، فَمَتَى ذَهَبَ بَعْضُ ذَلِكَ بَطَلَ الْإِيمَانُ فَيَلْزَمُ تَكْفِيرُ أَهْلِ الذُّنُوبِ كَمَا تَقُولُهُ الْخَوَارِجُ، أَوْ تَخْلِيدُهُمْ فِي النَّارِ وَسَلْبُهُمُ اسْمَ الْإِيمَانِ بِالْكُلِّيَّةِ كَمَا تَقُولُهُ الْمُعْتَزِلَةُ، وَكُلُّ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ شَرٌّ مِنْ قَوْلِ الْمُرْجِئَةِ، فَإِنَّ مِنَ الْمُرْجِئَةِ جَمَاعَةً مِنَ الْعُبَّادِ وَالْعُلَمَاءِ الْمَذْكُورِينَ عِنْدَ الْأُمَّةِ بِخَيْرٍ، وَأَمَّا الْخَوَارِجُ وَالْمُعْتَزِلَةُ فَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ مِنْ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ مُطْبِقُونَ عَلَى ذَمِّهِمْ، فَالْجَوَابُ أَوَّلًا مَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ الْقَوْلَ الَّذِي لَمْ يُوَافِقِ الْخَوَارِجَ وَالْمُعْتَزِلَةَ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ هُوَ الْقَوْلُ بِتَخْلِيدِ أَهْلِ الْكَبَائِرِ فِي النَّارِ، فَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ مِنَ الْبِدَعِ الْمَشْهُورَةِ، وَقَدِ اتَّفَقَ الصَّحَابَةُ، وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَسَائِرُ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَخْلُدُ فِي النَّارِ أَحَدٌ مِمَّنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ. وَاتَّفَقُوا أَيْضًا عَلَى أَنَّ نَبِيَّنَا صلى الله عليه وسلم يَشْفَعُ فِي مَنْ يَأْذَنُ اللَّهُ لَهُ بِالشَّفَاعَةِ فِيهِ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِهِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي ذِكْرِ الشَّفَاعَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -.
وَمِنْ بِدَعِ الْخَوَارِجِ الْخَارِجَةِ تَكْفِيرُهُمْ لِلْمُسْلِمِ بِالذَّنْبِ، وَسَلْبُ الْمُعْتَزِلَةِ لَهُ اسْمَ الْإِيمَانِ، فَهُوَ عِنْدَهُمْ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وَلَا كَافِرٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَكُلُّ هَذِهِ بِدَعٌ قَبِيحَةٌ مُخَالِفَةٌ لِلصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَلِأَئِمَّةِ السَّلَفِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَالْجَمَاعَةِ، وَالْحَقُّ مَا عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ نَاقِصُ الْإِيمَانِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ بِإِيمَانِهِ فَاسِقٌ بِكَبِيرَتِهِ، فَلَا يُعْطَى الِاسْمَ الْمُطْلَقَ مِنَ الْإِيمَانِ، وَلَا يُسْلَبُ مُطْلَقَ الِاسْمِ، وَمَا نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ الْقَاتِلَ لَا تَوْبَةَ لَهُ، وَأَنَّهُ يَخْلُدُ فِي النَّارِ، فَغَلَطٌ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَا يَشْفَعُ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ، وَلَا قَالَ: إِنَّهُمْ يَخْلُدُونَ فِي النَّارِ، وَلَكِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ قَالَ: إِنَّ الْقَاتِلَ لَا تَوْبَةَ لَهُ، وَالنِّزَاعُ فِي التَّوْبَةِ غَيْرُ النِّزَاعِ فِي التَّخْلِيدِ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَتْلِ مِنْ حَقِّ الْآدَمِيِّ، وَتَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْهُ فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا.
وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ أَنَّ الْإِيمَانَ إِذَا ذَهَبَ بَعْضُهُ ذَهَبَ كُلُّهُ، فَمَمْنُوعٌ وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي تَفَرَّعَتْ مِنْهُ الْبِدَعُ فِي الْإِيمَانِ فَإِنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّهُ مَتَى ذَهَبَ بَعْضُهُ ذَهَبَ كُلُّهُ، ثُمَّ قَالَتِ الْخَوَارِجُ وَالْمُعْتَزِلَةُ: الْإِيمَانُ هُوَ مَجْمُوعُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ، وَهُوَ الْإِيمَانُ الْمُطْلَقُ كَمَا قَالَهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ، قَالُوا: فَإِذَا ذَهَبَ شَيْءٌ مِنْهُ لَمْ يَبْقَ مَعَ صَاحِبِهِ مِنَ الْإِيمَانِ شَيْءٌ فَيَخْلُدُ فِي النَّارِ، وَقَالَتِ الْمُرْجِئَةُ عَلَى اخْتِلَافِ فِرَقِهِمْ