الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَعُمْقٍ، فَاللَّهُ - تَعَالَى - جَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا لَا يَتَجَاوَزُهُ، وَحَدًّا لَا يَتَعَدَّاهُ، (الثَّانِي) : الدَّلَالَةُ عَلَى تَقْدِيرِ الْآجَالِ، جَمْعُ أَجَلٍ مُحَرَّكَةً: غَايَةُ الْوَقْتِ فِي الْمَوْتِ وَحُلُولِ الدَّيْنِ وَمُدَّةِ الشَّيْءِ، قَالَ - تَعَالَى:{إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [يونس: 49]، {وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا} [المنافقون: 11] ، {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا} [آل عمران: 145] ، وَالْأَخْبَارُ وَالْآثَارُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا، (وَ) مُقَدِّرُ (الْأَرْزَاقِ) بِالْفَتْحِ جَمْعُ رِزْقٍ بِالْكَسْرِ: مَا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ حَلَالٍ وَحَرَامٍ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي مَحَلِّهِ.
[تفسير حي عليم موجود قادر]
هُوَ - سُبْحَانَهُ - (حَيٌّ) ، أَيْ لَمْ يَزَلْ مَوْجُودًا، وَبِالْحَيَاةِ مَوْصُوفًا، وَسَائِرُ الْأَحْيَاءِ يَعْتَرِضُهُمُ الْمَوْتُ وَالْعَدَمُ فِي أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ، أَوْ فِيهِمَا مَعًا {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88] ، وَالْحَيَاةُ صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ، قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ - تَعَالَى، (عَلِيمٌ) بِالسَّرَائِرِ وَالْخَفِيَّاتِ الَّتِي لَا يُدْرِكُهَا عِلْمُ خَلْقِهِ، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى:{عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران: 119] ، وَجَاءَ عَلَى بِنَاءِ فَعِيلٍ لِلْمُبَالَغَةِ فِي وَصْفِهِ بِكَمَالِ الْعِلْمِ، أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْعِلْمِ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ، (قَادِرٌ) أَيْ ذُو الْقُدْرَةِ التَّامَّةِ، وَالْقُدْرَةُ عِبَارَةٌ عَنْ صِفَةٍ يُوجَدُ بِهَا الْمَقْدُورُ عَلَى طِبْقِ الْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ.
قَالَ شَيْخُنَا الشِّهَابُ الْمَنِينِيُّ فِي كِتَابِهِ شَرْحِ تَارِيخِ الْعُتْبِيِّ: لِلْقَادِرِ مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْقَدِيرِ مِنَ الْقُدْرَةِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَذَلِكَ صِفَةُ اللَّهِ - تَعَالَى - وَحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يُوصَفُ الْقَادِرُ مِنَّا عَلَى بَعْضِ الْمَقْدُورَاتِ دُونَ بَعْضٍ. وَثَانِيهِمَا: أَنْ يَكُونَ الْقَادِرُ بِمَعْنَى الْمُقَدِّرِ، يُقَالُ مِنْهُ قَدَرَ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ مَعْنًى وَاحِدٌ، قَالَ - تَعَالَى:{فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ} [المرسلات: 23] أَيْ: نِعْمَ الْمُقَدِّرُونَ. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ مِنَ الْقُدْرَةِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ: يَعْنِي عَلَى كُلِّ مُمْكِنٍ ; لِأَنَّهُ الَّذِي تَتَعَلَّقُ بِهِ الْقُدْرَةُ كَمَا يَأْتِي فِي مَحَلِّهِ، (مَوْجُودٌ) سبحانه وتعالى بِالْوُجُودِ الْقَدِيمِ ; لِأَنَّ الْعَالَمَ وَكُلَّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ حَادِثٌ وَمُفْتَقِرٌ مِنْ حَيْثُ وُجُودِهِ وَعَدِمِهِ إِلَيْهِ - تَعَالَى - مِنْ حَيْثُ صَانِعِيَّتِهِ وَإِيجَادِهِ إِيَّاهُ، وَصَانِعُ الْعَالَمِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهِ فِي وُجُودِهِ لَا يَكُونُ إِلَّا وَاجِبًا بِخِلَافِ وُجُودِ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ، وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: قَدْ ثَبَتَ حُدُوثُ الْعَالَمِ، أَوْ يُقَالَ: لَا شَكَّ فِي وُجُودِ حَادِثٍ، وَكُلُّ حَادِثٍ فَبِالضَّرُورَةِ لَهُ مُحْدِثٌ، فَإِمَّا أَنْ يَدُورَ أَوْ يَتَسَلْسَلَ، وَكِلَاهُمَا مُحَالٌ، وَإِمَّا أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى قَدِيمٍ
لَا يَفْتَقِرُ إِلَى سَبَبٍ أَصْلًا، وَهُوَ الْمُرَادُ، وَمِنْ ثَمَّ قُلْنَا " قَامَتْ " أَيْ وُجِدَتْ وَاسْتَمَرَّتْ " بِهِ " - سُبْحَانَهُ - وَتَعَالَى " الْأَشْيَاءُ " كُلُّهَا مِنَ الْجَوَاهِرِ وَالْأَعْرَاضِ الْعُلْوِيَّةِ وَالسُّفْلِيَّةِ، (وَ) قَامَ بِهِ (الْوُجُودُ) لِكُلِّ مَوْجُودٍ سِوَاهُ، فَهُوَ الَّذِي خَلَقَهُ وَسَوَّاهُ، وَأَحْدَثَهُ وَأَنْشَاهُ، فَوُجُودُ الْبَارِي صِفَةٌ لَهُ وَاجِبٌ قَدِيمٌ، وَوُجُودُ غَيْرِهِ جَائِزٌ مُحْدَثٌ بِإِحْدَاثِ الْخَالِقِ الْحَكِيمِ. وَعَطْفُهُ عَلَى الْأَشْيَاءِ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ لِلتَّنْصِيصِ عَلَيْهِ، رَدًّا عَلَى الْقَائِلِينَ بِكُلِّيَّةِ الْوُجُودِ وَوَحْدَتِهِ، وَأَنَّهُ قَدِيمٌ، وَأَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي الْخَارِجِ، وَهَذَا ضَرْبٌ مِنَ الْهَذَيَانِ وَإِنْ جَلَّ نَاقِلُوهُ، فَإِنَّ الْقَائِلِينَ بِهِ هُمُ الْقَائِلُونَ بِالْوَحْدَةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْقَوْلَ بِهَا ضَرْبٌ مِنَ الزَّنْدَقَةِ، فَإِنَّ مِنَ الْمَعْلُومِ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ وَصَحِيحِ النَّقْلِ أَنَّ الْخَالِقَ الْمُبْدِعَ لَيْسَ هُوَ بِمَخْلُوقٍ، وَلَا جُزْءًا مِنْ أَجْزَائِهِ، وَلَا صِفَةً مِنْ صِفَاتِهِ، تَعَالَى وَتَقَدَّسَ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
وَمَنْ يَقُولُ أَنَّ الْكُلِّيَّاتِ الطَّبِيعِيَّةَ ثَابِتَةٌ فِي الْخَارِجِ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: إِنَّهَا جُزْءٌ مِنَ الْمُعَيَّنَاتِ أَوْ صِفَةٌ لَهَا، وَلِهَذَا يَقُولُونَ: الْمُطْلَقُ جُزْءٌ مِنَ الْمُعَيَّنِ، وَالْعَامُّ بَعْضُ الْخَاصِّ، فَيَلْزَمُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ وُجُودَ الرَّبِّ - تَعَالَى - هُوَ الْكُلِّيُّ، أَنْ يَكُونَ الْخَالِقُ جُزْءًا مِنَ الْمَخْلُوقِ أَوْ صِفَةً لَهُ، وَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بُطْلَانُهُ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ وَصَحِيحِ النَّقْلِ. وَأَمَّا الْمُثُلُ الْأَفْلَاطُونِيَّةُ فَإِذَا قِيلَ: إِنَّ ثَمَّ وُجُودًا كُلِّيًّا مُطْلَقًا مُقَارِنًا لِجَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ وَالْحَيَوَانِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ، وَالْعَقْلُ الصَّرِيحُ يَقْطَعُ أَنَّ الْإِنْسَانِيَّةَ الْمُقَارِنَةَ لَا تَكُونُ خَالِقَةً لِكُلِّ إِنْسَانٍ، وَلَا الْحَيَوَانِيَّةُ خَالِقَةً لِكُلِّ حَيَوَانٍ، فَكَيْفَ يَكُونُ الْوُجُودُ الْمُجَرَّدُ خَالِقًا لِكُلِّ مَوْجُودٍ أَوْ قَدِيمًا غَيْرَ مَخْلُوقٍ؟ فَإِنَّ هَذِهِ الْكُلِّيَّاتِ لَوْ قُدِّرَ وُجُودُهَا وَأَنَّهَا جَوَاهِرُ عَقْلِيَّةٌ - مَعَ أَنَّ هَذَا بَاطِلٌ، وَلَا وُجُودَ لَهَا إِلَّا فِي الْأَذْهَانِ، وَهَؤُلَاءِ تَخَيَّلُوهَا فِي أَذْهَانِهِمْ، فَظَنُّوا وُجُودَهَا فِي الْخَارِجِ - فَعَلَى فَرْضِ تَسْلِيمِ ذَلِكَ، فَهِيَ جَوَاهِرُ بَسِيطَةٌ، لَا تُوصَفُ بِأَنَّهَا حَيَّةٌ، وَلَا عَالِمَةٌ، وَلَا قَادِرَةٌ، وَلَا مُتَكَلِّمَةٌ، فَتَعَالَى اللَّهُ عَنْ مَقَالَاتِ أَهْلِ الْوَحْدَةِ وَالْحُلُولِ وَالْفَلْسَفَةِ وَالزَّنْدَقَةِ عُلُوًّا كَبِيرًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا ذَرَّةَ وَلَا شَذْرَةَ مِنْ جَوْهَرٍ وَلَا عَرَضٍ، وَلَا مَلَكٍ وَلَا فَلَكٍ، وَلَا رُوحٍ وَلَا نَفْسٍ، وَلَا جِنٍّ وَلَا إِنْسٍ مِنْ جَمِيعِ الْعَالَمِ السُّفْلِيِّ وَالْعُلْوِيِّ، إِلَّا وَهُوَ مَخْلُوقٌ وَمَصْنُوعٌ لِلَّهِ - تَعَالَى - كَانَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، فَلَا يَسْتَحِقُّ الْوُجُودَ الْوَاجِبَ شَيْءٌ سِوَاهُ، وَلَا الْتِفَاتَ