الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كَلَامَ اللَّهِ قَدِيمٌ كَمَا مَرَّ الْبَحْثُ فِيهِ فِي مَحَلِّهِ مُسْتَوْفِيًا، وَقَوْلُهُ:((فَابْحَثُوا)) أُتِيَ بِهِ لِتَتِمَّةِ الْبَيْتِ. وَالْبَحْثُ التَّفْتِيشُ، وَالطَّلَبُ، وَالتَّنْقِيبُ، وَالتَّقَصِّي عَنْ دَقَائِقِ الْمَعَانِي، فَكُلُّ مَنْ أَدْخَلَ الْأَعْمَالَ فِي الْإِيمَانِ فَلَا يَسُوغُ لَهُ إِطْلَاقُ اسْمِ الْحُدُوثِ وَلَا الْقِدَمِ عَلَى الْإِيمَانِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ هَذَا التَّفْصِيلِ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُدْخِلِ الْأَعْمَالَ فِيهِ كَالْأَشَاعِرَةِ فَيَقُولُونَ الْإِيمَانُ عِنْدَهُمْ مَخْلُوقٌ وَهَذَا لَا يَتَمَشَّى مَعَ أُصُولِنَا. قَالَ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ رضي الله عنه: مَنْ قَالَ: الْإِيمَانُ مَخْلُوقٌ كَفَرَ، وَمَنْ قَالَ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ ابْتَدَعَ. فَقِيلَ: بِالْوَقْفِ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: أَقْوَالُهُ قَدِيمَةٌ وَأَفْعَالُهُ مَخْلُوقَةٌ.
قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ: وَهُوَ أَصَحُّ، وَنَقَلَهُ عَنِ ابْنِ أَبِي مُوسَى وَغَيْرِهِ. وَنَقَلَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ فِي طَبَقَاتِ الْأَصْحَابِ فِي تَرْجَمَةِ الْحَافِظِ عَبْدِ الْغَنِيِّ الْمَقْدِسِيِّ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - مَا لَفْظُهُ قَالَ: رُوِيَ عَنْ إِمَامِنَا أَحْمَدَ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: مَنْ قَالَ: الْإِيمَانُ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ قَالَ: قَدِيمٌ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ. قَالَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ: وَإِنَّمَا كَفَرَ مَنْ قَالَ بِخَلْقِهِ ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ مِنَ الْإِيمَانِ، وَهِيَ تَشْتَمِلُ عَلَى قِرَاءَةٍ وَتَسْبِيحٍ وَذِكْرِ اللَّهِ عز وجل وَمَنْ قَالَ بِخَلْقِ ذَلِكَ كَفَرَ، وَتَشْتَمِلُ عَلَى قِيَامٍ وَقُعُودٍ وَحَرَكَةٍ وَسُكُونٍ وَمَنْ قَالَ بِقِدَمِ ذَلِكَ ابْتَدَعَ. انْتَهَى بِحُرُوفِهِ، وَاللَّهُ - تَعَالَى - الْمُوَفِّقُ
[الكرام الكاتبين]
((تَتِمَّةٌ:)) أَلْحَقَ عُلَمَاؤُنَا فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ ذِكْرَ الْمَلَكَيْنِ الْمُوَكَّلَيْنِ بِالْعَبْدِ يَكْتُبَانِ أَفْعَالَهُ، وَكَأَنَّهُمْ نَظَرُوا لِمُنَاسَبَةِ ذَلِكَ لِلْأَحْكَامِ وَكَوْنِهِ مِمَّا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ وَإِلَّا فَكَانَ الْأَنْسَبُ ذِكْرَ ذَلِكَ فِي الْبَابِ الْآتِي فِي السَّمْعِيَّاتِ ; لِأَنَّهُ مِنْهَا فَلِهَذَا قَالَ:
((وَوَكَّلَ اللَّهُ مِنَ الْكِرَامِ
…
اثْنَيْنِ حَافِظَيْنِ لِلْأَنَامِ))
((فَيَكْتُبَانِ كُلَّ أَفْعَالِ الْوَرَى
…
كَمَا أَتَى فِي النَّصِّ مِنْ غَيْرِ امْتِرَا))
((وَوَكَّلَ اللَّهُ)) سبحانه وتعالى ((مِنْ)) الْمَلَائِكَةِ ((الْكِرَامِ)) وَصَفَهُمْ بِالْكَرَمِ لِمَا جَاءَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَمَا سَيَأْتِي، وَالْحَقُّ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ عليهم السلام ذَوَاتٌ قَائِمَةٌ بِأَنْفُسِهَا قَادِرَةٌ عَلَى التَّشَكُّلِ؛ بِالْقُدْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَمْدَانَ فِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ: وَتَغَيُّرُ صُوَرِ الْمَلَائِكَةِ، وَالْجِنِّ، وَالشَّيَاطِينِ إِلَى اللَّهِ
- تَعَالَى - لَا إِلَيْهِمْ. وَقَدْ حَكَى غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ مُحَقِّقِي الْعُلَمَاءِ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ وَلَا يَنْكِحُونَ، يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتَرُونَ ((اثْنَيْنِ)) مَفْعُولُ " وَكَّلَ "((حَافِظَيْنِ لِلْأَنَامِ)) كَسَحَابٍ، وَبِالْمَدِّ، وَالْأَنِيمُ كَأَمِيرٍ الْخَلْقُ مِنَ الْجِنِّ، وَالْإِنْسِ، وَجَمِيعُ مَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْإِنْسُ ((فَيَكْتُبَانِ)) يَعْنِي الْمَلَكَيْنِ الْحَافِظَيْنِ ((كُلَّ أَفْعَالِ الْوَرَى)) كَفَتَى: الْخَلْقُ ((كَمَا أَتَى فِي النَّصِّ)) الْقُرْآنِيِّ كَمَا فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الانفطار: 10] وَقَالَ - تَعَالَى -: {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 17]((مِنْ غَيْرِ امْتِرَا)) أَيْ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْمُمَارَاةِ، وَالْمِرْيَةُ بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ: الشَّكُّ وَالْجَدَلُ، يُقَالُ مَارَاهُ مُمَارَاةً وَمِرَاءً، وَامْتَرَى فِيهِ وَتَمَارَى شَكَّ كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَامْتَرَاهُ حَقَّهُ جَحَدَهُ. وَفِي نِهَايَةِ ابْنِ الْأَثِيرِ فِي الْحَدِيثِ (( «لَا تَمَارَوْا فِي الْقُرْآنِ فَإِنَّ مِرَاءً فِيهِ كُفْرٌ» )) قَالَ: الْمِرَاءُ الْجِدَالُ، وَالتَّمَارِي وَالْمُمَارَاةُ الْمُجَادَلَةُ عَلَى مَذْهَبِ الشَّكِّ وَالرِّيبَةِ، وَيُقَالُ لِلْمُنَاظَرَةِ مُمَارَاةٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَسْتَخْرِجُ مَا عِنْدَ صَاحِبِهِ وَيَمْتَرِيهِ، كَمَا يَمْتَرِي الْحَالِبُ اللَّبَنَ مِنَ الضَّرْعِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي تَوْجِيهِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ: لَيْسَ وَجْهُ الْحَدِيثِ عِنْدَنَا عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي التَّأْوِيلِ وَلَكِنَّهُ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي اللَّفْظِ، وَهُوَ أَنْ يَقْرَأَ الرَّجُلُ عَلَى حَرْفٍ فَيَقُولُ الرَّجُلُ لَيْسَ هُوَ كَذَا وَلَكِنَّهُ عَلَى خِلَافِهِ، وَكِلَاهُمَا مُنَزَّلٌ مَقْرُوءَةٌ فِيهِمَا، فَإِذَا جَحَدَ كُلٌّ مِنْهُمَا قِرَاءَةَ صَاحِبِهِ لَمْ يُؤْمَنْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ يُخْرِجُهُ إِلَى الْكُفْرِ لِأَنَّهُ نَفَى حَرْفًا أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ.
وَالتَّنْكِيرُ فِي الْمِرَاءِ فِي الْحَدِيثِ إِيذَانًا بِأَنَّ شَيْئًا مِنْهُ كُفْرٌ فَضْلًا عَمَّا زَادَ عَلَيْهِ. وَقِيلَ إِنَّمَا أَرَادَ الْجِدَالَ وَالْمِرَاءَ فِي الْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ الْقَدَرِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْمَعَانِي عَلَى مَذَاهِبِ أَهْلِ الْكَلَامِ وَأَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ وَالْآرَاءِ دُونَ مَا تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الْأَحْكَامِ، وَأَبْوَابِ الْحَلَالِ، وَالْحَرَامِ فَإِنَّ ذَلِكَ قَدْ جَرَى بَيْنَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَذَلِكَ فِيمَا يَكُونُ الْغَرَضُ مِنْهُ، وَالْبَاعِثُ عَلَيْهِ ظُهُورَ الْحَقِّ لِيُتَّبَعَ دُونَ الْغَلَبَةِ، وَالتَّعْجِيزِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ عُلَمَاؤُنَا - مِنْهُمُ ابْنُ حَمْدَانَ فِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ: الرَّقِيبُ وَالْعَتِيدُ مَلَكَانِ مُوَكَّلَانِ بِالْعَبْدِ يَجِبُ أَنْ نُؤْمِنَ بِهِمَا وَنُصَدِّقَ بِأَنَّهُمَا يَكْتُبَانِ أَفْعَالَهُ كَمَا قَالَ
- تَعَالَى -: {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 17] وَقَوْلِهِ: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الانفطار: 10] وَلَا يُفَارِقَانِ الْعَبْدَ بِحَالٍ وَقِيلَ بَلْ عِنْدَ الْخَلَاءِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ يَجْتَنِبُونَ الْإِنْسَانَ عَلَى حَالَيْنِ عِنْدَ غَائِطِهِ وَعِنْدَ جِمَاعِهِ، وَمُفَارَقَتُهُمَا لِلْمُكَلَّفِ حِينَئِذٍ لَا تَمْنَعُ مِنْ كَتْبِهِمَا مَا يَصْدُرُ مِنْهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ كَالِاعْتِقَادِ الْقَلْبِيِّ، يَجْعَلُ اللَّهُ لَهُمَا أَمَارَةً عَلَى ذَلِكَ، قَالَ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ رضي الله عنه: لِلْعَبْدِ مَلَائِكَةٌ يَحْفَظُونَهُ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى - يُشِيرُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى -: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [الرعد: 11] قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْعُلَيْمِيُّ الْعُمَرِيُّ الْحَنْبَلِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ لِلْقُرْآنِ الْعَظِيمِ الْمُسَمَّى بِفَتْحِ الرَّحْمَنِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ: التَّعْقِيبُ الْعَوْدُ بَعْدَ الْبَدْءِ وَإِنَّمَا ذُكِرَ بِلَفْظِ التَّأْنِيثِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ الْجَمَاعَاتِ الَّتِي يَعْقُبُ بَعْضُهَا بَعْضًا. وَقَوْلُهُ: {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [الرعد: 11] مِنَ الْمَضَارِّ وَيُرَاقِبُونَ أَحْوَالَهُ مِنْ أَجْلِ أَمْرِ اللَّهِ، فَإِذَا جَاءَ الْقَدَرُ خَلُّوا عَنْهُ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مِنْ بَأْسِهِ مَتَى أَذْنَبَ بِالْإِمْهَالِ، وَالِاسْتِغْفَارِ، أَوْ يَحْفَظُونَهُ مِنَ الْمَضَارِّ، أَوْ يُرَاقِبُونَ أَحْوَالَهُ مِنْ أَجْلِ أَمْرِ اللَّهِ، وَقَدْ قُرِئَ بِهِ، وَقِيلَ:" مِنْ " بِمَعْنَى الْبَاءِ. وَقَالَ فِي قَوْلِهِ " مُعَقِّبَاتٌ ": التَّاءُ لِلْمُبَالَغَةِ، أَوْ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُعَقِّبَاتِ جَمَاعَاتٌ وَقُرِئَ " مَعَاقِيبُ " جَمْعُ مُعَقِّبٍ أَوْ مُعَقِّبَةٍ عَلَى تَعْوِيضِ الْيَاءِ مِنْ أَحَدِ الْقَافَيْنِ. انْتَهَى.
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: مُعَقِّبَاتٌ مَلَائِكَةٌ حَفَظَةٌ تَعْقُبُ الْأُولَى مِنْهُمَا الْأُخْرَى، وَمِنْهُ قِيلَ الْمُعَقِّبُ أَيْ عَقِيبٌ فِي أَثَرِهِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَيْ مَلَائِكَةٌ تَعْقُبُ بَعْدَ مَلَائِكَةٍ، حَفَظَةٌ بِاللَّيْلِ تَعْقُبُ بَعْدَ حَفَظَةِ النَّهَارِ، وَحَفَظَةُ النَّهَارِ تَعْقُبُ بَعْدَ حَفَظَةِ اللَّيْلِ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -:{لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ} [الرعد: 11] قَالَ: مَلَائِكَةٌ يَحْفَظُونَهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، فَإِذَا جَاءَ قَدَرُهُ خَلَّوْا عَنْهُ. وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ:{مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [هود: 43] أَيْ بِإِذْنِ اللَّهِ. فَالْمُعَقِّبَاتُ هِيَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَهِيَ الْمَلَائِكَةُ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ قَالَ: حِفْظُهُمْ إِيَّاهُ بِأَمْرِ اللَّهِ. وَمِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: يَحْفَظُونَهُ مِنَ الْجِنِّ. وَمِنْ طَرِيقِ كَعْبِ الْأَحْبَارِ قَالَ: لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ وَكَّلَ بِكُمْ مَلَائِكَةً
يَذُبُّونَ عَنْكُمْ فِي مَطْعَمِكُمْ وَمَشْرَبِكُمْ وَعَوْرَاتِكُمْ لَتُخُطِّفْتُمْ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ كِنَانَةَ الْعَدَوِيِّ «أَنَّ عُثْمَانَ سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنْ عَدَدِ الْمَلَائِكَةِ الْمُوَكَّلَةِ بِالْآدَمِيِّ فَقَالَ: لِكُلِّ آدَمِيٍّ عَشَرَةٌ بِاللَّيْلِ وَعَشَرَةٌ بِالنَّهَارِ وَاحِدٌ عَنْ يَمِينِهِ وَآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ وَاثْنَانِ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمَنْ خَلْفِهِ، وَاثْنَانِ عَلَى جَنْبِهِ وَآخَرُ قَابِضٌ عَلَى نَاصِيَتِهِ فَإِنْ تَوَاضَعَ رَفَعَهُ وَإِنْ تَكَبَّرَ وَضَعَهُ، وَاثْنَانِ عَلَى شَفَتَيْهِ لَيْسَ يَحْفَظَانِ عَلَيْهِ إِلَّا الصَّلَاةَ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَالْعَاشِرُ يَحْرُسُهُ مِنَ الْحَيَّةِ أَنْ تَدْخُلَ فَاهُ - يَعْنِي إِذَا نَامَ» . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي: وَجَاءَ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ قَوْلٌ آخَرُ رَجَّحَهُ ابْنُ جَرِيرٍ فَأَخْرَجَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ} [الرعد: 11] قَالَ: ذَكَرَ مَلِكًا مَنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا لَهُ حَرَسٌ وَمِنْ دُونِهِ حَرَسٌ. وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ} [الرعد: 11]، قَالَ: الْمَوَاكِبُ. وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: " «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ: مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ» ". وَفِي بَعْضِ التَّفَاسِيرِ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} [الطارق: 4] وُكِّلَ بِالْمُؤْمِنِ مِائَةٌ وَسِتُّونَ مَلَكًا يَذُبُّونَ عَنْهُ مَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، لِلْبَصَرِ مِنْ ذَلِكَ سَبْعَةُ أَمْلَاكٍ يَذُبُّونَ عَنْهُ كَمَا يُذَبُّ عَنْ قَصْعَةِ الْعَسَلِ الذُّبَابُ، وَلَوْ وُكِلَ الْعَبْدُ إِلَى نَفْسِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ لَاخْتَطَفَتْهُ الشَّيَاطِينُ، وَذَكَرَهُ فِي كَنْزِ الْأَسْرَارِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه مَرْفُوعًا. قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ مَرْعِيٌّ فِي بَهْجَتِهِ: وَأَمَّا الْمَلَائِكَةُ الْكَاتِبُونَ فَقِيلَ أَرْبَعَةٌ اثْنَانِ بِاللَّيْلِ وَاثْنَانِ بِالنَّهَارِ، وَقِيلَ خَمْسَةٌ وَاحِدٌ لَا يُفَارِقُ فِي لَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ. انْتَهَى، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُمَا اثْنَانِ لِكُلِّ وَاحِدٍ، قَالَ الضَّحَّاكُ: مَجْلِسُ الْمَلَكَيْنِ تَحْتَ الشَّعَرِ عَلَى الْحَنَكِ. وَمِثْلُهُ عَنِ الْحَسَنِ. وَكَانَ الْحَسَنُ يُعْجِبُهُ أَنْ يُنَظِّفَ عَنْفَقَتَهُ. وَعَنْهُ عليه السلام " «مَقْعَدُ مَلَكَيْكَ عَلَى شَفَتَيْكَ، وَلِسَانُكَ قَلَمُهُمَا، وَرِيقُكُ مِدَادُهُمَا وَأَنْتَ تَجْرِي فِيمَا لَا يَعْنِيكَ وَلَا تَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ وَلَا مِنْهُمَا» ". وَعَنْهُ عليه الصلاة والسلام " «كَاتِبُ الْحَسَنَاتِ عَنْ يَمِينِ الرَّجُلِ - يَعْنِي الشَّخْصَ - وَكَاتِبُ السَّيِّئَاتِ عَنْ يَسَارِهِ، وَكَاتِبُ الْحَسَنَاتِ أَمِيرٌ عَلَى كَاتِبِ السَّيِّئَاتِ، فَإِذَا عَمِلَ الشَّخْصُ حَسَنَةً كَتَبَهَا صَاحِبُ الْيَمِينِ عَشْرًا، وَإِذَا عَمِلَ سَيِّئَةً قَالَ صَاحِبُ الْيَمِينِ لِصَاحِبِ الشِّمَالِ: دَعْهُ سَبْعَ سَاعَاتٍ لَعَلَّهُ يُسَبِّحُ، أَوْ يَسْتَغْفِرُ» ". وَنَقَلَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ فِي شَرْحِ الْأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ عَنْ شُوَيْسٍ
الْعَدَوِيِّ وَكَانَ مِنْ قُدَمَاءِ التَّابِعِينَ أَنَّ صَاحِبَ الْيَمِينِ أَمِيرٌ -، أَوْ قَالَ: أَمِينٌ - عَلَى صَاحِبِ الشِّمَالِ، فَإِذَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ سَيِّئَةً، قَالَ لَهُ صَاحِبُ الْيَمِينِ: لَا تَعْجَلْ لَعَلَّهُ يَعْمَلُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَ حَسَنَةً أَلْقَى وَاحِدَةً بِوَاحِدَةٍ وَكَتَبَ لَهُ تِسْعَ حَسَنَاتٍ فَيَقُولُ الشَّيْطَانُ يَا وَيْلَهُ مَنْ يُدْرِكُ تَضْعِيفَ ابْنِ آدَمَ. وَقَالَ وَاحِدٌ وَهُوَ الْمَشْهُورُ: إِنَّ أَحَدَ الْمَلَكَيْنِ عَلَى عَاتِقِ الْإِنْسَانِ الْأَيْمَنِ، وَهُوَ كَاتِبُ الْحَسَنَاتِ، وَالْآخَرُ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ، وَإِنَّ كَاتِبَ الْحَسَنَاتِ لَهُ إِمَارَةٌ عَلَى كَاتِبِ السَّيِّئَاتِ، فَلَا يُمَكِّنُهُ مِنْ كَتْبِهَا إِلَّا بَعْدَ مُضِيِّ سِتِّ سَاعَاتٍ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ مِنَ الْمُكَلَّفِ أَوِ اسْتِغْفَارٍ، أَوْ فِعْلٍ مُكَفِّرٍ لَهَا، مَعَ مُبَادَرَتِهِ بِكَتْبِ الْحَسَنَاتِ فَوْرًا، وَالَّذِي رَوَاهُ الْبَغَوِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " «كَاتِبُ الْحَسَنَاتِ عَلَى يَمِينِ الرَّجُلِ، وَكَاتِبُ السَّيِّئَاتِ عَلَى يَسَارِ الرَّجُلِ، وَكَاتِبُ الْحَسَنَاتِ أَمِيرٌ عَلَى كَاتِبِ السَّيِّئَاتِ: دَعْهُ سَبْعَ سَاعَاتٍ لَعَلَّهُ يُسَبِّحُ لِلَّهِ، أَوْ يَسْتَغْفِرُ» .
فَوَائِدُ:
الْأُولَى:
اخْتُلِفَ فِيمَا يَكْتُبُ الْمَلَكَانِ، فَقَالَ عِكْرِمَةُ: لَا يَكْتُبَانِ إِلَّا مَا يُؤْجَرُ عَلَيْهِ، أَوْ يُوزَرُ عَلَيْهِ. انْتَهَى. وَظَاهِرُ النَّصِّ أَنَّهُمَا يَكْتُبَانِ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مِنْ خَيْرٍ، أَوْ شَرٍّ، أَوْ غَيْرِهِمَا، قَوْلًا كَانَ أَوْ عَمَلًا أَوِ اعْتِقَادًا، هَمًّا كَانَتْ أَوْ عَزْمًا أَوْ تَقْرِيرًا، فَلَا يُهْمِلَانِ مِنْ أَفْعَالِ الْعِبَادِ شَيْئًا فِي كُلِّ حَالٍ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، وَلِهَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ: يَكْتُبَانِ عَلَيْهِ حَتَّى أَنِينَهُ فِي مَرَضِهِ. فَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ} [ق: 18] أَيْ عِنْدَهُ رَقِيبٌ أَيْ حَافِظٌ يَرْقُبُ أَعْمَالَهُ وَيَحْفَظُهَا عَتِيدٌ أَيْ حَاضِرٌ مَعَهُ أَيْنَ مَا كَانَ. قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ: يَكْتُبَانِ عَلَى الْعَبْدِ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَنِينَهُ فِي مَرَضِهِ - كَقَوْلِ مُجَاهِدٍ - مُحْتَجًّا بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ} [ق: 18] فَإِفَادَةُ الْعُمُومِ بِطَرِيقِ وُقُوعِ النَّكِرَةِ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، وَحِينَئِذٍ يَدْخُلُ فِي الْعَبْدِ الْكَافِرُ ; لِأَنَّهُ تُضْبَطُ عَلَيْهِ أَعْمَالُهُ وَأَنْفَاسُهُ. قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ: الصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ، بَلْ نَقَلَ فِيهِ بَعْضُهُمُ الْإِجْمَاعَ أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا فَعَلَ أَفْعَالًا جَمِيلَةً كَالصَّدَقَةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ، ثُمَّ أَسْلَمَ وَمَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ أَنَّ ثَوَابَ ذَلِكَ يُكْتَبُ لَهُ، وَدَعْوَى كَوْنِهِ مُخَالِفًا لِلْقَوَاعِدِ غَيْرُ مُسْلِمٍ. انْتَهَى. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَضَابِطُ
ذَلِكَ الطَّاعَاتُ الَّتِي لَا تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهَا عَلَى نِيَّةٍ، وَقَدْ سَلَّمَ ذَلِكَ لَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَابْنُ الْمُنِيرِ وَابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُمْ. وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى أَنَّ لِلْكَافِرِ حَفَظَةً - بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهُوَ الَّذِي لَا يَصِحُّ غَيْرُهُ. وَهُوَ الْجَارِي عَلَى الْقَوْلِ بِتَكْلِيفِهِمْ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ وَهُوَ مُعْتَمَدُ الثَّلَاثَةِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ.
وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِنَا كَالْمَالِكِيَّةِ كَتْبُ حَسَنَاتِ الصَّبِيِّ، قَالَ عُلَمَاؤُنَا: يُكْتَبُ لَهُ وَلَا يُكْتَبُ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ حَفَظَةٌ بِخِلَافِ الْمَجْنُونِ ; لِأَنَّهُ لَا يُكْتَبُ لَهُ وَلَا عَلَيْهِ، وَالصَّحِيحُ كَتْبُهُمُ الصَّغَائِرَ الْمَغْفُورَةَ، وَإِنْ غُفِرَتْ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ رحمه الله: لَا تُمْحَى الذُّنُوبُ مِنْ صَحَائِفِ الْأَعْمَالِ بِتَوْبَةٍ، وَلَا غَيْرِهَا بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يُوقَفَ عَلَيْهَا صَاحِبُهَا وَيَقْرَأَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -:{وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ} [الكهف: 49] الْآيَةَ، وَبِقَوْلِهِ - تَعَالَى -:{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ - وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا} [الكهف: 7 - 49] . وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَبِلَالِ بْنِ سَعْدٍ الدِّمَشْقِيِّ، قَالَ الْحَسَنُ فِي الْعَبْدِ يُذْنِبُ ثُمَّ يَتُوبُ وَيَسْتَغْفِرُ: يُغْفَرُ لَهُ وَلَكِنْ لَا يُمْحَاهُ مِنْ كِتَابِهِ دُونَ أَنْ يَقِفَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ يَسْأَلُهُ عَنْهُ، ثُمَّ بَكَى الْحَسَنُ بُكَاءً شَدِيدًا، وَقَالَ لَوْ لَمْ نَبْكِ إِلَّا لِلْحَيَاءِ مِنْ ذَلِكَ الْمَقَامِ لَكَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَبْكِيَ.
وَقَالَ بِلَالُ بْنُ سَعْدٍ: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ وَلَكِنْ لَا يَمْحَاهَا مِنَ الصَّحِيفَةِ، حَتَّى يُوقِفَهُ عَلَيْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنْ تَابَ.
الثَّانِيَةُ: جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسٍ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: " «مَا مِنْ حَافِظَيْنِ يَرْفَعَانِ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - مَا حَفِظَا فَيَرَى اللَّهُ - تَعَالَى - فِي أَوَّلِ الصَّحِيفَةِ خَيْرًا، وَفِي آخِرِهَا خَيْرًا إِلَّا قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ: اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي مَا بَيْنَ طَرَفَيِ الصَّحِيفَةِ» " أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ: وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي بَعْضِ نُسَخِ كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ مَرْفُوعٍ: " «ابْنَ آدَمَ اذْكُرْنِي مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ سَاعَةً، وَمِنْ آخِرِ النَّهَارِ سَاعَةً أَغْفِرْ لَكَ مَا بَيْنَ ذَلِكَ إِلَّا الْكَبَائِرَ، أَوْ تَتُوبُ مِنْهَا» " وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: مَنْ خَتَمَ نَهَارَهُ بِذِكْرِ اللَّهِ كُتِبَ نَهَارُهُ كُلُّهُ ذِكْرًا، يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ
بِالْخَوَاتِيمِ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ: فَإِذَا كَانَ الْبِدَايَةُ، وَالْخِتَامُ ذِكْرًا، فَهُوَ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الذِّكْرِ شَامِلًا لِلْجَمِيعِ. انْتَهَى.
الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ فِي الْخَبَرِ: حَتَّى أَنِينَهُ فِي مَرَضِهِ، رُبَّمَا أَشْعَرَ بِأَنَّهُ مِمَّا يَكْتُبُهُ كَاتِبُ السَّيِّئَاتِ ; لِأَنَّهُ يَكْتُبُ كُلَّ مَا أَهْمَلَ كَاتِبُ الْحَسَنَاتِ، وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُ عُلَمَائِنَا يُكْرَهُ الْأَنِينُ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: عَلَى الْأَصَحِّ لِأَنَّهُ يُتَرْجِمُ عَنِ الشَّكْوَى، مَا لَمْ يَغْلِبْهُ، مَعَ أَنَّهُ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ " «الْمَرِيضُ أَنِينُهُ تَسْبِيحٌ وَصِيَاحُهُ تَكْبِيرٌ، وَنَفَسُهُ صَدَقَةٌ، وَنَوْمُهُ عِبَادَةٌ، وَتَقَلُّبٌ مِنْ جَنْبٍ إِلَى جَنْبٍ جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» " لَكِنْ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: إِنَّهُ لَيْسَ بِثَابِتٍ. وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الزُّهْدِ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ قَالَ: أَنِينُ الْمَرِيضِ شَكْوَى. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: وَقَدْ جَزَمَ أَبُو الطَّيِّبِ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ أَنِينَ الْمَرِيضِ مَكْرُوهٌ، وَتَأَوُّهَهُ مَكْرُوهٌ. وَتَعَقَّبَهُ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ فَقَالَ: هَذَا ضَعِيفٌ، أَوْ بَاطِلٌ، فَإِنَّ الْمَكْرُوهَ مَا ثَبَتَ فِيهِ نَهْيٌ مَقْصُودٌ، وَهَذَا لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ ذَلِكَ. ثُمَّ قَالَ: فَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا بِالْكَرَاهِيَةِ خِلَافَ الْأَوْلَى، فَإِنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ اشْتِغَالَهُ بِالذِّكْرِ أَوْلَى. انْتَهَى.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَعَلَّهُمْ أَخَذُوهُ بِالْمَعْنَى مِنْ كَوْنِ كَثْرَةِ الشَّكْوَى تَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ الْيَقِينِ، وَتُشْعِرُ بِالتَّسَخُّطِ لِلْقَضَاءِ وَتُورِثُ شَمَاتَةَ الْأَعْدَاءِ. انْتَهَى.
الرَّابِعَةُ: جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ أَنَّ الْحَافِظَيْنِ يُقِيمَانِ عَلَى قَبْرِ الْمُؤْمِنِ يُسَبِّحَانِ اللَّهَ - تَعَالَى - وَيُهَلِّلَانِهِ وَيُكَبِّرَانِهِ، وَيُكْتَبُ ثَوَابُهُ لِلْمَيِّتِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَأَنَّهُمَا يَلْعَنَانِ الْكَافِرَ، فَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه مَرْفُوعًا " «إِذَا قُبِضَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ صَعِدَ مَلَكَاهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ اللَّهُ وَهُوَ أَعْلَمُ: مَا جَاءَ بِكُمَا؟ فَيَقُولَانِ: رَبِّ قَبَضْتَ عَبْدَكَ، فَيَقُولُ لَهُمَا: ارْجِعَا إِلَى قَبْرِهِ فَسَبِّحَانِي وَاحْمِدَانِي وَهَلِّلَانِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُ مِثْلَ أَجْرِ تَسْبِيحِكُمَا وَتَحْمِيدِكُمَا وَتَهْلِيلِكُمَا لَهُ ثَوَابًا مِنِّي، فَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ كَافِرًا فَمَاتَ، صَعِدَ مَلَكَاهُ إِلَى السَّمَاءِ فَيَقُولُ لَهُمَا اللَّهُ: مَا جَاءَ بِكُمَا؟ فَيَقُولَانِ: رَبِّ قَبَضْتَ عَبْدَكَ وَجِئْنَاكَ، فَيَقُولُ لَهُمَا: ارْجِعَا إِلَى قَبْرِهِ فَالْعَنَاهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَإِنَّهُ كَذَّبَنِي وَجَحَدَنِي، وَإِنِّي جَعَلْتُ لَعْنَتَكُمَا عَذَابًا أُعَذِّبُهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» " وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه مَرْفُوعًا، وَفِيهِ: " «فَائْذَنْ لَنَا أَنْ نَسْكُنَ السَّمَاءَ، فَيَقُولُ سَمَائِي مَمْلُوءَةٌ مِنْ مَلَائِكَتِي يُسَبِّحُونِي، فَيَقُولَانِ ائْذَنْ لَنَا نَسْكُنِ الْأَرْضَ
فَيَقُولُ: أَرْضِي مَمْلُوءَةٌ مِنْ خَلْقِي يُسَبِّحُونَنِي، وَلَكِنْ قُومَا عَلَى قَبْرِهِ فَسَبِّحَانِي وَاحْمِدَانِي وَهَلِّلَانِي، وَاكْتُبَاهُ لِعَبْدِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» " وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رضي الله عنه كَلَفْظِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ الْمَوْضُوعَاتِ بِطُرُقِهِ الثَّلَاثَةِ، وَحَكَمَ عَلَيْهِ بِالْوَضْعِ، وَتَعَقَّبَهُ جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيُّ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ الْحَدِيثَ قَدْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِهِ شُعَبِ الْإِيمَانِ وَقَالَ: فِيهِ ابْنُ مَطَرٍ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ. ثُمَّ إِنَّهُ لَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ فَقَدْ تَابَعَهُ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ حَمَّادٌ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الْبَيْهَقِيُّ، وَالْهَيْثَمُ بْنُ حَمَّادٍ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي ذِكْرِ الْمَوْتِ، قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: وَلَهُ شَاهِدٌ آخَرُ عَنْ أَنَسٍ، ثُمَّ رَوَى بِإِسْنَادَيْنِ عَنْهُ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا.
وَقَالَ الشَّيْخُ وَلِيُّ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ فِي فَتَاوِيهِ الْمَكِّيَّةِ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: فِيهِ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ ضَعِيفٌ لَكِنْ لَيْسَ بِكَذَّابٍ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْهُ مِسْعَرٌ وَهُوَ إِمَامٌ جَلِيلٌ، فَإِنْ وُجِدَ لَهُ شَاهِدٌ قَوِيَ عِنْدَهُ. انْتَهَى. فَهَا أَنْتَ تَرَى لَهُ شَوَاهِدَ عِدَّةً. انْتَهَى وَقَدْ ذَكَرْتُ مَا فِيهِ مِنْ مُخْتَصَرِ الْمَوْضُوعَاتِ.
وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.