الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَكَذَا» .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ وَغَيْرُهُ: وَمِثْلُ هَذَا لَا يَقُولُهُ ابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه إِلَّا تَوْقِيفًا ; لِأَنَّهُ إِثْبَاتُ صِفَةٍ لِلذَّاتِ. انْتَهَى. وَقَدْ رُوِيَ فِي إِثْبَاتِ الْحَرْفِ وَالصَّوْتِ أَحَادِيثُ تَزِيدُ عَلَى أَرْبَعِينَ حَدِيثًا، بَعْضُهَا صِحَاحٌ وَبَعْضُهَا حِسَانٌ وَيُحْتَجُّ بِهَا، أَخْرَجَهَا الْإِمَامُ الْحَافِظُ ضِيَاءُ الدِّينِ الْمَقْدِسِيُّ وَغَيْرُهُ. وَأَخْرَجَ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ غَالِبَهَا وَاحْتَجَّ بِهِ، وَأَخْرَجَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ غَالِبَهَا أَيْضًا فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ، وَاحْتَجَّ بِهَا الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ - جَلَّ شَأْنُهُ - يَتَكَلَّمُ بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ، وَقَدْ صَحَّحُوا هَذَا الْأَصْلَ وَاعْتَقَدُوهُ، وَاعْتَمَدُوا عَلَى ذَلِكَ مُنَزِّهِينَ اللَّهَ - تَعَالَى - عَمَّا لَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ مِنْ شُبُهَاتِ الْحُدُوثِ وَسِمَاتِ النَّقْصِ، كَمَا قَالُوا فِي سَائِرِ الصِّفَاتِ، فَإِذَا رَأَيْنَا أَحَدًا مِنَ النَّاسِ مِمَّا لَا يُقَدَّرُ عُشْرَ مِعْشَارِ هَؤُلَاءِ يَقُولُ: لَمْ يَصِحَّ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَدِيثٌ وَاحِدٌ أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ، وَرَأَيْتَ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةَ قَدْ دَوَّنُوا هَذِهِ الْأَخْبَارَ وَعَمِلُوا بِهَا، وَدَانُوا اللَّهَ سبحانه وتعالى بِهَا، وَصَرَّحُوا بِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - تَكَلَّمَ بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ لَا يُشْبِهَانِ صَوْتَ مَخْلُوقٍ وَلَا حَرْفَهُ بِوَجْهٍ أَلْبَتَّةَ، مُعْتَمِدِينَ عَلَى مَا صَحَّ عِنْدَهُمْ عَنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ الْمَعْصُومِ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، الَّذِي لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى، مَعَ اعْتِقَادِهِمُ الْجَازِمِ الَّذِي لَا يَعْتَرِيهِ شَكٌّ وَلَا وَهْمٌ وَلَا خَيَالٌ - نَفْيَ التَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ، وَالتَّحْرِيفِ وَالتَّعْطِيلِ، بَلْ يَقُولُونَ فِي صِفَةِ الْكَلَامِ كَمَا يَقُولُونَ فِي سَائِرِ الصِّفَاتِ، إِثْبَاتٌ بِلَا تَمْثِيلٍ، وَتَنْزِيهٌ بِلَا تَعْطِيلٍ، كَمَا عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَفُحُولُ الْأَئِمَّةِ، فَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ بِلَا مِحَالٍ، وَهَلْ بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ.
(تَنْبِيهٌ) : مِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ وَالْحَنَابِلَةِ مِنْ قِدَمِ كَلَامِهِ - تَعَالَى - وَأَنَّهُ بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ مِنْ مُتَأَخِّرِي مُحَقِّقِي الْأَشَاعِرَةِ صَاحِبُ الْمَوَاقِفِ، وَإِنْ رَدَّ عَلَيْهِ جَمْعٌ مِنْهُمْ مِنْ مُتَحَذْلِقٍ وَمُجَازِفٍ، وَسَيَأْتِي لِذَلِكَ تَتِمَّةٌ عِنْدَ ذِكْرِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَالْفُرْقَانِ الْقَدِيمِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
[صفة البصر والسمع]
(الصِّفَةُ الثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ) مَا أَشَارَ إِلَيْهِمَا بِقَوْلِهِ (وَ) يَجِبُ لَهُ سبحانه وتعالى (الْبَصَرُ) ، وَهُوَ صِفَةٌ قَدِيمَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ - تَعَالَى - تَتَعَلَّقُ بِالْمُبْصَرَاتِ، فَيُدْرِكُ بِهَا إِدْرَاكًا تَمَامًا، لَا عَلَى سَبِيلِ التَّخْيِيلِ وَالتَّوَهُّمِ، وَلَا عَلَى طَرِيقِ تَأَثُّرِ حَاسَّةٍ، كَمَا يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ مَعَ السَّمْعِ قَرِيبًا، (سَمْعٌ) بِإِسْقَاطِ حَرْفِ الْعَطْفِ، أَيْ وَيَجِبُ لَهُ سبحانه وتعالى سَمْعٌ، قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ
هِشَامٍ فِي حَذْفِ حَرْفِ الْعَطْفِ: بَابُهُ الشِّعْرُ كَقَوْلِ الْحُطَيْئَةِ:
إِنَّ امْرَأً رَهْطُهُ فِي الشَّامِ مَنْزِلُهُ
…
بِرَمْلِ يَبْرِينَ جَارٍ شَدَّ مَا اغْتَرَبَا
أَيْ وَمَنْزِلُهُ. وَالسَّمْعُ صِفَةٌ قَدِيمَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْمَسْمُوعَاتِ. وَإِثْبَاتُ هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ - أَعْنِي السَّمْعَ وَالْبَصَرَ - لِلدَّلَائِلِ السَّمْعِيَّةِ، وَهُمَا صِفَتَانِ زَائِدَتَانِ عَلَى الذَّاتِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ، كَسَائِرِ الصِّفَاتِ لِظَوَاهِرِ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ، وَلَيْسَا رَاجِعَيْنِ إِلَى الْعِلْمِ بِالْمَسْمُوعَاتِ وَالْمُبْصَرَاتِ خِلَافًا لِلْفَلَاسِفَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ، وَلِلْإِمَامِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُمَا رَاجِعَانِ إِلَى الْعِلْمِ بِالْمَسْمُوعِ وَالْمُبْصَرِ، لَكِنِ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الْأَشَاعِرَةِ كَسَائِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ، أَنَّ كُلًّا مِنَ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ صِفَةٌ مُغَايِرَةٌ لِلْعِلْمِ، وَنَقَلَ صَاحِبُ الْمَوَاقِفِ أَنَّ الْجُمْهُورَ خَالَفُوا أَبَا الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيَّ فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُمَا رَاجِعَانِ إِلَى الْعِلْمِ، قَالَ: فَإِنَّا إِذَا عَلِمْنَا شَيْئًا كَاللَّوْنِ مَثَلًا عِلْمًا تَامًّا ثُمَّ رَأَيْنَاهُ، فَإِنَّا نَجِدُ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ فَرْقًا ضَرُورِيًّا، وَنَعْلَمُ أَنَّ الْحَالَةَ الثَّانِيَةَ مُخَالِفَةٌ لِلْحَالَةِ الْأُولَى بِلَا شُبْهَةٍ، وَلَوْ كَانَ الْإِبْصَارُ عِلْمًا بِالْمُبْصَرِ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ فَرْقٌ، وَهَكَذَا نَجِدُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْعِلْمِ بِهَذَا الصَّوْتِ وَسَمَاعِهِ، وَبَيْنَ الْعِلْمِ بِهَذَا الطَّعْمِ وَذَوْقِهِ، وَبَيْنَ الْعِلْمِ بِهَذِهِ الرَّائِحَةِ وَشَمِّهَا، وَظَوَاهِرُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ تَدُلُّ عَلَى الْمُغَايَرَةِ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ، فَفِي الْبُخَارِيِّ فِي (بَابِ: وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ. وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ، فَكُنَّا إِذَا عَلَوْنَا كَبَّرْنَا، فَقَالَ: " أَرَبِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا قَرِيبًا» " الْحَدِيثَ. وَقَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِهِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ: السَّمِيعُ مَنْ لَهُ سَمْعٌ يُدْرِكُ بِهِ الْمَسْمُوعَاتِ، وَالْبَصِيرُ مَنْ لَهُ بَصَرٌ يُدْرِكُ بِهِ الْمَرْئِيَّاتِ، وَالْكُلُّ مِنْهُمَا فِي حَقِّ الْبَارِي صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ - تَعَالَى، وَقَدْ أَفَادَتِ الْآيَةُ وَالْأَحَادِيثُ الرَّدَّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ بِمَعْنَى عَلِيمٍ.
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ قَوْلَهُ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) . . . إِلَى قَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء: 58] وَيَضَعُ إِصْبَعَيْهِ» . قَالَ أَبُو يُونُسَ: وَضَعَ أَبُو هُرَيْرَةَ إِبْهَامَهُ عَلَى أُذُنِهِ وَالَّتِي تَلِيهَا