الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الأول ما ورد في الأمر بسُكْنى الشام
عن عبد الله بن حوالة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سَيَصِيرُ الأَمْرُ إِلَى أَنْ يَكُونَ أَجْنَادًا مُجَنَّدَةً، جُنْدٌ بِالشَّامِ، وَجُنْدٌ بِالْيَمَنِ، وَجُنْدٌ بِالْعِرَاقِ، فَقَالَ ابْنُ حَوَالَةَ: خِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ! فَقَالَ: عَلَيْكَ بِالشَّامِ؛ فَإِنَّهَا خِيرَةُ اللَّهِ مِنْ أَرْضِهِ، يَجْتَبِي إِلَيْهَا خِيرَتَهُ مِنْ عِبَادِهِ، فَأَمَّا إِنْ أَبَيْتُمْ فَعَلَيْكُمْ بِيَمَنِكُمْ، وَاسْقُوا مِنْ غُدْرِكُمْ (1)، فَإِنَّ اللَّهَ توكل -وفي رواية: تَكَفَّلَ -لِي بِالشَّامِ وَأَهْلِهِ".
خرجه الإمام أحمد (2) وأبو داود (3) وابن حبان في صحيحه (4)، والحاكم (5) وقال: صحيح الإسناد. وقال أبو حاتم الرازي (6): هو حديث صحيح حسن غريب.
قلت: وله طرق كثيرة، قد ذكرتها في شرح كتاب الترمذي مستوفاة.
وخرَّج البزار (7) نحوه، من حديث أبي الدرداء، وخرج البزار (8) أيضاً، والطبراني (9) نحوه من حديث ابن عمر.
(1) جمع غدير، وهو حوض الماء.
(2)
(4/ 110).
(3)
برقم (2483).
(4)
برقم [(7306) إحسان].
(5)
في المستدرك (4/ 510).
(6)
كما في العلل (2/ 421).
(7)
برقم [(2851) - كشف].
(8)
[(2852) كشف].
(9)
في "الأوسط"(3851).
وخرَّج الطبراني أيضاً من حديث واثلة بن الأسقع (1)، والعرباض (2) بن سارية.
وخرَّج الإمام أحمد (3) والترمذي (4) وابن حبان (5) في صحيحه من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تَخْرُجُ نَارٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ فَتَسُوقُ النَّاسَ قُلنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: عَلَيْكُمْ بِالشَّامِ» وصححه الترمذي.
وخرَّج الإمام أحمد (6) والترمذي (7) من حديث بهز بن حكيم (8) قال: "قلت يا رسول الله، أين تأمرني؟ قال: ها هنا. ونحى بيده نحو الشام. قال: إنكم محشورون رجالاً وركبانًا، وتخرون عَلَى وجوهكم".
وفي رواية خرج الإمام أحمد (9): "وأشار بيده إِلَى الشام، فقال: إِلَى ها هنا تحشرون" وصححه الترمذي أيضاً.
وخرَّج الإمام أحمد (10) من حديث أبي أمامة الباهلي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "عليكم بالشام".
وخرج الطبراني (11) من حديث ابن عباس قال: "جاء رجل إِلَى رسول الله
(1) في "الكبير"(22/ برقم 130، 137، 138).
قال الهيثمي في المجمع (10/ 59): رواه الطبراني من طريقين، وفيهما المغيرة بن زياد، وفيه خلاف، وبقية رجال أحد الطريقين رجال الصحيح.
(2)
(18/ برقم 627).
(3)
(2/ 8، 119).
(4)
برقم (2217) وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح
…
الخ.
(5)
برقم (7305/ إحسان).
(6)
(5/ 3، 5).
(7)
برقم (2192، 2424، 3143). وقال: هذا حديث حسن.
(8)
كذا بالأصل، ولعل مقصوده السلسلة كلها، فاقتصر عَلَى أولها.
(9)
(4/ 446 - 447).
(10)
(5/ 249).
(11)
في "المعجم الكبير"(11/ 11149)، وفي الأوسط (378 - مجمع البحرين).
قال الهيثمي في المجمع (10/ 62): وفيه يحيى بن سليمان المدني وهو ضعيف.
- صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يا رسول الله، إني أريد الغزو في سبيل الله، قال: عليك بالشام؛ فإن الله قد تكفل لي بالشام وأهله".
وخرج الإمام أحمد (1) من حديث أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كيف تصنع إن أُخرجت من المدينة؟ قلت: إِلَى السَّعة والدَّعة أنطلق، حين (2) أكون حمامةً من حمام مكة. قال: فكيف تصنع إن أُخرجت من مكة؟ قلت: إِلَى السَّعة والدَّعة، إِلَى الشام والأرض المقدسة. قال: فكيف تصنع إن أُخرجت من الشام؟ قلت: إذًا والذي بعثك بالحق أضع سيفي عَلَى عاتقي. فَقَالَ: أو خيرٌ من ذلك تسمع وتطيع، وإن كان عبدًا حبشيًّا".
وخرج ابن أبي خيثمة من حديث ذي الأصابع، أنَّه قال:"يا رسول الله، أين تأمرنا إن ابتلينا بالبقاء بعدك؟ قال: عليك بالشام".
وخرج الترمذي (3) من حديث ابن عمر "أن مولاة له أتته فقالت: اشتد عليّ الزمان، وأنا أريد أن أخرج إِلَى العراق، قال: فهلا إِلَى الشام؛ أرض المنشر
…
" وذكر الحديث، وقال: حسن غريب (4).
وروى يحيى بن سعيد عن عبد الله بن هبيرة "أن أبا الدرداء كان قاضيًا بالشام فكتب إِلَى سلمان: هلم إِلَى الأرض المقدسة، أرض الجهاد".
وروى الطبراني (5) من حديث أرطاة بن المنذر قال: حدثني أبو الضحاك، قال:"أتيت ابن عمر فسألته: أين أنزل؟ فَقَالَ: إنَّ الناصية الأولى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ساروا بلواء رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزلوا الشام، ثم نزلوا حمص خاصة، فانظر ما كانوا عليه فأته".
وروينا من حديث ابن ثوبان عن منصور بن المعتمر عن علقمة قال: "قدم
(1)(5/ 178، 179).
(2)
في "المسند""حتى".
(3)
برقم (3918).
(4)
في المطبوع "حسن صحيح غريب".
(5)
وأخرجه من طريقه ابن عساكر في "تاريخه"(1/ 90).
كعب عَلَى عمر المدينة، فَقَالَ له عمر: يا كعب، ما يمنعك بالنزول (1) بالمدينة، فإنها مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وبها مدفنه؟ قال: يا أمير المؤمنين، إني وجدت في كتاب الله المنزل في التوراة، وإن الشام كنز الله في أرضه، وبها كنز الله من عباده".
ورواه عبد الرزاق (2) عن معمر، عن قتادة: "أن كعبًا قال لعمر: إني وجدت
…
" فذكره.
وروى إبراهيم بن أدهم عن عطاء الخراساني قال: لما هممت بالنُّقلة من خراسان شاورت من بها من أهل العِلْم: أين ترون أن أنزل بعيالي؟ فكلهم يقول: عليك بالشام، ثم أتيت البصرة فشاورت من بها: أين ترون أن أنزل بعيالي؟ فكلهم يقول: عليك بالشام، ثم أتيت الكوفة فشاورت من بها من أهل العِلْم: أين ترون أن أنزل بعيالي؟ فكلهم يقول: عليك بالشام، ثم أتيت مكة فشاورت من بها من أهل العِلْم: أين ترون لي أن أنزل بعيالي؟ فكلهم يقول: عليك بالشام، ثم أتيت المدينة: فسألت من بها من أهل العِلْم: أين ترون لي أن أنزل بعيالي؟ فكلهم يقول: عليك بالشام. خرَّجه ابن أبي خيثمة.
وروى الصلت بن حكيم عن وهب بن منبه، قال: قال هرم بن حبَّان لأويس القرني: يا أخي، إني أخاف الوحشة من بعدك، فَقَالَ أويس: ما ظننت أن أحدًا يعرف الله عز وجل فيستوحش معه، قال: قلت له: فأين أكون؟ قال: فأومأ بيده نحو الشام. قال: فقلت: كيف أصنع بالمعيشة؟ قال: إن خالط هذه النفوس الضعف فما ينفعها شيء.
وذكر أبو بكر الخلال في كتاب "الجامع" عن أبي بكر المروذي قال: سئل أبو عبد الله -يعني: أحمد بن حنبل-: أين ترى إذا كره المكان الَّذِي هو فيه أن ينتقل؟ قال: إِلَى المدينة، قيل: فغير المدينة؟ قال: مكة. قيل: فغير هذا؟
(1) في "تاريخ دمشق""من النزول".
(2)
في جامع معمر برقم (20459).
قال: الشام، والشام أرض المحشر، ثم قال: دمشق، لأنها يجتمع إليها الناس إذا غلبت عليهم الروم.
ونقل إسحاق بن إبراهيم بن هانئ وأبو طالب عن أحمد، قريبًا من ذلك، زاد أبو طالب: قلت له: فأصير إِلَى دمشق؟ قال: نعم. قلت: فالرملة؟ قالا: لا، هي قريبة من الساحل.
ونقل حنبل عن أحمد قال: إذا لم يكن للرجل حرمة فالساحل والرباط أعظم للأجر، يَردُّ عن المسلمين، والشام بلد مبارك.
ونقل أبو داود عن أحمد أنَّه قِيلَ لَهُ: هذه الأحاديث التي جاءت أن الله تكفل لي بالشام وأهله، ونحو هذا قال: ما أكثر ما جاء في هذا. قِيلَ لَهُ: فلعله في الثغور. قال: لا. وقال: أرض بيت المقدس أين هي؟ ولا يزال أهل الغرب ظاهرين عَلَى الحق، هم أهل الشام.
ونقل يعقوب بن بختان قال: سمعت أبا عبد الله -يعني: أحمد- يقول: كنت آمُر بحمل الحريم إِلَى الشام، فأما اليوم فلا.
ونقل مهنّا وبكر بن محمد وأبو الحارث عن أحمد نحوه.
وزاد في روايتهما قال: لأنّ الأمر قد اقترب.
زاد مهنّا قال: أخاف عَلَى الذرية من العدو.
وقال جعفر بن محمد: سألت أبا عبد الله عن الحرمة، قلت: دمشق، فأعجبه ذلك، وأحسبه قال: نعم.
ونقل حنبل، قيل لأبي عبد الله: فأين أَحَبّ إليك أن ينزل الرجل بأهله وينتقل؟ قال: كل المدينة معقل للمسلمين مثل دمشق.
قال أبو بكر الخلال: كل ما ذكروه عن أبي عبد الله -يعني: أحمد- من معاقل المدن، ثم ذكرهم عند التوفي بآلائها أيضاً فهذا لما يبلغه من الحوادث، فأما ذكرهم عنه دمشق فهي عنده معقل دون الشام ودون غيرها إلا ما ذكر في أول
الباب من محبة المدينة عَلَى غيرها. انتهى.
وحاصل ما نُقِل عن الإمام أحمد أنَّه يُسْتَحَبُّ سُكْنَى الشام والانتقال بالذرية والعيال إِلَى معاقلها كدمشق، فأما أطرافها وثغورها القريبة من السواحل فلا يستحب سكناها بالذرية، لما يخشى عليهم من إغارة الكفار، وإنَّما يستحب الإقامة بها للرباط بدون نقل النساء والذرية.
وكل ما كان من بلد من بلدانها أقرب إِلَى السواحل، وأشد خوفًا، فإنَّه يكره نقل الذرية إِلَيْهِ.
فأما الأحاديث في فضائل الشام فلا تختص عنده بثغورها، بل هي عامة لجميع أرض الشام، كبيت المقدس، وما والاه ودمشق وغيرها، والله تعالى أعلم.
وكذلك كره الأوزاعي نقل الذرية إلي الثغور التي يخشى عليها من العدو دون الثغور التي يغلب عليها الأمن من العدو.
وفي كتاب "المراسيل"(1) لأبي داود عن الوضين بن عطاء عن مكحول والقاسم أبي عبد الرحمن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تنزلوا الذرية -يعني- بإزاء العدو".
وروى جويبر، عن الضحاك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يعرض ذريته لسَبَاء المشركين" خرّجه أبو إسحاق الفزاري في كتاب "السير" وهو مرسل، وجويبر ضعيف.
وروى أبو إسحاق عن الحسن بن الحسن عن عمر بن عبد العزيز أنَّه صرف قومًا قدموا عليه من اليمامة أرادوا سُكنى دمشق عنها، فقالوا: اختر لنا، قال: قِنَّسرِين.
وهكذا كان عمر بن العزيز يختار لنفسه بلاد قنسرين عَلَى دمشق، وإنَّما اختار هذا لقرب العدو، وكون مقامه فيه أنفع للمسلمين؛ لتجهيز الجيوش ووصول الأخبار، وغير ذلك من مصالح العامة. والله أعلم.
(1) برقم (344).