الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب العاشر ما ورد في فضل دمشق بخصوصها وفيه فصول الفصل الأول
فيما ورد من ذلك في القرآن:
قال الله تعالى: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} [المؤمنون: 50].
روى تمام الرازي (1) وغيره من حديث مسلمة بن علي، حدثنا أبو سعيد الأسدي عن سليم بن عامر عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه تلا هذه الآية:{وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} [المؤمنون: 50] قال: هل تدرون أين هي؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هي بالشام، بأرض يقال لها: الغوطة، مدينة يقال لها: دمشق، هي خير مدائن الشام".
إسناده ضعيف؛ مسلمة بن علي ضعيف، وشيخه لا يعرف.
ورُوي عن عكرمة عن ابن عباس "في هذه الآية قال: هي دمشق".
وفي رواية عنه، قال:"هي أنهار دمشق".
ورواه أيضاً يحيى الأنصاري عن سعيد بن المسيب من قوله.
ورواه يحيى عن سعيد عن عبد الله بن سلام.
وفي رواية عن سعيد قال: "هي دمشق ذات قرار ومعين الغوطة".
(1) في فوائده (989).
وفي رواية رويناها في كتاب "فضائل الشام" لأبي الحسن الربعي (1) قال: "هي مسجد دمشق".
وقال يزيد بن شجرة: "دمشق هي الربوة المباركة".
عن قتادة عن الحسن "في هذه الآية قال: هي أرض ذات أشجار وأنهار - يعني: أرض دمشق".
وعنه قال: "ذات معيشة تقوتهم وتحملهم وماء جارٍ".
قال: "هي الربوة، هي دمشق".
وفي رواية عنه (2) قال: "ذات ثمار كثيرة وماء، هي دمشق".
وعنه قال: "هي الغوطة".
وممن قال أن الربوة هي دمشق: خالد بن معدان، وغيره من السَّلف.
وقالت طائفة: هي الرملة.
وروى عبد الرزاق (3) عن بشر بن (رافع)(4) أخبرني أبو عبد الله بن عم أبي (5) هريرة، سمع أبا هريرة يقول في "قوله عز وجل:{إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} [المؤمنون: 50] هي الرملة، من فسلطين".
بشر بن رافع ضعيف الحديث.
وخرج الطبراني (6) وغيره، من رواية عباد بن عباد الرملي عن أبي زرعة السيباني عن أبي وعلة العكي عن كريب (السحولي)(7)، حدثني مرة البهزي
(1) برقم (41).
(2)
في فضائل الشام برقم (32).
(3)
في "تفسيره"(2/ 46).
(4)
في الأصل (نافع): والتصويب من التفسير، وسيذكره المصنف عَلَى الصواب.
(5)
في الأصل: أبو والمثبت هو الصواب نحويًّا.
(6)
في "المعجم الكبير"(20/ 754).
(7)
في الأصل: (النجولي) والتصويب من المعجم الكبير وكتب التراجم.
سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على من ناوأهم، وهم كالإناء بين الأكلة، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك. قلنا: يا رسول الله، وأين هم؟ قال: بأكناف بيت المقدس.
قال: وحدثني أن الرملة هي الربوة. وذلك أنها مغربة ومشرقة.
كذا رواه زكريا بن نافع الأرسوفي، ومحمد بن عبد العزيز البرمكي، عن عباد، وهو أبو عتبة الخواص الزاهد.
والظاهر أن قوله: وحدثني، يشير به إِلَى مرّة، فهو من كلام مرة، ليس مرفوعًا.
ورواه رواد بن الجراح -وقد اختلط بأخرَةَ عن عبَّاد فرفعه.
ورواه هشام بن عمار حدثنا المغيرة بن المغيرة، حدثنا يحيى بن أبي عمرو السيباني- وهو أبو زرعة- قال: مرض رجل من عك، يقال له: الأقرع عَلَى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى يعوده، فَقَالَ له:"إنك لا تموت ولا تدفن إلا بالربوة. فمات ودفن بالرملة، فكانت عك إذا مات الرجل منهم بالأردن حمل ودفن بالرملة -مكان الأقرع".
وهذا مرسل.
وخرّجه ابن منده في "معرفة الصحابة" بإسناد مجهول عن الأقرع بن [شفي العكي](1) قال: "دخل عليّ النبي صلى الله عليه وسلم في مرض فَقَالَ: لتبقين ولتهاجرن إِلَى الشام، وتموت وتدفن بالربوة من أرض فلسطين"(2).
ثم قال: رواه إسماعيل بن رشيد الرملي عن ضمرة بن ربيعة عن قادم بن
(1) في الأصل: صفي العلي والتصويب من الإصابة (1/ 59) لابن حجر ونقل قول ابن السكن: لا نعرف من رجال هذا الإسناد أحدًا.
(2)
أخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق"(1/ 200) من طريق ابن منده.
(ميسور)(1) القرشي عن رجال (2) من عك، عن الأقرع.
قلت: خرجه آدم بن أبي إياس في تفسيره، عن ضمرة عن قادم بن ميسور، قال: "مرض رجل من أهل عك يقال له: الأقرع
…
" فذكره مرسلاً.
وبتقدير صحة الحديث، فلا يدل عَلَى أن هذه الربوة المذكورة في الحديث هي المذكورة في القرآن، والله أعلم.
وقال طائفة: الربوة المذكورة في القرآن: بيت المقدس.
قال قتادة فيما رواه مسكين بن بكير عن جرير بن حازم عنه، فعلى هذه الأقوال الثلاثة، الربوة المذكورة في القرآن هي من أرض الشام، وقيل: إنها مصر.
رُوي عن وهب بن منبه: وقيل: الإسكندرية، رواه عبد الرحمن بن زيد ابن أسلم عن أبيه.
وقيل: هي الكوفة، وهو أضعف الأقوال وأردأها.
رواه أهل الكوفة من الشيعة عن جعفر الصادق وأبيه أبي جعفر، ولا يصح غيرهما (3) إن شاء الله تعالى.
وقال الله سبحانه وتعالى: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1) وَطُورِ سِينِينَ (2) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} [التين: 1 - 3].
فطور سنين: هو الطور الَّذِي كلم الله -عليه موسى عليه السلام والبلد الأمين: مكة، وأما التين والزيتون، اختلف في تفسيرهما.
وقد رُوي حديث مرفوع، رواه محمد بن بيان بن مسلم، حدثنا الحسن بن
(1) في الأصل: مسور، والمثبت من "تاريخ دمشق" وجاء في العزو التالي عَلَى الصواب، في إسناد آدم بن أبي إياس.
(2)
في الإصابة لابن حجر (1/ 59): عن رجل.
(3)
كذا بالأصل ولعلها "عنهما".
عرفة حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك عن الزهري، عن أنس "أن النبي صلى الله عليه وسلم فرح بنزول هذه السورة فرحًا شديدًا، قال: فسألنا ابن عباس عن تفسيرهما؟ فَقَالَ: التين: بلاد الشام، والزيتون: بلاد فلسطين
…
" وذكر بقية الحديث.
وهذا كذب لا مرية فيه.
قال الحافظ أبو بكر الخطيب (1): هذا الحديث بهذا الإسناد باطل لا أصل له، والرجال المذكورون في إسناده كلهم أئمة مشهورون غير محمد بن بيان، ونرى العلة من جهته ومن أورد هذا الحديث بهذا الإسناد، فقد أغنى أهل العِلْم عن أن ينظروا في حاله ويبحثوا عن أمره، يعني: أنَّه أبان عن كذبه، وفضح نفسه.
وأشد من هذا نكرة ما خرجه الحافظ أبو القاسم الدمشقي (2) من طريق أبي الفضل العباس بن منجور مولى أمير المؤمنين، حدثنا أبو محمد المراغي حدثنا قتيبة حدثنا أبو عوانة، عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه سلم- وذكر حديثًا طويلاً، وفيه: إن الله اختار من المدائن أربعة وهي البلدة والمدينة وهي النخلة، وبيت المقدس وهي الزيتون، ودمشق وهي التينة.
وقال: هذا حديث منكر [بمرة](3). وأبو الفضل والمراغي مجهولان.
قلت: هو موضوع لا شك في ذلك.
وروى عوف عن يزيد أبي عبد الله عن كعب قال: التين: مسجد دمشق، والزيتون: بيت المقدس.
وروى عبد الرحمن بن أبي عمار عن كعب قال: التين: دمشق، والزيتون: بيت المقدس.
وروى أبو حمزة العطار عن الحسن في {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} قال: جبال ومساجد بالشام.
(1) في "تاريخ بغداد"(2/ 98).
(2)
في "تاريخ دمشق"(1/ 210 - 211).
(3)
في الأصل: مرة. والصواب ما أثبتناه.
وعن خالد بن معدان في التين والزيتون، قال: دمشق.
وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله: {وَالتِّينِ} ، قال: الجبل الَّذِي عليه دمشق، والزيتون: الَّذِي عليه بيت المقدس.
وكذا قال خليد بن دعلج عن قتادة.
وروى سعيد بن بشير عن قتادة قال: التين: دمشق، والزيتون: بيت المقدس.
وفي رواية أخرى قال: التين: مسجد دمشق، والزيتون: مسجد بيت المقدس.
وعن الحكم قال: التين: دمشق، والزيتون: فلسطين.
وعن الحارث بن محمد قال: التين: مسجد دمشق، والزيتون: مسجد بيت المقدس.
وعن محمد بن كعب قال: أقسم الله عز وجل بأربعة مساجد، التين:
مسجد أصحاب الكهف، والزيتون: مسجد إيلياء، ومسجد الطور، ومسجد الحرام.
وعن الربيع بن أنس قال: التين والزيتون: جبل عليه التين والزيتون.
وعن يزيد بن ميسرة قال: أربعة أجبل مقدسة: طور زيتا، وطور سيناء، وطور تيناء، وطور تيمانا، قال: فطور زيتا: طور بيت المقدس، وطور سيناء: طور موسى عليه السلام.
وطور تيناء: مسجد دمشق. وطور تيمانا: مكة يشرفها الله تعالى.
وقالت طائفة: المراد به التين والزيتون المأكولان.
رُوي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة، والكلبي وغيرهم.
وروى العوفي عن ابن عباس، التين: مسجد نوح الَّذِي بنى (عَلَى)(1)
(1) في الأصل: عليه، والتصويب من تفسير الطبري (15/ 239).
الجودي، وإسناده ضعيف.
ولا ريب أن لفظ القرآن يدل صريحًا يدل عَلَى التين والزيتون المأكولين، كما قاله ابن عباس ومجاهد وغيرهما، ولكنه قد يدل عَلَى مكانهما من الأرض بدليل أنهما قرنا (1) بمكانين شريفين، وهما الطور والبلد الأمين، وهذه البقاع هي أشرف بقاع الأرض، ومنها ظهرت النبؤات العظيمة والشرائع المتبعة، فعامة أنبياء بني إسرائيل كانوا من الشام، وهي أرض التين والزيتون، ومنها ظهرت نبوة عيسى عليه السلام وطور سيناء كلم الله منه (موسى عليه السلام (2) والبلد الأمين، فمن ابتديء الوحي، وانزاله عَلَى محمد صلى الله عليه وسلم وهذه النبوات الثلاث هي أعظم النبوات والشرائع.
ونظير ذلك ما ذكر في التوراة من قوله: جاء الله من طور سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال قاران.
وساعير: هي أرض بيت المقدس وما حوله، وجبال قاران: مكة. فمن قال من المفسرين: إن التين والزيتون هما المأكولان فقوله صحيح باعتبار دلالة التين والزيتون عَلَى بفاعهما من الأرض، فإن أرض الشام هى أرض التين والزيتون غالبًا.
ومن قال: التين: دمشق، والزيتون: بيت المقدس، وفلسطين، فقوله: صحيح باعتبار أن دمشق وما حولها هي بلاد التين غالبًا. وفلسطين وبيت المقدس وبلاد الزيتون غالبًا.
ومن قال: المراد: جبل دمشق وجبل بيت المقدس، فالجبل من جملة أرض التين والزيتون.
ومن قال: المراد مسجد دمشق ومسجد بيت المقدس، فهذان المسجدان هما أشرف بقاع أرض الشام، والله أعلم.
(1) في الأصل قربا ولعل الصواب من أثبته.
(2)
زيادة ليست في الأصل والساق يقتضيها.
وقد روينا في كتاب "فضائل الشام"(1) لأبي الحسن الرَّبعي بإسناد فيه نظر عن كعب أنَّه قال لواثلة بن الأسقع وهو يريد الخروج إلى بيت المقدس: تعال حتى أريك موضعًا من هذا المسجد -يعني: مسجد دمشق- من صلّى فيه فكأنما صلّى في بيت المقدس.
وبإسناد فيه نظر (2) أيضاً عن سفيان الثوري قال: الصلاة في بيت المقدس بأربعين ألف صلاة، وفي مسجد دمشق بثلاثين ألف صلاة.
وبإسناده (3) عن هشام بن عمار، حدثنا الحسن بن يحيى الخشني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أُسري به صلّى في موضع مسجد دمشق.
والخشني لا يعتمد عليه.
وقال عز وجل: {إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ} [الفجر: 7 - 8]. قد قيل: إنها دمشق.
قاله سعيد المقبري وخالد بن معدان.
وروى عن سعيد بن المسيب، وعكرمة ولا يصح عنهما.
أما سعيد فهو من رواية إسحاق بن بشر عن [ابن](4) إسحاق عمن يخبره عنه، وإسحاق هذا كذاب مشهور.
وأما عكرمة فهو من رواية حفص بن عمر العدني عن الحكم بن أبان عنه.
وحفص ضعيف جدًّا.
وقال مالك: يقال إن إرم ذات العماد: دمشق.
ولكن جمهور المفسرين [والمحققين](5) من العُلَمَاء عَلَى خلاف هذا القول، عَلَى اختلاف بينهم في تفسيره يطول ذكره ها هنا والله أعلم.
(1) في فضائل الشام برقم (65).
(2)
في فضائل الشام برقم (64).
(3)
في فضائل برقم (68).
(4)
زيادة من تاريخ دمشق.
(5)
في الأصل: والمحققون، والصواب نحويًّا ما أثبته.