الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[الخوف والحب]
(1)
ولذلك كان السَّلف يقدمون درجة الخوف عَلَى الشوق، كما روى ابن أبي الدُّنْيَا بإسناده عن واقد العابد مولى أم البنين قال:"قال لي رجل من العباد: ما رأيت القلوب بشيء أنقى جلاء منها بالخوف. قلت: فالشوق؟ قال: قد يشتاق وصدى الرين عَلَى قلبه".
قال: والرين يعني الذنب عَلَى الذنب. وكذلك كانت حالة العُلَمَاء الربانيين كالحسن وسفيان وأحمد وغيرهم، يظهر عليهم الخوف ولوازمه ويكثر كلامهم فيه ويقل كلامهم في المحبة وظهور آثارها عليهم أيضاً، حتى حذر طوائف من العُلَمَاء ممن يكثر دعوى الشوق والمحبة بغير خوف لما ظهر منهم من الشطح والدعاوي؛ بل والإباحة والحلول وغير ذلك من المفاسد، والله -سبحانه- أعلم.
ولهذا "كان أبو عبد الله بن الجلاء -وكان من كبار العارفين- إذا سئل عن المحبة قال: أنا ما لي وللكلام في المحبة، وأنا أريد أن أتعلم التوبة".
ويقال: إن أول من أظهر الكلام في المحبة والشوق وجمع الهمة وصفاء الفكر، وتكلم به عَلَى رؤس الناس: أبو حمزة الصوفي، وكان من أعيان العارفين أيضاً، وكان يجتمع بالإمام أحمد كثيرًا، وكان أحمد يسأله ويقول [له] (2): ما تقول يا صوفي؟ رضي الله عنهم أجمعين.
وكان عباد البصري بعد طبقة الحسن وأصحابه كعبد الواحد بن زيد وأصحابه عتبة وضيغم وغيرهما يظهر منهم المحبة كثيرًا مع شدة الخوف أيضاً وكذلك رابعة العدوية والفضيل وداود الطائي وغيرهم.
(1) هذا العنوان ليس في الأصل، وهو من تصرف محقق المطبوع.
(2)
من المطبوع.
قال إبراهيم بن الجنيد: حدثني عبد الرحيم بن يحيى الرملي، حدثني عثمان ابن عمارة قال: قال عتبة: "من سكن حبه قلبه لم يجد حرًّا ولا بردًا. قال عبد الرحيم: يعني من سكن حب الله قلبه شغله حتى لا يعرف الحر من البرد، ولا الحلو من الحامض، ولا الحار من البارد".
وقال عبد الواحد بن زيد: "كان عتبة يجيء إِلَى المسجد يوم الجمعة وقد أخذ الناس الظل، فيقوم عَلَى الحصى ويسجد السجدة الطويلة. قال عبد الواحد: ما أراه يعقل بحره". وسمع عتبة قائلا يقول: "سبحان جبار السماء إن المحب لفي عناء. فَقَالَ عتبة: صدقت والله! وغشى عليه".
وقال ضيغم [يومًا](1) لمولى له: "منعني والله حب الله من الاشتغال بحب غيره! ثم سقط مغشيًّا عليه".
وكان كَلَاّبُ بن جُرَي العابد يقول في سجوده: "وعزتك لقد خالط قلبي من محبتك أمر يكل لساني عما أجد منه في نفسي".
وقدمت شعوانة العابدة وزوجها مكة فجعلا يطوفان ويصليان، فإذا كلَّ أو أعيا جلس وجلست خلفه، فيقول هو في جلوسه:"أنا العطشان من حبك لا أُرْوَى. وتقول هي بالفارسية: يا سيدي أنبتَّ لكل داء دواء في الجبال، ودواء المحبين في الجبال لم ينبت".
ودخلوا عَلَى عابد بالبصرة وهو يجود بنفسه ويقول: "أنا عطشان لم أرو من حب ربي، وجائع لم أشبع من حب ربي".
وقال المعافى بن عمران: "كلمت فتحًا الموصلي يومًا في شيء، فَقَالَ: لم تترك المحبة لله في قلوب أوليائه موضعًا لمحبة غيره".
وقال أبو معمر: "نظرت رابعة يومًا إِلَى رياح القيسي [وهو](1) يقبل صبيًّا صغيرًا من أهله، فقالت: أتحبه يا رياح؟ قال: نعم. قالت: ما كنت أحسب
(1) من المطبوع.
أن في قلبك موضعًا فارغًا لمحبة سواه! فخر رياح مغشيًا عليه، ثم أفاق وهو يمسح العرق عن وجهه وهو يقول: رحمة جعلها الله في قلوب عباده للأطفال".
وقال حذيفة المرعشي: "رأيت رجلاً بالرقة وبين يديه صَبِيَّان يلعبان ويقتتلان وهو يتشاغل بها فزجرهما ونهاهما. فقلت [له] (1): إني أحسبك تحبهما؟! قال: "لا والله ما أحبهما، ولكن أرحمهما؟ وما أحد أحبّ إليّ من الله عز وجل".
ثم اتسع الكلام في المحبة من زمن أبي سليمان الداراني وأصحابه بالشام كأحمد بن أبي الحواري وقاسم الجوعي.
وكان قاسم الجوعي يقول: "شبع الأولياء بالمحبة عن الجوع، ففقدوا لذاذة الطعام والشراب والشهوات ولذات الدُّنْيَا؛ لأنهم تلذذوا بلذة ليس فوقها لذة فقطعتهم عن كل لذة".
وبالعراق في زمن السري وأصحابه كالجنيد وأصحابه، وبمصر في زمن ذي النون وأقرانه.
وكان بعض من يذكر بالمحبة ربما حصل له وسوسة ونوع تغير عقل، كسعدون وسمنون، وكان [سمنون](2) شديد المحبة [ربما حصل له وسوسة](1)، ويقال أنَّه تكلم يومًا في المحبة فاصطفقت قناديل المسجد حتى تكسرت، وأنه تكلم يومًا فيها فجاء طائر فضرب بمنقاره الأرض حتى مات؛ وكذلك كان ربما حصل للشبلي نوع تغير.
ومما ينسب من الشعر إِلَى بعض هذه الطبقة:
هجرت الورى في حب من جاد بالنعم
…
وعفت الكرى شوقًا إِلَيْهِ فلم أنم
وموهت دهري بالجنون عن الورى
…
لأكتم ما بي من هواه فما انكتم
(1) من المطبوع.
(2)
في المخطوط: "ميمون" والتصويب من الاستقامة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (2/ 89).
فلما رأيتُ الشوق بالحب بائحا
…
كشفت قناعي ثم قلت نعم نعم
فإن قيل مجنون فقد جنني الهوى
…
وإن قيل مسقام فما بي من سقم
وحق الهوى والحب والعهد بيننا
…
وحرمة روح الأنس في حندس (1) الظلم (2)
لقد لامني الواشون فيك جهالةً
…
فقلت لطرفي أفصح العذر فاحتشم
فعاتبهم طرفي بغير تكلم
…
وأخبرهم أن الهوى يُورثُ السقم
فبالحلم يا ذا المنِّ لا تبعدنني
…
وقرت مزاري منك يا بارئ النِّسم
وكان بعض هؤلاء يقول: "إذا بك لم أجن يا حبيبي فبمن؟! ".
ومن هؤلاء من كان يسمى مجنونًا كسعدون وغيره، ويسمون أيضاً "عقلاء المجانين" وكانت أقوالهم و [أحوالهم](3) محفوظة غالبًا، ويصدر منهم من الكلام الحسن شيء كثير.
…
(1) الحِنْدِس: الليل المظلم والظلمة. القاموس المحيط مادة "حندس".
(2)
الظلم: ثلاث ليال يلين الدُّرَع، والدُّرع: ثلاث ليالٍ يلين البيض، والبيض: هي الثالث عشر إِلَى الخامس عشر من الشهر الهجري.
(3)
في المطبوع: "وأفعالهم".