الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حكم صلاة الكسوف في أوقات النهي
(1)
بسم الله، والحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
فقد اختلف أهل العلم في حكم صلاة الكسوف في أوقات النهي، كما لو كسف القمر بعد طلوع الفجر أو الشمس بعد صلاة العصر، فذهب بعضهم إلى أنها لا تشرع الصلاة للكسوف في هذين الوقتين، ولكن يشرع التكبير والذكر والاستغفار والدعاء والصدقة والعتق لورود الأحاديث الصحيحة بذلك، منها قوله صلى الله عليه وسلم:«إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره (2) » ، ولما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عائشة وغيرها أنه أمر عند الكسوف بالتكبير والصدقة والدعاء والعتق، وذهب آخرون من أهل العلم إلى شرعية الصلاة للكسوف في الوقتين المذكورين لعموم الأحاديث الصحيحة الآمرة بها عند الكسوف، وهي كثيرة، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: «فإذا رأيتم ذلك
(1) صدرت من مكتب سماحته في تاريخ 2\6\1417هـ.
(2)
صحيح مسلم الكسوف (904) ، سنن النسائي الكسوف (1478) ، سنن أبو داود الصلاة (1178) ، مسند أحمد بن حنبل (3/318) .
فصلوا وادعوا حتى يكشف ما بكم (1) » وهذا القول هو الصواب لعموم الأحاديث المذكورة، ولأن صلاة الكسوف من ذوات الأسباب، والراجح من كلام العلماء أن الصلاة ذات السبب غير داخلة في النهي عن الصلاة في أوقات النهي، وإنما يراد بذلك النهي عن الصلاة التي لا سبب لها خاص، أما ذوات الأسباب فهي غير داخلة في النهي، مثل صلاة الكسوف، ومثل صلاة الطواف لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار (2) » ، ومثل تحية المسجد لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين (3) » ، وهذا يعم أوقات النهي وغيرها، ومثل سنة الوضوء، فإنه يشرع لمن توضأ أن يصلي ركعتين كما صحت بذلك الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد
(1) صحيح البخاري الجمعة (1040) ، سنن النسائي الكسوف (1491) ، مسند أحمد بن حنبل (5/37) .
(2)
رواه الترمذي في (كتاب الحج) برقم (868) ، والنسائي في (كتاب المناسك) باب ما جاء في الصلاة بعد العصر وبعد الفجر برقم (2924) ، وابن ماجه في (كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها) باب ما جاء في الرخصة في الصلاة بمكة في كل وقت برقم (1254) ، والبيهقي في السنن الكبرى (
(3)
رواه البخاري في (الجمعة) باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى برقم (1167) واللفظ له، ومسلم في (صلاة المسافرين وقصرها) باب استحباب تحية المسجد برقم (714) .
اختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وجماعة من أهل العلم للأحاديث المذكورة، وبناء على ذلك فمتى كسفت الشمس بعد العصر فإنه يشرع للمسلمين أن يبادروا بصلاة الكسوف مع الذكر والدعاء والتكبير والاستغفار والصدقة عملا بالأحاديث كلها في ذلك، أما إذا كسف القمر بعد طلوع الفجر فظاهر الأدلة الخاصة كما تقدم يقتضي شرعية صلاة الكسوف؛ لأن سلطانه لم يذهب بالكلية فيشرع لكسوفه صلاة الكسوف لعموم الأحاديث، ومن ترك فلا حرج عليه عملا بالقول الثاني؛ ولأن سلطانه في الليل وقد ذهب الليل، ومن صلى لكسوف القمر بعد الفجر فالأفضل البدار بذلك قبل صلاة الفجر، وهكذا لو كسف في آخر الليل ولم يعلم إلا بعد طلوع الفجر فإنه يشرع البدء بصلاة الكسوف ثم يصلي صلاة الفجر بعد ذلك، مع مراعاة تخفيف صلاة الكسوف حتى يصلي الفجر في وقتها، وفيما ذكرناه الجمع بين الأحاديث والعمل بها كلها، مع العلم بأن أخبار الحسابيين عن الكسوف لا يعتمد عليها ولا يعمل بها، وإنما تشرع صلاة الكسوف إذا رأى الناس ذلك لما ذكرنا من الأحاديث. والله ولي التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
س: قد يحدث كسوف الشمس بعد العصر، فهل تصلى صلاة الكسوف في وقت النهي؟ وكذا تحية المسجد؟ (1) .
ج: في المسألتين خلاف بين أهل العلم، والصواب جواز ذلك، بل شرعيته؛ لأن صلاة الكسوف وتحية المسجد من ذوات الأسباب.
والصواب: شرعيتها في وقت النهي بعد العصر وبعد الصبح، كبقية الأوقات لعموم قوله صلى الله عليه وسلم:«إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم (2) » متفق على صحته.
ولقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين (3) » متفق على صحته.
(1) من ضمن أسئلة موجهة إلى سماحته، طبعها الأخ \محمد الشايع في كتاب.
(2)
رواه البخاري في (الجمعة) باب الصلاة في كسوف القمر برقم (1063) ، والنسائي في (الكسوف) باب الأمر بالدعاء في الكسوف برقم (1502) .
(3)
رواه البخاري في (الجمعة) باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى برقم (1167) ، ومسلم في (صلاة المسافرين وقصرها) باب استحباب تحية المسجد برقم (714) .