الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفواكه العذاب في الرد على من لم يحكم السنة والكتاب
المسألة الأولى: فيمن دعا نبيا أو وليا وأستغاث به في تفريج الكربات
…
الفواكه العذاب في الرد على من لم يحكم السنة والكتاب
المسألة الأولى
قالوا ما قولكم فيمن دعا نبينا أو ولياً واستغاث به في تفريج الكربات كقوله يا رسول الله أويا ابن عباس أويا محجوب أو غيرهم من الأولياء الصالحين.
(الجواب) الحمد لله أحمده وأستعينه، وأستغفره وأعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادى له، وأشهد أن لااله الا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان، وقفا أثرهم الى آخر الزمان.
أما بعد فأن الله تعالى قد أكمل لنا الدين، ورسوله قد بلغ البلاغ المبين، وأنزل عليه الكتاب هدى وذكرى للمؤمنين، قال تعالى:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً} وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} وقال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} وقال تعالى {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى* وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} .
قال ابن عباس تكفل الله لمن قرأ القرآن واتبع ما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخر، وقال تعالى:{وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُون} .
وروى مالك في الموطأ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما، كتاب الله وسنة رسوله" وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لقد تركتم على المحجة البيضاء ليلها كنهار لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك" وقال صلى الله عليه وسلم: "ما تركت من شيء يقرب إلى الجنة إلا وحدثكم به ولا من شيء يقرب إلى النار إلا وقد حدثكم به " وقال صلى الله عليه وسلم: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشد ين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ. وإياكم ومحدثات الأمور فأن كل بدعة ضلالة" فمن أصغى إلى كتاب الله وسنة رسوله وجد فيهما الهدى والشفاء وقد ذ م الله تعالى من أعرض عن كتابه ودعا عند التنازع إلى حكم غيره فقال تعالى {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً} .
إذا عرف فنقول: الذي شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم عند زيارة القبور
إنما هو تذكر الآخر ة والإحسان إلى الميت بالدعاء له، والترحم والاستغفار له وسؤال العافية. كما في صحيح مسلم عن بريدة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا السلام على أهل الديار -وفي لفظ عليكم أهل الديار- من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية".
وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء" وعن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من ميت يصلى عليه أمة من المسلمين يبلغون مئة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه" رواه مسلم فإذا كنا على جنازته ندعوا له لا ندعوه، ونشفع له لا نستشفع به، فبعد الدفن أولى وأحرى.
فبدل أهل الشرك قولا غير الذي قيل لهم، بدلوا الدعاء له بدعائه، والشفاعة له بالإستشفاع به، وقصدوا بالزيارة التي شرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم إحسانا إلى الميت بسؤال الميت، وتخصيص تلك البقعة بالدعاء الذي هو مخ العبادة بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الدعاء مخ العبادة" رواه الترمذي وعن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الدعاء هو العبادة" ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} رواه أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة، ومن المحال أن يكون دعاء الموت مشروعاً ويصرف عنه القرون الثلاثة المفضلة بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يوفق له الخلوف الذي يقولون مالا يفعلون، ويفعلون مالا يؤمرون.
فهذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه طريقة الصحابة والتابعين لهم بإحسان، هل نقل عن أحد منهم بنقل صحيح أو حسن أنهم كانوا إذا كان لهم حاجة قصدوا القبور فدعوا عندها، وتمسحوا بها، فضلاً عن أن يسألوا أصحابها جلب الفوائد، وكشف الشدائد؟ ومعلوم أن مثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، وقد كان عندهم من قبور أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمطار عدد كثير وهم متوافرون فما منهم من استغاث عند قبره، ولا دعاه، ولا استشفى به، ولا استنصر به، ولا أحد من الصحابة استغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته، ولا بغيره من الأنبياء، ولا كانوا يقصدون الدعاء عند قبور الأنبياء ولا الصلاة عندها، فإن كان عندكم في هذا أثر صحيح أو حسن فأوقفونا عليه، بل الذي صح عنهم خلاف ما ذهبتم إليه.
ولما قحط الناس في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استسقى بالعباس وتوسل بدعائه وقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقنا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون. ثبت ذلك في صحيح البخاري ذكره في كتاب الاستسقاء من صحيحه.
ونحن نعلم بالضرورة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرع لأمته أن يدعوا
أحداً من الأموات ولا الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها، بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور، وأن ذلك من الشرك الأكبر الذي حرمه الله ورسوله.
قال الله تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً} وقال تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ* وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} وقال تعالى: {فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ} وقال تعالى: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ} الآية. وقال تعالى: {وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ} وقال تعالى: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُم} الآية. وقال تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً} .
قال مجاهد: يبتغون إلى ربهم الوسيلة هو عيسى وعزير والملائكة، وقال إبراهيم النخعي قال: كان ابن عباس يقول في قوله تعالى {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ} هو عزير والمسيح والشمس والقمر.
وعن السدي وعن أبي هريرة. وعن ابن عباس قال: عيسى وأمه والعزير. وعن عبد الله بن مسعود قال: نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفراً من الجن فأسلم الجنيون والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون بإسلامهم، فنزلت هذه الآية. ثبت ذلك عنه في صحيح البخاري ذكره في كتاب التفسير، وهذه الأقوال في معنى الآية كلها حق، فإن الآية تعم كل من كان معبوده عابداً لله سواء كان من الملائكة، أو من الجن، أو من البشر. فالآية خطاب لكل من دعا من دون الله مدعواً، وذلك المدعوا يبتغي إلى الله الوسيلة، ويرجوا رحمته، ويخاف عذابه، فكل من دعا ميتاً، أو غائباً من الأنبياء والصالحين فقد تناولته هذه الآية.
ومعلوم أن المشركين يسألون الصالحين بمعنى أنهم وسائط بينهم وبين الله، ومع هذا فقد نهى الله عن دعائهم وبين أنهم لا يملكون كشف الضر عن الداعي ولا تحويله ولا يرفعونه بالكلية ولا يحولونه من موضع إلى موضع كتغيير صفته أو قدره، ولهذا قال {وَلا تَحْوِيلاً} فذكر نكرة تعم أنواع التحويل، فكل من دعا ميتاً من الأنبياء والصالحين أو دعا الملائكة أو الجن فقد دعا من لا يغيثه، ولا يملك كشف الضر عنه ولا تحويله وهؤلاء المشركون اليوم منهم من إذا نزلت به شدة لا يدعوا إلا شيخه، ولا يذكر اسمه، قد لهج الصبي بذكر أمه، فإذا تعس أحدهم قال: يا ابن عباس. أيا محجوب. ومنهم من يحلف بالله ويكذب، ويحلف بابن عباس أو غيره فيصدق ولا يكذب، فيكون المخلوق في صدره أعظم من الخالق.
وإذا كان دعاء الموتى يتضمن هذا الاستهزاء بالدين، وهذه المحادة لرب العالمين،
فأي الفريقين أحق بالاستهزاء والمحادة لله؟ من كان يدعوا الموتى ويستغيث بهم ويأمر بذلك؟ أو من كان لا يدعوا إلا الله وحده لا شريك له كما أمرت به رسله ويوجب طاعة الرسول ومتابعته في كل ما جاء به؟
ونحن بحمد الله من أعظم الناس إيجاباً لرعاية جانب الرسول تصديقاً له فيما أخبر، وطاعة له فيما أمر، واعتناء بمعرفة ما بعث به واتباع ذلك دون ما خالفه عملاً بقوله تعالى:{اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ} وقوله تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} .
ومعنا ولله الحمد أصلان عظيمان (أحدهما) : أن لا نعبد إلا الله فلا ندعو إلا هو، ولا نذبح النسك إلا لوجهه، ولا نرجو إلا هو، ولا نتوكل إلا عليه.
(والأصل الثاني) أن لا نعبده إلا بما شرع، لا نعبده بعبادة مبدعة.. وهذان الأصلان هما تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله أن محمداً رسول الله، فان شهادة أن لا إله إلا الله تتضمن إخلاص الألوهية لله فلا يتأله القلب، ولا اللسان، ولا الجوارح بغيره تعالى. لا يحب، ولا خشية، ولا إجلال ولا رغبة، ولا رهبة، وشهادة أن محمداً عبده ورسوله تتضمن تصد يقه في جميع ما أخبر به وطاعته واتباعه في كل ما أمر به، فما أثبته وجب اتباعه.
وقد روي عن البخاري من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى" قالوا ومن يأبى يا رسول الله؟ قال "من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبي".
إذا تمهد هذا فنقول الذي نعتقده وندين لله به أن من دعا نبياً أو وليا أو غيرهما وسأل منهم الحاجات، وتفريج الكربات، فقد ارتكب أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين حيث اتخذوا أولياء وشفعاء يستجلبون بهم المنافع، ويستدفعون بهم المضار بزعمهم. قال الله تعالى:{وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} فمن جعل الأنبياء أو غيرهم كابن عباس، والمحجوب أو أبي طالب، وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم، ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار –بمعنى أن الخلق يسألونهم وهم يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملوك حوائج الناس لقربهم منهم، والناس يسألونهم أدبا منهم أن يباشروا سؤال الملك، أو لكونهم أقرب إلى الملك -فمن جعلهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر مشرك حلال المال والدم.
وقد نص العلماء رحمهم الله على ذلك وحكوا عليه الإجماع قال في الإقناع وشرحه: من جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم كفر إجماعا لأن ذلك كفعل عابدي الأصنام قائلين {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} انتهى.
وقال الإمام أبو الوفا علي بن عقيل الحنبلي رحمه الله لما صعبت التكاليف على الطغام والجهال عدلوا عن أوضاع الشرك إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم قال وهم عندي كفار بهذه الأوضاع مثل تعظيم القبور وإكرامها والتزامها بما نهى عنه الشرع من ايقاد النيران وتقبيلها وتخليقها وخطاب الموتى بالحوائج وكتب الرقاع عليها:
يا مولاي افعل لي كذا وكذا. وأخذ تربتها تبركاً، وافاضة الطيب على القبور، وشد الرحال إليها وإلقاء الخرق على الشجر اقتداء بمن عبد اللات والعزى. انتهى كلامه.
وقال الإمام البكري الشافعي رحمه الله في تفسيره عند قوله تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} وكانت الكفار إذا سئلوا: من خلق السموات والأرض؟ قالوا الله، فإذا سئلوا عن عبادة الأصنام قالوا:{مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ} لأجل طلب شفاعتهم عند الله وهذا كفر منهم. انتهى كلامه.
فتأمل ما ذكره صاحب الإقناع وما ذكره ابن عقيل من تعظيم القبور وخطاب الموتى بالحوائج وإن ذلك كفر. وقال الحافظ العماد بن كثير رحمه الله في تفسيره عند قوله تعالى {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} إنما يحملهم على عبادتهم انهم عمدوا إلى الأصنام اتخذوها على صور الملائكة المقربين بزعمهم فعبدوا تلك الصور تنزيلا لذلك منزلة عبادتهم الملائكة ليشفعوا لهم عند الله في نصرهم ورزقهم وما ينوبهم من أمور الدنيا، فأما المعاد فكانوا جاحدين له، كافرين به.
قال قتادة والسدى ومالك عن زيد بن أسلم وابن زيد {إِلَاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} أي ليشفعوا لنا عنده وليقربونا ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك. وهذه الشبهة هي التي اعتقدها المشركون في قديم الدهر وحديثة وجاءتهم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم بردها والنهى عنها والدعوة إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له. وأن هذا شيء اخترعه المشركون من عند أنفسهم لم يأذن الله فيه ولا رضي به بل أبغضه ونهى عنه.
قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} وأخبر أن الملائكة التي في السموات من المقربين وغيرهم كلهم عبيد خاضعون لله لا يشفعون عنده إلا بأذنه لمن ارتضى، وليسوا عنده كالأمراء عند ملوكهم يشفعون عندهم بغير إذنهم فيما أحبه الملوك وكرهوه {فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ} تعالى عن ذلك. انتهى كلامه.
وقال الإمام البكري رحمه الله عند قوله تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ} الآية: فإن قلت إذا أقروا بذلك فكيف عبدوا الأصنام؟
(قلت) كلهم كانوا يعتقدون بعبادتهم الأصنام عبادة الله والتقرب إليه لكن بطرق مختلفة ففرقة قالت ليس لنا أهلية عبادة الله تعالى بلا واسطة لعظمته فعبدناها لتقربنا إليه زلفى، وفرقة قالت الملائكة ذو وجاهة ومنزلة عند الله فاتخذونا أصناما على هيئتها لتقربنا إلى الله زلفى. وفرقة قالت جعلنا الأصنام قبلة لنا في العبادة كما أن الكعبة قبلة في عبادته، وفرقة قالت اعتقد ت أن لكل ملك شيطاناً موكلاً بأمر الله فمن عبد الصنم حق عبادته قضى الشيطان حوائجه بأمر الله ولا أصابه شيطان بنكبة بأمر الله تعالى. انتهى كلامه.
فأنظر إلى كلام هؤلاء الأئمة وتصريحهم بأن المشركين ما أرادوا ممن عبدوا إلا التقرب إلى الله وطلب شفاعتهم عند الله وتأمل ما ذكره ابن كثير وما حكاه عن زيد بن أسلم وابن زيد، ثم قال وهذا الشبة هي التي أعتقدها المشركين في قديم الدهر وحديثة وجاءتهم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم بردها والنهى عنها. وتأمل ما ذكره البكري رحمة الله عند آية الزمر أن الكفار ما أرادوا إلا الشفاعة ثم صرح بأن هذا كفر.
فمن تأمل ما ذكره الله في كتابه تبين له أن الكفار ما أرادوا ممن عبدوا إلا التقرب إلى الله وطلب شفاعتهم عند الله فانهم لم يعتقدوا فيها أنها تخلق الخلائق وتنزل المطر وتنبت النبات بل كانوا مقرين أن الفاعل لذلك هو الله وحده لا شريك له في ذلك.
قال الله تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ} وقال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} وقال تعالى: {قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} إلى غير ذلك من الآيات التي أخبر الله فيها أن المشركين معترفون أن الله هو الخالق الرازق وإنما كانوا يعبدونهم ليقربوهم ويشفعوا لهم كما ذكره سبحانه في قوله: {وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} فبعث الله الرسل وأنزل الكتب ليعبد وحده ولا يجعل معه إله آخر وأخبر سبحانه وتعالى أن الشفاعة كلها له وأنه لا يشفع عنده أحد إلا بأذنه وأنه لا يأذن إلا لمن رضي قوله وعمله، وأنه لا يرضى إلا التوحيد والشفاعة مقيدة بهذه القيود قال تعالى {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً} وقال تعالى {مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ} وقال تعالى:{مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَاّ بِإِذْنِهِ} وقال تعالى: {يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً} وقال تعالى {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَاّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} وقال تعالى: {وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} .
وفي الصحيحين من غير وجه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سيد ولد آدم، وأكرم الخلق على الله أنه تعالى " آتى تحت العرش فأخر لله ساجداً، ويفتح علي بمحامد لا أحصيها الآن، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقول: يا محمد أرفع رأسك، وقل يسمع، واشفع تشفع –قال- فيحد لي حداً ثم أدخلهم الجنة ثم أعود" فذكر أربع مرات صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء.
وقال الإمام البكري رحمه الله عند قوله تعالى: {وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ} نفي الشفيع وإن كانت الشفاعة واقعة في الآخرة لأنها من حيث أنها لا تقع إلا بإذنه، كأنها غير موجودة من غيره، وهو كذلك لكن جعل ذلك لتبين الرتب، وجملة النفي حال من ضمير يحشروا، وهي محل الخوف، والمراد به المؤمنون العاصون، انتهى.
وقال أيضاً عند قوله تعالى {يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً} دل على أن الشفاعة تكون للمؤمنين فقط. وقال الحافظ عماد الدين بن كثير عند قوله تعالى: {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ} يقرر تعالى أنه لا إله إلا هو الذي خلق السموات والأرض وهو ربها ومدبرها، وهم مع هذا قد اتخذوا من دون الله أولياء يعبدونهم، وإنما عبد هؤلاء المشركون آلهة هم يعترفون أنها مخلوفة عبيد له كما كانوا يقولون في تلبيتهم لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وماملك.
وكما أخبرنا عنهم في قوله {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} فأنكر تعالى ذلك عليهم حيث اعتقدوا ذلك وهو تعالى لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه {وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} ثم قد أرسل رسله من أولهم إلى آخرهم يزجرون عن ذلك، وينهونهم عن عبادة من سوى الله فكذبوهم.. انتهى كلامه.
والمقصود بيان شرك المشركين الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنهم ما أرادوا ممن عبدوا إلا التقرب إلى الله، وطلب شفاعتهم عند الله.
وبيان أن طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم في الشدائد أنه من الشرك الأكبر الذي كفر الله به المشركين. وبيان أن الشفاعة كلها لله، ليس لأحد معه فيها شيء، وأنه لا شفاعة إلا بعد إذن الله تعالى، وأنه تعالى لا يأذن إلا لمن رضي قوله وعمله. وأنه لا يرضى إلا التوحيد كما تقدمت الأدلة الدالة على ذلك.
ومعلوم أعلى الخلق وأفضلهم وأكرمهم عند الله الرسل والملائكة المقربون. وهم عبيد محض لا يسبقونه بالقول. ولا يتقدمون بين يديه. ولا يفعلون شيئاً إلى بعد إذنه لهم وأمره فيأذن سبحانه لمن يشاء أن يشفع فيه. فصارت الشفاعة في الحقيقة إنما هي له تعالى. والذي شفع عنده إنما شفع بإذنه له. وأمره بعد شفاعته سبحانه إلى نفسه. وهي إرادته أن يرحم عبيده. وهذا ضد الشفاعة الشركية التي أثبتها المشركون ومن وافقهم. وهي التي أبطلها سبحانه في كتابه بقوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي
نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ} وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ} .
ولهذا كان أسعد الناس بشفاعة سيد الشفعاء يوم القيامة أهل التوحيد كما صرحت بذلك النصوص فروى البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا لله خالصاً من قلبه" (وعن عوف بن مالك قال قال رسول صلى الله عليه وسلم: "أتاني أت من عند ربي فخيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة وهي لمن مات لا يشرك بالله شيئاً" رواه الترمذي وابن ماجه.
فأسعد الناس بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل التوحيد الذين جردوا التوحيد لله وأخلصوه من التعليقات الشركية وهم الذين ارتضى الله سبحانه قال تعالى: {وَلا يَشْفَعُونَ إِلَاّ لِمَنِ ارْتَضَى} وقال تعالى {يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً} فأخبر سبحانه أنه لا يحصل يومئذ شفاعة تنفع إلا بعد رضاه قول المشفوع له وإذنه للشافع.
فأما المشرك فإنه لا يرتضيه ولا يرضى قوله فلا يأذن للشفعاء أن يشفعوا فيه فإنه سبحانه علقها بأمرين رضاه عن المشفوع له وإذنه للشافع. فما لم يوجد مجموع الأمرين لم توجد الشفاعة. وهذه الشفاعة في الحقيقة هي منه سبحانه فإنه الذي أذن والذي قبل والذي رضي عن المشفوع له والذي وفقه لفعل ما يستحق به الشفاعة فالرب تبارك وتعالى هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعا من أذن له أن يشفع ليكرمه. فللشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك ولهذا أثبتها الله سبحانه بإذنه في موضوع من كتابه. وبين النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد كما تقدم من حديث أبي هريرة وعوف بن مالك.
فمتخذ الشفيع مشرك لا تنفعه شفاعته. ولا يشفع فيه. ومتخذ الرب إلهه ومعبوده هو الذي يأذن للشفيع أن يشفع فيه. قال تعالى: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً} وقال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} .
فبين أن المتخذين شفعاء مشركون. وأن الشفاعة لا تحصل باتخاذهم إنما تحصل بإذنه سبحانه للشافع ورضاه عن المشفوع له كما تقدم بيانه. والمقصود أن الكتاب والسنة دلا على أن من جعل الملائكة أو الأنبياء أو ابن عباس أو أبا طالب أو المحجوب وسائط بينهم وبين الله ليشفعوا لهم عند الله لأجل قربهم من الله كما يفعل عند الملوك أنه كافر مشرك حلال الدم والمال وإن قال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول
الله. وصلى وصام. وزعم أنه مسلم. بل هو من الأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.
ومن تأمل القرآن العزيز وجده مصرحاً بأن المشركين الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مقرون بأن الله هو الخالق الرازق وأن السموات السبع ومن فيهن والأرضين السبع ومن فيهن كلهم عبيده وتحت قهره وتصريفه كما حكاه تعالى عنهم في سورة يونس وسورة المؤمنين والعنكبوت وغيرها من السور -ووجده مصرحاً بأن المشركين يدعون الصالحين كما ذكر تعالى ذلك عنهم في سورة سبحان والمائدة وغيرهما من السور، وكذلك ذكر عنهم أنهم يعبدون الملائكة كما ذكر ذلك في سورة الفرقان والنجم ووجده مصرحاً بأن المشركين ما أرادوا ممن عبدوا إلا الشفاعة والتقرب إلى الله كما ذكر تعالى ذلك عنهم في سورة يونس والزمر وغيرهما من السور.
فإذا تبين لكم أن القرآن قد صرح بهذه المسائل الثلاث أعني اعتراف المشركين بتوحيد الربوبية، وأنهم يدعون الصالحين وأنهم ما أردوا منهم إلا الشفاعة تبين لكم أن الذي يفعل عند القبور اليوم من سؤالهم جلب الفوائد، وكشف الشدائد، أنه الشرك الأكبر الذي كفر الله به المشركين، فإن هؤلاء المشركين مشبهون شبهوا الخالق تعالى بالمخلوق.
وفي القرآن العزيز وكلام أهل العلم من الرد على هؤلاء مالا يتسع له هذا الموضع فإن الوسائط التي بين الملوك وبين الناس تكون على أحد وجوه ثلاثة إما لإخبارهم عن أحوال الناس مالا يعرفونه ومن قال أن الله لا يعرف أحوال العباد حتى يخبره بذلك بعض الأنبياء أو غيرهم من الأولياء والصالحين فهو كافر بل هو سبحانه يعلم السر وأخفى لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.
(الثاني) أن يكون الملك عاجزاً عن تدبير رعيته ودفع أعدائه إلا بأعوان يعاونونه فلا بد له من أعوان يعاونونه وأنصار لذله وعجزه. والله سبحانه ليس له ظهير ولا ولي من الذل وكل ما في الوجود من الأسباب فهو سبحانه ربه وخالقه وهو الغني عن كل ما سواه وكل ما سواه فقير إليه، بخلاف الملوك المحتاجين إلى ظهرائهم وهم في الحقيقة شركاؤهم، والله سبحانه ليس له شريك في الملك، بل لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، ولهذا لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، فضلاً عن غيرهما، فإن من شفع عنده بغير إذنه فهو شريك له في حصول المطلوب أثر فيه بشفاعته حتى يفعل ما يطلب منه، والله تعالى لا شريك له بوجه من الوجوه.
(الثالث) أن لا يكون الملك مريداً لنفع رعيته والإحسان إليهم إلا بمحرك يحركه من خارج فإذا خاطب الملك من ينصحه ويعظه أو من يدل عليه بحيث يكون يرجوه ويخافه تحركت إرادة الملك وهمته في قضاء حوائج رعيته.
والله تعالى رب كل شيء ومليكه وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها وكل الأسباب
إنما تكون بمشيئته، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. وهو سبحانه إذا أراد إجراء نفع العباد بعضهم على يد بعض جعل هذا يحسن إلى هذا ويدعوا له أو يشفع له. فهو الذي خلق ذلك كله وهو الذي خلق في قلب هذا المحسن والداعي إرادة الإحسان والدعاء والشفاعة ولا يجوز أن يكون في الوجود من يكرهه على خلاف مراده أو يعلمه ما لم يكن يعلمه. والشفعاء الذين يشفعون عنده لا يشفعون إلا بإذنه كما تقدم بيانه. بخلاف الملوك المحتاجين فإن الشافع عندهم يكون شريكاً لهم في الملك وقد يكون مظاهراً لهم على ملكهم. وهم يشفعون عند الملوك بغير إذن الملوك.
والملك يقبل شفاعتهم تارة لحاجته إليهم وتارة لجزاء إحسانهم ومكافأتهم. حتى إنه يقبل شفاعة ولده وزوجته لذلك فإنه محتاج إلى الزوجة والولد. حتى لو أعرض عنه ولده وزوجته لتضرر بذلك ويقبل شفاعة مملوكه فإذا لم يقبل شفاعته يخاف أن لا يطيعه. ويقبل شفاعة أخيه مخافة أن يسعى في ضرره. وشفاعة العباد بعضهم عند بعض كلها من هذا الجنس. فلا يقبل أحد شفاعة أحد إلا لرغبة أو لرهبة.
والله تعالى لا يرجو أحداً ولا يخافه ولا يحتج إلى أحد. هو الغني سبحانه عما سواه وكل ما سواه فقير إليه. والمشركون يتخذون شفعاء من جنس ما يعدونه عند المخلوق وقال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} وقال تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} فأخبر سبحانه أن مايدعى من دونه لايملك كشف الضر عن الداعي ولاتحويله فأنهم يرجون رحمته ويخافون عذابه. ويتقربون إلى الله. فقد نفى سبحانه ما أثبتوه من توسط الملائكة والأنبياء. وفيما ذكرنا كفاية لمن هداه إله. وأما من أراد الله فتنته فلا حيلة فيه {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً} .