الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الرجل ان يتحرى الدعاء عند قبره صلى الله عليه وسلم واستدل عليه بالحديث وهو الذي رواه وسمعه من أبيه الحسين عن جده علي وهو أعلم بمعناه من هؤلاء الضلال، وكذلك عن الحسن بن الحسن شيخ أهل بيته كره أن يقصد الرجل القبر اذا لم يكن يريد المسجد، ورأى ان ذلك من اتخاذه عيداً، فانظر إلى هذه السنة كيف مخرجها من أهل المدنية، وأهل البيت الذين لهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم قرب نسبى وقرب الدار لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم وكانوا له أضبط، والعيد اذا جعل اسما للمكان فهو المكان الذي يقصد الاجتماع فيه، وانتيابه للعبادة عنده أو لغير العبادة كما ان المسجد الحرام ومزدلفة، وعرفة جعلها الله عيداً مثابة للناس يجتمعون فيها وينتابونها للدعاء والذكر والنسك، وكان المشركون لهم أمكنة ينتابونها للاجماع عندها فلما جاء الاسلام محا الله ذلك كله.
فصل: إن في اتخاذ القبور أعيادا من المفاسد العظيمة التي لا يعلمها إلا الله
…
(فصل)
واعلم أن في اتخاذ القبور أعياداً من المفاسد العظيمة التي لا يعلمها إلا الله ما يغضب لأجله كل من في قلبه وقار لله وغيرة على التوحيد فمن ذلك الصلاة إليها، والطواف بها وتقبيلها، واستلامها وتعفير الخدود على ترابها، والاستغاثة باصحابها وسؤالهم الرزق، والنصر والعافية وقضاء الديون، وتفريج الكربات، واغاثة اللفهات وغير ذلك من أنواع الطلبات التي كان عباد الاصنام يسألونها أوثانهم، وهذا هو عين الشرك الأكبر الذي بعث الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ينهي عنه، ويقاتل أهله ومن مات عليه كان من أهل النار عياذا بالله من ذلك.
وكان مبدأ هذا الداء العظيم في قوم نوح لما غلوا في الصالحين كما أخبر الله عنهم في كتابه حيث قال: {وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً} قال ابن جرير: وكان من خبر هؤلاء ما حدثناه ابن حميد حدثنا مهران عن سفيان عن موسى عن محمد بن قيس، أن يغوث ويعوق ونسرا كانوا قوماً صالحين.
فهؤلاء جمعوا بين فتنتين فتنة القبر وفتنة التماثيل وهما الفتنتان اللتان أشار إليهما النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكرت له أم سلمة كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور فقال: "أولئك إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله" وهذا كان سبب عبادة اللات فروى ابن جرير بإسناده عن منصور عن مجاهد ة {أَفَرَأَيْتُمُ اللَاّتَ وَالْعُزَّى} قال: كان يلت السويق للحاج فمات فعكفوا على قبره، وكذلك قال أبو الجوزاء
عن ابن عباس: كان يلت السويق للحاج، فقد رأيت أن سبب عبادة يغوث ويعوق ونسر واللات إنما كان سببه تعظيم قبورهم، ثم اتخذوا لها تماثيل ثم عبدوها.
قال أبو العباس ابن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه: وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع عن اتخاذ المساجد على القبور وهي التي أوقعت كثيراً من الأمم إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك، فإن الشرك بقبر الرجل الذي يعتقد صلاحه إلى أقرب النفوس من الشرك بخشبة أو حجر، ولهذا تجد أهل الشرك كثيراً يتضرعون عندها ويخشعون ويعبدون بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في بيوت الله، ولا وقت السحر، ومنهم من يسجد لها، وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها، والدعاء ما لا يرجون في المساجد، فلأجل هذه المفسدة حسم النبي صلى الله عليه وسلم مادتها حتى نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس، وإن لم يقصد ما قصده المشركون سداً للذريعة.
قال وأما إن قصد الرجل بالصلاة عند القبر تبركاً بالصلاة في تلك البقعة فهذا عين المحادة لله ورسوله، والمخالفة لدينه وابتداع دين لم يأذن به الله، فإن المسلمين قد أجمعوا على أن الصلاة عند القبور منهي عنها، وأنه لعن من اتخذها مساجد، وبناء المساجد عليها. فقد تواترت النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن ذلك والتغليظ فيه، بل نهى عن ذلك في نهاية حياته ثم إنه لعن وهو في السياق من فعل ذلك من أهل الكتاب ليحذر أمته أن يفعلوا ذلك، قالت عائشة رضي الله عنها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبائهم مساجد" ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً" متفق عليه، وقولها خشي هو بضم الخاء المعجمة تعليلاً لمنع إبراز قبره، وأبلغ من هذا أنه نهى عن الصلاة إلى القبر فلا يكون القبر بين المصلي والقبلة وروى مسلم في صحيحه عن أبي مرثد الغنوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها" وفي هذا إبطال قول من زعم أن النهي عن الصلاة فيها لأجل النجاسة فهذا أبعد شيء عن مقاصد الرسول صلى الله عليه وسلم وهو باطل من عدة وجوه.
منها: أن الأحاديث كلها ليس فيها فرق بين المقبرة الحديثة المنبوشة كما يقوله المعللون بالنجاسة ومنها: أنه صلى الله عليه وسلم لعن اليهود والنصارى على اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد، ومعلوم قطعاً أن هذا ليس لأجل النجاسة لأن قبور الأنبياء من أطهر البقاع وليس للنجاسة عليها طريق فإن الله حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم فهم في قبورهم طريون.
ومنها: أنه نهى عن الصلاة إليها.
ومنها: أنه أخبر أن الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام، ولو كان ذلك لأجل النجاسة لكاد الحشوش، والمجازر أولى من ذكر القبور.