الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لا تكال، ولا تدخر، إلا العنب الرطب، فلم يفرق بين رطبه ويابسه، وكان إذا جاء الرَّجُلُ بِالزَّكَاةِ دَعَا لَهُ، فَتَارَةً يَقُولُ:«اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ وَفِي إِبِلِهِ» وَتَارَةً يَقُولُ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ»
وَلَمْ يَكُنْ مِنْ هَدْيِهِ أَخْذُ كرائم الأموال بل وسطه، وكان يَنْهَى الْمُتَصَدِّقَ أَنْ يَشْتَرِيَ صَدَقَتَهُ، وَكَانَ يُبِيحُ للغني أن يأكل منها إذا أهداها إليه الفقير، وَكَانَ أَحْيَانًا يَسْتَدِينُ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الصَّدَقَةِ، وكان يسم إبل الصدقة بيده، وإذا عَرَاهُ أَمْرٌ، اسْتَسْلَفَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَرْبَابِهَا، كَمَا استسلف من العباس صَدَقَةَ عَامَيْنِ.
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم في زكاة الفطر]
وفرض زكاة الفطر عليه وعلى من يمونه من صغير وكبير صاعا من تمر أو شعير أو أقط أو زبيب، وروي عنه:«صَاعًا مِنْ دَقِيقٍ» وَرُوِيَ عَنْهُ: «نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ» مَكَانَ الصَّاعِ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، ذَكَرَهُ أبو داود، وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " أَنَّ معاوية هو الذي قوم ذلك.
وكان من هديه إخراجها قبل صلاة العيد، وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ:«أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِزَكَاةِ الْفِطْرِ أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصلاة» .
وفي " السنن " عنه: «مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصدقات» وَمُقْتَضَى هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا عَنْ صَلَاةِ الْعِيدِ، وَأَنَّهَا تَفُوتُ بِالْفَرَاغِ مِنَ الصلاة، وهذا هو الصواب، وَنَظِيرُهُ تَرْتِيبُ الْأُضْحِيَّةِ عَلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ، لَا على وقتها، وأن من ذبح قبلها، فهي شاة لحم.
وكان من هديه تخصيص المساكين بها، ولم يكن يقسمها على الأصناف الثمانية، وَلَا فَعَلَهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَلَا مَنْ بعدهم.
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم في صدقة التطوع]
فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ كَانَ أعظم الناس صدقة بما ملكت يده، ولا يستكثر شيئا أعطاه لله، ولا يستقله، وكان لا يسأل أَحَدٌ شَيْئًا عِنْدَهُ إِلَّا أَعْطَاهُ، قَلِيلًا كَانَ أو كثيرا، وَكَانَ سُرُورُهُ وَفَرَحُهُ بِمَا يُعْطِيهِ أَعْظَمَ مِنْ سرور الآخذ بما أخذه، وَكَانَ إِذَا عَرَضَ لَهُ مُحْتَاجٌ، آثَرَهُ عَلَى نفسه، تارة بطعامه، وتارة بلباسه.
وكان يتنوع في أصناف إعطائه وصدقته، فتارة بالهدية، وتارة بالصدقة، وتارة بالهبة، وتارة بشراء الشيء، ثم يعطي البائع السلعة والثمن، وتارة يقترض
الشيء، فيرد أكثر منه، ويقبل الهدية، ويكافئ عليها بأكثر منها، تلطفا وتنوعا في ضروب الإحسان بكل ممكن، وكان إحسانه بِمَا يَمْلِكُهُ وَبِحَالِهِ وَبِقَوْلِهِ، فَيُخْرِجُ مَا عِنْدَهُ، ويأمر بالصدقة، ويحض عليها، فإذا رآه البخيل، دعاه حاله إلى البذل.
وكان من خالطه لا يملك نفسه عن السماحة، ولذلك كان أشرح الخلق صدرا، وأطيبهم نفسا، فإن للصدقة والمعروف تأثرا عجيبا في شرح الصدر، فانضاف ذَلِكَ إِلَى مَا خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ شرح صدره بالرسالة وَخَصَائِصِهَا وَتَوَابِعِهَا، وَشَرْحِ صَدْرِهِ حِسًّا، وَإِخْرَاجِ حَظِّ الشيطان منه.
وأعظم أَسْبَابِ شَرْحِ الصَّدْرِ التَّوْحِيدُ، وَعَلَى حَسَبِ كَمَالِهِ وَقُوَّتِهِ وَزِيَادَتِهِ يَكُونُ انْشِرَاحُ صَدْرِ صَاحِبِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} [الزُّمَرِ: 22](1) . وَقَالَ تَعَالَى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا} [الأنعام: 125](2) .
ومنها النور الذي يقذفه الله في القلب، وهو نور الإيمان، وفي الترمذي مرفوعا «إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح» الحديث.
ومنها العلم، فإنه يشرح الصدر، ويوسعه، وليس هذا لكل علم، بل للموروث عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
ومنها الإنابة إلى الله، ومحبته بكل القلب، والمحبة تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ فِي انْشِرَاحِ الصَّدْرِ، وَطِيبِ النَّفْسِ، وكلما كانت المحبة أقوى، كان الصدر أشرح، ولا يضيق إلا عند روية البطالين.
ومنها دوام الذكر، فللذكر تأثير عجيب في انشراح الصدر.
وَمِنْهَا الْإِحْسَانُ إِلَى الْخَلْقِ، وَنَفْعُهُمْ بِمَا يُمْكِنُهُ مِنَ الْمَالِ وَالْجَاهِ، وَالنَّفْعِ بِالْبَدَنِ، وَأَنْوَاعِ الْإِحْسَانِ.
ومنها الشجاعة، فإن الشجاع منشرح الصدر.
وأما سرور الروح ولذتها، فَمُحَرَّمٌ عَلَى كُلِّ جَبَانٍ، كَمَا هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَى كُلِّ بَخِيلٍ، وَعَلَى كُلِّ مُعْرِضٍ عَنِ الله، غافل عن ذكره، جاهل به وبدينه، متعلق القلب بغيره، وَلَا عِبْرَةَ بِانْشِرَاحِ صَدْرِ هَذَا لِعَارِضٍ، وَلَا بِضِيقِ صَدْرِ هَذَا لِعَارِضٍ، فَإِنَّ الْعَوَارِضَ تَزُولُ بِزَوَالِ أَسْبَابِهَا، وَإِنَّمَا الْمُعَوَّلُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي قَامَتْ بِالْقَلْبِ تُوجِبُ انْشِرَاحَهُ وَحَبْسَهُ، فَهِيَ الْمِيزَانُ.
ومنها بل من أعظمها
(1) 22 الزمر.
(2)
125 الأنعام.