المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[فصل في ما اشتملت عليه هذه الغزوة من الأحكام] - مختصر زاد المعاد

[محمد بن عبد الوهاب]

فهرس الكتاب

- ‌[مقدمة الناشر مختصر زاد المعاد]

- ‌[ترجمة المؤلف]

- ‌[ترجمة الإمام ابن القيم]

- ‌[مقدمة المؤلف]

- ‌[فصل اختص الله نفسه بالطيب]

- ‌[فصل في وجوب معرفة هدي الرسول]

- ‌[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْوُضُوءِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم فِي الصَّلَاةِ]

- ‌[فصل في قراءة صلاة الفجر]

- ‌[فصل في هديه في القراءة في باقي الصلوات]

- ‌[فصل في ركوعه صلى الله عليه وآله وسلم]

- ‌[فَصْلٌ في كيفية سجوده]

- ‌[فصل في كيفية جلوسه وإشارته في التشهد]

- ‌[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم في سجود السهو]

- ‌[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم في السنن الرواتب والتطوعات]

- ‌[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم فِي قِيَامِ اللَّيْلِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم في صلاة الضحى]

- ‌[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم في الجمعة]

- ‌[فصل في تعظيم يوم الجمعة]

- ‌[فِي هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم فِي صلاة العيدين]

- ‌[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف]

- ‌[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء]

- ‌[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم في سفره وعباداته فيه]

- ‌[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم في قراءة القرآن]

- ‌[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم في زيارة المرضى]

- ‌[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف]

- ‌[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم في الزكاة]

- ‌[فَصْلٌ في من يعطى الصدقة]

- ‌[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم في زكاة الفطر]

- ‌[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم في صدقة التطوع]

- ‌[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم في الصيام]

- ‌[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم فِي الِاعْتِكَافِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم في حجه وعمرته]

- ‌[فصل في إحرامه]

- ‌[فصل قد تَضَمَّنَتْ حَجَّتُهُ صلى الله عليه وسلم سِتَّ وقفات للدعاء]

- ‌[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْهَدَايَا وَالضَّحَايَا وَالْعَقِيقَةِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم في الأضاحي]

- ‌[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم في العقيقة]

- ‌[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم في الأسماء والكنى]

- ‌[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم فِي حِفْظِ الْمَنْطِقِ وَاخْتِيَارِ الْأَلْفَاظِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم في الذكر]

- ‌[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم عند دخوله مَنْزِلِهِ]

- ‌[فِي هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم فِي الأذان]

- ‌[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم في آداب الطعام]

- ‌[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم في السلام والاستئذان]

- ‌[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم في السلام على أهل الكتاب]

- ‌[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم فِي الاسْتِئْذَانِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم في آداب السفر]

- ‌[فصل فيما يقوله ويفعله من بلي بالوساوس]

- ‌[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم فِيمَا يقوله عند الغضب]

- ‌[فَصْلٌ فِي أَلْفَاظٍ كَانَ صلى الله عليه وسلم يكره أن تقال]

- ‌[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم في الجهاد والغزوات]

- ‌[فصل في أنواع الجهاد]

- ‌[فَصْلٌ في دعوة الرسول قومه إلى دينه]

- ‌[فصل في الهجرة إلى الحبشة]

- ‌[فصل في الإسراء]

- ‌[فَصْلٌ فِي مَبْدَأِ الْهِجْرَةِ الَّتِي فَرَّقَ اللَّهُ بها بين أوليائه وأعدائه]

- ‌[فصل في قدوم النبي الْمَدِينَةِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ]

- ‌[فصل في أحوال رسول الله والمسلمين عندما استقر بالمدينة]

- ‌[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم في القتال]

- ‌[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم في الأسارى]

- ‌[فصل في حكم الأراضي التي يغنمها المسلمون]

- ‌[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم في الأمان والصلح]

- ‌[فصل في ترتيب هَدْيِهِ مَعَ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ مِنْ حِينِ بُعِثَ بالدين إلى أن لقي الله عز وجل]

- ‌[فصل في سياق مغازيه]

- ‌[فصل في غزوتي بدر وأحد]

- ‌[فصل في ما اشتملت عليه هذه الغزوة من الأحكام]

- ‌[فَصْلٌ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ]

- ‌[فصل في قصة الحديبية]

- ‌[فصل في غزوة خيبر]

- ‌[فصل في غزوة الفتح العظيم]

- ‌[فصل في غزوة حنين]

- ‌[فصل في غزوة الطائف]

- ‌[فصل في غزوة تبوك]

- ‌[فصل في الإشارة إلى ما تضمنته هذه القصة من الفوائد]

- ‌[فصل في حديث الثلاثة الذين خُلِّفُوا]

- ‌[فصل في حجة أبي بكر رضي الله عنه]

- ‌[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم في علاج حر المصيبة]

- ‌[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم في علاج الكرب والهم والحزن]

- ‌[فِي هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم فِي علاج الفزع والأرق]

- ‌[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم فِي حِفْظِ الصِّحَّةِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم أَقْضِيَتِهِ وَأَحْكَامِهِ]

- ‌[فصل في حكمه بالغنائم]

- ‌[فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ صلى الله عليه وسلم في قسمة الأموال]

- ‌[فصل حكمه فِي الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ لِعَدُوِّهِ وَفِي رُسُلِهِمْ أَنْ لا يقتلوا ولا يحبسوا]

- ‌[فصل في أحكامه في النكاح وتوابعه]

الفصل: ‌[فصل في ما اشتملت عليه هذه الغزوة من الأحكام]

خمس عشرة سنة، ورد من رده لصغره عن سن البلوغ، وقالت طائفة: أجازهم لطاقتهم، وَلَا تَأْثِيرَ لِلْبُلُوغِ وَعَدَمِهِ فِي ذَلِكَ، قَالُوا: وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: فَلَمَّا رآني مطيقا أجازني.

ثم ذكر قصة الأصيرم، وكلام أبي سفيان على الجبل، وهي ما روى البخاري في " صحيحه " عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: «أشرف أبو سفيان، قال: أفي القوم محمد؟ فقال صلى الله عليه وسلم: لا تجيبوه، قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ فقال: لا تجيبوه، فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: لا تجيبوه، فقال: إن هؤلاء قد قتلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا، فلم يملك عمر نفسه، فقال: كذبت يا عدو الله أبقى الله تعالى لك ما يخزيك ويسوءك.

قال أبو سفيان: أعلُ هُبَل، أعلُ هُبَل. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: أجيبوه، قالوا: مَا نُقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ، قال أبو سفيان: لنا العزّى ولا عزّى لكم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أجيبوه، قَالُوا: مَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُ مَوْلَانَا ولا مولى لكم. قَالَ أبو سفيان: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، وَالْحَرْبُ سِجال، فأجابه عمر: لَا سَوَاءً قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ، وَقَتْلَاكُمْ فِي النار، ثم قال أبو سفيان: وستجدون مثلة لم آمر بها ولم تسؤني.

»

[فصل في ما اشتملت عليه هذه الغزوة من الأحكام]

فصل

في ما اشتملت عليه هذه الغزوة من الأحكام منها أن الجهاد يلزم بالشروع فيه، فمن لبس لأمته، وشرع في أسبابه ليس له أن يرجع.

ومنها أنه لا يجب الخروج إذا طرق العدو في الديار

وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَأْذَنُ لِمَنْ لَا يُطِيقُ القتال من الصبيان

وَمِنْهَا جَوَازُ الْغَزْوِ بِالنِّسَاءِ، وَالِاسْتِعَانَةِ بِهِنَّ فِي الجهاد، وجواز الانغماس في العدو، كما فعل أنس بن النضر وغيره، وأن الإمام إذا خرج صلى بهم قاعدا وصلوا وراءه قعودا، وأن الدعاء بالشهادة، وتمنيها ليس من المنهي عنه كما فعل ابن جَحْشٍ، وأن الْمُسْلِمَ إِذَا قَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ النار كقزمان، وأن الشهيد لَا يُغَسَّلُ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلَا يُكَفَّنُ في غير ثيابه إلا أن يسلبها، وأنه إذا كان جنبا غُسِّل كحنظلة، وأن الشهداء يدفنون في مصارعهم لأمره بردّ القتلى إليها، وجواز دفن الاثنين والثلاثة في قبر واحد، وهل دفنهم في ثيابهم استحباب

ص: 143

أو وجوب؟ الثاني: أظهر، ومنها أن المعذور كالأعرج يجوز له الخروج، وأن المسلمين إذا قتلوا مسلما يظنونه كافرا في الجهاد، فديتُه في بيت المال، لأنه أراد أن يدي أبا حذيفة بن اليمان، فَامْتَنَعَ حذيفة مِنْ أَخْذِ الدِّيَةِ، وَتَصَدَّقَ بِهَا على المسلمين.

فأما الحِكَم التي في هذه الوقعة، فقد أشار سبحانه إلى أُمهاتها في سُورَةِ (آلِ عِمْرَانَ) مِنْ قَوْلِهِ:{وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ} [آل عمران: 121] إلى تمام الستين آية.

فمنها تعريفهم بسوء عاقبة المعصية والفشل والتنازع، ليتقوا ويحذروا من أسباب الخذلان، وأن حكمة الله جرت بأن الرسل وأتباعهم يُدالون مَرَّةً، ويُدال عَلَيْهِمْ أُخْرَى، لَكِنْ تَكُونُ لَهُمُ العاقبة، فلو انتصروا عليه دائما لم يحصل المقصود، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [آلِ عِمْرَانَ: 179](1) أَيْ: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَكُمْ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْتِبَاسِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْمُنَافِقِينَ حَتَّى يَمِيزَ أَهْلَ الْإِيمَانِ مِنْ أَهْلِ النفاق، كما ميزهم بالمحن يَوْمَ أُحُدٍ، {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ} [آل عمران: 179] الذي يميز بين هؤلاء وهؤلاء، فإنهم متميزون في علمه، وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُرِيدُ أَنْ يَمِيزَهُمْ تَمْيِيزًا مَشْهُودًا. وَقَوْلُهُ:{وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ} [آل عمران: 179] اسْتِدْرَاكٌ لِمَا نَفَاهُ مِنَ اطلاعهم على الغيب، أي: سِوَى الرُّسُلِ، فَإِنَّهُ يُطْلِعُهُمْ عَلَى مَا يَشَاءُ كما في سورة الجن، فسعادتكم بالإيمان بِالْغَيْبِ الَّذِي يُطْلِعُ عَلَيْهِ رُسُلَهُ، فَإِنْ آمَنْتُمْ به واتقيتم كان لكم أعظم الأجر.

ومنها استخراج عبودية أوليائه في السراء والضراء، وفيما يحبون وفيما يكرهون فإذا ثبتوا على الطاعة فيما أحبوا وكرهوا، فهم عبيده حقا وليسوا كمن يعبده على حرف.

ومنها أنه لو بسط لهم النصر دائما لكانوا كما يكونون لو بسط لهم في الرزق، فهو المدبر لهم، كَمَا يَلِيقُ بِحِكْمَتِهِ، إنَّهُ بِهِمْ خَبِيرٌ بَصِيرٌ.

ومنها أنهم إذا انكسروا له استوجبوا النصر، فإن خلعة النصر مع ولاية الذل، كما قَالَ تَعَالَى:{وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ} [آل عمران: 123](2) .

{وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ} [التوبة: 25](3) الآية، ومنها أنه هيأ لعباده منازل لا تبلغها أعمالهم، ولا يبلغونها إلا بالبلاء، فقيضه لهم بالأسباب التي توصلهم إليها من ابتلائهم

(1) سورة آل عمران، الآية:179.

(2)

سورة آل عمران، الآية:123.

(3)

سورة التوبة، الآية:25.

ص: 144

وامتحانهم، كما وفّقهم للأعمال الصالحة.

ومنها أن العافية الدائمة، والنصر والغنى يورث ركونا إلى العاجلة، ويثبط النفوس، ويعوقها عن السير إلى الله، فإذا أراد الله كرامة عبد قيّض له من البلاء ما يكون دواء لهذا.

وَمِنْهَا أَنَّ الشَّهَادَةَ عِنْدَهُ مِنْ أَعْلَى مَرَاتِبِ أوليائه، وهو سبحانه يحب أن يتخذ من أوليائه شهداء.

ومنها أنه سبحانه إذا أراد هلاك أعدائه قيّض أسبابا يستوجبون بها هلاكهم، وَمِنْ أَعْظَمِهَا بَعْدَ كُفْرِهِمْ بَغْيُهُمْ وَطُغْيَانُهُمْ وَمُبَالَغَتُهُمْ وبغيهم في أذى أوليائه، فيتمض بذلك أولياؤه من ذنوبهم، ويكون من أسباب محق أعدائه، وذكر سبحانه ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ:{وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا} [آل عمران: 139] إلى قوله:

{وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 141](1) فجمع بين تشجيعهم، وحسن التعزية، وذكر الحكم التي اقتضت إدالة الله الْكُفَّارِ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ:{إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ} [آل عمران: 140](2) أي: ما بالكم تحزنون وتهنون عند هذا، وقد مسهم مثله في سبيل الشيطان.

ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ يُدَاوِلُ أَيَّامَ هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا بَيْنَ النَّاسِ، وَأَنَّهَا عَرَضٌ حَاضِرٌ يُقَسِّمُهَا دولا بين أوليائه وأعدائه بخلاف الآخرة، ثم ذكر حكمة أخرى، وهي تمييز المؤمن من المنافق، فَيَعْلَمُهُمْ عِلْمَ رُؤْيَةٍ وَمُشَاهَدَةٍ بَعْدَ أَنْ كَانُوا معلومين في غيبة، لأن الْعِلْمُ الْغَيْبِيُّ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ثَوَابٌ وَلَا عقاب، ثم ذكر حكمة أخرى، وهي اتخاذه منهم شهداء، وَقَوْلُهُ:{وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 140] تنبيه لطيف على كراهته وبغضه للمنافقين انْخَذَلُوا عَنْ نَبِيِّهِ يَوْمَ أُحد، فَلَمْ يَشْهَدُوهُ ولم يتخذ منهم شهداء، لأنه لا يحبهم، ثم ذكر حكمة أخرى، وهي تمحيص المؤمنين من الذنوب، وأيضا من المنافقين، ثُمّ ذَكَرَ حِكْمَةً أُخْرَى، وَهِي مَحْقُ الْكَافِرِينَ. ثم أنكرعليهم حسبانهم وظنهم دخول الجنة بدون الجهاد، فَقَالَ:{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ} [آل عمران: 142](3) أي: ولما يقع منكم، فيكون الجزاء على الواقع المعلوم، ثم وبخهم على هزيمتهم من

(1) سورة آل عمران، الآية: 139-142.

(2)

آل عمران، الآية:140.

(3)

آل عمران، الآية:142.

ص: 145

أَمْرٍ كَانُوا يَتَمَنَّوْنَهُ، وَيَوَدُّونَ لِقَاءَهُ، فَقَالَ:{وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} [آل عمران: 143](1) وَمِنْهَا أن هذه الوقعة مقدمة بين يدي موته صلى الله عليه وسلم وَالشَّاكِرُونَ هُمُ الَّذِينَ عَرَفُوا قَدْرَ النِّعْمَةِ، فَثَبَتُوا عَلَيْهَا حَتَّى مَاتُوا أَوْ قُتِلُوا، فَظَهَرَ أَثَرُ هَذَا الْعِتَابِ وَحُكْمُ هَذَا الْخِطَابِ يَوْمَ مَاتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل لهم العاقبة، ثم أخبر أنه جعل لكل نفس أجلا، ثم أخبر أن كثيرا من الأنبياء قُتلوا، وَقُتِلَ مَعَهُمْ أَتْبَاعٌ لَهُمْ كَثِيرُونَ، فَمَا وَهَنَ مَن بَقِيَ مِنْهُمْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سبيل الله، وما ضعفوا وما اسْتَكَانُوا بَلْ تَلَقَّوُا الشَّهَادَةَ بِالْقُوَّةِ وَالْعَزِيمَةِ وَالْإِقْدَامِ، ثم أخبر سبحانه عما استنصر بِهِ الْأَنْبِيَاءُ وَأُمَمُهُمْ عَلَى قَوْمِهِمْ مِنَ اعْتِرَافِهِمْ، وتوبتهم واستغفارهم، وسؤالهم ربهم التثبيت لأقدامهم، والنصر عَلَى أَعْدَائِهِمْ فَقَالَ:{وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 147](2) لما علموا أَنَّ الْعَدُوَّ إنَّمَا يُدال عَلَيْهِمْ بِذُنُوبِهِمْ، وَأَنَّ الشّيْطَانَ إنَّمَا يَسْتَزِلُّهُمْ، وَيَهْزِمُهُمْ بِهَا، وَأَنَّهَا نَوْعَانِ: تقصير في حق، أو تجاوز في حد، وأن النصر منوط بِالطَّاعَةِ قَالُوا:{رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا} [آل عمران: 147] ثم علموا أنه سبحانه وتعالى إنْ لَمْ يُثَبِّتْ أَقْدَامَهُمْ، وَيَنْصُرْهُمْ، لَمْ يقدروا على ذلك، فسألوه ما هو بيده، فَوَفَّوُا الْمَقَامَيْنِ حَقَّهُمَا: مَقَامَ الْمُقْتَضِي، وَهُوَ التَّوْحِيدُ والالتجاء إليه، ومقام إزالة المانع من النصر، وَهُوَ الذُّنُوبُ وَالْإِسْرَافُ، ثُمَّ حَذَّرَهُمْ سُبْحَانَهُ مِنْ طاعة عدوهم الكفار والمنافقين، وأنهم إن فعلوا ذلك خسروا الدارين، وفيه تعريض بمن أطاعهم من المنافقين لما انتصروا يَوْمَ أُحد، ثُمَّ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ مَوْلَى المؤمنين وخير الناصرين، فمن والاه، فهو المنصور، ثم أخبر أَنَّهُ سَيُلْقِي فِي قُلُوبِ أَعْدَائِهِمُ الرُّعْبَ الَّذِي يمنعهم من الهجوم عليهم، وذلك بسب الشرك، وعلى قدر الشرك يكون الرعب، والمؤمن الذي لم يلبس إيمانه بالشرك، له الأمن والهدى.

ثم أخبر بصدق وعده في النصر، وأنهم لو استمروا على الطاعة، لاستمر النصر، ولكن انخلعوا عن الطاعة،

(1) آل عمران، الآية:143.

(2)

آل عمران، الآية:147.

ص: 146

فَفَارَقَتْهُمُ النُّصْرَةُ، فَصَرَفَهُمْ عَنْ عَدُوِّهِمْ عُقُوبَةً وَابْتِلَاءً وتعريفا لهم بعاقبة المعصية، ثم أخبر بعفوه عنهم بعد ذلك. قيل للحسن: كيف عفا وقد سلّط عليهم أعداءهم؟ فقال: لولا عفوه لاستأصلهم، ولكن بعفوه دفع عنهم عدوهم بعد أن أجمعوا عَلَى اسْتِئْصَالِهِمْ. ثُمَّ ذَكَّرَهُمْ بِحَالِهِمْ وَقْتَ الْفِرَارِ مصعدين، أي: جادين في الهرب، أَوْ صَاعِدِينَ فِي الْجَبَلِ لَا يَلْوُونَ عَلَى نبيهم وأصحابهم، وَالرَّسُولُ يَدْعُوهُمْ فِي أُخْرَاهُمْ:«إِلَى عِبَادِ اللَّهِ أنا رسول الله» ، فأثابهم بهذا الفرار غمًا بعد غم: الفرار، وغم صرخة الشيطان بأن محمدا قُتل، وَقِيلَ: جَازَاكُمْ غَمًّا بِمَا غَمَمْتُمْ رَسُولَهُ بفراركم عنه، والأول أظهر لوجوه:

الأول: قوله: {لِكَيْلَا تَأْسَوْا} [الحديد: 23] إلى آخره، تنبيها عَلَى حِكْمَةِ هَذَا الْغَمِّ بَعْدَ الْغَمِّ، وَهُوَ نسيانهم الحزن على ما فاتهم من الظفر، وما أصابهم من الهزيمة، وهذا إنما يحصل بغم يَعْقُبُهُ غَمٌّ آخَرُ.

الثَّانِي: أَنَّهُ مُطَابِقٌ لِلْوَاقِعِ، فحصل غَمُّ فَوَاتِ الْغَنِيمَةِ، ثُمَّ أَعْقَبَهُ غَمُّ الْهَزِيمَةِ، ثم غم الجراح والقتل، ثم سماع قتل النبي، ثم ظهور العدو على الجبل، وَلَيْسَ الْمُرَادُ غَمَّيْنِ اثْنَيْنِ خَاصَّةً، بَلْ غَمًّا متتابعا لتمام الابتلاء. الثالث: أن قوله: بِغَمٍّ من تمام الصواب، لَا أَنَّهُ سَبَبُ جَزَاءِ الثَّوَابِ، وَالْمَعْنَى: أَثَابَكُمْ غَمًّا مُتَّصِلًا بِغَمٍّ جَزَاءً عَلَى مَا وَقَعَ من الهرب وإسلامهم النبي، وترك الاستجابة له، ومخالفته في لزوم المركز، وتنازعهم وفشلهم، وكل واحد يوجب غما يخصه، ومن لطفه بهم أنها من موجبات الطباع التي تمنع من النصرة المسقرة، فَقَيَّضَ لَهُمْ بِلُطْفِهِ أَسْبَابًا أَخْرَجَهَا مِنَ الْقُوَّةِ إِلَى الْفِعْلِ، فَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا آثَارُهَا الْمَكْرُوهَةُ، فَعَلِمُوا أن التوبة منها، والاحتراز منها، ودفعها بأضدادها متعين، وربما صحت الأجساد بالعلل.

ثم إنه سبحانه رحمهم، فغيّب عنهم الغم بالنعاس، وهو في الحرب علامة النصر، كما نزل يَوْمَ بَدْرٍ، وَأَخْبَرَ أَنَّ مَنْ لَمْ يُصِبْهُ فَهُوَ مِمَّنْ أَهَمَّتْهُ نَفْسُهُ لَا دِينُهُ وَلَا نَبِيُّهُ وَلَا أَصْحَابُهُ، وَأَنَّهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ.

وفسر هذا الظن بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَنْصُرُ رَسُولَهُ، وَأَنَّ أَمْرَهُ سيضمحل، وفسر بظنهم أن ما أصابهم لم يكن بقدر الله، وَلَا حِكْمَةَ لَهُ فِيهِ، فَفُسِّرَ بِإِنْكَارِ الْحِكْمَةِ وإنكار القدر وإنكار إتمام دينه، وهذا هو ظن السوء الذي ظنه المشركون والمنافقون في (سورة الفتح) ، وإنما كان هذا الظن ظن السوء

ص: 147

لأنه ظن لا يليق بالله وصفاته وأسمائه وحكمته وحمده، وتفرده بالربوبية والألوهية وصدقه في وعده، فمن ظن أنه لا يتم أمر رسوله، وأنه يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة، يضمحل معها الحق اضمحلالا لا يقوم بعده، فقد ظن به ظَنَّ السَّوْءِ، وَنَسَبَهُ إِلَى خِلَافِ مَا يَلِيقُ بكماله وصفاته، ومن أنكر أن يكون ذلك بقدره، فما عرفه ولا عرف ملكه، وكذلك من أنكر الحكمة التي يستحق الحمد عليها في ذلك، فزعم أنها مشيئة مجردة عن الحكمة، فذلك ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النار.

وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم وفي غيرهم، ولا يسلم من ذَلِكَ إلَّا مَنْ عَرَفَ اللَّهَ، وَعَرَفَ أَسْمَاءَهُ وصفاته وموجب حمده وحكمته، فمن قنط من رحمته، فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ، وَمَنْ جَوَّزَ عليه أنه يعذب المحسن، ويسوي بينه وبين عدوه، فقد ظن به ذلك، ومن ظن أنه يترك خلقه سدى من الأمر والنهي، فقد ظن به ظن السوء. وكذلك من ظن أنه لا يثيبهم ولا يعاقبهم، ولا يبين لهم ما اختلفوا فيه، وكذلك من ظن أنه يضيع العمل الصالح بلا سبب من العبد، ويعاقبه بما لا صُنع فيه، أو جوّز عليه أن يؤيد أعداءه بالمعجزات التي يؤيد بها الرسل، وأنه يحسن منه كل شيء حتى يخلد في النار من فنى عمره في طاعته، وينعم من أستنفذ عمره في معصيته، وكلاهما في الحسن سواء لا يعرف امتناع أحدهما إلَّا بِخَبَرٍ صَادِقٍ، وَإِلَّا فَالْعَقْلُ لَا يَقْضِي بقبح أحدهما وحسن الآخر، وكذلك من ظن أَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ بِمَا ظاهره باطل، وَتَرَكَ الْحَقَّ لَمْ يُخْبِرْ بِهِ وَإِنَّمَا رَمَزَ إليه رموزا بعيدة، وصرح دائما بالتشبيه وبالباطل، وأراد من خلقه أن يتعبوا أذهانهم في تحريف كلامه، وَأَحَالَهُمْ فِي مَعْرِفَةِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ عَلَى عُقُولِهِمْ، لَا عَلَى كِتَابِهِ، بَلْ أَرَادَ مِنْهُمْ أَنْ لَا يَحْمِلُوا كَلَامَهُ عَلَى مَا يَعْرِفُونَ مِنْ لغتهم مع قدرته على التصريح بالحق، وإزالة الألفاظ التي توقعهم في اعتقاد الباطل، وَظَنَّ أَنَّهُ هُوَ وَسَلَفُهُ عَبَّرُوا عَنِ الْحَقِّ دُونَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَنَّ الْهُدَى وَالْحَقَّ فِي كلامهم، وأن كلام الله لا يؤخذ من ظاهره إلا الضلال فهذا من أسوأ الظن بالله، فكل من هَؤُلَاءِ مِنَ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ، وَمِنَ الظانين بالله غير الحق ظن الجاهلية، ومن ظن أنه يَكُونَ فِي مُلْكِهِ مَا لَا يَشَاءُ،

ص: 148

وَلَا يَقْدِرُ عَلَى إيجَادِهِ وَتَكْوِينِهِ فَقَدْ ظَنَّ به ظن السوء، ومن ظن أنه متعطل من الأزل إلى الأبد عن الفعل، ولا يوصف به ثم صار قادرا عليه، فقد ظن به الظن السوء، ومن ظن أَنَّهُ لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يَعْلَمُ الموجودات، فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ، وَمَنْ ظَنَّ أنه لا إرادة له، ولا كلام يقوم به، ولم يكلم أحدا، ولا يتكلم أبدا، وَلَا لَهُ أَمْرٌ وَلَا نَهْيٌ يَقُومُ بِهِ، فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ، وَمَنْ ظَنَّ أنه ليس فوق سماواته على عرشه بائنا من خلفه، وأن الأمكنة بالنسبة إليه سواء، ومن قال: سبحان ربي الأسفل، كمن قال: سبحان ربي الأعلى، فقد ظن به أقبح الظن، ومن ظن أنه يحب الكفر والفسوق والعصيان، كما يحب الطاعة، فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ، وَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يُحِبُّ وَلَا يَرْضَى وَلَا يَغْضَبُ، وَلَا يُوَالِي وَلَا يُعَادِي، وَلَا يَقْرُبُ مِنْ أحد ولا يقرب منه أحد، فقد ظن به ظن السوء، وكذلك من ظَنَّ أَنَّهُ يُسَوِّي بَيْنَ الْمُتَضَادَّيْنِ، أَوْ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمُتَسَاوِيَيْنِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، أَوْ يُحْبِطُ طاعات العمر بكبيرة واحدة تكون بعدها فيخلد فاعلها في النار أبد الآبدين بتلك الكبيرة، فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَمَنْ ظَنَّ بِهِ خِلَافَ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، أو وصفه به رسوله، أو عطّل ما وصف به نفسه، فقد ظن به ظن السوء، كمن ظَنَّ أَنَّ لَهُ وَلَدًا أَوْ شَرِيكًا أَوْ شفيعا بغير إذْنِهِ، أَوْ أَنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ وَسَائِطَ، يرفعون حوائجهم إليه، أو أن ما عنده ينال بالمعصية كما ينال بالطاعة، أو ظن أَنَّهُ إذَا تَرَكَ لِأَجْلِهِ شَيْئًا لَمْ يُعَوِّضْهُ خيرا منه، أو ظن أنه يعاقب بمحض المشيئة بغير سبب من العبد، أو ظن أنه إذا صدق في الرغبة والرهبة أنه يجيبه، أو ظن أَنَّهُ يُسَلِّطُ عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم أعداءه تسليطا مستقرا في حياته ومماته، وأنه ابتلاه بِهِمْ لَا يُفَارِقُونَهُ، فَلَمَّا مَاتَ اسْتَبَدُّوا بِالْأَمْرِ دون وصيِّته وظلموا أهل بيته، وكانت العزة لأعدائه وأعدائهم بلا ذنب لأوليائه، وهو يقدر على نصرهم، ثم جعل أعداءه المبدلين دينه مضاجعين له في حفرته وتسلم أمته عليه وعليهم، وكل مبطل وكافر ومبتدع مقهور، فهو يظن بربه هذا الظن، فأكثر الخلق بل كلهم إلا ما شَاءَ اللَّهُ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ السوء، ومن فتش نفسه، رَأَى ذَلِكَ فِيهَا كَامِنًا كُمُونَ النَّارِ فِي الزناد، فاقدح من زناد من شئت ينبئك شرره عما في زناده، فَمُسْتَقِلٌّ وَمُسْتَكْثِرٌ، وَفَتِّشْ نَفْسَكَ هَلْ أَنْتَ سَالِمٌ،

ص: 149

فَإِنْ تنْج مِنْهَا تَنْجُ مِنْ ذِي عظيمَةٍ

وَإِلَّا فَإِنِّي لَا إِخَالُكُ نَاجِيًا

فَلْيَعْتَنِ اللَّبِيبُ النَّاصِحُ لِنَفْسِهِ بِهَذَا الْمَوْضِعِ، وَلْيَتُبْ إِلَى اللَّهِ ويستغفره كُلَّ وَقْتٍ مِنْ ظَنِّهِ بِرَبِّهِ ظَنَّ السَّوْءِ.

وَالْمَقْصُودِ مَا سَاقَنَا إِلَى هَذَا الْكَلَامِ مِنْ قوله تعالى: {يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ} [آل عمران: 154](1) ثم أخبر عن الكلام الصادر عَنْ ظَنِّهِمُ الْبَاطِلِ وَهُوَ قَوْلُهُمْ: {هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ} [آلِ عِمْرَانَ: 154] وَقَوْلُهُمْ: {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا} [آل عمران: 154] فليس مقصودهم بهذا إثبات القدر، ولو كان ذلك لم يذموا، ولما حسن الرد عليهم بِقَوْلِهِ:{قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} [آل عمران: 154] ولهذا قال غير واحد: إن ظنهم هذا التَّكْذِيبُ بِالْقَدَرِ، وَظَنُّهُمْ أَنَّ الْأَمْرَ لَوْ كَانَ إليهم لما أصابهم القتل، فأكذبهم بقوله:{إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} [آل عمران: 154] فَلَا يكون إلا ما سبق به قضاؤه، فلو كتب القتل على من كان في بيته لخرج إلى مضجعه، وَهَذَا مِنْ أَظْهَرِ الْأَشْيَاءِ إبْطَالًا لِقَوْلِ الْقَدَرِيَّةِ.

ثم أخبر تعالى عن حكمة أخرى في هذا التقدير، وهي ابتلاء ما في صدورهم، واختبار مَا فِيهَا مِنَ الْإِيمَانِ وَالنِّفَاقِ، فَالْمُؤْمِنُ لَا يزداد بذلك إلا إيمانا، والمنافق ومن في قلبه مرض يظهر على جوارحه، ثم ذكر حكمة أخرى، وهي تمحيص ما في قلوب المؤمنين، وهو تنقيتها، فإن القلوب يخالطها من بغلبة الطبائع وميل النفس، وَحُكْمِ الْعَادَةِ، وَتَزْيِينِ الشَّيْطَانِ، وَاسْتِيلَاءِ الْغَفْلَةِ مَا يضادُّ ما فيها من الإيمان، فلو كانت في عافية دائمة لم تتخلص من هذا، فكانت رحمته عليهم بهذه الكسرة والهزيمة تعادل نعمته عليهم بالنصرة، ثم أخبر تعالى عمن تولى من المؤمنين، وأنه بسبب ذنوبهم فاستزلهم الشيطان بتلك الأعمال، فَكَانَتْ أَعْمَالُهُمْ جُندا عَلَيْهِمُ ازْدَادَ بِهَا عَدُوُّهُمْ قُوَّةً، فَإِنَّ الْأَعْمَالَ جُنْدٌ لِلْعَبْدِ وجُند عَلَيْهِ، ففرار الإنسان من عدو يطيقه إنما هو بجند من عمله.

ثم أخبر أَنَّهُ عَفَا عَنْهُمْ لِأَنَّ هَذَا الْفِرَارَ لَمْ يكن عن شك وإنما كان لعارض، ثم ذكر سبحانه أن هذا بأعمالهم فَقَالَ:{أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا} [آلِ عِمْرَانَ: 165](2) وَذَكَرَ هَذَا بِعَيْنِهِ فِيمَا هُوَ أعم من ذلك في السور المكية، وقال:{وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30](3)

(1) سورة آل عمران، الآية:154.

(2)

سورة آل عمران، الآية:165.

(3)

سورة الشورى، الآية:30.

ص: 150

وَقَالَ: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [النساء: 79](1) فالنعمة فضله، والسيئة عدله، وختم الآية بِقَوْلِهِ:{إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 165] بعد قوله: {هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} [آل عمران: 165] إعْلَامًا بعموم قدرته مع عدله، ففيه إثبات القدر والسبب فأضاف السبب إلى نفوسهم، وعموم القدرة إِلَى نَفْسِهِ، فَالْأَوَّلُ يَنْفِي الْجَبْرَ، وَالثَّانِي يَنْفِي إبطال القدر، فهو مشاكل قَوْلَهُ:{لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ - وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير: 28 - 29](2) وفي ذكر قدرته نُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ، وَهِيَ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ بِيَدِهِ، فلا تطلبوا كشف أمثاله من غيره، وكشف هذا ووضحه بِقَوْلِهِ:{وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ} [آل عمران: 166](3) وَهُوَ الْإِذْنُ الْكَوْنِيُّ الْقَدَرِيُّ، ثم أخبر عن حكمة هذا التقدير وهو أَنْ يَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ عِلْمَ عِيَانٍ، فتكلم المنافقون بِمَا فِي نُفُوسِهِمْ، فَسَمِعَهُ الْمُؤْمِنُونَ، وَسَمِعُوا رَدَّ الله عليهم وعرفوا مؤدى النفاق وما يئول إليه، فَلَلَّهِ كَمْ مِنْ حِكْمَةٍ فِي ضِمْنِ هَذِهِ القصة ونعمة، وكم فيها من تحذير وإرشاد، ثم عزَّاهم عمن قُتل منهم أحسن تعزية فَقَالَ:{وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ} [آل عمران: 169](4) الآيات فجمع لهم بين الحياة الدائمة، والقرب مِنْهُ وَأَنَّهُمْ عِنْدَهُ، وَجَرَيَانَ الرِّزْقِ الْمُسْتَمِرِّ عَلَيْهِمْ، وَفَرَحَهُمْ بِمَا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَهُوَ فَوْقَ الرِّضَى، وَاسْتِبْشَارُهُمْ بِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ بِاجْتِمَاعِهِمْ بِهِمْ، يَتِمُّ سُرُورُهُمْ وَنَعِيمُهُمْ، وَاسْتِبْشَارُهُمْ بِمَا يُجَدِّدُ لَهُمْ كُلَّ وقت من نعمه وكرامته.

وذكّرهم سبحانه في هذه المحنة بما هو من أعظم نعمه عليهم، التي لو قابلوا بها كل محنة تنالهم وبلية لتلاشت في جنب هذه النعمة، وهي إرسال رسول من أنفسهم، وكل بليّة بعد هذا الخير العظيم أمر يسير جدا في جنب هذا الخير الكثير، فأعلمهم أن المصيبة من عند أنفسهم، ليحذروا، وأنها بقدره ليوحدوا ويتكلوا، وأخبرهم بما له من الحِكم لئلا يتهموه في فضله وقدره، وليتعرف

(1) سورة النساء، الآية:79.

(2)

آية 28، 29 التكوير.

(3)

سورة الأنفال، الآية:41.

(4)

سورة آل عمران، الآية:169.

ص: 151

إلَيْهِمْ بِأَنْوَاعِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَسَلَّاهُمْ بِمَا أَعْطَاهُمْ مما هو أعظم خَطَرًا مِمَّا فَاتَهُمْ مِنَ النَّصْرِ وَالْغَنِيمَةِ، وَعَزَّاهُمْ عن قتلاهم لِيُنَافِسُوهُمْ فِيهِ، وَلَا يَحْزَنُوا عَلَيْهِمْ، فَلَهُ الْحَمْدُ كَمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَكَمَا يَنْبَغِي لِكَرَمِ وَجْهِهِ وعز جلاله.

فصل ولما انقضت الحرب، وانكفأ المشركون، فظن المسلمون أنهم قصدوا المدينة، فشق ذلك عليهم، فقال صلى الله عليه وسلم لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه:" اخْرُجْ فِي آثَارِ الْقَوْمِ، فَانْظُرْ مَاذَا يَصْنَعُونَ وَمَاذَا يُرِيدُونَ، فَإِنْ هم جنبوا وامتطوا الْإِبِلَ، فَإِنَّهُمْ يُرِيدُونَ الْمَدِينَةَ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لئن أرادوها، لأسيرن إليهم، ثم لأناجزهم فِيهَا "، قَالَ علي: فَخَرَجْتُ فِي آثَارِهِمْ أَنْظُرُ مَاذَا يَصْنَعُونَ، فَجَنَّبُوا الْخَيْلَ، وَامْتَطَوُا الْإِبِلَ، وَوَجَّهُوا إِلَى مَكَّةَ وَلَمَّا عَزَمُوا عَلَى الرُّجُوعِ إِلَى مَكَّةَ أَشْرَفَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أبو سفيان ثُمَّ ناداهم: موعدكم الموسم ببدر. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " قولوا: نعم " ثم انصرفوا.

فلما كانوا ببعض الطريق تلاوموا فيما بينهم، فقالوا: أصبتم شوكتهم، ثم تركتموهم يجمعون لكم، فارجعوا نستأصلهم، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَنَادَى فِي النَّاسِ، وَنَدَبَهُمْ إِلَى الْمَسِيرِ، وَقَالَ:" لَا يَخْرُجْ مَعَنَا إلَّا مَنْ شَهِدَ القتال "، فاستجاب له المسلمون على ما بهم، فاستأذنه جابر لحبس أبيه إياه، فأذن له، فساروا حتى أتوا حمراء الأسد، فقال أبو سفيان لبعض من يريد المدينة من المشركين: هَلْ لَكَ أَنْ تُبْلِغَ مُحَمَّدًا رِسَالَةً، وَأُوقِرَ لك راحلتك زبيبا إذا أتيت مكة؟ قال: نعم. قال: بلغه أنا جمعنا الكرة لنستأصله وأصحابه، فلما قال لهم ذلك، قَالُوا:{حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ - فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} [آل عمران: 173 - 174](1) . وكانت وقعة أُحد في شوال سنة ثلاث، وَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى المدينة، فأقام بقية السنة، فلما استهل المحرّم، بلغه أن طليحة وسلمة ابني خويلد قَدْ سَارَا فِي قَوْمِهِمَا ومن أطاعهما يدعوان بني أسد من خزيمة إلى حربه، فبعث أبا سلمة ومعه مائة وخمسون، فانتهوا إلى ماء لبني أسد يأوي قطن بن أبي مرثد الغنوي

(1) سورة آل عمران: 173، 174.

ص: 152

فأصابوا إبلا وشياها، ولم يلقوا كيدا.

فَلَمَّا كَانَ خَامِسُ الْمُحَرَّمِ، بَلَغَهُ أَنَّ خالد بن سفيان الهذلي قَدْ جَمَعَ لَهُ الْجُمُوعَ، فَبَعَثَ إلَيْهِ عبد الله بن أنيس فقتله.

فلما كان في صَفَرٌ، قَدِمَ عَلَيْهِ قَوْمٌ مِنْ عَضَلٍ وَالْقَارَةِ، وَذَكَرُوا أَنَّ فِيهِمْ إسْلَامًا، وَسَأَلُوهُ أَنْ يَبْعَثَ معهم من يعلّمهم الدين، فبعث معهم ستة فيهم خبيب وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ مرثد بن أبي مرثد الغنوي، فكان ما كان.

وفي هذا الشهر كانت وقعة بئر معونة.

وفي ربيع الأول كانت غزوة بني النضير، وزعم الزهري أنها كَانَتْ بَعْدَ بَدْرٍ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَهَذَا وَهْمٌ مِنْهُ أَوْ غَلَطٌ عَلَيْهِ، بَلِ الَّذِي لَا شك فيه أنها بعد أُحد، والتي بعد بدر قَيْنُقَاعٍ، وَقُرَيْظَةُ بَعْدَ الْخَنْدَقِ، وَخَيْبَرُ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ، فكان فله مع اليهود أربع غزوات.

ثُمَّ غَزَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِنَفْسِهِ ذات الرقاع في جمادى الأولى، وهي غزوة نجد، فخرج يريد قوما من غطفان وصلى بِهِمْ يَوْمَئِذٍ صَلَاةَ الْخَوْفِ، هَكَذَا قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ السِّيَرِ وَالْمَغَازِي فِي تاريخ هذه الغزوة وَصَلَاةِ الْخَوْفِ بِهَا وَتَلَقَّاهُ النَّاسُ عَنْهُمْ، وَهُوَ مشكل جدا، والظاهر أن أول صلاة صلاها للخوف بعسفان، كما في حديث صححه الترمذي، وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ غَزْوَةَ عُسْفَانَ كَانَتْ بعد الخندق، وقد صح عنه أنه صلاها بِذَاتِ الرِّقَاعِ، فَعُلِمَ أَنَّهَا بَعْدَ الْخَنْدَقِ، وَبَعْدَ عُسْفَانَ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبَا موسى شهدا ذات الرقاع كما في " الصحيحين "، فلما كان شعبان، وقيل: ذي القعدة من العام القابل، خرج صلى الله عليه وسلم لميعاد أبي سفيان بالمشركين فانتهى إلى بدر، وأقام ينتظر المشركين، وخرج أبو سفيان من مكة وهم ألفان ومعهم خمسون حتى إذا كانوا على مرحلة من مكة رجعوا، وقالوا: العام عام جدب.

ثم خرج صلى الله عليه وسلم في ربيع سنة خمس إلى دومة الجندل، فهجم على ماشيتهم، وأصاب ما أَصَابَ، وَهَرَبَ مَنْ هَرَبَ، وَجَاءَ الْخَبَرُ أَهْلَ دومة، فتفرقوا.

ثم بعث بريدة السلمي في شعبان إلى بني المصطلق وهي غزوة المريسيع - وهو مكان لماء - واصطفوا للقتال، وتراموا ساعة، ثم أمر أصحابه، فحملوا حملة رجل واحد، فانهزم المشركون، وَسَبَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم النِّسَاءَ والذراري والمال.

وفيها سقط عقد لعائشة، فاحتبسوا في طَلَبِهِ، فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ، وَذَكَرَ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ مِنْ حَدِيثِ محمد بن إسحاق عَنْ يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة في قصة العقد أن أبا بكر قال: يَا بُنَيَّةُ فِي كُلِّ سَفَرٍ تَكُونِينَ عَنَاءً وبلاء. فأنزل الله عز وجل آية التَّيَمُّمِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قِصَّةَ

ص: 153

الْعِقْدِ الَّتِي نَزَلَ التَّيَمُّمُ لِأَجْلِهَا بَعْدَ هَذِهِ الْغَزْوَةِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَلَكِنْ فِيهَا كَانَتْ قِصَّةُ الإفك بسبب فقد العقد والتماسه، فاشتبه على بعضهم إحدى القصتين بالأخرى.

وأما قصة الإفك، فهي في هذه الغزوة إلى أن قال: فأشار علي بفراقها تلويحا لا تصريحا لَمَّا رَأَى أَنَّ مَا قِيلَ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فأشار بِتَرْكِ الشَّكِّ وَالرِّيبَةِ إِلَى الْيَقِينِ، لِيَتَخَلَّصَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم من الغم الذي لحقه بكلام الناس.

وأشار أسامة بإمساكها لما علم من حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لها ولأبيها، ولما علم من عفتها وديانتها، وأن الله لا يجعل حبيبة نبيه وبنت صديقه بالمنزلة التي أنزلها به أهل الإفك.

وَمَنْ قَوِيَتْ مَعْرِفَتُهُ لِلَّهِ وَمَعْرِفَتُهُ لِرَسُولِهِ وَقَدْرِهِ عِنْدَ اللَّهِ فِي قَلْبِهِ قَالَ كَمَا قَالَ أبو أيوب وَغَيْرُهُ مِنْ سَادَاتِ الصَّحَابَةِ لَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ: {سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [النور: 16]

وتأمل ما في تسبيحهم في ذلك المقام من المعرفة بالله وَتَنْزِيهِهِ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ أَنْ يَجْعَلَ لرسوله امرأة خبيثة.

فإن قيل: فما باله صلى الله عليه وسلم تَوَقَّفَ فِي أَمْرِهَا وسأل؟ قيل: هَذَا مِنْ تَمَامِ الحِكم الْبَاهِرَةِ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْقِصَّةَ سَبَبًا لَهَا وَامْتِحَانًا وَابْتِلَاءً لرسوله، ولجميع الأمة إلى يوم القيامة، ليرفع بها أقواما، ويضع بها آخرين، واقتضى تمام الامتحان بأن حبس الوحي عن نبيه شهرا ليظهر حكمته، ويظهر كمال الوجود، ويزداد الصادقون إيمانا وثباتا على العدل وحسن الظن، ويزداد المنافقون إفكا ونفاقا، وتظهر سرائرهم، ولتتم العبودية المرادة منها ومن أبويها، وتتم نعمة الله عليهم، ولتشتد الفاقة منهم إلى الله والذل له، والرجاء له، ولينقطع رجاؤه من المخلوقين، وَلِهَذَا وَفَّتْ هَذَا الْمَقَامَ حَقَّهُ، لَمَّا قَالَ لها أبوها: قُومِي إِلَيْهِ وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَرَاءَتَهَا، فقالت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله هو الذي أنزل براءتي.

ولو أطلع الله رسوله على الفور، لفاتت هذه الأمور والحكم، وأضعافها وأضعاف أضعافها.

وأيضا فإن الله أحب أن تظهر منزلة رسوله عنده وأهل بيته، وأن يتولى بنفسه الدفاع، والرد على الأعداء وذمهم وعيهم بأمر لا يكون لرسوله فيه عمل.

وَأَيْضًا فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كان الْمَقْصُودَ بِالْأَذَى، وَالَّتِي رُمِيَتْ زَوْجَتُهُ، فَلَمْ يَكُنْ يَلِيقُ بِهِ أَنْ يَشْهَدَ بِبَرَاءَتِهَا مَعَ عِلْمِهِ أَوْ ظَنِّهِ الظَّنَّ الْمُقَارِبَ لِلْعِلْمِ بِبَرَاءَتِهَا، وَلَمْ يظن بها سوءا قط، وكان عنده من القرائن أَكْثَرَ مِمَّا عِنْدَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَكِنْ

ص: 154