الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قدر على الهجرة وَقَالَ: «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ " قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ولِمَ؟ قَالَ: " لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا»
وَقَالَ: «مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكَ، وَسَكَنَ مَعَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ.»
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم في الأمان والصلح]
فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْأَمَانِ وَالصُّلْحِ، وَمُعَامَلَةِ رُسُلِ الْكُفَّارِ وَأَخْذِ الجزية، ومعاملة أهل الكتاب والمنافقين، ووفائه بالعهد ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ:«ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا» ، وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ:«مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ، فَلَا يَحُلَّنَّ عُقْدَةً، وَلَا يشهدها حَتَّى يَمْضِيَ أَمَدُهُ، أَوْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ.»
وَقَالَ: «مَنْ أَمَّنَ رَجُلًا عَلَى نَفْسِهِ فقتله، فأنا بريء من القاتل» ، ويذكر عنه:«مَا نَقَضَ قَوْمٌ الْعَهْدَ إِلَّا أُدِيلَ عَلَيْهِمُ العدو.»
ولما قدم المدينة، صار الكفار معه ثلاثة أصناف: قسم صالحهم على أن لا يحاربوه ولا يولوا عليه عدوه، وقسم حاربوه، وقسم لم يُصَالِحُوهُ وَلَمْ يُحَارِبُوهُ، بَلِ انْتَظَرُوا مَا يَئُولُ إليه أمره، ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ كَانَ يُحِبُّ ظُهُورَهُ، وانتصاره في الباطن، ومنهم من يحب ظهور عدوه عليه، وَمِنْهُمْ مَنْ دَخَلَ مَعَهُ فِي الظَّاهِرِ، وَهُوَ عدوه في الباطن، فعامل كل طائفة بما أمره الله به.
فصالح يهود المدينة، فحاربته، فحاربته قينقاع بعد بدر، وشرقوا بوقعتها، وأظهروا البغي والحسد، ثم نقض بنو النضير، فغزاهم وحصرهم، وقطع نخلهم وحرقه، ثم نزلوا على أن يخرجوا من المدينة، ولهم ما حملت الإبل إلا السلاح، وذكر الله قصتهم في سورة الحشر، ثم نقضت قريظة، وهم أغلظ اليهود كُفْرًا، وَلِذَلِكَ جَرَى عَلَيْهِمْ مَا لَمْ يَجْرِ على إخوانهم، فَهَذَا كُلُّهُ فِي يَهُودِ الْمَدِينَةِ.
وكانت غزوة كل طائفة منهم عقب غزوة من الغزوات الكبار، فبنو قينقاع بعد بدر، وبنو النضير عقب أحد، وقريظة عقب الخندق.
وكان هديه إِذَا صَالَحَ قَوْمًا، فَنَقَضَ بَعْضُهُمْ عَهْدَهُ وَصُلْحَهُ، وأقرّهم الباقون، ورضوا به، غزا الجميع، كما فعل بقريظة والنضير وأهل مَكَّةَ، فَهَذِهِ سُنَّتُهُ فِي أَهْلِ الْعَهْدِ.
وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ الْحُكْمُ فِي أَهْلِ الذمة كما صرح به أصحاب أحمد وغيرهم، وخالف أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، فَخَصُّوا نَقْضَ الْعَهْدِ بِمَنْ نَقَضَهُ خَاصَّةً دُونَ مَنْ رَضِيَ بِهِ وَأَقَرَّ عَلَيْهِ، وفرقوا بينهما بأن عقد الذمة آكد، والأول أصوب، وبهذا أفتينا ولي الأمر لما أحرق النصارى أموال المسلمين بالشام، وعلم بذلك من علم منهم، وواطؤوا عليه، ولم يعلموا به ولي الأمر، وأن حده القتل حتما، ولا يخيّر الإمام فِيهِ، كَالْأَسِيرِ بَلْ صَارَ الْقَتْلُ لَهُ حَدًّا.
وَالْإِسْلَامُ لَا يُسْقِطُ الْقَتْلَ إِذَا كَانَ حَدًّا ممن هو تحت الذمة ملتزما أحكام الملة، بخلاف الحربيّ إذا أسلم فهذا له حكم، والذمي الناقض له حكم آخر، وهذا الذي تقتضيه نصوص أحمد، وأفتى به شيخنا في غير موضع.
وكان هديه إذا صالح قوما، فَانْضَافَ إِلَيْهِمْ عَدُوٌّ لَهُ سِوَاهُمْ، فَدَخَلُوا مَعَهُمْ، وانضاف إليه آخرون، صَارَ حُكْمُ مَنْ حَارَبَ مَنْ دَخَلَ مَعَهُ فِي عَقْدِهِ مِنَ الْكُفَّارِ حُكْمَ مَنْ حَارَبَهُ، وبهذا السبب غزا أهل مكة، وبهذا أفتى شيخ الإسلام بِغَزْوِ نَصَارَى الْمَشْرِقِ لَمَّا أَعَانُوا عَدُوَّ الْمُسْلِمِينَ من التتار على قتالهم، وأمدوهم بالمال والسلاح ورأوهم بذلك ناقضين للعهد، فَكَيْفَ إِذَا أَعَانَ أَهْلُ الذِّمَّةِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى حرب المسلمين.
وَكَانَتْ تَقْدَمُ عَلَيْهِ رُسُلُ أَعْدَائِهِ، وَهُمْ عَلَى عَدَاوَتِهِ، فَلَا يُهِيجُهُمْ وَلَا يَقْتُلُهُمْ، وَلَمَّا قَدِمَ عليه رسولا مسيلمة، فتكلما بما قالا، قال:«لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَضَرَبْتُ أَعْنَاقَكُمَا» ، فجرت سنته أن لا يقتل رسول.
وكان هديه أن لا يحبس الرسول عنده إذا اختار دينه، بل يرده، كما قال أبو رافع: بعثتني قريش إليه، فوقع فِي قَلْبِي الْإِسْلَامُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لا أرجع، فَقَالَ:«إِنِّي لَا أَخِيسُ بِالْعَهْدِ، وَلَا أَحْبِسُ الْبُرُدَ، ارْجِعْ إِلَيْهِمْ، فَإِنْ كَانَ فِي قَلْبِكَ الَّذِي فِيهِ الْآنَ فَارْجِعْ» . قَالَ أبو داود: وكان هذا في المدة التي اشترط لهم أن يرد إليهم من جاء منهم، وأما اليوم فلا يصح هذا.
وفي
قَوْلِهِ: «لَا أَحْبِسُ الْبُرُدَ» إِشْعَارٌ بِأَنَّ هَذَا يختص بالرسل مطلقا، أما رده لمن جاء إليه منهم مسلما، فهذا إنما يكون مع الشرط. وأما الرسل فلهم حكم آخر.
ومن هَدْيِهِ أَنَّ أَعْدَاءَهُ إِذَا عَاهَدُوا وَاحِدًا مِنْ أصحابه على عهد لا يضر بالمسلمين بغير رضاه أمضاه، كَمَا عَاهَدُوا حذيفة وَأَبَاهُ الحسيل أَنْ لَا يُقَاتِلَاهُمْ مَعَهُ صلى الله عليه وسلم فَأَمْضَى لهم ذلك، وقال:«انصرفوا نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم» . وصالح قريشا عشر سنين على أن من جاءه مسلما رده، ومن جاءهم من عنده لا يردونه، واللفظ عام فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، فَنَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي النساء، وأمر بامتحانهن، فإن علموا أنها مؤمنة لم ترد، ويرد مهرها.
وَأَمَرَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرُدُّوا عَلَى مَنِ ارْتَدَّتِ امْرَأَتُهُ إِلَيْهِمْ مَهْرَهَا إِذَا عَاقَبُوا بِأَنْ يَجِبَ عَلَيْهِمْ رَدُّ مَهْرِ الْمُهَاجِرَةِ فَيَرُدُّونَهُ إِلَى مَنِ ارْتَدَّتِ امْرَأَتُهُ وَلَا يَرُدُّونَهَا إِلَى زَوْجِهَا الْمُشْرِكِ، فَهَذَا هُوَ الْعِقَابُ، وَلَيْسَ مِنَ الْعَذَابِ فِي شيء.
ففيه أَنَّ خُرُوجَ الْبُضْعِ مِنْ مِلْكِ الزَّوْجِ مُتَقَوَّمٌ، وأنه بالمسمى لا بمهر المثل، وأن أنكحة الكفار صحيحة، وأنه لا يجوز رد المسلمة المهاجرة، ولو شُرِط، وَأَنَّ الْمُسْلِمَةَ لَا يَحِلُّ لَهَا نِكَاحُ الْكَافِرِ، وأن المسلم له أن يتزوج المهاجرة إذا اعتدت، وآتاها مهرها، ففيه أبين دلالة على خروج البضع من ملك الزوج، وانفساخ النكاح بالهجرة، وفيه تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُشْرِكَةِ عَلَى الْمُسْلِمِ، كَمَا حُرِّمَ نِكَاحُ الْمُسْلِمَةِ عَلَى الْكَافِرِ وَهَذِهِ أَحْكَامٌ اسْتُفِيدَتْ مِنْ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ، وَبَعْضُهَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَبَعْضُهَا مختلف فيه، وليس لمن ادعى نسخها حجة، فإن الشرط مختص بالرجال، ولم يدخلن، فنهى عن ردهن.
وأمر برد المهر، وأن يرد منه على من ارتدت امرأته إليهم الْمَهْرَ الَّذِي أَعْطَاهَا، ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ ذَلِكَ حُكْمَهُ الَّذِي يَحْكُمُ بِهِ بَيْنَ عِبَادِهِ، وَأَنَّهُ صَادِرٌ عَنْ عِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ، وَلَمْ يَأْتِ عَنْهُ ما ينافيه بعده، ولما صالحهم على رد الرجال كان صلى الله عليه وسلم لا يمنعهم أَنْ يَأْخُذُوا مَنْ أَتَى إِلَيْهِ مِنْهُمْ، وَلَا يُكْرِهُهُ عَلَى الْعَوْدِ، وَلَا يَأْمُرُهُ بِهِ، وَكَانَ إِذَا قَتَلَ مِنْهُمْ، أَوْ أَخَذَ مَالًا وَقَدْ فَصَلَ عَنْ يَدِهِ، وَلَمَّا يَلْحَقْ بِهِمْ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَضْمَنْهُ لَهُمْ، لِأَنَّهُ ليس تحت قهره وَلَا أَمَرَهُ بِذَلِكَ وَلَمْ يَقْتَضِ عَقْدُ الصُّلْحِ الْأَمَانَ عَلَى النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ إِلَّا عَمَّنْ هُوَ تحت قهره، كما ضمن لبني جذيمة ما أتلفه خالد، وأنكره وتبرأ منه.
ولما كان خالد متأولا
وكان غزوهم بأمره صلى الله عليه وسلم ضَمِنَهُمْ بِنِصْفِ دِيَاتِهِمْ لِأَجْلِ التَّأْوِيلِ وَالشُّبْهَةِ، وَأَجْرَاهُمْ في ذلك مجرى أهل الكتاب الذين عصموا بالذمة لا بالإسلام، وَلَمْ يَقْتَضِ عَهْدُ الصُّلْحِ أَنْ يَنْصُرَهُمْ عَلَى من حاربهم ممن ليس في قبضته، ففيه أن المعاهدين إذا غزاهم من ليس تَحْتَ قَهْرِ الْإِمَامِ وَفِي يَدِهِ، وَإِنْ كَانُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ ردهم عنهم، ولا ضمان ما أتلفوه.
وأخذ الأحكام المتعلقة بالحرب والمصالح والسياسات من هديه أولى من الآراء، وَعَلَى هَذَا فَإِذَا كَانَ بَيْنَ بَعْضِ مُلُوكِ المسلمين، وبعض أهل الذمة عهد، جاز لملك آخر لا عهد بينه وبينهم أن يغزوهم، كَمَا أَفْتَى بِهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي نَصَارَى ملطية مستدلا بقصة أبي بصير وَكَذَلِكَ صَالَحَ أَهْلَ خَيْبَرَ لَمَّا ظَهَرَ عَلَيْهِمْ عَلَى أَنْ يُجْلِيَهُمْ مِنْهَا، وَلَهُمْ مَا حَمَلَتْ رِكَابُهُمْ، وَلِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الصَّفْرَاءُ وَالْبَيْضَاءُ والسلاح، وشرط أن لا يكتموا ما فعلوا، فإن فعلوا فلا ذمة لهم، فغيّبوا مسكا، فيه مال لحيي بن أخطب احتمله معه حين أجليت النضير، فسأل عمّ حيي عنه، فَقَالَ: أَذْهَبَتْهُ النَّفَقَاتُ وَالْحُرُوبُ، فَقَالَ:«الْعَهْدُ قَرِيبٌ، وَالْمَالُ أكثر من ذلك» ، فدفعه إلى الزبير، فمسه بعذاب، فقال: رأيت حُيَيًّا يطوف في خربة هاهنا، فوجدوه فيها، فَقَتَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ابني أبي الحقيق، أحدهما زوج صفية بنت حيي، وسبى نساءهم وذراريهم، وقسم أموالهم بالنكث وأراد أن يجليهم، فقالوا: دعنا نكون فيها نصلحها، فنحن أعلم بها، ولم يكن له ولا لأصحابه غلمان يكفونهم، فدفعها إليهم على الشطر من كل ما يخرج منها من ثمر وزرع وَلَهُمُ الشَّطْرُ، وَعَلَى أَنْ يُقِرَّهُمْ فِيهَا مَا شَاءَ، وَلَمْ يعمُّهم بِالْقَتْلِ، كَمَا عمَّ قُرَيْظَةَ لِاشْتِرَاكِ أُولَئِكَ فِي نَقْضِ الْعَهْدِ.
وَأَمَّا هَؤُلَاءِ، فالذين علموا بالمسك وغيّبوه، وشرطوا له أنه إن ظهر، فلا ذمة لهم، قتلهم بشرطهم، ولم يعم أهل خيبر، فإنه من المعلوم أن جميعهم لم يعلموا بالمسك، فهذا نظير الذمي والمعاهد إذا نقض، ولم يمالئه عليه غيره.
ودفع الأرض على النصف دليل ظاهر في جواز المساقات وَالْمُزَارَعَةِ، وَكَوْنِ الشَّجَرِ نَخْلًا لَا أَثَرَ لَهُ الْبَتَّةَ، فَحُكْمُ الشَّيْءِ حُكْمُ نَظِيرِهِ، فَبَلَدٌ شَجَرُهُمُ الأعناب والتين، وغيرهما حُكْمُ بَلَدٍ شَجَرُهُمُ النَّخْلُ سَوَاءٌ وَلَا فَرْقَ.
وفيه أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْبَذْرِ مِنْ رَبِّ الأرض، فإنه لم يعطهم
بذرا ألبتة، وهذا مقطوع به، حتى قال بعض أهل العلم: لَوْ قِيلَ بِاشْتِرَاطِ كَوْنِهِ مِنَ الْعَامِلِ لَكَانَ أقوى، والذين اشترطوه من رب المال ليس معهم حجة أصلا أكثر من القياس على المضاربة، وهذا إلى أن يكون حجة عليهم أقرب، فَإِنَّ فِي الْمُضَارَبَةِ يَعُودُ رَأْسُ الْمَالِ إِلَى الْمَالِكِ وَيَقْتَسِمَانِ الْبَاقِيَ، وَلَوْ شُرِطَ ذَلِكَ فِي الْمُزَارَعَةِ، فَسَدَتْ عِنْدَهُمْ، فَلَمْ يُجْرُوا الْبَذْرَ مَجْرَى رَأْسِ الْمَالِ، بَلْ أَجْرَوْهُ مَجْرَى سَائِرِ الْبَقْلِ، وأيضا فإن البذر جار مجرى الماء والمنافع، فإن الزرع لا يكون بِهِ وَحْدَهُ، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ السَّقْيِ والعمل، والبذر يموت وَيُنْشِئُ اللَّهُ الزَّرْعَ مِنْ أَجْزَاءٍ أُخَرَ تَكُونُ مَعَهُ مِنَ الْمَاءِ وَالرِّيحِ وَالشَّمْسِ وَالتُّرَابِ وَالْعَمَلِ، فحكمه حُكْمُ هَذِهِ الْأَجْزَاءِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْأَرْضَ نَظِيرُ رأس المال، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمُزَارِعُ أَوْلَى بِالْبَذْرِ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ تَشْبِيهًا لَهُ بِالْمُضَارِبِ، فَالَّذِي جاءت به السنة هو الموافق للقياس.
وفيها عقد الهدنة من غير توقيت، بل متى شاء الإمام، ولم يجئ بعدها ما ينسخه ألبتة، لكن لا يحاربهم حتى يعلمهم على سواء، ليستووا هو وهم في العلم بنقض العهد.
وفيه جواز تعزير المتهم بالعقوبة، فإنه سبحانه قادر أن يدل رسوله صلى الله عليه وسلم على الكنز، وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ يَسُنَّ لِلْأُمَّةِ عُقُوبَةَ الْمُتَّهَمِينَ، وَيُوَسِّعَ لَهُمْ طُرُقَ الْأَحْكَامِ رَحْمَةً بِهِمْ وَتَيْسِيرًا عليهم.
وفيه الأخذ بالقرائن لقوله: «الْعَهْدُ قَرِيبٌ وَالْمَالُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ» ، وَكَذَلِكَ فعل نبي الله سليمان في تعيين أم الطفل، وهو صلى الله عليه وسلم لم يقصها علينا، أي: قصة سليمان لِنَتَّخِذَهَا سَمَرًا، بَلْ لِنَعْتَبِرَ بِهَا فِي الْأَحْكَامِ، بَلِ الْحُكْمُ بِالْقَسَامَةِ، وَتَقْدِيمِ أَيْمَانِ مُدَّعِي الْقَتْلِ هُوَ مِنْ هَذَا اسْتِنَادًا إِلَى الْقَرَائِنِ الظَّاهِرَةِ، بل ومنه رجمه الْمُلَاعَنَةِ إِذَا الْتَعَنَ الزَّوْجُ، وَنَكَلَتْ عَنِ الِالْتِعَانِ اسْتِنَادًا إِلَى اللَّوْثِ الظَّاهِرِ الَّذِي حَصَلَ بالتعانِهِ ونكولها.
ومنه قَبُولِ شَهَادَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي الوصية في السفر، وأن ولي الْمَيِّتِ إِذَا اطَّلَعَا عَلَى خِيَانَةٍ مِنَ الْوَصِيَّيْنِ، جَازَ لَهُمَا أَنْ يَحْلِفَا، وَيَسْتَحِقَّا مَا حَلَفَا عليه، وهذا اللوث في الأموال نَظِيرُ اللَّوْثِ فِي الدِّمَاءِ، وَأَوْلَى بِالْجَوَازِ مِنْهُ، وعلى هذا إذا اطلع الْمَسْرُوقُ مَالُهُ عَلَى بَعْضِهِ فِي يَدِ خَائِنٍ معروف وَلَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ غَيْرِهِ، جَازَ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّ بَقِيَّةَ مَالِهِ عِنْدَهُ، وَأَنَّهُ صَاحِبُ السَّرِقَةِ اسْتِنَادًا إِلَى اللَّوْثِ الظَّاهِرِ نظير حلف أولياء
المقتول في القسامة، بل أمر الأموال أخف.
ولذلك ثبتت بشاهد ويمين، وشاهد وامرأتين بخلاف الدماء، وَالْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ يَدُلَّانِ عَلَى هَذَا وَهَذَا، وَلَيْسَ مع من ادعى النسخ حجة أصلا، فإنه فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ وَهِيَ مِنْ آخِرِ مَا نزل، وحكم بموجبها الصحابة بعده.
ومن هذا استدلال شاهد يوسف بالقميص، وحكاه الله مقررا له، والتأسي بهذا وأمثاله في إقرار الله له لا في مجرد حكايته. ولما أقرهم صلى الله عليه وسلم أَهْلَ خَيْبَرَ فِي الْأَرْضِ كَانَ يَبْعَثُ كُلَّ عَامٍ مَنْ يَخْرُصُ عَلَيْهِمُ الثِّمَارَ، فَيَنْظُرُ كَمْ يُجْنَى مِنْهَا، فيضمِّنهم نَصِيبَ الْمُسْلِمِينَ، وَيَتَصَرَّفُونَ فِيهَا، وَكَانَ يَكْتَفِي بِخَارِصٍ واحد، ففيه دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ خَرْصِ الثِّمَارِ الْبَادِي صَلَاحُهَا وَعَلَى جَوَازِ قِسْمَةِ الثِّمَارِ خَرْصًا عَلَى رُءُوسِ النخل، ويصير نصيب أحدهما معلوما وإن لم يتميز بعد لمصلحة الثمار. وَعَلَى أَنَّ الْقِسْمَةَ إِفْرَازٌ لَا بَيْعٌ، وَعَلَى جَوَازِ الِاكْتِفَاءِ بِخَارِصٍ وَاحِدٍ، وَقَاسِمٍ وَاحِدٍ، وَعَلَى أَنَّ لِمَنِ الثِّمَارُ فِي يَدِهِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فيها بعد الخرص، ويضمن نصيب شريكه.
زمن عمر ذهب ابنه عبد الله إلى ماله بخيبر، فعدوا عليه، وألقوه من فوق بيت، وفكوا يده، فأجلاهم عمر إِلَى الشَّامِ، وَقَسَمَهَا بَيْنَ مَنْ كَانَ شَهِدَ خيبر من أهل الحديبية.
فَصْلٌ وَأَمَّا هَدْيُهُ فِي عَقْدِ الذِّمَّةِ، وَأَخْذِ الجزية، فلم يأخذ جزية إلا بعد نزول (براءة) في السنة الثامنة، فَلَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الْجِزْيَةِ أَخَذَهَا مِنَ الْمَجُوسِ وأهل الكتاب، ولم يأخذها من يهود خيبر، فظن من غلط أنه مختص بأهل خيبر، وهذا من عدم عمق فقهه، فإنه صالحهم قبل نزول آية الجزية، ثم أمره الله أَنْ يُقَاتِلَ أَهْلَ الْكِتَابِ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ، فلم يدخلوا في ذلك، لِأَنَّ الْعَقْدَ كَانَ قَدِيمًا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ عَلَى إِقْرَارِهِمْ وَأَنْ يَكُونُوا عُمَّالًا فِي الْأَرْضِ بِالشَّطْرِ، فلم يطالبهم بغيره، وطالب سواهم ممن لم يكن له عقد كعقدهم، فلما أجلاهم عمر، تغيّر ذلك العقد، وَصَارَ لَهُمْ حُكْمُ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، ولما كان في بعض الدول التي أخفيت فيها السنة، أَظْهَرَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ كِتَابًا قَدْ عَتَّقُوهُ وزوَّروه، فيه: أنه صلى الله عليه وسلم أسقط عن أهل خَيْبَرَ الْجِزْيَةَ وَفِيهِ
شَهَادَةُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَسَعْدِ بْنِ معاذ، وجماعة من الصحابة فراج على من جهل السنة، وظنوا صحته، فأجروا حكمه حتى ألقي إلى شيخ الإسلام، وطلب منه أن يعين على تنفيذه، فَبَصَقَ عَلَيْهِ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى كَذِبِهِ بِعَشَرَةِ أَوْجُهٍ.
منها أن سعدا توفي قبل خيبر.
ومنها أن الجزية لم تكن نزلت بعد.
ومنها أنه أسقط عنهم الكلف والسخر، ولم يكونا في زمنه صلى الله عليه وسلم وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ وَضْعِ الْمُلُوكِ الظَّلَمَةِ، وَاسْتَمَرَّ الْأَمْرُ عَلَيْهَا.
وَمِنْهَا أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ لَمْ يذكره أحد من أهل العلم، لا من أهل السير ولا من أهل الحديث، ولا غيرهم، وَلَا أَظْهَرُوهُ فِي زَمَانِ السَّلَفِ لِعِلْمِهِمْ أَنَّهُمْ يعرفون كذبه، فلما خفيت السنة زوّروا ذلك، وساعدهم طَمَعُ بَعْضِ الْخَائِنِينَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَلَمْ يَسْتَمِرَّ، حَتَّى كَشَفَ اللَّهُ أَمْرَهُ، وَبَيَّنَ خُلَفَاءُ الرُّسُلِ بطلانه وكذبه، ولم يأخذ الجزية من عبّاد الأصنام، فقيل: لا تؤخذ من كافر غير هؤلاء، ومن دان دينهم اقتداء بأخذه وتركه، وقيل: تؤخذ من عبدة الْأَصْنَامِ مِنَ الْعَجَمِ دُونَ الْعَرَبِ، وَالْأَوَّلُ قَوْلُ الشافعي وأحمد في رواية.
والثاني: قول أبي حنيفة وأحمد في أخرى، ويقولون: لم يأخذها من العرب، لأنها فرضت بعد إسلامهم، ولم يَبْقَ بِأَرْضِ الْعَرَبِ مُشْرِكٌ، وَلِهَذَا غَزَا بَعْدَ الفتح تبوك، وَلَوْ كَانَ بِأَرْضِ الْعَرَبِ مُشْرِكُونَ لَكَانُوا يَلُونَهُ، وَكَانُوا أَوْلَى بِالْغَزْوِ مِنَ الْأَبْعَدِينَ، وَمَنْ تَأَمَّلَ السِّيَرَ وَأَيَّامَ الْإِسْلَامِ عَلِمَ أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ، قالوا: وقد أخذها من المجوس، ولا يصح أن لهم كتابا ورفع، ولا فرق بين عبّاد الأصنام، وعبّاد النار بل أهل الأوثان فِيهِمْ مِنَ التَّمَسُّكِ بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ مَا لَمْ يكن في عبّاد النار، وعلى هذا تدل السنة كما في " صحيح مسلم ":«إِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَادْعُهُمْ إِلَى إحدى ثلاث» إلى آخره. . (1) .
وَقَالَ المغيرة لِعَامِلِ كِسْرَى: أَمَرَنَا نَبِيُّنَا أَنْ نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده، أو تؤدوا الجزية. وقال صلى الله عليه وسلم لِقُرَيْشٍ:«هَلْ لَكُمْ فِي كَلِمَةٍ تَدِينُ لَكُمْ بِهَا الْعَرَبُ، وَتُؤَدِّي الْعَجَمُ إِلَيْكُمْ بِهَا الْجِزْيَةَ؟ قَالُوا: مَا هِيَ؟ قال: لا إله إلا الله» .
وصالح أهل نجران على ألفي حلة وَعَارِيَّةٍ، ثَلَاثِينَ دِرْعًا، وَثَلَاثِينَ فَرَسًا، وَثَلَاثِينَ بَعِيرًا، وثلاثين
(1) انظره بتمامه في " صحيح مسلم "(1731) في الجهاد والسير: باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث.