الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
" الصحيح " منه: «غَطُّوا الْإِنَاءَ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ، فَإِنَّ فِي السَّنَةِ لَيْلَةً يَنْزِلُ فِيهَا وَبَاءٌ، لَا يَمُرُّ بِإِنَاءٍ ليس عليه غطاء ولا سِقَاءٍ، لَيْسَ عَلَيْهِ وِكَاءٌ إِلَّا وَقَعَ فِيهِ من ذلك الوباء» قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ أَحَدُ رُوَاةِ الْحَدِيثِ: الأعاجم عندنا يتقون تلك الليلة في كانون الأول.
وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ أَمَرَ بِتَخْمِيرِ الْإِنَاءِ وَلَوْ أن يعرض عليه عودا.
وصح عنه أنه أمر عند الإيكاء والتغطية بذكر اسم الله، ونهى عن الشرب من فم السقاء، وعن النفس في الإناء والنفخ فيه، وعن الشرب من ثلمة القدح، وكان يحب الطيب ولا يرده وقال:«مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ رَيْحَانٌ، فَلَا يَرُدَّهُ، فَإِنَّهُ طيب الريح، خفيف المحمل» ولفظ أبي داود والنسائي: «من عرض عليه طيب» وفي " مسند البزار " عَنْهُ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطِّيبَ، نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ، كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ، جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُودَ، فَنَظِّفُوا أَفْنَاءَكُمْ وساحاتكم، ولا تشبهوا باليهود يجمعون القمامة في دورهم» .
وَفِي الطِّيبِ مِنَ الْخَاصِّيَّةِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تُحِبُّهُ، والشياطين تنفر منه، فَالْأَرْوَاحُ الطَّيِّبَةُ تُحِبُّ الرَّائِحَةَ الطَّيِّبَةَ، وَالْأَرْوَاحُ الْخَبِيثَةُ تُحِبُّ الرَّائِحَةَ الْخَبِيثَةَ، وَكُلُّ رُوحٍ تَمِيلُ إِلَى ما يناسبها، فـ {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ} [النور: 26] وهذا وإن كان في الرجال والنساء، فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْأَعْمَالَ وَالْأَقْوَالَ، وَالْمَطَاعِمَ وَالْمَشَارِبَ وَالْمَلَابِسَ والروائح، إما بعموم لفظه، وإما بعموم معناه.
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم أَقْضِيَتِهِ وَأَحْكَامِهِ]
فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم أقضيته وأحكامه وَلَيْسَ الْغَرَضُ مِنْ ذَلِكَ ذِكْرُ التَّشْرِيعِ الْعَامِّ وإن كانت أقضيته الخاصة عامة، وإنما الغرض ذكر هديه في الأحكام الجزئية التي فصل بها بين الخصوم، ونذكر معها قضايا من أحكامه الكلية، فثبت عنه أنه حبس في تهمة، ففي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ عَبْدَهُ مُتَعَمِّدًا، فَجَلَدَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِائَةَ جَلْدَةٍ، وَنَفَاهُ سَنَةً، وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتِقَ رَقَبَةً، وَلَمْ يقده به» .
ولأحمد عن أنس عن سمرة مرفوعا: «من قتل عبده قتلناه» فإن كان محفوظا كَانَ قَتْلُهُ تَعْزِيرًا إِلَى الْإِمَامِ بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ مِنَ الْمَصْلَحَةِ.
وَأَمَرَ رَجُلًا بِمُلَازَمَةِ غَرِيمِهِ، كما ذكره أبو داود.
وروي عن أبي عبيد «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بقتل القاتل،
وصبر الصابر» قال أبو عبيد: أي: يحبسه حَتَّى يَمُوتَ، وَذَكَرَ عبد الرزاق فِي " مُصَنِّفِهِ " عَنْ علي: يُحْبَسُ الْمُمْسَكُ فِي السِّجْنِ حَتَّى يموت. وحكم في العرنيين بِقَطْعِ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلِهِمْ، وَسَمْلِ أَعْيُنِهِمْ، كَمَا سَمَلُوا أعين الراعاة، وَتَرَكَهُمْ حَتَّى مَاتُوا جُوعًا وَعَطَشًا، كَمَا فَعَلُوا بالراعي.
وَفِي قَوْلِهِ: " فَهُوَ مِثْلُهُ " قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَاتِلَ إِذَا قِيدَ مِنْهُ، سَقَطَ مَا عَلَيْهِ، فصار هو والمستفيد بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ لَمْ يَقُلْ: إِنَّهُ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ الْقَتْلِ، وَإِنَّمَا قَالَ:" إِنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ " وَهَذَا يَقْتَضِي الْمُمَاثَلَةَ بَعْدَ قَتْلِهِ فَلَا إِشْكَالَ فِي الْحَدِيثِ، وَإِنَّمَا فِيهِ التَّعْرِيضُ لِصَاحِبِ الحق بترك القود والعفو، وقيل: إن كان لم يرد قتله فقتله به، فهو متعمد مِثْلَهُ إِذْ كَانَ الْقَاتِلُ مُتَعَدِّيًا بِالْجِنَايَةِ، وَالْمُقْتَصُّ مُتَّعَدٍ بِقَتْلِ مَنْ لَمْ يَتَعَمَّدِ الْقَتْلَ.
وَيَدُلُّ على هذا التأويل ما روى أحمد عن أبي هريرة مرفوعا وفيه: «والله يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَرَدْتُ قَتْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِلْوَلِيِّ: " أما إنه إن كَانَ صَادِقًا، ثُمَّ قَتَلْتَهُ دَخَلْتَ النَّارَ» فَخَلَّى سبيله، وحكم في يهودي رضَّ رأس جارية بين حجرين أن يرضَّ رأسه بين حجرين.
وفيه دليل على قتل الرجل بالمرأة، وأن الْجَانِيَ يُفْعَل بِهِ كَمَا فَعَل، وَأَنَّ الْقَتْلَ غِيلَةً لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ إِذْنُ الْوَلِيِّ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لم يَدْفَعْهُ إِلَى أَوْلِيَائِهَا وَلَمْ يَقُلْ: إِنْ شِئْتُمْ فَاقْتُلُوهُ، وَإِنْ شِئْتُمْ فَاعْفُوا عَنْهُ، بَلْ قَتَلَهُ حَتْمًا، وَهَذَا مَذْهَبُ مالك، وَاخْتِيَارُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابن تيمية ومن قال: إنه فعله لِنَقْضِ الْعَهْدِ لَمْ يَصِحَّ، فَإِنَّ نَاقِضَ الْعَهْدِ لا يرضخ رأسه بالحجارة، بل يقتل بالسيف، وقضى في امرأة رمت أخرى بحجر، فقتلتها وما في بطنها بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ فِي الْجَنِينِ، وَجَعَلَ دية المقتولة على عصبة القاتل، وهو في " الصحيحين ".
وفي البخاري أنه قضى في جنين امرأة بغرة عبد أو وليدة، ثم إن التي قضى عليها بالغرة توفيت، فقضى أَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا، وَأَنَّ الْعَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا، وَفِي هَذَا الْحُكْمِ أَنَّ شِبْهَ الْعَمْدِ لا قيود فيه، وَأَنَّ الْعَاقِلَةَ تَحْمِلُ الْغُرَّةَ تَبَعًا لِلدِّيَةِ، وَأَنَّ العاقلة