الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فرغ الرمي، والدعاء في صلب العبادة أفضل. وَلَمْ يَزَلْ فِي نَفْسِي هَلْ كَانَ يَرْمِي قبل الصلاة أَوْ بَعْدَهَا، وَالَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ قبلها، لِأَنَّ جابرا وَغَيْرَهُ قَالُوا: كَانَ يَرْمِي إِذَا زالت الشمس.
[فصل قد تَضَمَّنَتْ حَجَّتُهُ صلى الله عليه وسلم سِتَّ وقفات للدعاء]
فَصْلٌ فَقَدْ تَضَمَّنَتْ حَجَّتُهُ صلى الله عليه وسلم ست وقفات للدعاء: على الصفا، وعلى المروة، وبعرفة، وبمزدلفة، وعند الجمرة الأولى، وعند الجمرة الثانية.
وخطب بمنى خطبتين، يوم النحر وتقدمت، والثانية في أوسط أيام التشريق، واستأذنه العباس أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ، وَاسْتَأْذَنَهُ رِعَاءُ الْإِبِلِ فِي الْبَيْتُوتَةِ خَارِجَ مِنًى عِنْدَ الْإِبِلِ، فَأَرْخَصَ لَهُمْ أَنْ يَرْمُوا يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَجْمَعُوا رَمْيَ يومين بعده يَرْمُونَهُ فِي أَحَدِهِمَا. قَالَ مالك: ظَنَنْتُ أَنَّهُ قَالَ: فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْهُمَا، ثُمَّ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّفْرِ. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: رَخَّصَ لِلرُّعَاءِ أَنْ يَرْمُوا يَوْمًا، وَيَدَعُوا يَوْمًا، فَيَجُوزُ لِلطَّائِفَتَيْنِ بِالسُّنَّةِ تَرْكُ الْمَبِيتِ بِمِنًى، وَأَمَّا الرَّمْيُ، فَإِنَّهُمْ لَا يَتْرُكُونَهُ، بَلْ لَهُمْ أن يؤخروه إلى الليل، وَلَهُمْ أَنْ يَجْمَعُوا رَمْيَ يَوْمَيْنِ فِي يَوْمٍ.
ومن لَهُ مَالٌ يَخَافُ ضَيَاعَهُ، أَوْ مَرِيضٌ يَخَافُ مِنْ تَخَلُّفِهِ عَنْهُ، أَوْ كَانَ مَرِيضًا لَا يمكنه الْبَيْتُوتَةُ، سَقَطَتْ عَنْهُ بِتَنْبِيهِ النَّصِّ عَلَى هَؤُلَاءِ، ولم يتعجل في يومين، بل تأخر حتى أكمل الرمي في الأيام الثَّلَاثَةِ، وَأَفَاضَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ بَعْدَ الظُّهْرِ إِلَى الْمُحَصَّبِ، وَهُوَ الْأَبْطَحُ، وَهُوَ خَيْفُ بَنِي كِنَانَةَ ; فوجد أبا رافع قد ضرب قبته هُنَاكَ، وَكَانَ عَلَى ثِقْلِهِ تَوْفِيقًا مِنَ اللَّهِ عز وجل دُونَ أَنْ يَأْمُرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فصلى بِهِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، وَرَقَدَ رَقْدَةً، ثُمَّ نَهَضَ إِلَى مَكَّةَ، فَطَافَ لِلْوَدَاعِ لَيْلًا سحرا.
وَرَغِبَتْ إِلَيْهِ عائشة تَلِكَ اللَّيْلَةَ أَنْ يُعْمِرَهَا عُمْرَةً مُفْرَدَةً، فَأَخْبَرَهَا أَنَّ طَوَافَهَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا والمروة قد أجزأها عَنْ حَجِّهَا وَعُمْرَتِهَا، فَأَبَتْ إِلَّا أَنْ تَعْتَمِرَ عمرة مفردة، فأمر أخاها أَنْ يُعْمِرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ، فَفَرَغَتْ مِنْ عُمْرَتِهَا ليلا، ثم وافت المحصب مع أخيها في جوف الليل، فقال: فرغتما؟ قالت: نعم فنادى بالرحيل، فارتحل الناس.
وفي حديث الأسود في " الصحيح " عنها: «فَلَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ
مُصْعِدٌ مِنْ مَكَّةَ، وَأَنَا مُنْهَبِطَةٌ عَلَيْهَا، أَوْ أنا مصعدة وهو منهبط منها» . ففيه أنهما تلاقيا، وفي الأول أنه انتظرها في منزله، فإن كان حديث الأسود محفوظا، فصوابه: لقيني وَأَنَا مُصْعِدَةٌ مِنْ مَكَّةَ وَهُوَ مُنْهَبِطٌ إِلَيْهَا. فإنها قضت عمرتها، ثم أصعدت لميعاده، فوافته وقد أخذ في الهبوط إلى مكة للوداع، وله وجه غير هذا. واختلف فِي التَّحْصِيبِ هَلْ هُوَ سُنَّةٌ أَوْ مَنْزِلُ اتفاق؟ على قولين.
فصل وَيَرَى كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّ دُخُولَ الْبَيْتِ مِنْ سُنَنِ الْحَجِّ؛ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَالَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ سُنَّتُهُ أَنَّهُ لم يدخله في حجة ولا في عمرة، وإنما دخله عام الفتح، وكذلك الوقوف في الملتزم الذي روي عنه أنه فعله يوم الفتح، وأما ما رواه أبو داود مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جده، أنه وضع صدره ووجهه وذراعيه وكفيه وبسطهما وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَفْعَلُهُ-فَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ وَقْتِ الْوَدَاعِ، وَأَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِهِ، وَلَكِنْ قال مجاهد وغيره: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ فِي الْمُلْتَزَمِ بَعْدَ طَوَافِ الوداع. وكان ابن عباس يلتزم ما بين الركن والباب. وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمَّا أَرَادَ الْخُرُوجَ، وَلَمْ تَكُنْ أم سلمة طافت بالبيت وهي شاكية، وأرادت الخروج، فقال لها:«إِذَا أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ، فَطُوفِي عَلَى بَعِيرِكِ والناس يصلون» . ففعلته، ولم تصل حتى خرجت، وهذا محال أَنْ يَكُونَ يَوْمَ النَّحْرِ، فَهُوَ طَوَافُ الْوَدَاعِ بِلَا رَيْبٍ، فَظَهَرَ أَنَّهُ صَلَّى الصُّبْحَ يَوْمَئِذٍ بمكة، وسمعته أم سلمة يقرأ بـ " الطور "، ثم ارتحل رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ، «فَلَمَّا كَانَ بِالرَّوْحَاءِ، لَقِيَ رَكْبًا، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ: مَنِ الْقَوْمُ؟ فَقَالُوا: الْمُسْلِمُونَ، قَالُوا: فَمَنِ الْقَوْمُ؟ فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فرفعت إليه امرأة صبيا لها من محفة، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ» . فَلَمَّا أَتَى ذَا الْحُلَيْفَةِ، بَاتَ بِهَا، فَلَمَّا رَأَى الْمَدِينَةَ، كَبَّرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَقَالَ:«لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، سَاجِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ» . ثُمَّ