الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الثالث عشر في مملكة برّ العدوة
(في
مملكة برّ العدوة) هو الآن مجموع لسلطان واحد «1» ، وفيه ثلاث ممالك: فاس وهي أعظمها، ومملكة تلمسان، ومملكة سبتة «2» مع ما أضيف إليه من بلاد الأندلس على ما يأتي ذكره.
وبلاد برّ العدوة بلاد خصيبة ذات زرع وضرع (529) وفواكه.
قال ابن سعيد:
وبرّ العدوة في الثالث والرابع، ثم قال: والإقليم الثالث صاحب سفك الدماء والحسد والحقد والغل وما يتبع ذلك، ثم قال: وأنا أقول: إن الإقليم الثالث وإن كثر فيه الأحكام المرّيخيّة على زعمهم، فإن للغرب الأقصى من ذلك الحظّ الوافر ولا سيما في جهة سوس «3»
وجبال درن «1» فما قتل الإنسان عندهم إلا كعصفور، وكم قتل قتيل على كلمة، وبالقتل يفتخرون، ثم قال ابن سعيد:
وأنا أقول: إنّ الغالب على أهل المغرب الأقصى كثرة التنافس المفرط، والمحاققة، وقلة التقاضي، والتهور، والمفاتنة، وليس البخل إلّا في أراذلهم، وفي كثير من أغنيائهم سماحة مفرطة ومفاخرة بإطعام الطعام، والاعتناء بالمؤمّل والقاصد، ولكنّ الأوقاف عندهم على عظمة سلطنة بني عبد المؤمن «2» والمرابطين «3» قبلهم قليلة: لا يقولون بها، ولا يرون الصّدقة على صحيح سويّ ولا بنيان المدارس، وقد بنى المتأخرون بها ما قلّ.
قال أبو عبد الله محمد بن محمد السّلالجيّ: إن بمدينة فاس أربع مدارس وخانقاه واحدة.
قلت: وكان الأليق بهمة أهل تلك الممالك مع أصالتهم في الدين وتمسكهم بسببه
المتين لو عمروا المدارس لينتشر العلم، ويتوفر الطالب على النفقة ولا تنقسم أفكاره، وتتشعب في طلب المعاش والاكتساب فيقلّ تحصيلهم. وأقول: فالأمر على ما ذكره ابن سعيد الآن في قلة الأوقاف والمدارس عندهم، وفي جمهورهم البخل وسوء الخلق، إلا الرؤساء، فإنّ الرئيس في كل أفق مطبوع على الرئاسة أو منطبع بها، له أتباع يحتاج (أن) يبسط لهم خلقه ويده، وأن لا يتجنبه من لا يعرفه، وينفر عنه من يعرفه.
وقال ابن سعيد:
والمغرب قليل الصواعق والزلازل.
قلت: ومكان السلطان من برّ العدوة هو بفاس الجديدة (530) المسماة بالبيضاء «1» في دار لا يختصّ فيها بزيادة رفعة على نشز ولا ربوة، وتسمى القصر، وهو عالي البناء ذو قباب علية ضخمة لائقة بالملوك، وغرف مرتفعة ورفارف علوية، ومجالس سلطانيّة، وبداخلة القبة المعروفة بقبة الرّضا، وهي قبة عظيمة الارتفاع خارقة الاتّساع، وقدّامها بركة ممتدة بها مركب لاتساعها وكبرها، وخلفها بركة أخرى مثلها، بها مركب آخر لاتساعها وكبرها، ومساحة البركتين واحدة، والقبة العظمى بينهما، وفي نهاية كلّ بركة قبة لطيفة المقدار، وفي جميع جدر القباب شبابيك مطلة، والبستان حافّ [بالجميع]«2» ، وهو بستان جليل منوّع بصفوف الأشجار والغراس على اختلافها، ويجري الماء إلى قصر السلطان
من مكان يعرف بأساليس على بعد نصف نهار أو أقلّ مرفوعا في قناة على قناطر مبنية إليها، وإصطبلاته إلى جوانب قصره لا يسكن معه في قصوره إلا حريمه وفتيانه وهم الخدم الخصيان، ويبيت حوله في ظاهر قصره طائفة من الفرنج، وأناس يعرفون بالعدويين بمنزلة النّقباء، ووصفان السلطان و [البوابون]«1» ولا ينازله في قصره أحد من الأشياخ ولا الجند ولا الغرباء، ومرجع ملوك بني مرين سلاطين برّ العدوة في زناتة، وكذلك مرجع بني عبد الواد سلاطين تلمسان.
فأما بنو مرين فملوكهم في بني عبد الحقّ، ومن قبائلهم:«2» بنو عسكر وبنو وطّاس، وبنو اتكاسن، وبنو بايان، وبنو اتنالفت وبنو بزنت، وبنو برلبان، وأما أتباعهم فهم الحسم وبنو فودود مع ما ينضاف إلى هؤلاء من الأفراد والأنجاد ممن له فروسية وشجاعة وهم كثير جدا فيدخلون في سلك وصفان السلطان أو وصفان أشياخ هذه القبائل المذكورة، وهم بنو مرين غير هؤلاء الأفراد.
والذين كانوا مع بني عبد الواد (531) مغراوة وهم أفخاذ كثيرة، وبنو راشد، وبنو توجين، وبنو مليكس، وبنو سدويكش، ومن بني توجين بنو عبد القويّ، ومن بني عبد القويّ من كان قد تغلب وملك حتى قهرهم بنو عبد الواد وملكوا عليهم، واتخذوهم أعوانا، وقد صار الكلّ لهذا السلطان جندا مع من كان معه من قبائله، ومن جملة عساكره
قبائل من العرب كثيرة، منهم بنو حسان «1» ، والعاصم «2» ، وبنو جابر «3» ، والحلوط، ورياح، وسويد، والشّبانات، وبنو عامر «4» ، وبنو سالم، وغيرهم، وله في عسكره من الغزّ مقدار ألف وخمس مئة فارس، ومن الفرنج مقدار أربعة آلاف فارس أو أزيد، وهم يركبون خاصة خلف ظهره، وله علوج مماليكه مسلمون مقدار خمس مئة فارس فرسان رماة، ومن الجند رماة وهم الأندلسيون يرمون بقوس الرّجل أزيد من ألفي فارس، وطائفة كبيرة يقال لهم الوصفان خاصّون بالسلطان، يسكنون حواليه، وينزلون في السفر إلى جوانب محلته دائرين في جملة نواحيه يقال لهم أهل الدوّار، وكلّ جيوشه فرسان أبطال نقاوة لا يطاق هياج أسدهم ومصالتة سيوفهم.
قال لي أقضى القضاة أبو الروح عيسى الزواويّ: إن بعض أبطال الغرب قال: إنه إذا كان منّا مئة ولاقاهم زناتي واحد هربوا قدّامه ولم يتجاسروا على إقدامه ولا ملاقاته «5» .
وقال لي: إذا جاء الزناتيّ مغيرا فلا يعتقد أنّ أحدا يهجم عليه، وأما إذا طمع وأخذ الأخيذة وولى فربما ينال منه غرض.
وقال شيخنا حجّة الأدب ولسان العرب أثير الدين أبو حيّان «6» : إنّ بني مرين يعدّ
منهم كلّ فارس شجاع مثل عنترة وأمثاله.
قال لي السّلالجيّ:
مثل أولاد إدريس عامر وحسين ومحمد ومثل ريان بن أبي يعلى وعامر بن عبد الله «1» وعبد الحقّ بن كندوز وعبد الحقّ بن عثمان وأبي رزين ثابت ابن أخيه [وهما]«2» اللذان قتلا مع (532) أبي تاشفين عبد الرحمن العبد الوادي حين دخلت عليه تلمسان «3» ، ومثل عثمان بن أبي العلاء «4» وأولاده وبني عمّه أولاد سوط النساء، وسيف المغراوي الباقي في قيد الحياة الآن وغيرهم من المشاهير، قال: ويقال إنّ كلّ واحد من هؤلاء يعدّ بخمس مئة فارس، وقد صوّرهم الفرنج عندهم في كنائسهم لعظم ما لاقوا بهم.
وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد العقيليّ «1» :
إنّ أبا يعقوب «2» أراد إنهاد ألف فارس لجهة من جهة أعدائه فعيّنت خمس مئة فارس فقيل له: وأين تكملة الألف، فقال: يوسف بن محمد بن أبي عياد بن عبد الحقّ «3» يقوم مقام الخمس مئة الأخرى، فكان كذلك، قال، ولقد خالف هذا يوسف بن محمد على أبي ثابت بمراكش، وخرج في نحو أحد عشر فارسا، ثم حمل بمفرده على سبع مئة فارس من العساكر ففرقها، قال:
ومن هؤلاء يعيش بن يعقوب بن عبد الحقّ «4» تعرض له مرة نحو خمس مئة فارس، وهو مرتحل بأهله وعياله من بلاد [هسكورة]«5» إلى مراكش، فلما رأى عياله حداق الفرسان دهشوا فقال لهم: ما عليكم سيروا أنتم، ثم إنّه دفع فيهم ففرق جمعهم، ونجا بجميع أهله
وما معه، وقد كانوا أول خروجهم جهلة لا تختطم أنوفهم، قال رجل منهم اسمه أبو عامر عبد الله المعروف بالعجب:«1» ما أسفي إلا كوني لم أكن في زمان عليّ بن أبي طالب حتى ألقاه. «2» وعلى هذا، فقس ما كان في رجال هؤلاء القوم من الشجاعة والجهل.
قال السّلالجيّ:
وهم على شجاعتهم وأزيد، وأما جهلهم فزال من أكثرهم لسكناهم بالحاضرة ومداخلتهم الناس، قال: ولا تعدّ للكثرة فرسانهم، ولا تحصى في الأبطال وقائعهم، قال: وهذا عثمان بن أبي العلاء، وسيف المغراويّ وعبد الرحمن بن يعقوب وأخوه [الوطاسيان]«3» لم يزالوا في الأندلس تشدّ على الفرنج حملاتهم، وتعدّ على قلتهم في كثرتهم فتكاتهم، قال: ولقد أنشأ هذا السلطان من (533) فرسان هذا الزمان ورجالات الدهر من أخمل كلّ مذكور، وغلب على كلّ مشهور، مع ما هم عليه من العلم والتّقى لا يقدر أحد منهم لمهابته على ارتضاع كأس ولا إهمال صلاة، يناقشهم على هذا، ويؤاخذهم به حتى إذا كانوا في السفر وأذّن المؤذنون نزل ونزلوا حتى تقام الصلاة و [يصلوا]«4» جماعة.
وحدّثني أبو عبد الله محمد بن محمد السّلالجيّ أن هذه المملكة طولها
…
«5» يوما
أو أزيد، وعرضها ثلاثون يوما بالسّير المعتاد، وطولها من جزائر بني مزغنّانة، وهي بلد (ة) حسنة على ساحل البحر الشاميّ واقعة قبالة جزيرة ميورقة «1» بانحراف يسير، وبعدها عن بجاية ستة أيام إلى البحر المحيط، وعرضها من ساحل الزّقاق من سبتة إلى نهاية بلاد البربر المتصلة بالصحراء الكبيرة الفاصلة بين برّ العدوة وبين بلاد السّودان لم يخرج عن مملكة هذا السلطان من برّ العدوة الأندلس وأعمالها، خرج سلطان برّ العدوة الآن عنها للموحدين أصحاب إفريقيّة، وهبها إحسانا منه لكونها كانت قديما لهم، وانتزعها بنو عبد الواد أصحاب تلمسان منهم، وحدّ هذه المملكة من الجنوب الصحراء الكبيرة الآخذة طولا من بلاد البربر إلى جنوب إفريقيّة، ومن الشرق جزائر بني مزغنّانة وما هو آخذ على حدّها إلى الصحراء الكبيرة، ومن الشمال البحر الشاميّ، ومن الغرب المحيط.
وقاعدة الملك بها مدينة فاس «2» ، ثم مرّاكش وهي التي كانت قديما في زمان بني عبد المؤمن قاعدة الملك العظمى، فلما انتقل الملك إلى بني مرين، وتحلّى جيده بعقدهم الثّمين أبو إلّا (أن) يتّخذوا لهم مدينة فاس دار ملك، فاستوطنوها وبنوا معها ثلاث مدن موازية لها على ضفة الوادي المعروف بوادي الجوهر غربا بقبلة.
فأولها المدينة البيضاء، وتعرف بالبلد الجديد بناها أبو يوسف يعقوب بن عبد الحقّ وهو أول من استقلّ بالملك بعد الموحدين لأنّ أخاه [أبا يحيى]«3» أبا بكر ثار عليهم ومات وما
استقلّ له سلطان (534) ، ولا استقرّ له من عزّ الملك أوطان.
ثم مدينة حمص ويعرف موضعها بالملاح، بناها ولده أبو سعيد عثمان بن أبي يوسف والد سلطانها القائم الآن، بناها إلى جانب البيضاء.
وربض النصارى المتّخذ لسكنى الطّائفة الفرنجية المختصة بخدمة السلطان، ويطلق على هذه الثّلاث المتّخذات «1» اسم فاس الجديدة.
وهذه المتّخذات كلّها على ضفة الوادي الغربية على ترتيب ما نذكره.
فربض النصارى يقع قبالة فاس القديمة على بعد من ضفة الوادي من غير مسامتة ولا بر، والبيضاء وهي المسماة بفاس الجديدة آخذ (ة) من شمالي ربض النصارى إلى ضفة النهر، ويقع أول عمارة فاس الجديدة قبالة آخر عمالة فاس العتيقة.
وحمص راكبة على النهر بشمال على جانب فاس الجديدة، آخذة إلى ربض النصارى (وقد) عقد على الوادي قناطر، وبنيت حمص على ضفّتيه، وهي فوق الجميع لأنّ الوادي منها ينحدر على ما بيّنته، وهو أنّ هذا النهر ينصب من الجنوب إلى الشّمال، ثم ينعطف على زاوية آخذا من الغرب إلى الشرق [حتى يصير]«2» كأنّه ينحدر من الغرب، وحمص على مجراه هناك، ثم يمرّ آخذا إلى الشرق على حاله فوق فاس الجديدة، ثم ينعطف عليها زاوية إلى الجنوب، ثم ينعطف إلى الشرق جائزا بها.
وهناك فاس العتيقة على الضفّة الشمالية، والقصبة بها في غربيّها مرجلة على الأرض لا
تتميز على المدينة برفعة ولا ببناء عال، وتلك المتّخذات كلّها على الضفة الغربية، ويبقى النهر مستديرا بفاس الجديدة من جانبي الشّمال على المجرى المركبة عليه حمص، ومن الشرق حيث انعطف النهر [عند]«1» فاس العتيقة، وهذا الوادي هو متوسط المقدار يكون عرضه في المكان المتسع قريب أربعين ذراعا وفي المضايق دون هذا، وربما تضايق إلى خمسة عشر ذراعا وأقلّ من ذلك، وعمقه في الغالب يقارب قامة رجل، وعليه النّاعورة المشهورة برفع الماء إلى بستان السلطان المعروف بالمصارة، وهو بستان جليل (535) ، له فيه قصر جليل جميل، وهذا البستان خارج المدينة الجديدة، وهذه الناعورة مشهورة الذكر يضرب بها المثل، ويتحدث بها الرّفاق.
وفاس العتيقة ذات عيون جارية، فيقال إنّ فيها أربع مئة عين سارحة.
قال الإمام أبو عبد الله العقيليّ «2» :
إنّها ثلاث مئة وستون عينا معدودة، والماء مسلّط على ديارتها ومساكنها، وأما المتّخذات فإنها على علو لا عيون بها، ولا يحكم الوادي عليها، وجميع أرض فاس العتيقة مجبلة غير مستوية، وأما المتّخذات فمستوية، وعلى كلّ من عتيقها وجديدها أسوار دائرة محصنة ذوات بروج وبدنات، وجميع أبنيتها من الحجر والآجرّ والكلس، موثقة البناء، مشيدة الأركان، وتزيد فاس الجديدة على فاس العتيقة في الحصانة والمنعة، والعتيقة بسور واحد من الحجارة، والجديدة بسورين من الطين المفرغ بالقالب من التراب والرمل والكلس المضروب، وهو أشدّ من الحجر، ولا تعمل فيه المجانيق ولا تؤثر فيه.
ويلي القصبة القديمة مخازن الغلال داخلها المطامير، وهي مجموعة في مكان واحد، يستدير بها سور منيع، عليه باب وغلق، ويسمى هذا الموضع بالمرسى القديم.
وأبنية فاس ومتّخذاتها جميعها جليلة مفخمة وإن كانت لا تلحق بمرّاكش فيما كانت عليه من عظمة مبانيها وفخامة مغانيها، وهو باق منه كليل على ما كان، وسيأتي ذكرها في موضعه.
وبفاس العتيقة داخل سورها جنائن ورياض ذوات أشجار ورياحين في دار الكبراء وبيوت الأعيان، وبها أرحاء كثيرة دائرة على الماء، قال السّلالجيّ:
تقارب أربع مئة رحا، وبكلّ من فاس القديمة وفاس المجدّدة المسماة بالبيضاء وحمص الجوامع والمساجد والمواذن والحمامات والأسواق، فأما المدارس والخوانق والرّبط فما خلت صحائف حسنات أهل المغرب من أجورها إلا النزر اليسير جدا.
وبفاس العتيقة مارستان، وعمائر العتيقة كما قدمنا (536) القول فيه بالآجرّ، فأما المتّخذات فغالبها بالقالب من نسبة أسوارها، وسقوفها بالأخشاب، وربما قرنصت بعض السقوف بالقصدير والأصباغ الملونة، وتفرش بالرّخام دياراتهم وبالزّيلخ «1» وهو نوع من الآجرّ [مدهون بدهان ملون]«2» كالقاشاني بأنواع الألوان البيض والسود والأرزق والأصفر والأخضر وما يتركب [من]«2» هذه الألوان وغالبه بالأزرق الكحلي، ومنهم من يتخذ منه وزرات لحيطان الدور، وأما دور هؤلاء فتفرش بآجر يسمى المزهري.
ولأهل فاس ولع ببناء القباب فلا تخلو دار كبير (ة) في الغالب من قبتين أو أزيد، وصورة تفسير أبنية دورهم مجالس متقابلة على عمد من حجر وآجرّ، ورفارف مطلة على صحن الدار، وقدّامها طفافير يجري إليها الماء، ثم يخرج إلى بركة في وسط الصّحن، وتسمى البركة عندهم صهريجا، وغالب أعيانهم يعملون لهم حمامات في بيوتهم أنفة من الدخول مع عامة الناس، لأنّ حماماتهم صحن واحد لا خلوة فيها تستر بعض الناس من بعض، ولهم تأنق في البناء، و [همم لا تقصر]«1» بهم عن الغاية فيه.
قلت: وثمّ فائدة لا بأس بذكرها والتنبيه عليها، ذكرها ابن سعيد في" المغرب"، وهي أن فاسا القديمة هي أيضا مدينتان، أقدمهما المعروفة بمدينة الأندلسيين بنيت في زمان إدريس ابن عبد الله الحسنيّ «2» أحد خلفاء المغرب، ثم المعروفة بمدينة القرويين «3» بنيت بعدها.
قلت: وهاتان المدينتا (ن) هما المعبّر عنهما الآن بفاس العتيقة، فجملة فاس الآن ما يذكر: مدينة الأندلسيين ومدينة القرويين، ومدينة البيضاء، ومدينة حمص، وربض
النصارى، والقصبة والذي يطلق على الجميع فاس القديمة، ولجميع الأندلسيين والقرويين وفاس الجديدة ولجميع البقية، وهي البيضاء، وحمص، والربض، ويطلق على الجميع اسم فاس، وقد ذكر ابن سعيد أنها إنما سمّيت [بفاس]«1» لأنهم لما شرعوا في بناء أساسها وجدوا فأسا فسموها به.
وقد ذكر ابن سعيد فاسا، فقال:
هي متوسطة بين مدن المغرب يعني الداخلة (537) من مرّاكش وسبتة وسجلماسة وتلمسان عشرة أيام.
قلت: ولتوسطها صلحت أن تكون قاعدة الملك ليقرب الملك من جميع نواحيه.
قال ابن سعيد:
ولها جنات كثيرة وزروع وضروع وخيرات، وعلى نهرها الأعظم الغربيّ نحو ثلاثة آلاف رحا، وعلى حافته القرى والضياع والمدن الجليلة، وهي تشبّه بدمشق وبغرناطة، والجبال تكتنفها، وهي ممتدة بنفسها، ونهرها يلاقي نهر وادي سبو «2» ، وهو أعظم أنهار المغرب يصبّ في المحيط بين سلا «3» وقصر عبد الكريم «4» ، وفوهته هناك متسعة، وأمواجه مضطربة، وهي أكثر مياها من دمشق ومن غرناطة.
قال ابن سعيد:
ولم أر قطّ حمامات في داخلها عين تنبع إلا بها، وأثنى الشريف الإدريسيّ «1» في أخباره على مالكها ومآكلها ومطاعمها، ولأهلها اليد الطّولى في صناعة المخروطات من الخشب والنحاس، وهي تشبّه بدمشق في البساتين، وأهلها يشبّهون بأهل إسكندرية في المحافظة على علوم الشريعة وتغيير المنكر والقيام بالنّاموس، وفي عامتها الزعارة والمفاخرة بالقتل، وبها بستان ابن خيدن يشقّه نهر فاس، قال ابن سعيد:
وما [رأى]«2» أحد ما أنفق فيه من الأموال بين بنيان ونجارة وزخرفة وغرس، ثم قال:
وفي فاس وظاهر من الإيوان ما يفوق به غيرها من البلدان، وقد قال ابن منقذ «3» رسول الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب إلى المنصور بن عبد المؤمن «4» رحمهما الله في رسالته
المغربية: ولقد أخرجوني إلى بستان بفاس يقال له البحيرة، أتفرج فيه، ضمانه خمسة وأربعون ألف دينار، [وفيه بركة ذرع كلّ جانب منها مئتان]«1» وستة عشر ذراعا بالمرفق، ويكون دور البركة ثماني مئة ذراع وأربعة وستين ذراعا، وعندهم ما هو أكبر من ذلك.
والذي حكى لي السّلالجيّ أن أكثر عمائر المتنزهات في البساتين بها خفيفة الآن (538)[لا]«2» مبالغة لها ولا كلفة فيها، وقال: أما قول ابن سعيد، [إنّ على ضفة النهر ثلاثة آلاف رحا لا حقيقة له] ، «3» ولا [بعضه]«4» إلا ما تقدم ذكره.
وفاس وخيمة البقعة، ثقيلة الماء، يعلو وجوه سكانها صفرة، ويحدث لأجسادهم [كسل]«5» وفترة.
وقواعد الملك بهذه المملكة ثلاث، وهي: فاس وهي قاعدة الملك الثالثة، فأما سبتة، فإنا وإن كنا ذكرناها مملكة، وصدّرنا بها هذا الفصل بالممالك فإنّها ليست لملوك بني مرين بقاعدة، ولا ينظر إليها عندهم بعين الاحتفال، وأما كوننا ذكرنا هنا مرّاكش ولم نذكر (ها) في صدر هذا الفصل في الممالك فلأنها و [فاسا]«6» ذات مملكة واحدة، وإنما التقدمة اليوم لفاس، فلم يبق لذكرها معنى، وأما ذكرها هنا فلأنها ملحوظة عند ملوكها، يعدّونها بعد فاس.
وأما تلمسان: فمملكة تمادى الأمر عليها، وهي مستقلة بنفسها، وقد استضافها هذا
السلطان إليه فصارت له قاعدة ثالثة.
وأما المدن الكبار بهذه المملكة فهي اثنتان وأربعون مدينة، القائم فيها هذا السلطان عن آبائه ست وعشرون مدينة «1» وهي: فاس، ومرّاكش، وأغمات «2» ، وآسفي «3» ، وآنفا «4» ، وآزمّور «5» ، وتيط «6» ، وسلا، وأزيلا «7» ، والعرائش «8» ، وطنجة، والقصر الصغير «9» ،
وسبتة، وبادس «1» ، وتيجيساس «2» ، وعصاصة وهي المسماة باللدية البيضاء، و [قصر عبد الكريم]«3» ، وتازا «4» ، وصا، وسجلماسة، و [تطاوين]«5» ، ومليلة «6» ، والمزمّة «7» ، وتازوطة، ومكناسة «8» ، والمستجدّ لهذا السلطان عند فتحه بسيفه لمدينة تلمسان وقتل
ملكها أبي تاشفين عبد الرحمن بن أبي حمو عبد الوادي «1» فهو تسع عشرة مدينة «2» ، وهي: تلمسان، ووجدة «3» ، ومديونة، و [ندرومة]«4» ، وهنين «5» ، ووهران، وتيمزغران «6» ، وبرشك «7» ، وشرشال «8» ، وتونت، ومستغانم «9» ، وتنس «10» ، والجزائر، والقصبات، ومازونة «11» ، وتاحجحمت، ومليانة «12» ، والمدية «13» ، وأما صفروي «14»
وهي مما ورثه عن أبيه فهي قرية كبيرة لا مدينة، (539)[وكذا]«1» الطحا وتيمزّوعت مما فتحه، فمن عدّها في المدن جعل العدة خمسا وأربعين مدينة «2» ، وإلا فالصحيح ما بيناه، هذا ما تملّكه هذا السلطان مما على جنوب البحر الشاميّ من أول مخرج بحر الزّقاق المحيط إلى آخر عمالة جزائر بني مزغنّانة مع طول البحر وما يليه في الجنوب إلى الصحراء الكبيرة.
وله بالأندلس الجزيرة الخضراء، ورندة، ومربلّة، وما فتحه بجيوشه المجهزة بها فهو بلد طريف، وجبل الفتح فتكون جملة المدن الكبار المنتظمة في مملكته ثمانيا وأربعين مدينة بما لها من المعاملات والرّساتيق والقرى والضياع والقلاع والحصون والبوادي، كلّ هذا بيد سلطانها القائم الآن يتصرف تصرف الاستقلال فيه، وبقية الأندلس لولا جيوشه مع الله تعالى لما بقيت، وقد كان على ملكها للفرنج في كلّ سنة أربعون ألف دينار، فمذ أجال بالأندلس خيله قطع تلك القطيعة، وأنعش بها رمق الإسلام.
فأما إفريقيّة فقد نبهنا فيها على أنّه لولا إنجاد هذا السلطان لصاحبها على بني عبد الواد وعلى ذعّار العرب وثوار أهل بيته لما ثبتت له قدم، وقد ذكرنا أنّه أعاد عليهم مدينة تدلّس وبلادها، وكان قد أخذها بنو عبد الواد منهم.
وحدّثني غير واحد من أهل إفريقيّة أنّ صاحبها ما بعث بنته «3» إلى السلطان أبي الحسن المريني صاحب برّ العدوة إلا ليبقي عليه ملكه، وقد كان بعث بمفاتيح بجاية، وأشهد على نفسه أنه خرج عنها للسلطان المرينيّ، ومن وفائه أنه ردّها عليهم وصرفها
إليهم، ولم يطمع لهم في شيء من بلادهم، بل أعاد لطارفهم وتلادهم مع المساعدة بالإنجاد حتى استولى على عدوّهم بالقتل، وتملك جميع بلاده كما قدمنا.
ونحن وإن كنا ذكرنا إفريقيّة بذاتها مفردة بسلطان، فإنها في الحقيقة جزء من مملكة صاحب إفريقيّة فيها كالنائب له، وإنما صاحب برّ العدوة ينظر إليه بعين الإجلال لكونه بقية الموحدين، وهم أهل بيت ملك، ولهم أصالة السلطنة، وصاحب إفريقيّة إنما اشتدّ بمصاهرته له، وبهذا تمّ له في إفريقيّة (540) سلطانه، وانكفّت أطماع العرب عنه بعد أن استخفوا في إفريقيّة بالسلاطين، وهان عليه أمر الأمراء، وكانوا بأيديهم تتولى الملوك وتسمن السلطنة وتهزل. فأما السبب الباعث لصاحب إفريقيّة على إرسال بنته إلى هذا السلطان أبي الحسن المرينيّ فهو أنّ سلطان بني عبد الواد صاحب تلمسان «1» كان قد حاصر بجاية، ونزل عليها، ونازلها وضايقها، ولم يطق صاحب إفريقيّة دفعه فأراد تأكيد معاضدة المرينيّ له، فزوجه ابنته في أيام أبيه أبي سعيد عثمان، وبعث إليه في البحر يستنجده، فخرج لإنجاده ثم مات، وأوصى ابنه [أبا]«2» الحسن بإتمام النجدة لهم، فلم يزل على محاصرة تلمسان، حتى كان من فتوحه لها ما كان.
وحدّثني من له إطلاع على ما حدّثني به، قال: وكان صاحب إفريقيّة مع انقياده إلى المرينيّ وعداوته لسلطان بني عبد الواد وقيام المرينيّ على عدوّه في هواه لا يؤثر في الباطن أنّ المرينيّ يظفر بصاحب تلمسان عدوّه، ليكون له به شغل عن قصده وانتزاع إفريقيّة منه لعلمه أنّ تلمسان حجاب بينهما، وأنّه لا طاقة له بالمرينيّ ولا قبل له به، ويحقّ له الخوف فإنّه في قبضته متى أراد.
قلت: ومع ترامي صاحب إفريقيّة للمرينيّ وادعاءاته له لا يخطب له على منابره، ولا تضرب السّكّة باسمه، ومع اقتدار المرينيّ عليه وكونه لا يعدّ إلا كأحد نوابه ما طلب هذا منه، ولقد قال أبو الحسن المرينيّ في كتابه الوارد إلى حضرة السلطان بمصر مخبرا بفتوح تلمسان إنّ مملكته اتصلت من البحر المحيط إلى برقة، وهذا يؤكد ما قلناه من أن إفريقيّة كجزء من بلاده وأن صاحبها كالنائب له لأنّه قال إن مملكته إلى برقة، وإفريقيّة هي داخلة في هذا الحد، وهذه المملكة المجتمعة لهذا السلطان أبي الحسن فإنها هي الغرب بمجموعه، منها ما هو بيده، ومنها ما هو بيد ملوك في طاعته، وحيث يقال اليوم صاحب الغرب، فهو المراد، ولقد كان الناس زمان أبيه في جور حتى (541) ولي فبسط بساط العدل، وحمل على محجة الإنصاف، وأبطل المظالم و (ضرب) على يد كلّ ظالم، وأسقط المكوس، ولم يدع إلا الخراج والزكاة والعشر، وما يوجبه موجب طلب الشرع، وحلّ عقد (ة) الضمان، وكانت سببا للظلم والطلب المجحف، وكان يقال إنه بعد أن حلّ البلاد من الضّمان تنقص الأموال فزادت، وأدلّ الله بالعدل من البركات أضعاف ما كان.
قال أبو عبد الله السّلالجيّ: أما ما ازداد وتثمّر فلا أعلم كم هو، وأما ما كان في عقدة الضمان في زمان السلطان أبي سعيد والد هذا السلطان خارجا عما كان يؤخذ من أصحاب الماشية من الإبل والبقر والغنم فهو تفصيله:
فاس: مئة وخمسون ألف مثقال.
مرّاكش: مئة وخمسون ألف مثقال.
سبتة: خمسون ألف مثقال.
آسفي: خمسة وعشرون ألف مثقال.
أغمات: خمسة وعشرون ألف مثقال.
آنفا: أربعون ألف مثقال.
آزمّور: عشرون ألف مثقال.
طنجة: ثلاثون ألف مثقال.
بادس: عشرة آلاف مثقال.
مكناسة: ستون ألف مثقال.
صفروي: ستة آلاف مثقال.
سجلماسة ودرعة «1» : مئة وخمسون ألف مثقال.
[تازا]«2» : ثلاثون ألف مثقال.
عصاصة ومليلة والمزمّة: ثلاثون ألف مثقال.
تيط: خمسة آلاف مثقال.
تيجيساس: خمسة آلاف مثقال.
% قال السّلالجيّ: وهذا الضمان كان جاريا على جميع المجابي ما كان يستأدى من وجوه الخراج والزكاة والموجبات والمكوس خارجا عن عداد المواشي وغلات المجاسر والحصون والقلاع والمجاسر وهي القرى، قال:
وأما تطاوين، والقصر الصغير، وصا، فإنّها كانت بكفلها لا يتحصل شيء منها، قال:
هذا المبلغ هو الذي كان يجري عليه الضمان، وقد كان يزيد وينقص باختلاف الأحوال والأوقات، وإنما هذا هو الغالب، ولا كثير تفاوت فيما يزيد وينقص منه، قال:
والذي استفتحه الآن (542) لا يقصر عن نظر الثلاثين فإنما يقصر شيئا يسيرا، لأن تلمسان مملكة جليلة وسيعة المدى كثيرة الخيرات ذات حاضرة وبادية وبرّ وبحر.
وسألت السّلالجيّ عن عدّة العسكر لاختلاف الأقوال فيهم، فمن مكثر إلى غاية، ومن متقارب، وكان ابن جرار قد قال إلي: إنهم مئة ألف وأربعون ألفا، قال السّلالجيّ:
الذي نعرفه قبل فتح تلمسان فما كانت تزيد جريدة جيشه المثبتين في الديوان على أربعين ألف فارس لا غير، غير حفظة المدن والسواحل، وكان يمكنه إذا استجاش لحرب أن يخرج في جموع كثيرة جدا لا تنحصر بعدد ما، ويكون الآن قد زاد على ما أعرفه مثله لاستجداد تلمسان له، وهي مملكة كبيرة، وسلطنة جليلة تكون قريب الثلاثين مما كان بيده، ولطاعة أمم من أهل الجبال والأطراف، وقد كانوا يعصب رؤوسهم التيه، ويجنح بهم العصيان، وقد تثعلبت له اليوم آسادهم، وأصحرت له وعولهم.
قال العقيليّ:
أما جيشه الآن فيكون مئة وأربعين ألفا غير من يستجيش به.
وسألت السّلالجيّ عن مقدار عمارة فاس عتيقها وجديدها، فقال:
تكون قدر ثلث مصر والقاهرة وحواضر هما لكن [عالمها]«1» أقلّ، وبالغ في وصف دياراتها وأوطانها، وما اشتملت عليه بساتينها المنوعة الثمار المطردة الأنهار، وما بها من الرّخاء الدائم والأمن والدعة، فسألته عن معاملاتها وأسعارها، فقال:
المثقال الذهب بمائة وعشرين درهما من الدراهم الصغار، وهي ستون درهما من الكبار، لأنّ كلّ درهم من الكبار بدرهمين من الصغار، وكلّ درهم من هذه الدراهم الكبار يكون نظير درهم أسود في مصطلح أهل مصر، والدرهم الأسود بمصر هو ثلث درهم نقرة من معاملة مصر والشام، قال السّلالجيّ:
وكلّ ثلاثة كبار بدرهم واحد نقرة من معاملة مصر والشام، هذا على جهة التقريب لا التحقيق.
وأما الدراهم الصغار (543) فكلّ درهم منها نصف درهم كبير، وهو نصف درهم أسود يكون سدس درهم نقرة من معاملة مصر والشام، وحيث يقال درهم ويسكت، لا يراد به إلا الدرهم الصغير، وهو سدس درهم إلا بمرّاكش وما جاورها وقاربها (فإنه) حيث قيل درهم لا يراد به إلا الدرهم «2» الكبير بيض على الصغير، «3» هذا في مرّاكش وعملها وما قاربها خاصة دون بقية برّ العدوة على الإطلاق.
والرّطل هو نظير رطل إفريقيّة سواء على ما تقدم ذكره، وأما الكيل فأكبره الوسق، ويسمى الصّحفة، وهو ستون صاعا من الصّاع النبويّ محررا، قال:
وأما الأسعار، فإن أواسط الأسعار كلّ وسق قمح بأربعين درهما من الصغار، والشعير دون
ذلك، وكلّ رطل لحم بدرهم واحد من الصغار، وكلّ طائر من الدجاج بثلاثة دراهم من الصغار، هذا كلّه من المتوسط بالسعر المتوسط في غالب الأوقات.
وبرّ العدوة به من أرزاق الحبوب القمح، والشعير، والفول، والحمص، والعدس، والدّخن، والسلت وغير ذلك إلا الأرزّ فإنّه قليل، وإن ازدرع في بعض الأماكن من برّ العدوة، ولكنّه يجلب إليهم من بلاد الفرنج، وما لهم نهمة في أكله ولا عناية به، ويزرع به السّمسم، ولكنه ليس بكثير لا يعتصر منه بالغرب شيرج، ولا يأكل الشّيرج منهم إلا من وصفه له الطبيب، وإنما أكلهم عوضه الزيت ومزورات الضعفاء، وهم يعملون الحلوى بالعسل والزّيت.
وبها أنواع الفواكه المستطابة اللذيذة المتعددة الأنواع والأجناس من النخل والعنب، والتين، والرمّان، والزيتون، والسّفرجل، والتفاح على أصناف، والكمّثرى كذلك، ويسمى ببرّ العدوة الإنجاص كما يسمى بدمشق، والمشمش، والعين «1» والبرقوق، والقراسيا، والخوخ غالب ذلك على عدة أنواع، وأما التوت فقليل، وبها الجوز، واللّوز، ولا يوجد بها الفستق والبندق إلّا إن جاء مجلوبا.
وبها الأترجّ، والليمون، والليم، والنّارنج، والزنبوع، وهو المسمى (544) بمصر والشام الكبّاد، والبطيخ الأصفر، وأما الأخضر فهو يسمى عندهم بالدلاع، وهو قليل والموجود منه لا يستطاب.
وبها الخيار، والقثّاء، واللّفت، والباذنجان، والقرع، والجزر، واللّوبياء، والكرنب، والشّمار، والصّعتر، وسائر البقول، وأما القلقاس فلا يزرع عندهم إلا للفرجة على ورقه، «2» لا لأن يؤكل، ولا يوجد بها الموز إلا في بعض المواضع نادرا مما يهدى ويباع.
وأما قصب السكر فهو بجزائر بني مزغنّا وبالسوس وبنواحي مرّاكش وبسلا كثير، ولولا عدم استقامة أهل السوس وتلك الأطراف وكثرة التوائهم لكان كثيرا جدا، والموجود منه يعمل منه قند، ويسبك منه السكر، ولكنّه متوسط المقدار.
وقد سألت ابن جرار عما يعمل بمرّاكش من السكر، فقال:
يعمل منه أنواع ويخلص منه مكرر يجيء في نهاية البياض والصلابة ولطافة الذّوق، ويقارب مكرر مصر إن لم يكن مثله، لكنّ نوع السكر المعمول به بالغرب غير كثير، قال:
ولو أنهم أكثروا من نصب الأقصاب لكثر.
قال العقيليّ:
إن بمرّاكش أربعين معصرة للسكر أو أزيد، وزادت على سوس، ومزارعه في أرض مرّاكش [بواد]«1» يعرف بوادي نفيس «2» ، وإنّ حمل حمار من القصب يباع بثلاثة دراهم يكون بدرهم واحد كامليّ، فسألته عن السبب المانع لهم من الاستكثار منه، فقال: لكثرة وجود عسل النحل واعتياد المغاربة لأكله، ووصف العسل عندهم ولذاذة طعمه وكثرة ألوانه.
ولقد سألت كثيرا من المغاربة حتى ممّن أقام بمصر وتمصّر عن السكر فوجدتهم مائلين بالطباع إلى تفضيل العسل في الأكل عليه، واستطابتهم له أكثر من السكر واستعمالهم للعسل بدلا منه في أطعمتهم وحلوائهم، وزعموا أنّ ما يعمل من العسل ألذّ مما يعمل من السكّر، وهذا مما لا نسلمه إليهم ولا يدّعي هذه الدعوى ذو ذوق سليم ولا نظر مستقيم.
ولقد قال لي كثير منهم إنّه ما يستعمل السكر عندهم في الغالب إلا المرضى والغرباء أو
الكبار من الناس (545)[في]«1» المواسم والضيافات.
قالوا: وكذلك الأرزّ لا يؤكل عندهم إلا في يوم حفل أو دعوة أو مريض أو غريب اعتاد أكل الرزّ في بلاده، وقد طال ما جرّه الحديث في هذا، ونعود إلى تكملة ما يوجد في برّ العدوة.
قال السّلالجيّ:
بها من الرّياحين الورد، والبنفسج، والياسمين، والآس، والنرجس، والسّوسن، والبهار، وغير ذلك.
وبها من الدوابّ الخيل، والبغال، والحمير، والإبل، والبقر، والغنم، ولا يعدم عندهم إلا الجاموس فإنّه لا يوجد عندهم.
وبها أنواع من الطير من الأوزّ والحمام، والدجاج، وغير ذلك، والكركيّ كثير عندهم على بعد الديار وغربة الأوطان وتسمى عندهم الغرانيق، وهي عندهم صيد الملوك كما هو بمصر والشام، وفي صحاريها من أنواع الوحش الحمر، والبقر، والنّعام، والغزال، والمها، وغير ذلك.
وأما مرّاكش «2» فهي متوسطة بين المحيط إلى الصحراء إلى البحر أربعين ميلا وإلى الصحراء وهي كما قدّمنا ثانية قواعد الملك.
حكى لي غير واحد عن سعة دورها وضخامة عمائرها وما فيها من قصور بني عبد المؤمن وأولادهم وأجنادهم، حتى يقال إنّه إذا كان الرجل في صدر الدار ونادى رفيقه وهو في صدرها الآخر بأعلى صوته لا يكاد يسمعه لاتساعها.
قال ابن سعيد:
ودورها سبعة أميال، وهي بسيطة يمتدّ فيها البصر بناها أمير المسلمين يوسف بن تاشفين «1» ، وأول ما بني بها القصر المعروف بقصر الحجر «2» ثم بنى الناس حوله، ثم إنّ يوسف العشريّ،- وهو أبو يعقوب بن عبد المؤمن- «3» كبّرها وفخّمها ومصّرها وضخّمها، وجلب إليها المياه والغراس، ومنارة جامعها المعروف بالكتبيّين «4» طولها مئة وعشرة أذرع من الحجر «5» وعلى باب جامعها ساعات ارتفاعها في الهواء خمسون ذراعا، ينزل عند انقضاء كلّ ساعة صنجة وزنها مئة درهم، يتحرك بنزولها أجراس يسمع وقعها من بعيد،
وتسمى عندهم المنجانة، «1» وهي الآن بطّالة لا تدور.
قال ابن سعيد:
وحضرة (546)[مرّاكش]«2» مما سكنتها وعرفتها ظاهرا وباطنا، ولا أرى العبارة تفي بما تحتوي عليه، ويكفي أنّ كلّ قصر من قصورها مستقل بالديار والبساتين والحمام والإسطبلات والمياه وغير ذلك حتى يغلق الرئيس منهم بابه على جميع خوله وأقاربه وما يحتاج [إليه]«3» ، ولا تخرج له امرأة إلى خارج داره. ولا يشتري شيئا من السوق لمأكل ولا يقرئ أولاده في مكتب خارج، ويخرج هو من بيته راكبا لا تقع عليه العين راجلا، «4» [قال: ولا أدري كيف أصل إلى غاية من الوصف أصف بها ترتيب هذه المدينة المحدثة، فإنها من عجائب همّات السلاطين، ذات أسوار ضخمة وأبواب عالية.
وبظاهرها مدينة اختطّها المنصور يعقوب بن (يوسف) بن عبد المؤمن له ولخواصه تعرف بتامرّاكش، وبها قصر الخلافة الذي بناه] وبه ديار عظيمة منها دار البلّور، ودار الرّيحان، ودار المال، وكلّ دار منها لا تخلو من المياه والبساتين العجيبة والمناظر المرتفعة المشرفة على بسائط مرّاكش.
ولها ثلاثة أبواب مختصة بها: باب البستان وكان لا يراه إلا خواص بني عبد المؤمن يفضي إلى بستان يعرف بالبحيرة طوله اثنا عشر ميلا، فيها العمائر الجليلة والمصانع العظيمة والبركة التي لم يعمل مثلها.
قال العقيليّ:
وطولها ثلاث مئة وثمانون باعا، على جانبها الواحد أربع مئة شجرة من النّارنج، وبين كلّ اثنتين إما ليمونة وإما ريحانة.
والباب الثاني: باب القراقين وهو في داخل المدينة مرّاكش، يتصرف منه إلى ما يحتاج إليه بالمدينة.
والباب الثالث: باب الرياض أمامه رحبة عظيمة تحمل طراد الخيل، وكان بها أنواع من الوحوش في زمان بني عبد المؤمن، وبها قبّة الخلافة إلى جانب الباب، كان يخرج إليها خليفتهم بكرة كلّ نهار، وتكون بها الخدمة، وفي رحبة القصر دار الكرامة والأضياف، وفيها (547) يقول أبو بكر بن مجير المرسيّ- «1» رحمه الله:(الخفيف)
ذاك داعي الهوى بمثوى الإمامه
…
موجب للأنام دار الكرامه
قد دعا دعوة العموم إليها
…
معلنا كالنّداء أو كالإقامه
فتباروا إلى نعيم عميم
…
فتحوا بابه وفضّوا ختامه
خير قوم دعوا إلى خير دار
…
هي للملك نضرة وكمامه
عالم السّبعة الأقاليم فيها
…
وهمو في فنائها كالقلامه
ما توسّمت قبل جمع أتاها
…
أنّ ذا الحشر قبل يوم القيامه
تسام الريح حين تطوي مداها
…
وتحول العيون دون بشامه
وفي هذه الرحبة المدينة، وهي مكان جليل به خزائن الكتب، وفيه كان خلفاء بني عبد المؤمن يجالسون العلماء، وفيها دار مخصوصة للوزارة المحلّاة بوزير الجند، وتفضي هذه الرحبة إلى باب السّادة وهو يفضي إلى خارج مرّاكش كان مخصوصا ببني عبد المؤمن، إليه ينتهون على خيلهم وعليه سلسلة منها ينزلون، وهناك مقابر أكابرهم وجنائز الأعيان في نهاية حسن المباني والغراس.
وفي الرحبة باب السقائف، وهو باب كبير يخرج منه إلى سقائف أهل الجماعة، وهم ذرية العشرة أصحاب مهديّهم ابن تومرت، وسقائف أهل الخمسين، وسقائف الطلبة، وهم أهل العلم والقراءة، وسقائف الحفاظ، وهم المقدّمون على الأعمال لحفظها، وسقائف أهل الدار، وهم غلمان الخلافة.
ثم يخرج من هذه الرّحبة إلى سقائف القبائل وأعيان الغزّ والجموع، ثم يفضي إلى رحبة عظيمة فيها سقائف جنفيسة وجدميوة، والقبائل هسكورة وصنهاجة، وهؤلاء هم قبائل الموحّدين، وبها موضع صاحب الشّرطة، وبإزائها الجامع المبنيّ في تامرّاكشت على صحنه شبك من الصفر الأندلسيّ وهو في غاية الزّخرفة والإتقان، ولا يبرح المنبر مستورا في بيت المقصورة (548) ، وهو والمقصورة مستوران إلى يوم الجمعة قريب الصلاة ترفع ستورها، والنهر الذي جلبه المنصور إليها يخترق قصوره ثم يمرّ على السقائف والرّحاب المقدمة الذكر، ثم يحدق بالجامع، ثم يمرّ بالجامع وبين الأسواق قدر ميل إلى أن يخرج على باب الصالحية من أبواب مرّاكش في هذه الرحبة المقدمة الذكر.
باب الكحل: كان منه دخول الموحدين، وأمامه فضاء عظيم يسع وقوف الخلائق و [صرفها]«1» .
وباب الربّ لا يدخل هذا النوع إلا منه «1» لاحتمال أن يدخل المدينة خمر.
وبها الصّهريج الكبير، والصّهريج في [لغة أهل] «2» المغرب: البركة، وهي بركة عظيمة عليها سور وباب يصب فيها النهر الثاني الداخل إلى مرّاكش، وفيها يوزّع بقياس معلوم على قصور الناس، ثم ينحدر بقية الماء في نهر يشقّ المدينة «3» من جهة أخرى في وسط الأسواق وما يمرّ «4» ، وفيها برك تصبّ فيها المياه، وفي هذه الرّحبة باب الشريعة أمام مصلّى العيدين و [بينهما]«5» فسيح عظيم به سوق الخيل، وللسلطان به قصر مطلّ عليه.
ويليه باب نفيس يخرج منه إلى بلد نفيس «6» المفضلة بالمياه والأعناب، وقدامه بركة اقنا يتعلم فيها الصبيان العوم.
ويليه باب مخزن السلطان، كان به وإلى جانبه قصر سعيد، وقصر أمة العزيز، وقصر ابن جامع، لا يعلم كم غرّم على كلّ واحد منها حتى قال ابن سعيد في" المغرب" عن قصر ابن جامع وهو أحد وزراء بني عبد المؤمن: وإنّه كان في داره ساحة يلعب فيها خمس مئة جارية على خيل الخشب وتتطاعنّ.
ويلي ذلك باب مسوفة يفضي إلى المقابر.
وباب دكّالة، وهو مفض إلى المتنزّهات.
ويليه باب الرخاء.
ويليه باب ناغورت.
ويليه باب فاس، وهو مفض إلى فضاء يفضي إلى نهر كبير لا يخاض إلا في زمان الصّيف، وعليه بساتين جليلة ومتنزّهات.
ويليه باب الدبّاغين.
ويليه باب سان «1» .
(549)
ويليه باب إيلان «2» .
ويليه باب أغمات، وأمامه منازل المخدومين لا يمازجون الحضرة.
ويليه باب الصالحية، وخارجه مقابر وبساتين.
ولمرّاكش بواد فسيحة وما اختار ابن تاشفين بقعتها إلا لمراعي إبله حولها وبها [كثير من]«3» أرباب العمائر.
وأما تلمسان «4» وهي قاعدة الملك الذي فتحه هذا السلطان بسيفه، واستضافه إلى
ملكه، قال الشّريف في كتاب [رجّار"]«1» وهي في سفح جبل وبها آثار الأول، وماؤها مجلوب من عيون على ستة أميال، ولها أسواق ضخمة، ومساجد جامعة، وأنهار وأشجار، وشجر الجوز كثير بها، وفيها المشمش المقارب في حسنه لمشمش دمشق وعلى نهرها «2» الأرحاء، ويصبّ نهرها في بركة عظيمة من آثار الأول، ويسمع لوقعه خرير على مسافة ثم يصبّ في نهر آخر «3» بعد ما يمرّ على البساتين، ويستدير بقبليّها وشرقيّها، وتدخل فيه السفن اللطاف حيث يصبّ في البحر.
وهي دار علم متوسطة في قبائل البربر، ومقصد تجار الآفاق، زكية الأرض من الزرع والضرع، وبها حصون كثيرة، وفرض عديدة أشهرها فرضة هنين وهي قبالة المريّة [من الأندلس]«4» ووهران [في شرقيّ تلمسان بشمال قليل على مسيرة يوم من تلمسان، ومستغانم تقابل دانية «5» من الأندلس] . «4»
وتلمسان على ما بلغ حدّ التواتر في غاية المنعة والحصانة مع أنها في وطاءة لكنها محصّنة البناء، ولقد أقام أبو يعقوب يوسف عمّ هذا السلطان أبي الحسن نحو عشر
سنين «1» وبنى عليها مدينة سماها تلمسان الجديدة «2» ثم مات، وسمى أهل تلمسان تلك السنة سنة الفرج حتى كتبوا في سكّتهم ونقشوا: ما أقرب فرج الله، وشرع حينئذ أبو حمّو «3» بعد إتمام سنة من الفرج من رحيل بني مرين عنها، وهو والد سلطانها أبي تاشفين المأخوذة منه (في) تحصيل قوتها، وتحصين أسوارها، ولم يدع ما يحتاج إليه المحاصر لعدة سنين كثيرة حتى حصله من الأقوات والآلات «4» حتى سليت الشّحوم، وتملّيت بها الصّهاريج وملئت أبراج المدينة بالملح والفحم والحطب واختزن [أرضا]«5» (550) داخل المدينة كلّها زرع، ومات أبو حمّو وولي بعده أبو تاشفين فزادها تحصيلا من الأقوات، وتحصينا من الأسوار والآلات، وبنى بها البناءات العجيبة الشكل، والقباب الغريبة المثل، والبرك المتسعة، والقصور المنيفة، وغرس فيها بساتين، غرس بها من سائر أنواع الثمار إلى أن حاصر بجاية ونازلها وبنى عليها، فاستنجد الموحّدون المرينيّ، فأرسل إليه العلماء والصلحاء والأعيان، وندبوه إلى الصلح بينهم فأبى إلا عتوا وفسادا، فنهض إليه أبو الحسن وحاصره أشدّ حصار، وبنى عليه مدينة سماها المنصورة، وبقي أربع سنين محاصرا لها، مضيفا
عليها آخذا بخناقها، ونصب عليها المجانيق، وأخذ عليها المسالك من كلّ جهة، ولم يدع طريقا لداخل إليها ولا لخارج منها، وسلطانها أبو تاشفين وجميع أهلها في ضيق الخناق معهم، ولا يفكّ لهم وثاق، ولا يحلّ لهم خناق، ولا تبرق لديهم بارقة خلاص، وكانوا مع هذا التشديد الشديد في غاية الامتناع، لحصانة بلدهم وكثرة ما بها من الماء والأقوات، وكان في المدينة عين ماء لا يقوم بكفايتها، وكان يجري إليها الماء من عين خارجة عن البلد لم يعرف لها [أحد]«1» منبعا أخفيت بكثرة البناء المحكم، ولم يظهر لها على علم إلى أن خرج أحد من يعرفها من البنّائين المختصين بسلطانها الكاشف عنها حين بنائها، فأظهرها للسلطان أبي الحسن وكشف عنها فقطعها عنهم، وأبعدها منهم، وصرفها إلى جهة أخرى فقنعوا بالعين التي في داخل بلدهم، واكتفوا بالبلالة، ولم يظهر منهم وهن ولا خور لانقطاع الميرة لما كان عندهم من المخزون حتى قدائد اللحوم ومسليات الشحوم ولم يتغير طعمها لأن بلاد الغرب مخصوصة بطول مكث المخزونات بها، فإنه ربما بقي القمح والشعير في بعض أماكنها ستين سنة «2» لا يتغير ولا يسوّس ثم يخرج بعد خزن هذه المدة الطويلة فيزرع وينبت وخصوصا تلمسان في برّ العدوة، وطليطلة «3» في الأندلس.
حكى ابن ظافر «1» في كتابه (551) المترجم ب" سياسة الملوك"«2» أن القمح يقيم بطليطلة ثمانين سنة مخزونا في صهاريج، ثم يخرج ويزرع، قال: ولا يزيدها مدة الحزن إلا صفاء، ولا طول المكث إلا جدّة.
ونعود إلى ذكر تلمسان، فنقول: إنها منحرفة إلى الجنوب الشرقيّ (من) فاس، ولها ثلاثة أسوار ومن جهة القصبة ستة أسوار بعضها داخل بعض، ولم يهجس بخاطر أنها تؤخذ ولكن يسر الله لهذا السلطان أبي الحسن المرينيّ صعبها وذللّ له إباءها حتى ملك ناصيتها، وبلغ دانيتها وقاصيتها، وإذ قد ذكرنا قواعد الملك الثلاث فلنذكر ما لا بأس بذكره من هذه البلاد.
وأول ما نبدأ بذكره سبتة «3» لصيتها الطائر في الآفاق لمكان بحر الزّقاق منها، وهي على ضفة بحر الزّقاق الداخل من البحر المحيط، وهي في طرف من الأرض شديد الضيق من جهة الغرب، والبحر المحيط محيط بها شرقا وغربا وقبلة، ولو شاء أهلها أن يصلوها به من جهة الشمال لوصلوه فتكون جزيرة منقطعة، ولها فاكهة كثيرة وبها قصب سكر ليس بالكثير، وعليها أبراج كثيرة، وأسوارها عظيمة من صخر محيط بها، وكذلك يحيط بجبل مينائها الذي بشرقيّها وبربضها أسوار، وبها حمامات يجلب إليها الماء على الظهر من البحر في الشواني «4» وطول المدينة من السور الغربيّ المحيط على ربضها إلى آخر الجزيرة خمسة أميال،
ولم تزل دار علم وفقه، وقد ذكر الحجاريّ «1» أول مصنفي كتاب" المغرب" أنها أول ما بني في برّ العدوة، وهي من فرض البحر العظيمة لكثرة ما يرد عليها من مراكب المسلمين والنصارى من كلّ جهة، وجميع طرف الدنيا أو غالبها موجود فيها، وهي مليحة نزهة، والبحر عندها ضيق، وإذا كان الصّحو بصر أهلها منها الجزيرة الخضراء المسامتة لها (552) من الأندلس، وشرب أهلها من الماء مجلوب إليهم من البحر من بليونش «2» وغيرها من متنزّهاتها، وفي داخلها صهاريج من ماء المطر، والأغنام تجلب إليها، والقمح لا يزكو نباته في أرضها، وإنما يجلب إليها جلبا كثيرا، وبها الصخرة التي يقال «3» إنّ موسى عليه السلام آوى إليها ولا يصحّ، وبها سمك كثير منه نوع يسمى سمك موسى نسبة إلى حوته الذي اتخذ سبيله في البحر سربا، ولحمه نافع من الحصا، مقوّ للباه، وهو يوجد بالبحر قريب جبل سبتة المعروف بجبل [موسى بن نصير]«4» ، وبه رمال ينبط منها الماء العذب، وينبعث من
أجواف على ضفة البحر، ولقرب سبتة من الزّقاق الذي منه البحر الشاميّ يقال للبحر الشاميّ البحر السّبتيّ، وكانت سبتة دار ملك للعزفيين «1» حتى أخذها بنو مرين، تقرب بها صاحبها [إبراهيم]«2» إلى السلطان أبي سعيد «3» ، وتغلب له عليه صاحبها محمد بن القائد عليّ العزفيّ وأخذها بالملاطفة بالسيف وسلّمها إليه وعوضهم عنها بما أرضاهم من الإحسان والضّياع والمرتبات العظيمة، وأقاموا معه بفاس ملحوظين بالإكرام والتّقديم.
ثم نذكر طنجة «4» لأنها لا يخلو مصنف في هذا الشأن من ذكرها، لأنّها كانت دار ملك قديم وذكر شائع، وهي مدينة مسوّرة متقنة على ساحل بحر الزّقاق، وهو محطّ السفن اللطاف، وكانت قاعدة تلك الجهات قبل الإسلام وحين الكتب القديمة المصنفة في هذا الشأن ذكرها «5» ، وهي كثيرة الفواكه، وخصوصا العنب والكمّثرى، وأهلها مخصوصون ومشهورون بقلة العقل وسخف الرأي على أن أبا الحسن بن بيّاع الصّنهاجيّ الطّنجيّ منها، وقد أثنى عليه الفتح صاحب" قلائد العقيان" فقال: طود سكون ووقار، وروضة نباهة يانعة الأزهار، ووصفه بالعلم والبلاغة (553) والطبّ، وأنشد له أشعارا منها يصف روضة ممطورة:(الكامل)
وقفت عليها السحب وقفة راحم
…
فبكت لها بعييونها وقلوبها
فعجبت للأزهار كيف تضاحكت
…
ببكائها وتباشرت بقطوبها
وقوله «1» : (الوافر)
لقد جثمت بقلبك متلفات
…
بكلّ ثنيّة منها صريع
وقد تحمي الدروع من العوالي
…
ولا تحمي من الحدق الدروع
ومن أهل طنجة أيضا أبو عبد الله محمد بن أحمد الحضرميّ الطّنجيّ القائل «2» :
(الطويل)
فؤادي وإن راموا الحمول حمول
…
ودمعي وإن بثّوا الوصول وصول
ولم يرواش كالغرام بدمعة
…
فإنّا سكتنا والدموع نقول
وقالوا: رحيل كان قلنا: فإنّه
…
حياة لها عنا نوى ورحيل
وضنّوا بتوديع وجادوا بتركه
…
وربّ دواء مات منه عليل
وقد ذكرنا فيما ذكره صاحب" القلائد"، وأخرجنا للتقليب هذه الفوائد، لنعرف به أنّ من طنجة على ما نسب إلى أهلها من الحمق من هذا عنوان عقله وتبيان فضله.
ثم نذكر سجلماسة «3» لأنها من أجلّ مدن برّ العدوة، وهي باب الصحراء إلى أرض السودان وبلاد مغزارة الذهب ولموقع عجيب في زرعها سنذكرها بمشيئة الله تعالى، فأول ما
نقول:
إنّ سجلماسة مدينة جليلة في جنوبيّ برّ العدوة متصلة بالصحراء الكبيرة، من أكبر مدن الغرب وأشهرها ذكرا في الآفاق، وعليها نهر كبير «1» ، ذات قصور مشيدة، وأبنية عليّة وأبواب رفيعة، صحيحة الهواء لمجاورة البيداء، وأرضها سهلة سبخية، ولها أرباض كثيرة، مخصوصة بأن لا يجذم أحد من أهلها، لكن تلحقهم رطوبة في أجفانهم، وبها نخيل كثير، ثمره على أصناف يحمل منه إلى عامة الغرب، ويفضل ثمرها ما سواه حتى يضاهى به تمر العراق (554) وبتمرها يضرب في الغرب المثل، ولها بساتين خضرة نضرة، على قشف مكانها وجفاء سكانها.
قال ابن حوقل «2» : ونهرها يزيد في الصيف كزيادة النيل، ويزرع بمائه مثل زرع مصر، وربما زرعوا الزرع ثم حصدوه، ويبقى جذره في الأرض إلى السنة الآتية، ثم يسقى فيطلع ويحصد، هكذا سبع سنين يستغلّ سبع مغلّات ببذار واحد.
قال ابن سعيد: قال الجدّ «3» لي: مغلّ أول سنة هو القمح، ثم المغلّات الباقية السّلت وهو [حبّ]«4» ما بين الحنطة والشعير، قال ابن سعيد: وأهلها مياسير ولهم متاجر إلى بلاد السودان، قال: ولقد رأيت صكا فيه حقّ على رجل من سجلماسة لآخر من أهلها باثنين
وأربعين ألف دينار «1» .
ومدينة سجلماسة آخر العمران ليس قبليّها عمران بل منها يدخل التجار إلى بلاد السودان بالملح والنحاس والودع، ويعودون بالذهب، وليس بعدها إلا [تافلالت]«2» في البرية إلى أولاتن وبينهما المفازة العظمى وهي أربعة عشر يوما لا يوجد بها ماء ولا يدخلها إلا الإبل المصبرة على الظمأ، وهي أرض موحشة الأقطار، مجهولة المسالك، لا يحمل سالكها على ركوب خطرها إلا الفائدة العظيمة على السودان، فإنهم يتوجهون بما لا قيمة له ويعودون بالذهب الصّامت وقر ركائبهم.
وأما زيّ هذا السلطان وزيّ الأشياخ وعامة الجند فهي عمائم طو (ا) ل رقاق قليلة العرض من كتّان ويعمل فوقها إحرامات يلفونها على أكتافهم من الجباب، ويتقلدون بالسيوف تقليدا بداويا، والأخفاف في أرجلهم وتسمى الأنمقة و [يشدّون]«3» المهاميز ولهم [فوقها]«3» المضمّات وهي المناطق ولكنهم لا يشدونها إلا في يوم الحرب، أو يوم التمييز وهو يوم عرض سلطانهم لهم، وتعمل من فضة، ومنهم من يعملها ذهبا، ومنها ما يبلغ [ألفي]«4» مثقال، ويختصّ سلطانهم بلبس البرنس الأبيض الرفيع لا يلبسه ذو (555) سيف سواه.
فأما العلماء وأهل الصلاح واسمهم عندهم المرابطون، فإنهم لا حرج عليهم في لبسه هذا ما في البرانس البيض، فأما سائر الألوان فلا حرج عليهم في لبسها «1» كائنا من كان، ولا يدقّ طبل لأحد في سفر إلّا للسلطان خاصة لا غير.
حكى لي السّلالجيّ أنّ بعض أرباب الحلق من مصر دخل إلى فاس وعمل بها حلقة وبقي يدقّ بطبلة له على عادته وعادة أرباب الحلق فحصل عليه الانكار وأمر بإبطاله، وضرب الطبول محفوظ لأهل بيت خاص بهم من أهل مرّاكش، هذا لبس ذوي السيوف. فأما القضاة والعلماء والكتاب وعامة الناس فقريب من هذا الزيّ إلا أنّ عمائمهم خضر ولا يلبس أحد منهم الأنمقة وهي الأخفاف في الحضر، فأما في السفر فلا جناح منهم على من لبسها، وليس لهؤلاء سيوف، ومن عادة هذا السلطان أن يعرض جنده في رأس كلّ ثلاثة أشهر ليعرف منهم الحاضر والغائب والقادر والعاجز فيخرج إلى مكان معدّ لهذا بظاهر قصوره، ويجلس على علو في ذلك المكان، ويجلس تحته الكتاب ويستدعي عسكرة بالأسماء اسما اسما، ويقابل على أسمائهم وحلاهم «2» ثم يصرف على كلّ واحد منهم راتبه، هذا للجند الأندلسيين الذين يرمون بقوس الرّجل والفرنج، وأما سائر العسكر فلهم إقطاعات وبلاد وإحسان من رأس السنة إلى رأس السنة، والراتب يسمى بإفريقيّة البركة ويسمى بمصر والشام النقد أو الإقطاع، ولكنه لا يقاس إفريقيّة بها في هذا ولا يعرف في هذه المملكة ما هم الأمراء اسما ولا معنى كما هو بمصر وإيران بل الأشياخ الكبار والصغار كما تقدم القول فيه في إفريقيّة، فإنّه ليس في الغرب من يطلق عليه هذا الاسم كما يعرف في مصر والشام أن هذا الاسم يصدق على حقيقة رجل له عدّة من الجند.
قال أبو عبد الله محمد بن محمد السّلالجيّ:
والذي للأشياخ الكبار على السلطان [الإقطاعات الجارية عليهم]«1» : يكون لكلّ واحد منهم (556) في كلّ سنة عشرون ألف مثقال من الذهب «2» يأخذها من قبائل وقرى وضياع وقلاع، ويتحصل له من القمح والشعير والحبوب في تلك البلاد نحو عشرين ألف وسق، و [لكلّ واحد مع الإقطاع الإحسان]«1» في [رأس]«1» كلّ سنة [وهو]«1» حصان بسرجه ولجامه، وسيف ورمح محلّيان وسبنيّة، وهي بقجة قماش فيها ثوب طرد وحش مذهب إسكندري ويسمى عندهم الزّردخانة، وثوبان بياض من الكتّان عمل إفريقيّة، وإحرام وشاش طوله ثمانون ذراعا، وقصبتان من ملفّ يعني من الجوخ من أيّ لون كان وربما يزيد الأكابر [على ذلك]«3» ، وربما ينقص من لم يلحق بهذه الرتبة من أصاغر الأشياخ.
وأما الأشياخ الصغار فيكون لهم من الراتب والمجاسر نصف ما للأشياخ الكبار، والحصان المسرج الملجم والسيف والرمح والكسوة، ومنهم من لا يلحق بهذه الرتبة فيكون أنقص.
وأما ما للجند فأعلى طبقات الجند [المقربون]«4» إلى السلطان فيكون للرجل منهم ستون مثقالا من الذهب في كلّ شهر وقليل ما هم، وأما المعظم فأعلى طبقتهم من يكون له في الشهر ثلاثون مثقالا ثم ما دونها إلى أن تتناهى إلى أقلّ الطبقات وهي ستة مثاقيل في كلّ شهر، هذا المستقرّ لهم وليس لأحد منهم بلد ولا مزدرع، قال: وجميع أرزاقهم ناصبة
إليهم ميسرة عليهم، قال:
ومن عادة هذا السلطان أن يجلس في بكرة كلّ يوم، ويدخل عليه الأشياخ الكبار، وهم في «1» دولته بمنزلة أمراء التوّامين بإيران ومقدمي الألوف بمصر، ليسلموا عليه ثم يمدّ لهم سماط ثرائد في جفان، وحولها طوافير وهي المخافي فيها أطعمة ملونة منوعة، ومعها الحلواء منها ما هو [بالسكّر]«2» ومعظمها بالعسل، ومنها النوعان موجودان إلا أنّ السكّر قليل وجمهور ما يعمل من العسل من الحلواء بالزّيت، فإذا أكلوا الطعام تفرقوا إلى أماكنهم، وربما ركب السلطان بعد هذا [والعسكر معه وقد لا يركب]«3» فأما أخريات كلّ نهار فقلّ أن لا يركب إلى نهر هناك بعد العصر، ويخرج في مكان فسيح من الصحراء (557) فيقف به على نشز، ويركب العسكر حوله ويتطارد قدامه الخيل فتتطاعن الفرسان، وتتداعى الأقران، وتمثل الحرب لديه وتقام صفوفها المرصوصة بين يديه كأنّه حقيقة يوم الحرب واللقاء على سبيل التّمرين، ثم يعود في موكبه إلى قصره وتتفرق العساكر إلى أماكنهم، ويحضر العلماء والفضلاء والأعيان إلى مسامرته ويمدّ لهم سماط بين يديه [فيأكلون]«3» ، ويؤاكلهم في ذلك الوقت (و) لكاتب سرّه معه خصوصية اجتماع للأخذ في المهم وعرض القصص والرّقاع ويبيتون عنده أكثر الليالي إلا كاتب السرّ فإنه في بعض الليالي قد يأمره بالمبيت فيبيت بخاصته.
وأما هيئة جلوسه للمظالم، فإنه يجلس على فرش مرفوعة في قبة معلومة للجلوس له بحضرته الأشياخ [مقلّدون]«1» بسيوفهم، فأما من لا له هذه الرتبة ولا له وضع من ذوي السيوف، فإنهم إذا دخلوا إلى مجلس السلطان وقفوا بعيدا منه مصطفين متكئين على سيوفهم، وإذا أراد صاحب الشكوى إبلاغ شكواه وهذا إنما يكون حين ركوبه وظهوره صاح من بعد: لا إله إلا الله انصرني نصرك الله، فيعلم أنه شاك فتؤخذ قصته وتعطى لكاتب سرّه فإذا رجع إلى مقرّه اجتمع مع كاتب سرّه، وقرأ عليه تلك القصة وغيرها فينظر في ذلك بما رآه، وإذا سافر السلطان وخرج من قصره، ونزل بظاهر بلده وارتحل من هناك ضرب له طبل كبير قبيل الصبح إشعارا بالسفر فيتأهب الناس ويشتغل كلّ أحد بالاستعداد للرحيل، فإذا صلّيت صلاة الصبح ركب الناس على قبائلهم وطبقاتهم ومنازلهم المعلومة، ووقفوا في طريق سلطانهم صفا بجانب صفّ ولكلّ قبيل وجند علم معروف به ومكان في الترتيب لا يتعداه، فإذا صلّى السلطان الصبح قعد أمام الناس ودارت عليه ما له من العبيد والوصفان و [العدويين]«2» الذين هم كالنقباء ويجلس حوله ناس يعرفون بالطلبة يجري عليهم ديوانه (558) يقرءون حزبا من القرآن الكريم، ويذكرون شيئا من الحديث الشّريف النبويّ على قائله أفضل الصلاة والسّلام، فإذا أسفر الصبح ركب وتقدم أمامه العلم الأبيض الذي هو سعد الدولة، ويقال له: المنصور، وبين يديه الرّجّالة بالسلاح والخيل المجنوبة «3» ببراقع الوشي، والبراقع من ثياب السّروج، وعندما يضع السلطان رجله في الرّكاب يضرب في طبل
كبير ثلاث ضربات يقال له تريال إشعارا بركوبه، ثم يسير السلطان بين صفيّ الخيل ويسلم كلّ صفّ عليه بأعلا صوته: سلام عليكم، ويكتنفانه يمينا ويسارا، وحينئذ تضرب جميع الطبول التي تحت البنود الكبار الملونة خلف الوزير على بعد من السلطان، وربما ركب إلى جانبه، ولا يتقدم راكب إلا عن بعد كبير أمام العلم الأبيض إلا من يكون من خواص علوجه، وربما يأمرهم بالجولان بعضهم على بعض، ثم ينقطع ضرب الطبول إلى أن يقرب من المنزل، فإذا قرب السلطان من المنزل وضربت الطبول تتقدم الزّمّالة إلى المنزل، وهؤلاء هم الفرّاشون، وتضرب شقة من الكتّان في قلبها جلود تقوم بها عصيّ وحبال من القنّب في أوتاد، وتستدير على كثير من أخبية وبيوت الشّعر الخاصة به وبعياله وأولاده الصغار، وتكون هذه الشقّة كالمدينة لها أربعة أبواب في كلّ جهة «1» باب، ويحفّ به عبيده وعلوجه ووصفانه.
قال السّلالجيّ:
وهؤلاء [بنو]«2» مرين أكثر ميلهم إلى بيوت الشّعر على عادتهم الأولى في البداوة مع أنهم اليوم (من) أشياخهم من ضرب أخبية كثيرة مع البيوت ولهم في ذلك تنافس، قال:
ويضرب للسلطان أمام ذلك قبة كبيرة مرتفعة من كتّان تسمى قبة الساقة لجلوسه للناس فيها وحضورهم [عنده]«3» بها «4» ، وإذا ركب هذا السلطان لا يسايره إلا بعض الأشياخ الكبار من بني مرين أو بعض عظماء العرب، وكثيرا ما إذا استدعى أحدا (559) لا يجيء إليه إلّا ماشيا فربما حدّثه وهو ماش معه، وربما أكرمه فأمره أن يركب، وإذا عاد السلطان إلى
حضرة ملكه ضربت البشائر «1» له سبعة أيام، وأطعم الناس طعاما شاملا في موضع يسع الجماهير.
وشعار هذه المملكة هو اللواء الأبيض المقدم الذكر، وهو المسمى عندهم" العلم المنصور" كما وصف، وهو أبيض مكتوب بالذهب نسيجا من الحرير آي من القرآن بدائر طرّته وحوله أعلام مختلفة الألوان.
ومن شعاره إذا ركب في سفره من مدينة أو يوم دخوله أو في يوم عيد أن يركب الأشياخ حوله، وقدامه محمول سيف ورمح وترس وهي الدارقة عندهم يحملها ثلاثة من خاصّته من الوصفان، وهم من خدمة السلطان أو أبناء خدم أسلافه، وحوله من أهل الأندلس رجّالة بأيديهم [الطّبرزينات]«2» ، وهي كالأطبار، وقواد النصارى الكبار بأيديهم ذلك وهم خلفه، وقدامه خمسون نفرا مشاة، وأوساطهم مشدودة (و) بأيديهم رماح «3» طوال ورماح قصار بيد كلّ واحد منهم اثنان طويل وقصير، [وكلّ منهم مقلّد]«4» مع ذلك بسيف، وأمامه الجنائب وتسمى عندهم المقادات يجرّها أناس مشاة وهي مسرجة ملجمة وعلى السروج براقع حرير منسوج بالذهب وهي ثياب السروج، والسروج مخروزة بالذهب خرزا شبيها بالزّركش، وركابها ذهب مسبوك زنة ركابي السرج ألف مثقال ذهبا، فأما تحلية
السّروج بالأطواق وما يجري مجراها، فإنه لا يعرف عندهم. ومن عادته في العيدين أن لا تضرب الطبول خلفه إلا بعد أن يفرغ من الصلاة والخطبة.
قال السّلالجيّ:
وفي ليلة العيدين أو ليلة ورود السلطان على حضرته ينادي والي البلد في أهلها بالمسير، ومعناه أن أهل كلّ سوق يخرجون ناحية، ومع كلّ واحد منهم قوس أو آلة سلاح متجملين بأحسن الثياب، ويبيت تلك الليلة الناس أهل (560) كلّ سوق بذاتهم خارج البلد، ومع أهل كلّ سوق علم يختصّ بهم عليه رنك أهل تلك الصناعة بما يناسبهم، فإذا ركب السلطان بكرة اصطفوا صفوفا يمشون قدامه، وركب هو والعسكر ميمنة وميسرة، والعلوج خلفه [ملتفون]«1» به، والأعلام منشورة وراءه، والطبول خلفها حتى يصلي ثم يعود فينصرف أرباب الأسواق إلى بيوتهم، ولا يحضر طعام عيد السلطان إلا خواصّه وأشياخه، وله طعام عام يحضره الضعفاء والمساكين.
وسألت أبا عبد الله السّلالجيّ عن أرزاق القضاة والكتاب عنده، فقال:
أما قاضي القضاة فله في كلّ يوم مثقال من الذهب، وله أرض يسيرة يزرع فيها ما يجيء منه مؤونته وعليق دوابّه، وأما كاتب السرّ، وهو الفقيه الإمام العالم الفاضل أبو محمد عبد المهيمن بن الحضرميّ «2» ، فله في كلّ يوم مثقالان من الذهب، وله مجسران يعني قريتين يتحصل منهما متحصّل جيد وله رسوم كغيره على البلاد ومنافع وإرفاقات، ولكلّ واحد
منهما في كلّ سنة بغلة بسرجها ولجامها وسبنيّة قماش برسم الكسوة نظير ما للأشياخ الكبار إلا الثوب الزّردخاناه يعني الطردوحش، قال:
وهذان هما المحبّيان «1» والبقية لا أعرف ما لهم، ولكن لا نسبة لأحد إلى هذين الرجلين، وإنما أعلم أنه تطلق الرواتب من المحارث والأرض للفقهاء والعلماء والفقراء والجسار وهم أرباب البيوت.
وأما ما يكتب عن هذا السلطان فمن عادته أنّه إذا كتب عنه كتاب يكتب في أوله بخطّ الكاتب بعد بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة على النبيّ صلى الله عليه وسلم من أمير المسلمين المجاهد بهم في سبيل ربّ العالمين [أبي الحسن عليّ ابن أمير المسلمين المجاهد بهم في سبيل ربّ العالمين]«2» أبي سعيد عثمان ابن أمير المسلمين المجاهد بهم في سبيل ربّ العالمين أبي يوسف يعقوب بن عبد الحقّ، فإذا انتهى الكتاب إلى آخره وختمه الكاتب بالتاريخ، كتب هذا السلطان بخطّه في آخره ما صورته: وكتب في التاريخ المؤرخ به.
قال أبو عبد الله (561) السّلالجيّ:
ولم يكتب أحد من ملوك بيته هذا بيده، بل كان كاتب السّر هو الذي يكتب هذا إلّا هذا السلطان أبو الحسن وأخوه أبو حفص عمر «3» حين حياته هذا مع وثوقه العظيم بكاتب السرّ الفقيه الفاضل أبي محمد عبد المهيمن بن الحضرميّ واعتماده عليه ومشاركته
[له في كلّ أمره]«1» .
وأما هذا السلطان أبو الحسن في ذاته فإنه ممن أصلح الله باطنه وظاهره، وعمر بالتقوى قلبه وسائره «2» ، يساوي العلماء ويواسي الفقراء، معدود في أبطال الرجال وشجعان الفرسان، ترد علينا أخباره ما يراوح النسيم، ويفاوح التسنيم، تدارك الله به أهل الأندلس، وقد جاذبت معاقلهم الكفار، وثبّت مدنهم، وهي على شفا جرف هار، قد أجرى الله على يديه أجر بقائها في يد الإسلام، واستوقف به ظعائنها وقد أذنت بسلام، وهو في هذا الطرف ماسك بأوتاده، سالك فيه سبيل جهاده، رادّ لأعداء الله عن منى أطماعهم، ما لاذ به خائف إلا أجاره، ولا أمله آمل فخاب ظنّه، قد وسع الخلق بخلقه، وجمع أممهم على ما أطعمه الله من رزقه، ولقد حدّثني غير واحد عن خلقه وخلائقه الرضيّة، وآثاره الوضيّة، وكمالاته التامّة وفضائله المنقية المرضيّة، ما لحق به من سلف من السلف، وهو ممن لا يثنى له عن الجهاد عنان، ولا يغمد له سيف ولا سنان، حتى يستردّ باقي ضالته المفقودة، وما استولى عليه العدوّ من الأندلس من البلاد، وجدير بمن هذه نيته أن يسهل الله له ببلوغ مرامه، واستكمال ما بقي في أيامه، وهو رجل فتل الأيام، وفتل غارب الأنام، وخالط العلماء، وتأدب بآدابهم وخالل الشجعان وزاد عليهم، لو صدع الحجر لأنفذه، أو صدف المتردي من السماك لأنقذه، لا يلتفت طرفه إلى ما نبذه، ولا إلى ما تركه من الدنيا أو ما أخذه، فلو رمى البحر لما زخر زاخره، أو قذف الزمان لما دارت دوائره، وقد أحيا حوله من صنائع آبائه ومن اتبعهم بهم من صنائعه، أسود غيل، وجنود صرير وصليل، لا يبدرهم إلى إجابة صريح، ولا يخبرهم بألطاف المتجدد مسمع فرس يصيح، (562) بهمم غطت على
من تقدّم، وأنست: عنتر والرماح كأنّها أشطان بئر في لبان الأدهم «1» .
وأما كيفية انتقال الملك إليه، فنقول وبالله التوفيق:
إنّ هذا السلطان ولد بفاس سنة ستّ وثمانين وستّ مئة، وأخذ الملك عن أبيه أبي سعيد عثمان، كان قد عهد إليه لما غضب على أخيه [أبي حفص]«2» عمر، وكان عمر المرشح عند أبيه أولا حتى خرج عمر على أبيه وغلبه على فاس ثم أخذها أبوه منه، وحاصره في المدينة البيضاء مقدار خمسة أشهر، وكان عمر في هذه المدة ضعيفا، فدخل العلماء والصلحاء بينهما فأعطاه سجلماسة، وأصار ولاية العهد إلى هذا السلطان أبي الحسن عليّ، ثم تغير عليه بسبب جرحه لقمر خادمه وهي التي بيدها مفاتيح بيت المال، وذلك أنّ أباه أبا سعيد عثمان سافر لزيارة ضريح سلفه بشآلة، وهو موضع على مقربة من سلا، وترك ولده عليا خلفا [عنه]«3» بفاس فاحتاج إلى شيء هو في بيت المال، فأراد أخذه، وطلب من قمر المهاجرة المفاتح فأبت أن تمكنه من ذلك ولا أن تبلغه (ما) هنالك، فاغتاظ عليها وجرّد سيفا كان معتقلا «4» به فجرحها فبلغ ذلك، أباه فغاظه ما سمع فكتب كتابا، وأمر بعض الأشياخ بمسيره إليه يأمره فيه بالخروج من البلد (ة) الجديدة، وسكناه بقصبة البلد العتيقة برأسه ليس إلّا على فرسه، وأن لا يركب معه أحد من جيشه، وسلبه عن كلّ شيء.
فلما بلغه الكتاب وهو في قصره حيث جلوسه للناس قرأه وعرف ما فيه فأخذه وألقاه على رأسه وقبله بفيه، وخرج من حينه إلى الموضع الذي رسم له فيه، وبقي محجورا مدة إلى أن
دخل العلماء والصلحاء والخطباء والأعيان فشفّعهم فيه، ورضي عنه وأعاده إلى ولاية العهد.
ثم إنّ أباه توجّه على قصد تلمسان بسبب وصول الأمير أبي زكريا يحيى صاحب بجاية إليه لاستنجاده لهم على ما تقدمت إليه الإشارة على عدوّهم المحاصر لهم «1» ، فعرض له المرض، وصدّه عن الوصول إلى تلمسان ضعف أصابه في طريقه، فرجع إلى مدينة تازي وهناك (563) وصلته ابنة الأمير أبي بكر «2» في الأصطول الذي بعثه إليها فرجع إلى فاس واشتدّ به المرض فمات بعقبة البقر قريب فاس، وحين مات والده وقف أبو الحسن راكبا فرسه حتى بايعه الناس ثم دخل فاسا ودفن أباه، وجلس موضعه، واستقلّ بالملك، وكتب إلى أخيه عمر يعزّيه بأبيه ويقرّه على حاله، فأبى عمر، وخرج فجهز إليه أبو الحسن ولده يعقوب «3» ثم إنّه في آخر الأمر قصده بنفسه بالجيوش والعساكر، وأراد أن يقبض عليه، ثم دخل بينهما العلماء وأهل الصّلاح فعفا عنه وأقرّه على حاله، وكتبت بينه وبينه وثيقة مشهودة بذلك، ثم بعد ذلك خرج أبو الحسن قاصدا إلى قتال [أخيه]«4» عمر إلى ممالأة أهل تلمسان عليه، فضرب أبو الحسن وجهه عن تلمسان إلى سجلماسة قاصدا لأخيه عمر فحاصره مدة ثم إنّه دخل عليه سجلماسة، وأمسكه قبضا باليد، ووجده قد ارتكب فظائع من المحرّمات من قتل عمّه أبي البقاء يعيش، وجمع بين حرائر ذوات عقود أزيد مما أباحت الشريعة فاستفتى أبو الحسن عليه العلماء فأفتي بقتله، ففصده في يديه وتركه ينزف دمه حتى مات، واستقلّ حينئذ أبو الحسن، وثبتت قواعد أركانه وانتشرت أعلام سلطانه.
ووالده أبو سعيد ورث الملك عن أمير المسلمين أبي الربيع سليمان بن عبد الله بن أمير المسلمين أبي يعقوب يوسف بن أمير المسلمين أبي يوسف يعقوب بن عبد الحقّ «1» .
وأبو الربيع ورث الملك عن أخيه لأبيه أمير المسلمين [ «2» أبي ثابت عامر «3» .
وأبو ثابت عامر ورث الملك عن جدّه أمير المسلمين أبي يعقوب يوسف بن أمير المسلمين أبي يوسف يعقوب بن عبد الحقّ] «4»
وأبو يعقوب ورث الملك عن أبيه أبي يوسف يعقوب بن عبد الحقّ «5» ، وهو أول من
استقلّ بالملك من ملوك بني مرين «1» .
وكان أصل انتقال الملك إليهم أن دولة الموحدين بمرّاكش كان قد انحلّ عقد نظامها، وانثلّ عقد أيامها لانهماك آخرهم على اللذات وتشاغلهم بها عن الأخذ بالحزم في الأمور، وكانت قبائل بني مرين رحالة نزالة أهل بادية (564) ذوي بأس ومنعة، فثار فيهم أبو يحيى أبو بكر بن عبد الحقّ «2» ، وجمع الجموع وتغلب على فاس فملكها وملك غيرها من البلاد، ثم مات أبو يحيى بن عبد الحقّ، فقام أخوه أبو يوسف يعقوب «3» بن عبد الحقّ فقصد مرّاكش فخرج إليه أبو دبوس أبو العلاء إدريس «4» فقتل أبو دبوس وهو آخر من كان قد انتهى إليه الملك من بني عبد المؤمن بن عليّ «5» ومن يومئذ ظهرت دولة بني مرين واستقلّ سلطانهم بالمغرب الأقصى.