الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
-
خطبة الكتاب:
قال المؤلف عبد الله بن عبد الرحمن بن جاسر عفا الله عنه، الحمد لله الحي القيوم ذي الجلال والإكرام، والشكر له ذي الفضل والجود والكرم والمنن العظام، الذي هدانا للإسلام، وأسبغ علينا نعمه وألطافه الجسام، وشرع لنا فضلاً منه وتكرماً حج بيته الحرام، وجعله محلاً لتنزلات الرحمة ومحو الآثام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي خص الحج بوقت محدود، وأطلق وقت العمرة في جميع العام، وفرض الحج والعمرة على كل حر مسلم مكلف مستطيع من الأنام. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله وخليله وحبيبه أفضل من أحرم من ميقات ولبى ووقف بعرفة نهاراً إلى الغروب وبات بمزدلفة ومنى ورمى ونحر وحلق وطاف بالبيت الحرام، وصلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه الذين تمسكوا بسنته وسعوا كما سعى بين الصفا والمروة، ووقفوا بتلك المشاعر العظام.
أما بعد: فإن الحج من أفضل الطاعات عند رب العالمين، وأجل الأعمال الصالحة لمحو ذنوب المذنبين، وقد استعنت الله سبحانه وتعالى وألفت فيه هذا الكتاب، وسميته:(مفيد الأنام ونور الظلام في تحرير الأحكام لحج بيت الله الحرام) .
وهو يشتمل على بيان أحكام الحج وإيضاح مشكلاته، وذكر مصححاته ومفسداته وأركانه وواجباته ومسنوناته، وغير ذلك من متعلقاته، وسقت فيه بحوثاً مفيدة وفوائد فريدة لا تجدها في غيره، لا سيما في المسائل التي كثر فيها السؤال
والاستشكال في مواسم الحج، مثل مسألة ما إذا طاف المتمتع وسعى لعمرته ثم أحرم بالحج قبل الحلق أو التقصير هل يصح حجه أم لا؟ ومثل مسألة المتمتع هل يكفيه لعمرته وحجه سعى واحد بين الصفا والمروة أم لا بد من سعين واحد للعمرة والآخر للحج؟ وسقت الأحاديث الصحيحة في ذلك، ومثل مسألة رمى الجمار الثلاث لنفسه ومستنيبه أو موليه، ومثل مسألة منع أخذ الشعر والظفر عند الإحرام إذا كان في عشر ذي الحجة ومن نيته أن يضحي أو يضحى عنه، ووجوب أخذ ذلك عند إتمام عمرته، وبيان الفرق بينهما، وغير ذلك من البحوث المفيدة، وتكلمت في الغالب على بعض الأحاديث التي أوردها الفقهاء في المناسك والزيارة وهي غير صحيحة ولا حسنة، كما أني أرجح من الروايات والأقوال ما يوافق الدليل وإن خالف الصحيح من المذهب، مثل قول صاحب المنتهى والإقناع وغيرهما: إنه إذا أتى على رمي جمرة العقبة يستقبل القبلة مع أن الصحيح الذي تدل عليه السنة أنه يجعل مكة عن يساره ومنى عن يمينه وغير ذلك، وقد تعرضت في بعض المسائل لذكر الخلاف بين الأئمة لاسيما في فصل: ولا يجوز لمن أراد دخول مكة أو الحرم أو نسكاً تجاوز الميقات بغير إحرام؛ وفي باب الإحرام ومحظوراته، وباب الفدية، فإني قد سقت في ذلك مذاهب الأئمة أكثر مما سقته في غيره.
هذا، وإني قد أسوق العبارة الصريحة في بيان المسألة ثم أعقبها بعبارة تؤيدها من المنتهى أو الإقناع أو غيرهما، ولم أتلفت إلى أن هذا يعد تكراراً لأن منه ما يحلو لزيادة الإيضاح.
وقد دعاني إلى جمع هذا الكتاب قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد
صالح يدعو له) ، وإن لم أكن أهلاً للإكرام فقد يكرم الطفيلي في محل الكرام.
هذا، وإني أرجو من الواقف عليه والناظر فيه إن وجد فيه ما يوافق الحق والصواب فليبادر بالقبول ويتذكر يوم الحساب عند رب الأرباب، وإن عثر على شيء زلت فيه القدم أو سبق به القلم فليستحضر بقلبه أنه لم يسلم من الخطأ إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد العرب والعجم، كما قيل:
ومن ذا الذي ترضى سجاياها كلها
…
كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه.
وكما قيل:
من يلتمس للناس عيباً يجد لهم
…
عيوباً ولكن الذي فيه أكثر.
وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعصمنا من الخطأ والزلل، ويحفظنا من التصنع بالقول والعمل، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم وسبباً للفوز بجنات النعيم (يوم لا ينفع مالٌ ولا بنونَ إلا من أتى الله بقلبٍ سليمٍ)(وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيبُ) .
وهذا أوان الشروع في المقصود بعون الله الملك المعبود، فأقول وبالله الاعتماد وهو الموفق للصواب والسداد.