المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌خلاصة ما جاء فيها - التفسير الوسيط - مجمع البحوث - جـ ٨

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌سورة الروم

- ‌مكية وآياتها ستون

- ‌مقاصد السورة:

- ‌خاتمة:

- ‌سورة لقمان

- ‌وآياتها أربع وثلاثون، نزلت بعد الصافات

- ‌مقاصد السورة

- ‌ سورة السجدة

- ‌فضل هذه السورة:

- ‌ما تشتمل عليه السورة:

- ‌ سورة الأحزاب

- ‌مدنية، وآياتها: ثلاث وسبعون

- ‌مقاصدها:

- ‌حكم المتعة:

- ‌تخيير الرسول لنسائه:

- ‌أسئلة وأجوبة

- ‌فخر زينب بتزويج الله إياها

- ‌كيف يتحمل الرسول الشهادة عن أمته

- ‌سورة سبأ

- ‌صلة هذه السورة بما قبلها:

- ‌أهم مقاصد السورة:

- ‌سورة فاطر

- ‌رأي الكلاميين في كيفية البعث

- ‌سورة يس

- ‌وهي مكية وآياتها ثلاث وثمانون

- ‌أهداف السورة وأغراضها

- ‌سورة الصافات

- ‌مكية وآيها ثنتان وثمانون ومائة آية، وقد نزلت بعد الأنعام

- ‌مناسبتها لما قبلها

- ‌خلاصة ما جاء فيها

- ‌بيان للقراء الكرام

- ‌سورة "ص

- ‌وجه مناسبتها لما قبلها

- ‌مقدمة:

- ‌سورة الزمر

- ‌مكية وآياتها خمس وسبعون

- ‌مقاصد السورة

- ‌سورة غافر

- ‌مكية وآياتها خمس وثمانون

- ‌مقاصد السورة

- ‌سورة فصِّلت

- ‌مقاصد السورة:

الفصل: ‌خلاصة ما جاء فيها

‌سورة الصافات

‌مكية وآيها ثنتان وثمانون ومائة آية، وقد نزلت بعد الأنعام

‌مناسبتها لما قبلها

تناسب الصافات (يس) التي قبلها في أنها مثلها في الكلام على أحوال المؤمنين والكافرين في الدنيا والآخرة، والمبدأ والمعاد، وإثبات إمكان البعث، ووجوب توحيد الله ونبذ الشركاء إلى غير ذلك من المقاصد المتجانسة، فلذلك كانت تالية لها.

‌خلاصة ما جاء فيها

أقسم الله في صدرها بمخلوقات عظيمة وصفها بأَنها صافات وزاجرات وتاليات للذكر، على أنه - تعالى - واحد، وأنه رب المشارق والمغارب، وبين جمال السماء وزينتها، وأنها محفوظة من الشياطين، وأنهم يرجمون بالشهب إن حاولوا التسمع إلى الملأ الأعلى - وهم الملائكة - ثم أثبت إمكان البعث بقدرته - تعالى - فإنه خلق الخلق كله، فلا تصعب عليه إعادتهم، وذكر أنهم سيعودون بأَيسر سبيل، وذلك بأن ينفخ في الصور نفخة واحدة فإذا هم قيام ينظرون، ثم يحشرون ويسأَلون، وأن بعضهم يلقي على البعض الآخر تهمة التسبب في كفرهم، وأَن ذلك لا ينفعهم، فهم يومئذ في العذاب مشتركون؛ لأنهم {كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ، وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوآلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} : وأن عباد الله على نقيضهم، فهم في جنات النعيم، على سرر متقابلين، يطوف عليهم الولدان بكئوس الشراب:{وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ * كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ} .

ثم قارنت بين هذا النعيم الذي ينعم به المؤمنون، وبين العذاب الذي يشقى به الكافرون فهم في نار جهنم، وإذا طعموا يطعمون من شجر الزقوم، ويشربون من الحميم، ومرجعهم إلى الجحيم، ثم ذكرت بعض القصص للأُمم السابقة وما جره كفرهم عليهم من العقاب في الدنيا، ثم كذبت المشركين في دعواهم أن الملائكة بنات الله، وأن بينه وبين الجنة نسبا ثم بينت أنه - تعالى - سبقت كلمته لعباده المرسلين، إنهم لهم المنصورون، وإن جنده لهم الغالبون، وأوصت الرسول بالإعراض عنهم وعن سفاهتهم، وختمت بتنزيه الله - تعالى - عمَّا يصفونه به من أَن له شريكًا وأَن له بنات، وبالسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

ص: 396

بسم الله الرحمن الرحيم

{وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (1) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (2) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (3) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (4) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (5)}

المفردات:.

{وَالصَّافَّاتِ} أي: وحق الملائكة الصافين أنفسهم، وقيل غير ذلك، وسيأتي بيانه.

{فَالزَّاجِرَاتِ} : وصف ثان للملائكة المقسم بهم، مأخوذ من الزجر وهو المنع أو الحث أو السَّوْق.

{فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا} : وصف ثالث لهم بأَنهم يتلون ذكر الله.

{الْمَشَارِقِ} هي: مشارق الشمس والكواكب على امتداد خط المشرق.

التفسير

1 -

4 - {وَالصَّافَّاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا * إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ} :

الصافات والزاجرات والتاليات أوصاف لم يذكر القرآن الكريم معها موصوفها، وقد أقسم الله - تعالى - بها على أن إلهنا واحد، وإذا كان المقسم هو الله، والمقسم عليه وحدانيته، فلا بد أن يكون الموصوف المقسم بصفاته عظيما.

لهذا اختلف المفسرون في الموصوف بهذه الصفات، فقيل: هم الملائكة، فهم يصفون أنفسهم حسب مراتبهم ومقاماتهم في طاعة الله، وانتظار لأمره، وقد جاءَ وصفهم بذلك في قوله - تعالى -:{وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} (1).

(1) سورة الفجر، الآية:22.

ص: 397

والزجر يطلق لغة على المنع والنهي والحث والسَّوْق، ولا يكون الزاجر إلَاّ متسلطًا، وليس بلازم أَن يصحب الزجر صياح كما في أصل معناه، ووصف الملائكة به لزجرهم الأجرام العلوية والسفلية على وجه يناسب المزجور، من سوق كما في سوق السحاب إلى مواقع المطر، أو حث كما في أمر رئيسهم لمرءُوسهم، أو نهي كما في زجر العباد عن المعاصي بالتخويف من عواقبها، أو منع كما في كف الشياطين عن الإغواء واستراق السمع، وكما أن الملائكة صافات وزاجرات، فهم يتلون ذكر الله فيما بينهم في جملة ما يذكرونه من معارف وتلاوات، يعلمها الله، كما يتلونه عندما يبلغون الأنبياء وحيه سبحانه.

وحمل هذه الأوصاف على الملائكة قال به ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وعكرمة، وغيرهم. والملائكة ليسوا إناثًا لقوله - تعالى -:{وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} (1) ووصفهم هنا بأوصاف الإناث مراعاة لتاء التأْنيث في لفظها؛ ولأن الجمع يجوز تأنيث وصفه أو ضميره على معنى الجماعة.

وقيل: إنه - تعالى - أقسم بطوائف الأجرام السماوية المرئية كالصفوف المرصوصة، وبالأرواح الزاجرات، أي: السائقات لها في مداراتها، حيث ترعاها وتدبر أمرها، والمراد بها الملائكة الموكلة بها، وبالجواهر القدسية الذين يَتْلون ذكر الله، وهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون، والمراد بها الملائكة الكروبيون، وقيلي: أقسم بنفوس العلماء التي لها هذه الصفات الثلاثة، وقيل: بنفوس الغزاة الصافين في الجهاد، والزاجرين الخيل، أو العدو، التالين لذكر الله لا يشغلهم العدو عنه.

ونحن نقول: لا مانع من إرادة من يتصف بهذه الصفات في طاعة الله ممن ذكروا ومن غيرهم، تعظيمًا لشأنهم، والعطف إما لتغاير الذات أو لتغاير الصفات، وإن اتحدت الذات وكان العطف بالفاء للإيذان بالترتيب الوجودي أو الشرفي.

وقد يقال: ما فائدة القسم بأن الإله واحد عند المنكرين، والجواب: أن القسم لتعظيم المقسم به، وتأكيد المقسم عليه - كما هو المعروف عند العرب الذين نزل القرآن بلغتهم -

(1) سورة الزخرف، الآية:19.

ص: 398

أما تحقيق المقسم عليه فقد تكفل به قوله - تعالى - {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (5)} كما سنبينه بعد.

5 -

{رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (5)} :

أفادت هذه الآية أنه - تعالى - خالق السموات والأرض وما بينهما ورب مشارق الكواكب، وهذه دعوى تحمل في أعطافها الدليل عليها، فإن وجود السموات والأرض في الفضاء محفوظة من التلف مصونة من العيب، مع أداء كل كوكب ونجم وظيفته نحو غيره من الكواكب ونحو نفسه، مع عظمتها في نفسها، وعظمتها في أغراضها، وضرورة كل ذرة فيها لتحقيق أغراضها، وانطواء كل ذرة على أسرار عظيمة، كما كشفت عنه الكشوف المعاصرة، كل ذلك وغيره من أسرار السموات والأرض، يدل أوضح الدلالة على وحدة تدبيرها، ووحدة مدبرها ومنشئها، إذ {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} والمشركون يقرون بذلك:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} وحيث انتهى التفكير في هذا الكون العجيب إلى أن منشئه واحد، ومدبره والقائم على حفظه وأداءِ وظائفه واحد، فإن ذلك يستتبع أن إلهنا الذي يجب أن نتجه بعبادتنا إليه واحد، وهذا هو جواب القسم السابق:{إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (4)} .

وكثيرًا ما تتعرض الآيات القرآنية إلى ما بين إلى السموات والأرض كشاهد على وجود الله وربوبيته ووحدانيته كما هنا، ولا بد أنه شيء عظيم حتى يجعل القرآن الكريم وهذه الأهمية في عديد من الآيات، وقد كشف الناس منه الأشعة الكونية والجاذبية، والأَجرام الكثيرة الدائرة بسرعة رهيبة في الفضاء، والشهب والسحب والرعد والبرق والأمطار والرياح، وغير ذلك مما عرف، أَمَّا ما لم يعرف فلا ريب في أنه شيء عظيم، فسبحان من خلق ودبر، واحتجب عن العيون ذاته، وأظهرته آياته.

ص: 399

{إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (6) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (7) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (8) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (9) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (10)}

المفردات:

{السَّمَاءَ الدُّنْيَا} : السماء القربى.

{شَيْطَانٍ مَارِدٍ} : خارج عن الطاعة.

{دُحُورًا} الدحور: الطرد.

{عَذَابٌ وَاصِبٌ} : عذاب دائم أو شديد.

{إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ} : إلَاّ من اختلس من كلام الملائكة اختلاسة.

{فَأَتْبَعَهُ} أي: تبعه ، فهو رباعي بمعنى الثلاثي ويتعدى مثله.

{شِهَابٌ} : هو ما يرى مضيئًا مارقًا بسرعة في الجو كأنه كوكب ساقط.

{ثَاقِبٌ} : مضىء.

التفسير

6 -

{إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (6)} :

السماء لغة: كل ما علاك، ولهذا تطلق على السحاب كما في قوله - تعالى -:{وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا} (1) والمراد هنا ما جعل الله الكواكب زينة لها ، ولا بد أن تكون شيئًا آخر غير الكواكب، فإن الزينة شيء وما تزينه شيء آخر، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم

(1) سووة (ق) من الآية: 9.

ص: 400

كان يستفتح ليلة الإسراء والمعراج، وكان استفتاحه على السموات لا على الكواكب، ولأن الكواكب لا حصر لها، وتتجاوز الأرقام الحسابية التي عرفها البشر، كما أن طبقاتها لا حصر لها أيضًا، فهي مجاميع سُدُمية (1)، لا يبلغها الحساب، وطبقاتها لا يبلغها العدد، وليست سبع طبقات، والله تعالى يقول:{الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا} (2).

والقبة الزرقاءُ التي تراها العيون ليست هي السماء التي جعلت الكواكب زينة لها، فهي الغلاف الجوي المحيط بالأرض، فإذا تجاوزه فلا يراه، وهذا أمر تحقق علميًّا وكشفيًا.

وعلى هذا تكون السموات السبع التي جعلت الكواكب زينة لها غير مرئية ولا معروفة لنا، ولكننا نرى الكواكب التي جعلها الله زينة للسماء الدنيا أي: القربى من أهل الأرض، وهي أول السموات السبع، فسبحان من لا يعلم سواه عظمته وعظمة الكون الذي أبدعه.

وهذا التفسير هو الذي يساعد عليه ظاهر النص، ومن العلماء من جعل السموات هي نفس الكواكب وما حولها من أجوائها والأشعة الكونية، وقد انقسموا قسمين: فمنهم من يقول: إنها سبع طبقات كوكبية فعلًا، ومنهم من يقول: إن العدد لا مفهوم له سوى التكثير، فإن العرب تستعمل عدد السبع مفردًا أو جمعًا، كالسبعين لغرض التكثير، ويقولون: إنها طبقات كثيرة لا تقف عند عدد السبع.

ونحن نقول لهؤلاء: إذا كانت السموات مجموعات من طبقات الكواكب، فلماذا جعلت الكواكب زينة للسماء الدنيا وحدها كما في هذه الآية وفي آية سورة الملك، وكيف تكون زينة لنفسها، والزينة شيء وما تزينه شيء آخر، وكيف يستفتح الرسول صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج على كواكب، ثم نقول: علينا أن نؤمن بأن لله سموات سبعًا، وأن الكواكب زينة للسماء الدنيا منها، ونترك العلم بحقيقة ذلك إلى الخالق - جل وعلا -.

والكواكب هي تلك الأجرام المتلأْلئة التي نشاهدها في الفضاء ليلًا، ومنها القمر أقربها إلى الأرض، وقد وصل الإنسان في عصرنا هذا إلى القمر داخل أجهزة علمية، وقد حصل

(1) سدم: جمع سديم وهو مجموعة من الكواكب لا حصر لها.

(2)

سورة الملك، من الآية:3.

ص: 401

العلماء على معلومات عنه أكثر وضوحا من ذي قبل، ومنها أن عناصر تكوينه تشابه عناصر تكوين الأرض، وأن جوه لا يصلح لحياة الإنسان فوقه.

7 -

{وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (7)} :

وحفظنا السماءَ حفظًا بتلك الكواكب من كل عفريت من الجن شرير متمرد خارج عن الطاعة، حيث تنزل منها الشهب فتحرق من يحاول استراق السمع في جو السماء من أولئك الشياطين التمردين.

8 -

{لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ} :

الملأُ الأعلى: الملائكة أو رؤساؤهم، والمعنى: لا يتمكن مردة الشياطين أن يتسمعوا، ويصغوا إلى الملائكة وهم يتحدثون فيما عهد الله به إليهم من شئون الخلائق، فقد حفظت السماء منهم بشهب أصلها من الكواكب، فإن حاولوا الاستماع يقذفون بها من كل جانب من جوانب السماء.

9 -

{دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ} :

الدُّحُور: الطرد، والواصب: الدائم أو الشديد كما تقدم في المفردات.

والمعنى: ويقذف أُولئك الشياطين بالشهب من كل جانب لأجل دحرهم عن مجتمع الملائكة في جو السماء، وهم يتحدثون فيما عهد الله به إليهم. ولأُولئك الشياطين عذابٌ شديد دائم في الآخرة، غير عذاب الإحراق بالشهب في الدنيا.

10 -

{إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} :

أي: لا يتسمع أولئك الشياطين إلى الملأ الأعلى، إلَاّ من اختلس منهم كلام الملائكة مسارقة، فتبعه شهاب ثاقب، أي: شعلة قوية الضوء والحرارة فتحرقه.

والشهاب: واحد الشهب، وهي أحجار صغيرة منفصلة عن الكواكب، سابحة في فضاء الله - تعالى - فإذا وصلت في دورانها إلى جاذبية الأرض جذبتها، فمرت بسرعة متجهة

ص: 402

نحوها، فمن سرعتها تحترق بقوة احتكاكها المتتابع السريع بالهواء، ويكون لاحتراقها لمعان مستطيل. ثاقب: أي ساطع.

{فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (11) بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (12) وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (13) وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (14) وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (15) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (16) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (17)}

المفردات:

{فَاسْتَفْتِهِمْ} : فاستخبرهم.

{طِينٍ لَازِبٍ} : طين لاصق.

{يَسْتَسْخِرُونَ} : يبالغون في السخرية.

التفسير

11 -

{فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ} :

المعنى: فاستخبر يا محمَّد مشركي مكة المنكرين للبعث، أهم أصعب خلقًا وإيجادًا، أو أقوى خلقة وبنيانًا، أم من خلقناه من السموات وما فيها من الملائكة والكواكب وروائع العجائب، والأرض وما فيها من جبال وتلال، ونجاد ووهاد، وزروع نضرة، وزهور عطرة، وجماد وحيوان، وماء وحيتان، وما بين الأرض والسماء من الرياح اللواقح، والشهب الثواقب، وغير ذلك من عجائب مبدعاته، وروائع مخلوقاته، إنا خلقنا بني آدم من طين لاصق بعضه ببعض، في ضمن خلق أبيهم آدم، أو خلقناهم أنفسهم من الطين، فإن أصلهم النطفة، والنطفة أصلها غذاء مخلوق من الطين، فهم باعتبار هذا التسلسل مخلوقون من الطين.

ص: 403

وإذا كانوا مخلوقين من الطين على أي وجه، فكيف يستبعدون بعثهم من التراب، إذ قالوا:{أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} (1) مع أنهم خلقوا في أول أمرهم من تراب ممزوج بالماء فصار طينًا.

12 -

{بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (12)} :

بل: هنا لابتداء كلام آخر، كما قاله صاحب المغني في قوله - تعالى -:{بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} (2) وليست للعطف، نقله الخطيب معلقًا على البيضاوي، والخطاب للرسول وكل من يدافع عن الحق.

والمعنى: بل عجبت يا منصف الحق من قدرة الله على ما خلقه من الكائنات العلوية أو السفلية، ومع هذا ينكر الكافرون البعث، ويسخرون من تعجبك وتقريرك للبعث.

13 -

{وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (13)} :

وإذا وعظوا ليؤمنوا بالبعث لا يتعظون، لقساوة قلوبهم، وقلة فطنتهم.

14 -

{وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ} :

السين والتاء في "يستسخرون" للمبالغة، والمعنى: وإذا شاهدوا معجزة تدل على صدق من يعظهم ويدعوهم إلى ترك ما هم عليه، يبالغون في السخرية، ويجوز أن تكون السين والتاء للطلب، أي: يطلب بعضهم من بعض أَن يسخروا.

15 -

{وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} :

أي: وقالوا في شأن الآية التي رأوها: ما هذا الذي نراه إلَاّ سحر واضح.

16، 17 - {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ}:

أي: أنُبعث نحن وآباؤنا الأولون إذا متنا جميعًا، وتحولت أجسادنا إلى تراب وعظام؟ يقولون ذلك منكرين نافين للبعث، والهمزة في "أئذا" وفي "أئنا" للإنكار والنفي.

(1) سورة المؤمنون من الآية: 82.

(2)

سورة الأعلى، الآية:6.

ص: 404

{قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (18) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (19) وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (20) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (21)}

المفردات:

{دَاخِرُونَ} : صاغرون.

{زَجْرَةٌ} : صَيْحَةً.

{يَنْظُرُونَ} يبصرون، أو ينتظرون.

{يَا وَيْلَنَا} : يا هلاكنا.

{يَوْمُ الدِّينِ} : يوم الجزاء، تقول: دِنْتُه، أي: جازيته.

{يَوْمُ الْفَصْلِ} : يوم القضاء بعد البعث.

التفسير

18 -

{قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ} :

قل - يا محمَّد لمنكري البعث -: نعم تبعثون أنتم وآباؤكم الأولون الذين ماتوا قبلكم، والحال أنكم جميعًا صاغرون أذلاء، غير معجزين لقدرة الله - تعالى -.

وقد اكتفى هنا في إجابة منكري البعث بذلك من غير إقامة الدليل على إمكانه لأنه سبق قريبا، ولأنه تكرر في القرآن في مواضع شتى.

19 -

{فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ} :

الزجرة: الصيحة، من: زجر غنمه: إذا صاح بها.

والمعنى: لا تستصعبوا البعث من القبور، فما هو إلا صيحة واحدة، وهي النفخة الثانية في الصور فهذا هم قائمون من مراقدهم أحياءً ينظرون بأَبصارهم، أو ينتظرون ما يفعل بهم.

ص: 405

20، 21 - {وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ * هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ}:

الدِّين: الجزاء، تقول: أدانه القاضي، أي: جازاه، والفصل: القضاء والحكم، ففيه فصل، أي: فرق بين المحق والمبطل.

والمعنى: وقال المنكرون للبعث حين بعثوا وتذكروا ما كانت الرسل تقول لهم في الدنيا عن هذا اليوم: هذا يوم الجزاء من الله لعباده، ويقول بعضهم لبعض: هذا يوم القضاء والحكم في نزاعنا مع رسل الله في شأن البعث وغيره مما جاءونا به، هذا هو اليوم الذي كنتم به تكذبون، فما أَشقانا فيه وقد كذبناهم، ويجوز أن يكون قوله تعالى:{هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} حكايته لكلام الملائكة للمنكرين للبعث لما بعثوا وقالوا: {يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ} وليس من كلام بعض المنكرين لبعض.

وكان أبو حاتم يقف على قولهم: "يا ويلنا"، ويجعل ما بعده من كلام الملائكة جوابا للمنكرين وتوبيخا لهم وإيذانا بأن وَلْوَلَتَهم وتندمهم لا ينفعانهم.

{احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22) مِنْ دُونِ اللهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (23) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (24) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (25) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (26)}

المفردات:

{احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ} أي: اجمعوا الظالمين وأمثالهم من أصحاب المعاصي.

ص: 406

{وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللهِ} : من الأصنام والأوثان، فإنها تحشر معهم.

{فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} أي: فدلوهم ووجهوهم إلى طريق النار.

{مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ} أي: لماذا لا ينصر بعضكم بعضا.

{مُسْتَسْلِمُونَ} : منقادون، أو قد أسلم بعضهم بعضا وخذله عن عجز، وأصل الاستسلام: طلب السلامة، والانقياد تابع لذلك عرفا.

التفسير

22، 23 - {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ}:

خطاب من الله للملائكة، أو من الملائكة بعضهم لبعض. وعن ابن عباس رضي الله عنهما تقول الملائكة للزبانية:

{احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا

} الآية ويراد بالظلم: الشرك؛ قال تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} : وهو أمر بحشر الظالمين يوم البعث من أماكنهم المختلفة إلى موقف الحساب، وقيل: من الموقف إلى الجحيم، يحشرون هم وأمثالهم ونظراؤهم من الكفار، فيحشر الكافر مع الكافر. قاله قتادة وأبو العالية. وقال عمر بن الخطاب في معنى الآية: أزواجهم أمثالهم الذين هم مثلهم. يحشر الزاني مع الزاني، وشارب الخمر مع شارب الخمر، وصاحب السرقة مع صاحب السرقة. وقيل في رواية عن ابن عباس: وأزواجهم أي: نساؤُهم الموافقات على الكفر، ورجَّحه الرُّمَّاني، وقيل: مع قرنائهم من الشياطين، وروى عن الضحاك وهو قول مقاتل - أيضًا -: فيحشر كل كافر مع شيطانه في سلسلة، كما يحشرون مع ما يعبدون من دون الله من الأصنام والأوثان ونحوها مما لا يعقل؛ لأن الحديث عن المشركين عبدة ذلك. وحشرهم معها لزيادة التحسير والتخجيل.

{فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} أي: فعرفوهم طريق النار، ودلوهم عليه، والجحيم: طبقة من طبقاتها شديدة الاشتعال. والتعبير بالهداية للتهكم.

ص: 407

24 -

{وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (24)} :

أي: احبسوهم في الموقف إنهم مسئولون عن شركهم وخطاياهم، وهذا الحبس يكون للحساب قبل السوق إلى الجحيم وبعده يساقون إلى النار، ونص الآية يؤذن لأن هذا الموقف ليس للعفو عنهم ولا ليستريحوا بتأخير العذاب، بل ليسألوا عن أعمالهم وأقوالهم وأفعالهم.

وظاهر الآية: أن الحبس للسؤال بعد هدايتهم إلى طريق الجحيم، بمعنى تعريفهم إياه، ودلالتهم عليه، لا بمعنى إدخالهم فيه.

25 -

{مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ} :

المعنى: يقال لهم - على جهة التقريع والتوبيخ -: ما لكم لا ينصر بعضكم بعضا فيمنعه من عذاب الله كما كنتم تزعمون في الدنيا.

وقيل: هذه الآية إشارة إلى قول أَبي جهل يوم بدر: نحن جميع منتصر.

والسؤال عن هذا في موقف المحاسبة بعد استيفاء حسابهم، والأمر بهدايتهم إلى الجحيم كما قيل: وتأخير السؤال إلى هذا الوقت ، لأنه وقت تنجيز العذاب ، وشدة الحاجة إلى النصرة، وحالة انقطاع الرَّجاء عنها بالكلية، والتوبيخ والتقريع حينئذ أشد وقعا وتأثيرا. والخطاب لهم ولآلهتهم أوْ لهم فحسب.

26 -

{بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ} أي: منقادون، وقال قتادة: مستسلمون لعذاب الله عز وجل بمعنى أن كلهم مستسلم غير منتصر.

ص: 408

{وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (27) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (28) قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (29) وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ (30) فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (31) فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (32) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ في الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (33) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (34) إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله يَسْتَكْبِرُونَ (35)}

المفردات:

{يَتَسَاءَلُونَ} : يتخاصمون بطريق الجدال.

{تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ} أي: تمنعوننا بقوة وغلبة وقهر، أو تأْتوننا من جهة الخير فتنهوننا عنه، وتمنعوننا منه - قاله قتادة.

{مِنْ سُلْطَانٍ} أي: من حجة في ترك الحق.

{قَوْمًا طَاغِينَ} أي: مجاوزين الحد في الضلال.

{فَأَغْوَيْنَاكُمْ} أي: زينا لكم ما كنتم عليه من الكفر.

{غَاوِينَ} : بالوسوسة لكم. {بِالْمُجْرِمِينَ} : بالمشركين.

التفسير

27 -

{وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} :

المعنى: وأَقبل الرؤساء المُضِلُّون والأتباع المُضَلُّون. أو الكفرة من الإنس وقرناؤهم

ص: 409

من الجن - أقبلوا - يتخاصمون، أي: يسأَل بعضهم بعضا بطريق الخصومة والجدال، ويوبخه في أنه أصله وفتح له بابا واسعا من المعصية.

28 -

{قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ} :

استئناف بياني، كأنه قيل: كيف يتساءلون؟ فقيل: قالوا - أي الأتباع للرؤساء أو الكل للقرناء -: {إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ} .

والمعنى: إنكم كنتم تأْتوننا في الدنيا عن اليمين، أي: عن اليمن والخير، وتزعمون لنا أن ما أنتم عليه خيرٌ ودين حق، فترغبوننا فيه، وتهونون علينا أمر شريعة الحق، وتنفروننا منها، فتبعناكم فهلكنا، ولشرف اليمين جاهلية وإسلاما، دنيا وأخرى، استعيرت لجهة الخير.

أو: تأْئوننا عن اليمين بمعنى القوة والقهر، واليمين تستعمل مجازًا عن القوة؛ لأن بها يقع البطش، أي: إنكم تحملوننا على الضلال وتقسروننا عليه.

أو: تأتوننا عن اليمين بمعنى الحلف. بمعنى أنهم كانوا يوالونهم مقسمين عليهم بأن ما هم عليه من الكفر هو الحق الذي يجب اتباعه.

29 -

{قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} :

استئناف، أي: قال الرؤساء أو القرناء - في جوابهم بطريق الإضراب -: بل أبيتم أَنتم الإيمان وأعرضتم عنه، فأنتم لم تكونوا مستعدين للإيمان، حيث أعرضتم عنه مع تمكنكم منه، مختارين غير ملجئين. وآثرتم عليه الكفر، فلم تكونوا قابلين للايمان قط حتى ننقلكم من استعدادكم للإيمان إلى الكفر بل كنتم على الكفر فأَقمتم عليه متمسكين به للإلف والعادة.

30 -

{وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ} :

أي: وما كان لنا عليكم مع قهر وتسلط، أو حجة على ترك الحق نسلبكم بهما اختياركم، وتمكنكم من الإيمان، بل كنتم وفق طبيعتكم قوما مجاوزين الحد في العصيان،

ص: 410

مختارين له، مصرين عليه دون إجبار، وإنما دعوناكم إلى الضلال فأجبتم لموافقة هواكم لما دعيتم إليه.

31 -

{فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (31)} :

ذلك - أيضًا - من قول المتبوعين، وهو تفريع على ما تقدم من عدم إيمان المتخاصمين، وكونهم قوما طاغين في حد ذاتهم. أي: وجب علينا وعليكم قول ربنا: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (85)} فكلنا ذائقو العذاب الذي ورد به الوعيد.

فكأنهم قالوا: ولأَجل أَننا جميعًا لم نكن مؤْمنين، وكنا قوما طاغين، وثبت علينا وعيد ربنا بأنا ذائقون لا محالة لعذابه عز وجل.

32 -

{فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (32)} :

أي: فدعوناكم إلى الغواية، وزينا لكم ما كنتم عليه من الكفر ، فاستجبتم لنا باختياركم واستحبابكم الغي على الرشد.

{إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ} جملة مستأنفة لتعليل ما قبلها، أي: إنما أغويناكم لتكونوا مثلنا في الغواية - والمراد الكفر - وهذا كقولهم: {رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا} (1).

33 -

{فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ في الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ} :

المعنى: أن الفريقين المتسائلين - المضِل والمضَل - يوم إذ يتساءلون. وهو يوم القيامة هم في العذاب الذي استحقوه مشتركون. كما كانوا مشتركين في الكفر والغواية، واستظهر أن المغوين أشد عذابا لإغوائهم لغيرهم مع ضلالهم، فالشركة لا تقتضي المساواة.

(1) سورة القصص، من الآية:63.

ص: 411

34 -

{إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ} :

أي: إنا مثل ذلك الفعل الدال على الحكمة التشريعية نفعل بأولئك المتناهين في الإجرام وهم المشركون في عهد الإِسلام كما يشير إليه التعليل بقوله - تعالى -:

35 -

{إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله يَسْتَكْبِرُون} :

أي: إنا مثلَ ذلك العذاب نفعل بالمشركين المتخاصمين من أُمتك يا محمَّد؛ لأَنهم كانوا إذا قيل لهم: لا إله إلا الله - بطريق الدعوة والتلقين - يستكبرون عن القبول، ومن ذلك ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال لأَبي طالب - عند موته - واجتماع قريش حوله: قولوا: لا إله إلا الله تملكوا بها العرب، وتدين لكم العجم، أبَوا وأنِفُوا من ذلك. وقال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنزل الله في كتابه. فذكر قوما استكبروا. فقال: إنهم كانوا إذا قيل لهم: لا إله إلا الله يستكبرون. وقد استكبر عنها المشركون يوم الحديبية، يوم كاتبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على قضية المدة، ذكر هذا الخبر البيهقي. والذي قبله القشيرى (1).

{وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (36) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (37) إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (38) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (39) إِلَّا عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (40)}

المفردات:

{لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} : يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم وقد كذبوا، فما هو بشاعر ولا مجنون.

{بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ} : جاءَ بالتوحيد.

{إِلَّا عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ} : الذين أخلصهم الله لطاعته.

(1) تفسير الإِمام القرطبي.

ص: 412

التفسير

36 -

{وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} :

يعنون بذلك - قبحهم الله - النبي صلى الله عليه وسلم، وقد جمعوا بين إنكار الوحدانية وجحد الرسالة، أي: أنحن تاركو عبادة آلهتنا وآلهة آبائنا لقول شاعر مجنون؟ والاستفهام للاستبعاد، فرد الله عز وجل عليهم بقوله:

37 -

{بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِين} :

تكذيبًا لهم، ببيان أن ما جاءَ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من التوحيد هو الحق الذي قام عليه البرهان، وأجمع عليه كافة الرسل عليه الصلاة والسلام، وصدقهم صلى الله عليه وسلم فيما أخبروا عن الله من الصفات الحميدة، والمناهج السديدة، وأخبر عليه الصلاة والسلام في شرعه وأَمره كما أخبروا قال الله - سبحانه -:{مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ} (1).

38 -

{إِنَّكُمْ لَذَائِقُوا الْعَذَابِ الْأَلِيمِ} :

المعنى: إنكم لذائقو العذاب المؤلم بما كان منكم من الإشراك وتكذيب الرسل والاستكبار، والالتفات إلى الخطاب لإظهار كمال الغضب عليهم بمشافهتهم بهذا الوعيد وعدم الاكتراث بهم وهو اللائق بالمستكبرين.

39 -

{وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} :

أي: وما تجزون إلا بما عملتم من الضلال والشرك، لا يزاد عليه ولا ينقص منه، والآية تشير إلى أن ذوقهم العذاب ليس إلا من جهتهم لا من جهة غيرهم أصلًا.

40 -

{إِلَّا عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ} :

أي: إنكم أيها المجرمون لذائقو العذاب الأَليم، لكن عباد الله المخلصين الذين أخلصهم الله لطاعته، لا يذوقون العذاب ولا يناقشون الحساب، وإنما يجزون بالثواب أضعافا مضاعفة

(1) سورة فصلت من الآية: 43.

ص: 413

بالنسبة لأعمالهم، فيجزون الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى ما شاء الله من التضعيف، ويراد بهم على قراءة المخلصين - بكسر اللام - عباد الله الذين أخلصوا له العبادة.

{أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (41) فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (42) في جَنَّاتِ النَّعِيمِ (43) عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (44) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (45) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (46) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (47) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (48) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (49)}

المفردات:

{رِزْقٌ مَعْلُومٌ} أي: عطية معلومة الخصائص.

{عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} أي: لا ينظر بعضهم في قفا بعض. وإنما ينظر في وجهه تواصلا وتحاببا.

{بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ} أي: بخمر من نهر ظاهر للعيون.

{لَا فِيهَا غَوْلٌ} : لا تغتال عقولهم وصحتهم.

{وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ} أي: ولا هم بسببها يسكرون. يقال: نُزفَ الرجلُ ينزَف فهو منزوف ونزيف: إذا سكر.

{قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ} أي: يقصرن أَبصارهن على أزواجهن فلا ينظرن إلى غيرهم. وعين: جمع عيناء ، وهي شديدة بياض العين شديدة سوادها. وقال السُّديُّ ومجاهد:"عين": حسان العيون.

ص: 414

{كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ} أي: بيض مصون عن الريح والغبار حيث تكنُّه النعامة أو الفرخة بريشها.

التفسير

41 -

{أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ} أي: لهم رزق معلوم الخصائص ككونه غير مقطوع ولا ممنوع عن النظر، لذيذ الطعم طيب الرائحة إلى غير ذلك من الصفات المرغوبة، أو معلوم الوقت لقوله - تعالى -:{وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} .

42 -

44 - {فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ * في جَنَّاتِ النَّعِيمِ * عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} أي: إن الرزق المعلوم مع تميزه بخصائصه - كله فواكه - والمراد بها: ما يؤكل لمجرد التلذذ دون الاقتيات وجميع ما يأكله أَهل الجنة كذلك حتى اللحم، لكونهم مستغنين عن القوت؛ لأن خِلْقَتهُم محكمة محفوظة من التحلل المحوج إلى البدل، والمراد بالفواكه: الثمار كلها رطبها ويابسها: قاله ابن عباس، {وَهُمْ مُكْرَمُونَ} عند الله عز وجل برفع الدرجات وسماع كلامه لا يلحقهم هوان، وذلك أعظم المثوبات وأليقها بأُولي الهمم، وهل في هذا إشارة إلى النعيم الروحاني بعد النعيم الجسماني الذي يأَتي به الأكل.

وقيل: مكرمون في نيل رزقهم حيث يصل إليهم بغير تعب وسؤال، بخلاف رزق الدنيا، ورزقهم هذا {في جَنَّاتِ النَّعِيمِ} وإضافة الجنات إلى النعيم على معنى لام الاختصاص المفيدة للحصر، أي: في جنات ليس فيها إلا النعيم، وهم على سرر يقابل بعضهم بعضا للاستئناس والمحادثة، والأسرة تدور بهم كيف شاءُوا تواصلا وتحاببا بالنظر إلى الوجوه.

45 -

47 - {يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ * لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ} :

استئناف لبيان ما يكون في مجالس أُنسهم من شرابهم بعد ذكر مطاعمهم، والكأس في اللغة: الإناء وفيه شرابه، فإن كان فارغًا يقال: إناءٌ أو قدح، وتطلق - أيضًا - على

ص: 415

الخمر مجازا، وهو المراد هنا -، والمعين: الماء الجاري الظاهر للعيون، وكذلك تجري الخمر في الجنة كما قال - تعالى -:{وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ} .

ولم تعين هذه الآية من يطوف عليهم بالكأس، وقد بين الله الطائفين في قوله تعالى:{يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (17)} وقوله: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (24)} كما بينت السنة الصحيحة: أن أطفال المشركين ممن يطوف على أَهل الجنة، لخدمتهم.

وقد وصفت بأنها بيضاء، وبأنها لذة لشاربيها، ولتمام لذتها وصفت بها فكأنها نفس اللذة وعينها مبالغة.

وهي لا غائلة فيها، فلا تؤثر في شاربيها باغتيال عقولهم كما في خمر الدنيا، من غاله يغوله: إذا أفسده وأَهلكه. والمراد هنا: نفى أن يكون فيها ضرر أصلًا {وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ} أي: يسكرون، كما روى عن ابن عباس وغيره، من نُزِف (1) الشارب إذا سكر، ويقال للسكران: نزيف ومنزوف، وعدى الفعل بعن بمعنى باء السببية، أي: ولا هم بسببها يسكرون، وأفرد هذا الفساد بالنفي مع اندراجه فيما قبله من نفي الغَوْل عنها لأَنه من عظم فساده كأنه جنس برأسه، وصرْفُ الله السُّكر عن أهل الجنة، لئلا ينقطع الالتذاذ عنهم.

48، 49 - {وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ. كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ}: المعنى: وعندهم نساء عفيفات قد قصرن طرفهن على أزواجهن، فلا ينظرن إلى غيرهم: قاله ابن عباس، ومجاهد، ومحمد بن كعب وغيرهم، كناية عن فرط محبتهن لأزواجهن، وعدم ميلهن إلى سواهم. وقيل: المعنى: ذابلات الجفن مِراضُه، وما أجمل ذبول الأجفان في النساء وقد كثر التغزل بذلك قديمًا وحديثًا ومنه قول ابن الأزدي:

مَرضَت سَلْوتِي وَصَحَّ غرامي .... من لحاظ هُنَّ المِراضُ الصحاح

ويجوز أن يكون المعنى: قاصرات طرف أَزواجهن عن التجاوز إلى سواهن لغاية حسنهن وهن "عين" جمع عيناء، وهي: الواسعة العين في جمال. وقال الحسن: العين: الشديدات بياض العين الشديدات سوادها، ولصونهن من كل أذى شبهن بالبيض المكنون، وحمله الجمهور

(1) بضم النون وكسر الزاي - على صيغة المبني للمجهول.

ص: 416

على بيض النعام؛ لأنه أجمل أَنواع البيض لونًا وفيه صفرة قليلة تُحَب في النساء، ومعنى أنه بيض مكنون: أن النعام تكنه بريشها من الريح والغبار. وقيل المكنون: المصون عن الكسر، أي: أنهن عذارى. وقيل: المراد بالبيض اللؤلؤ كقوله تعالى: {وَحُورٌ عِينٌ. كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ} (1) أي المصون: في أصدافه قاله ابن عباس، إلى غير ذلك من أَقوال وكلها تدور حول الإشادة بحسنهن.

{فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (50) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (51) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (52) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (53) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (54) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (55) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (56) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (57) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (58) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (59) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (60) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61)}

المفردات:

{فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} : يتفاوضون فيما بينهم بأحاديثهم في الدنيا وهو من تمام الأُنس في الجنة.

{كَانَ لِي قَرِينٌ} أي صديق: ملازم.

{أَإِنَّا لَمَدِينُونَ} : مجزيون محاسبون بعد الموت.

{فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ} : في وسطها ، وسمى الوسط سواء لاستواء المسافة منه إلى الجوانب

(1) سورة الواقعة، الآيتان: 22، 23.

ص: 417

{إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِين} أي: لتهلكني إن أَطعتك، والردى: الهلاك.

{لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ} أي: لكنت مثلك من المحتضرين إلى سواء الجحيم حيث أنت.

التفسير

50 -

{فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} :

معطوف على {يُطَافُ عَلَيْهِمْ} أي: يطاف عليهم بالشراب، فيقبل بعضهم على بعض، يتساءلون عن الفضائل والعارف وعما جرى لهم وعليهم في الدنيا، وما أحلى تذكر ما فات عند رفاهية الحال وخلو البال.

51 -

{قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ} أي: قال قائل من أهل الجنة في تضاعيف محاورتهم: إني كان لي ملازم ومصاحب من شأنه ما حكاه الله بقوله:

52 -

{يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ} : يقول لي في الدنيا على طريق التوبيخ: أَءنك لمن المصدقين، أي: بالبعث كما ينبىء عنه قوله سبحانه:

53 -

{أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ} :

أي: لمبعوثون ومجزيون؟ من الدِّين بمعنى الجزاء، وهذا منه إنكار واستبعاد لوقوع البعث والجزاء بعد الموت، وبعد أن صار الجسد ترابًا وعظامًا نخرة.

قال أبو السعود: قيل: كان رجل تصدق بماله لوجه الله فاحتاج فاستجدى بعض إخوانه فقال له: أين مالك؟ قال: تصدقت به ليعوضني الله - تعالى - في الآخرة خيرًا منه. فقال: أئِنَّك لمن المصدقين بيوم الدين؟ والله لا أعطيك شيئًا: فيكون التعرض لذكر موتهم وكونهم ترابًا وعظامًا حينئذ لتأكيد إنكار الجزاء المبني على إنكار البعث.

54 -

{قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ} : هذا من قول الله لأهل الجنة، وقيل: القائل بعض الملائكة، وقيل: هو من قول المؤمن لإخوانه في الجنة بعد ما حكى لهم مقالة قرينه في الدنيا يقول لهم: هل أنتم مطلعون إلى أهل النار، لأريكم ذلك القرين، يريد بذلك صدقه فيما حكاه، وعلى أن القائل هو الله أو بعض الملائكة يكون المعنى: هل تحبون أن تطلعوا على أَهل النار لأَريكم ذلك القرين، فتعلموا منزلتكم من منزلتهم؟

ص: 418

55 -

{فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ} :

فاطلع المسلم على أهل النار تلبية للعرض أو الأمر فرأى قرينه وسط الجحيم، قال كعب فيما ذكر ابن المبارك: إن بين الجنة والنار كُوًى فإذا أراد المؤمن أن ينظر إلى عدو كان له في الدنيا اطلع من بعض الكوى.

56 -

{قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ} :

قال القائل لقرينه: إن كدت لتهلكني بالإغواء وبما تزينه لي من عدم تصديق الوعيد بالبعث والحساب والجزاء.

57 -

{وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ} :

أي: ولولا العصمة والتوفيق في الاستمساك بعروة الإِسلام لكنت من الذين أُحضروا العذاب كما أُحضرت أنت وأمثالك.

58، 59 - {أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ}:

رجوع إلى محاورة جلسائه بعد إتمام الكلام مع قرينه ابتهاجًا بما آتاه الله من الفضل العظيم، وتقريعا للقرين بالتوبيخ.

والمعنى: أنحن مخلدون منعمون فما نحن بميتين ولا معذبين، والهمزة للتقرير وفيها معنى التعجب والفرح، ويراد أن حال المؤمنين ألا يذوقوا إلا الموتة الأولى فهم في الجنة أحياءٌ حياة دائمة لا يعتريها فناء، بخلاف الكفار فإنهم يتمنون في موقفهم الموت كل ساعة، وقيل لحكيم: ما شر من الموت؟ قال: الذي يتمنى فيه الموت، وهذا قول يقوله المؤمن تحدثا بنعمة الله بمسمع من قرينه، ليكون تعذيبًا لهذا القرين، وزيادة في توبيخه، وقيل: هو قول يقوله أهل الجنة للملائكة يقولونه اغتباطًا وفرحًا.

{وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} هذه الجملة تفيد استمرار نفي العذاب وتأكيده، واستمرار نفيه نعمة عظيمة مستوجبة للتحدث بها، وذلك مفض إلى نفي زوال نعيمهم المحكي في قوله تعالى:{أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (41)} الآيات، واختير التعرض لاستمرار نفي العذاب دون إثبات استمرار النعيم؛ لأن نفي العذاب أَسرع خطورا ببال من لم يعذب عند مشاهدة من يعذب، وقيل: درءُ الضرر أهم من جلب المنفعة.

ص: 419

60 -

{إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} :

هذا من تتمة قول القائل: {أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ} وجوز أَن يكون من كلامه - تعالى - قال سبحانه - تصديقًا لقول ذلك القائل، وتقريرا له مخبرا به - جلَّ وعلا - حبيبه صلى الله عليه وسلم وأمته، والتأْكيد للاعتناء بشأن الخبر.

61 -

{لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ} :

أي: لنيل مثل هذا الأمر الرفيع ينبغي أن يعمل العاملون لا للحظوظ الدنيوية السريعة الزوال المشوبة بفنون الآلام، وهذا الكلام - من قول الله عز وجل لأهل الدنيا. أي: قد سمعتم ما في الجنة من الخيرات والجزاء و {لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ} .

{أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (62) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (63) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (64) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (65) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (66) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (67) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (68)}

المفردات:

{أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا} النزاع: ما يُقَدَّم للنازل من الرزق.

{أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ} الزقوم: شجر مُرٌّ يكون بتهامة، سميت به الشجرة الموصوفة وهي صغيرة الورق كريهة الرائحة.

{فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ} : محنة وعذابًا لهم في الآخرة. وابتلاءً لهم في الدنيا.

{طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ} أي: ثمرها كأَنه في تناهي الكراهة وقبح المنظر رءُوس الشياطين، والعرب تشبه القبيح الصورة بالشيطان أو رأس الشيطان أو وجهه.

ص: 420

{لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ} أي: لشرابًا ممزوجًا من ماء شديد الحرارة يقطع أَمعاءَهم، قال الفراء: شابَ طعامه وشرابه: إذا خلطهما بشيء يشوبهما.

{ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ} أي: إن مرجعهم ومردهم إلى دركات جهنم بعد أن ذهب بهم من مقارهم فيها إلى شجرة الزقوم ليأكلوا منها ويملأوا بطونهم.

التفسير

62 -

{أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ} :

ذلك من كلامه عز وجل عند الأكثرين لا من كلام القائل، وهو متعلق بقوله - تعالى -:{أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (41)} :

والمعنى: أذلك الرزق المعلوم الذي حاصلهُ اللذة والسرور، خير نزلا وطعاما أم شجرة الزقوم التي حاصلها الهم والغم، ويراد من التفاضل بين النزلين التوبيخ والتهكم، وهو أسلوب كثير الورود في القرآن الكريم، ومعنى ذلك: أن الرزق المعلوم اللذيذ نزل أهل الجنة الذي يقدم لهم، وأهل النار نزلهم شجرة الزقوم، فأيهما خير نزلًا؟.

63 -

{إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ} :

أي: جعلنا شجرة الزقوم محنة وعذابًا لهم في الآخرة، وابتلاءً لهم في الدنيا، فإنهم لما سمعوا أنها في النار قالوا: كيف يمكن ذلك والنار تحرق الشجر؟ ولم يعلموا أن إبراهيم عليه السلام أُلقي في النار ولم تحرقه، فالله أقدر على خلق الشجر في النار، وحفظه من الاحتراق، فالنار لا تحرق إلا بإذنه ومشيئته. على أنه لا يستحيل في العقل أن يخلق الله في النار شجرًا من جنسها لا تأكله النار، كما يخلق الله فيها الحيات والعقارب وخزنة النار. واختلف في شأنها على قولين:

الأول: أنها معروفة من شجر الدنيا يعرفها العرب بتهامة من أخبث الشجر وأقبحه منظرا وطعمًا.

والثاني: أنها لا تعرف في شجر الدنيا، فلما نزلت هذه الآية قال كفار قريش: ما نعرف هذه الشجرة.

ص: 421

64 -

{إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ} :

أي: منبتها في قعرها، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها.

65 -

{طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ} :

أي: ثمرها كأَنه لقبحه وهوْلِه شبيه برءُوس الشياطين، وهي وإن لم تكن معروفة عند المخاطبين إلا أَنه قد استقر في النفوس أَن الشياطين شديدة القبح ومن ذلك قولهم لكل قبيح: هو كصورة الشيطان، ولكل حسن: هو كصورة ملك، كما يتصورون صورة للغول وإن كانت لا تعرف، ومنه قول امرئ القيس:

أتقتلني والمشرفي مضاجعي

ومسنونة زرق كأَنياب أَغوال

وقيل: الشياطين: الحيات الهائلة القبيحة المنظر لها أَعراف، وقيل: أن شجرًا - يقال له: الأَستن - خشنا منتنا مرًّا منكر الصورة يسمى ثمره رءُرس الشياطين، ولا حرج على قدرة الله - تعالى - أن ينبت هذا النوع من الشجر في أصل الجحيم بأن يجعل في تركيبه (كيمياء خاصة) تمنع احتراقه بالنار، وتجعل النار غذاء له، وكم لله من عجائب منها: أن الله - تعالى - جعل النار على إبراهيم بردًا وسلامًا. - كما تقدم ذكره -.

66 -

{فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ} :

أي: فمن شجرة الزقوم طعامهم وفاكهتهم بدل رزق أهل الجنة يأكلون منها أَو من ثمرها، فيملأون البطون لغلبة الجوع، أو لقهرهم على أكلها وإن كرهوها؛ لأنهم لا يجدون إلَاّ إياها أَو نحوها، كما قال - تعالى -:{لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ * لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ} .

67 -

{ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (67)} :

أي: ثم إن لهم على أكلها لشرابا مزج بالحميم تعذيبًا لهم.

ص: 422

68 -

{ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ} :

أي: إن مرجعهم لإلى مقرهم من النار؛ فإن في جهنم مواضع أُعد في كل موضع منها نوع من النبلاء، فالقوم يخرجون من مقارهم في النار، إلى موضع آخر فيه ذلك الشراب المشوب بالحميم، ثم يردون إلى دركاتهم، وهذا الحميم في موضع آخر من جهنم خارج عن مقرهم. وقيل: خارج عنها لقوله - تعالى -: {هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (43) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ} (1).

وكأن بين خروج القوم للشراب وعودهم إلى مساكنهم زمانًا غير يسير يتجرعون فيه ذلك الشراب، ولذلك جيء بلفظ ثم، وهو في مقابلة ما لأَهل الجنة من شراب، وفيه يقول سبحانه:{وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (27) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ} (2) والمدلول عليه بقوله تعالى: {يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (45)} إلخ. كما أن الزقوم في مقابلة ما لهم من الفواكه.

{إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (69) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (70) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (71) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (72) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (74)}

المفردات:

{إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ} أي: وجدوهم وصادفوهم بعيدين عن الحق.

{يُهْرَعُونَ} أي: يسرعون كهيئة الهرولة، وقيل: الإسراع الشديد.

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ} أي: رسلا أنذروهم العذاب فكفروا.

{عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ} أي: نهاية الذين أُنذروا وحذِّروا وهي إهلاكهم لكفرهم.

(1) الرحمن الآية 43، 44.

(2)

سورة المطففين 27، 28.

ص: 423

التفسير

69، 70 - {إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (69) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ}:

تعليل لاستحقاقهم ما ذكر من فنون العذاب، بتقليد الآباء في أصول الدين من غير أن يكون لهم ولا لآبائهم شيء يستمسك به أصلًا، أي: صادفوهم ضالين في نفس الأمر، ليس لهم ما يصلح شبهة، فضلا عن صلاحية كونه دليلًا، وكانوا في اتباعهم آباءَهم مسرعين إسراعًا شديدًا، كأنهم يُحَثُّون على ذلك حثًّا، وقد فعلوا ذلك من غير أن يثبت لديهم أن آباءَهم محقون في حين أنهم على الباطل بأَدنى تأمل.

71، 72 - {وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (71) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ}:

أي: ولقد ضل قبل هؤلاء الظالمين وهم قريش - ضل قبلهم - أكثر الأولين من الأمم السابقة، حيث جعلوا مع الله آلهة أخرى، وهو جواب قسم مقدر، وكذا قوله تعالى:{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ} أي: والله لقد أرسلنا في الضالين عددًا كثيرًا من الأنبياء بينوا لهم بطلان ما هم عليه. وأنذروهم، وحذروهم عاقبته الوخيمة التي يصيرون إليها وهي النكال الشديد والعذاب الأليم، وتكرير القسم في الآيتين لإبراز كمال الاعتناء بتحقيق مضمونهما.

73 -

{فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ} :

من الهول والفظاعة حيث لم يلتفتوا إلى الإنذار، ولم يتأَثروا به، ويرفعوا له رأسًا، فأَهلكهم الله ودمرهم ونجى المؤمنين ونصرهم.

والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أَحد يتمكن من مشاهدة آثارهم، ولما كان المعنى أنهم أهلكوا هلاكًا فظيعًا استثنى منهم المخلصين بقوله - تعالى -:

74 -

{إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ} :

وهم الذين استخلصهم الله من الكفر للإيمان والعمل الصالح، بموجب الإنذار أَو الذين أخلصوا لله دينهم على القراءتين بفتح اللام وكسرها، فهو استثناء من المنذرين في الآية السابقة، أو استثناء من قوله - تعالى -:{وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ} .

ص: 424

{وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (77) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (78) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (79) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (82)}

المفردات:

{وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ} من النداءِ: وهو الاستغاثة.

{وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ} أَي: أَهل دينه.

{مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ} أَي: الغرق، أو الغم الشديد: على ما قاله الراغب.

{وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ} أي: تركنا عليه ثناءً حسنًا في كل أمةٍ لأَنه محبب إلى جميع الأديان.

التفسير

75 -

{وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ} :

لما ذكر - تعالى - عن أَكثر الأولين أنهم ضلوا عن سبيل النجاة، شرع يبين ذلك مع نوع تفصيل لما أَجمل من قبل، ببيان أحوال بعض المرسلين وحسن عاقبتهم، مع بيان سوء عاقبة بعض المنذرين، كقوم نوح عليه السلام وحسن عاقبة بعضهم الذين أخلصهم الله لطاعته، كقوم يونس عليه السلام.

والقصص التي شرع في بيانها هي: قصص نوح، وإبراهيم، وإسماعيل، وموسى وهارون، وإلياس، ولوط، ويونس عليهم السلام وفيها عبر بالغة ، وإنذار وتهديد يقريش، وتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم.

ص: 425

وقدم الحديث عن قصة نوح لسبقه المذكورين جميعًا. ومعنى الآية: أن نوحا عليه السلام: نادى ربه نداء استغاثة متضمنا الدعاء على كفار قومه، وسؤال النجاة، وطلب النصرة، حين أَيس من إيمانهم بعد أن دعاهم أحقابًا ودهورًا، فقد لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا فلم يؤمن معه إلا القليل،، وكان كلما دعاهم ازدادوا نفرة وتكذيبًا {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10)} (1) فغضب الله لغضبه عليهم، ولهذا قال:{وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75)} أي: فوالله لنعم المجيبون نحن حيث أجبناه أحسن إجابة، ونصرناه على أعدائه، فانتقمنا منهم بأبلغ ما يكون، وفيه من تعظيم الإجابة ما فيه.

وأخرج ابن مردويه: عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى في بيتي فمرَّ بهذه الآية {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75)} قال: صدقت ربنا أَنت أَقرب من دُعي، وأقرب من بُغى فنعم المدعو، ونعم المعطى، ونعم المسئول ونعم المولى أنت ربنا، ونعم النصير.

76 -

{وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ} :

أي: ونجينا نوحًا وأهله وهم من آمن معه وأولاده - نجيناهم - من الغرق، والغمُّ الشديد.

77 -

{وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ} :

أَي: ضمنا لذريته وحدهم البقاء، فجميع البشر بعده من أحفاده. {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} (2).

قال ابن عباس: لما خرج نوح من السفينة مات من معه من الرجال والنساء إلا ولده ونساءه فذلك قوله: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (77)} .

وقال سعيد بن المسيب: كان ولد نوح ثلاثة والناس كلهم من ولده.

فسام أبو العرب، وفارس، والروم، واليهود، والنصارى.

وحام: أبو السودان من المشرق إلى المغرب، والسند، والهند، والزنج، والحبشة، والبربر وغيرهم.

(1) سورة القمر، آية:10.

(2)

سورة نوح، من الآية:26.

ص: 426

ويافث: أبو الترك، ويأْجوج ، والصقالبة.

والأكثر على أن الناس كلهم في مشارق الأرض ومغاربها من ذرية نوح عليه السلام ولذا قيل له: آدم الثاني، واستدل على ذلك بهذه الآية.

وقال قوم: كان لغير ولد نوح - أيضًا - نسل بدليل قوله - تعالى -: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} (1).

وقوله: {قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ} (2) فعلى هذا يكون معنى الآية: وجعلنا ذريته هم الباقين دون ذرية من كفر، فإنا أَغرقنا أَولئك، ذكر ذلك القرطبي، والراجح الأول لحصر البقاء في ذريته صراحة في قوله - تعالي -:{وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (77)} .

78 -

{وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ} :

أي: تركنا عليه ثناءً حسنًا في الباقين من الأُمم إلى نهاية الدهر. وهذا الثناء أشار إليه قوله: - تعالى -:

79 -

{سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ} :

هذا الكلام وارد على الحكاية، وهو محكي بِتَرَك من قوله (وتركنا .. ) في موضع نصب بها على ما قاله الفراء وغيره من الكوفيين، أي تركنا عليه هذا الكلام بمعناه، والمراد أَبقينا له دعاء الناس وتسليمهم عليه أُمة بعد أُمة إلى أَن يرث الله الأرض ومن عليها، وقيل: هذا سلام من الله عز وجل لا من الآخرين، ومفعول تركنا مقدر، أَي: تركنا عليه الثناء الحسن وأبقيناه له فيمن بعده إلى آخر الدهر، وجملة {سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ} مفعول لقول مقدر على ما ذكر الخفاجي، أي: وقلنا: سلام إلى آخره {فِي الْعَالَمِينَ} : من تتمة الجملة السابقة. جيء به للدلالة على الاعتناء التام بثبات هذا الدعاء واستمرار هذه التحية أبدًا في العالمين، من الملائكة والثقلين جميعًا.

(1) الإسراء، من الآية:3.

(2)

سورة هود ، من الآية:48.

ص: 427

وقيل: المراد من العالمين الأَنبياءُ، إذ لم يبعث بعده نبي إلا أُمر بالاقتداء به، قال الله تعالى:{شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا} . (1)

80 -

{إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} :

تعليل لما فعل به عليه الصلاة والسلام من التكرمة السنية من إجابة دعائه أَحسن أجابة، وإبقاء ذريته، وذكره الجميل وتسليم العالمين عليه إلى آخر الدهر، لكونه من المعروفين بالإحسان الراسخين فيه الذين نجزيهم أحسن الجزاء، ويكون ما وقع له من قبيل مجازاة الإِحسان بالإِحسان ، وإحسانه مجاهدة أعداء الله تعالى - والدعوة إلى دينه، والصبر الطويل على أذاهم، أي: مثل هذا الجزء الكامل نجزي العاملين في الإحسان، أي: نجعل لهم لسان صدق يذكرون به بعدهم بحسب مراتبهم في ذلك.

81 -

{إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ} :

تعليل لكونه عليه السلام محسنا بخلوص عبوديته، وكمال إيمانه، للدلالة على جلالة الإيمان، وأنه القصارى من صفات المدح والتعظيم.

82 -

{ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ} :

أي: المغايرين لنوح عليه السلام وأهله، وهم كفار قومه أجمعين. فلم يبق منهم أحد، ولا عين ولا أثر، ولا يعرفون إلا بهذه الصفات القبيحة، وثم للتراخي في الذكر لا في الواقع، إذ بقاوُه عليه السلام ومن معه متأَخر عن الإِغراق.

* {وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (83) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (85) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (87)}

(1) سورة الشورى، من الآية:13.

ص: 428

المفردات:

{مِنْ شِيعَتِهِ} : من أنصاره وأعوانه وأهل دينه الذين على منهاجه.

{بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} : بقلب خالص من آفات القلوب.

{أَئِفْكًا} الإفْكُ: أسوأُ الكذب والاختلاق.

التفسير

83، 84 - {وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}:

هذه الآيات شروع في جانب من قصة إبراهيم بعد الفراغ من قصة نوح عليهما السلام وقصة إبراهيم متعددة الجوانب، كثيرة الأحداث - وقد جاءت في سور كثيرة من سور القرآن وكلها تعتمد الجانب العقدي أولا ثم تنتقل إلى الغرض الذي اختص بسورته ما عدا ما جاءَ في سورة الأنعام، فقد اختص بالجانب العقدي والتفكير في ملكوت السموات والأرض وخالقهما ومسخّرهما حتى خلص بإبراهيم عليه السلام من هذا إلى توحيد الله، وتوجيه وجهه إلى الذي فطر السموات والأرض.

أما السور الأُخرى التي جمعت بين الكلام على العقيدة والتوحيد وجوانب أُخرى فكثيرة في القرآن الكريم مع اختلاف في العرض والتصوير، والتطويل والتقصير. من ذلك ما جاء في سورة البقرة من رفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت، والاتجاه إلى الله أن يتقبل منهما وأن يباركه، ويبارك ذريتهما.

وما جاء في سورة مريم من حواره مع أبيه: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42)} ؟ (1) ومما انتهى إليه أمر أبيه من رفض الإيمان حتى اضطر إبراهيم عليه السلام إلى اعتزاله.

وما جاء في سورة الأنبياء من تسفيه قومه على عبادة الأَصنام، وعلى الضلال الذي يعيشون فيه، وما انتهى إليه أمره من الكيد للأصنام، وتكسيرها، وكيد قومه له بإلقائه في النار التي جعلها الله عليه بردا وسلامًا، وردّ كيدهم عليهم فكانوا هم الأخسرين.

(1) الآية 42 من سورة مريم.

ص: 429

ومن هذا أيضًا ما جاءَ في سورة الشعراء حول تبكيبت قومه على عبادة من لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع ولا يضر، ثم يخلص من هذا إلى تعداد نعم الله - تعالى - عليه وعلى عباده، وفضله فيهم {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ

} (1). ثم تنتهي هذه الآيات بأَصدق دعاء وأخلص تضرع {رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ * وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ في الْآخِرِينَ * وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ

}.

ثم تأْتي هذه السورة - سورة الصافات - فتوضح محنة الابتلاء وما كان من صِدق الأب في تنفيذ أمر الله، وما كان من طاعة الابن لأمر ربه، والرضا بالقضاء حتى تجلَّى عليهما بكشف البلاءِ، وإنزال الفداء.

هذا وقد جاء أُسلوب قصة إبراهيم مرتبطًا بقصة نوح عليهما السلام لما قيل من أَن إبراهيم عليه السلام يعتبر آدم الثالث بالنسبة للأنبياء والمرسلين بعده لأَنهم من ذريته إلا لوطا، ومما يزيد في حسن هذا الارتباط اشتراكهما في المنحة ونجاتهما في المحنة: فنوح عليه السلام نجاه الله من الغرق، وإِبراهيم نجاه الله من الحرق.

ومعنى: {وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (83)} وإن من شيعة نوح وأنصاره - الذين تابعوه في أُصول الدين، وسلامة العقيدة. وإخلاص التوحيد لله - لإبراهيم عليه السلام فقد اتفقت شريعتهما على توحيد الله، واختصاصه بالعبادة، وإن اختمت فروع شريعتيهما.

وقيل: شايعه في التصلب في الدين، ومصابرة المكذبين، ونقل هذا عن ابن عباس.

وليس في الكلام ما يمنع من اجتماع المعنيين معا.

وقَوْلُهُ تَعَالَى: {إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} : توقيت وتوضيح للمشايعة، والمعنى: شايعه حين جاءَ ربَّهُ، أَي: أقبل على ربه الذي أحسنها خلقه وتربيته - جاءَه - بقلب سليم خالص من آفات القلوب نَقِيٍّ من العلائق الدنيوية الشاغلة عن العبادة، والتبتل لله تعالى.

(1) الآيات من 69 - 89 من سورة الشعراء.

ص: 430

وسلامة القلب أهم ما ينبغي أن يتوافر في المسلم؛ لسلامة أعماله، وصلاح جميع أحواله.

85، 86، 87 - {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ *}:

قوله - تعالى - {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ

} الآيات بيان وتفسير لقوله - تعالى -: {إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} .

والمعنى: إذ قال إبراهيم لأَبيه آزر - منكرًا عليه، ساخرًا من سلوكه - ما الذي تعبدونه من دون الله؟

أتريدون - لأَسوأ الكذب، وأَقبح الافتراء والسفه - أن تتخذوا آلهة موهومة، وأصنامًا تصنعونها بأيديكم نؤمنون بها، وتخصونها من دون الله بالعبادة ولو فكَّرتم لرأيتم أنكم أشرف منها لأنكم الصانعون، وهي المصنوعة.

{فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} أي: فما ظَنكُمْ إذ تفعلون هذا الفعل المنكر بمن هو حقيق بالعبادة، جدير بالتوحيد؛ لأنه ربُّ العالمين، وخالقهم، ومدبر أُمورهم حتى تركتم عبادته وحده، وأشركتم معه غيره من مخلوقاته.

أو فما ظنكُم بما يفعل بكم رب العالمين، وكيف يعاقبكم بعد ما فعلتم من الإشراك به.

{فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ (88) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (90)}

المفردات:

{نَظَرَ} : تأَمل بعينه.

{سَقِيمٌ} : مريض عليل.

{فَتَوَلَّوْا} : أَعرضوا.

{مُدْبِرِينَ} : راجعين.

ص: 431

التفسير

88 -

{فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ} :

نظر فيها كما كانوا يفعلون في تعرف أَحوالهم، فأَوهمهم من تلك الجهة، وأَراهم من معتقداتهم عذرا لنفسه.

والمعنى: فنظر إبراهيم عليه السلام حين دعاه قومه للخروج معهم في عيدهم للعب واللهو والسمر - نظر في النجوم - يوهم قومه أَنه يستنبئها - ويستطلع الرأْي من حركاتها ومطالعها ليريهم عذرا لنفسه في عدم خروجه معهم في عيدهم مأْخوذا من معتقداتهم.

89 -

{فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ} :

أَي: فقالَ إبراهيم حين نظر إلى النجم: إني مريض عليل، يقصد أَنه مريض القلب من عبادتهم لغير الله - تعالى -، وإن كان ظاهره الاعتذار عن عدم الخروج معهم لمرضه، وعلى هذا يكون قوله: إني سقيم من المعاريض على نحو ما ذكر في سورة الأَنبياءِ.

وقيل: كانت له عليه السلام حُمَّى لها نوبة معينة في بعض ساعات الليل، فنظر ليعرف هل هي تلك الساعة، فإِذا هي قد حضرت، وكان صادقًا في ذلك؛ لأَن نوبات الحمى لا تتخلف عادة، قال المتنبى في شأْن الحمى واعتياد أَوقاتها:

وزائرتي كأَن بها حياء

فليس تزور إِلا في الظلام

بذلت لها المطارف والحشايا

فعافتها وباتت في عظامي

90 -

{فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ}

أَي: فأَعرض قومه عنه وتركوه راجعين خائفين من عدوى المرض مسرعين إلى عيدهم حين أَخبرهم بأَنه سقيم، ولوح لهم بالمرض.

وهكذا احتال في عدم خروجه معهم بما لم يقنعهم بعذره فحسب، بل بما حملهم على الفرار وإجلاء المكان منهم ليفعل بأصنامهم ما شاء.

ص: 432

{فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (91) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (92) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (93) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (94)}

المفردات:

{فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ} : مال إليها في خفية وحيلة.

{بِالْيَمِينِ} : بالقوة والشدة.

{يَزِفُّونَ} : يسرعون. من زف القوم زفيفًا إذا أسرعوا. ومنه زفيف النعام.

التفسير

91 -

{فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ} :

أَي: فمال إِبراهيم عليه السلام في خفية وحيلة وتسلل إِلى الأَصنام التي يتخذونها آلهة بعد أَن خلا المكان بخروج القوم إلى عيدهم، فقال للأَصنام - استهزاءً بهم، وسخرية منهم -: أَلا تأْكلون من هذا الطعام المتعدد الأَصناف، المختلف الأَنواع الذي نثره حولكم، ووضعه بينكم هؤُلاء السفهاء الجهال في يوم عيدهم، جاهلين أنكم أَحجار صمٌّ وتماثيل بُكمٌ.

92 -

{مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ} :

أَي: ما الذي دهاكم، وأَي شيء أصابكم وأَسكتكم فجعلكم لا تردون جوابًا، ولا تنطقون. وهو سؤَال يقصد به المبالغة في السخرية والاستهزاء.

93 -

{فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ} :

أَي: فمال إِبراهيم عليه السلام متسلطًا مستعليًا عليهم متمكنًا منهم يضربهم ضربًا

ص: 433

شديدًا أَليمًا بالغًا أقصى القوة والشدة؛ لأَن اليمين أَقوى الجارحتين وأَشدهما، وقوة الأَداة تقتضي قوة الفعل وشدته.

وقيل: باليمين معناه بسبب اليمين ووفاءً به، وهو المذكور في - قوله - تعالى:{وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ} (1):

والمعنى الأول أَولى وأَوفى بالمقام، ويتلاقى مع قوله تعالى:{وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ} (2).

94 -

{فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ} :

فأَقْبلوا إِلى إِبراهيم بعد أَن رجعوا من عيدهم فأَلْفوا أَصنامهم مهشَّمة محطَّمة، أَقبلوا يسرعون في طلبه والإمساك به ظنا منهم أَو يقينًا بأَنه هو الذي فعل هذا بها.

{قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98)}

المفردات:

{مَا تَنْحِتُونَ} : ما تَبْرونه وتصنعونه بأَيديكم.

{الْجَحِيمِ} : النار الشديدة الاتقاد. من الجحمة وهي شدة التأَجج.

{كَيْدًا} : مكرًا وسوءا.

{الْأَسْفَلِينَ} : الأذلين المقهورين.

(1) الآية 57 من سورة الأنبياء.

(2)

الآية 44، 45 من سورة الحاقة، وأخذه باليمين مجاز عن أخذه بالشدة والقوة.

ص: 434

التفسير

95 -

{قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ} :

قال إِبراهيم عليه السلام لقومه حين واجهوه بتهمة تحطيم أَصنامهم وقالوا له: {أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ} (1) قال: أَيستقيم منكم ويصح في عقولكم أَن تعبدوا أَصنامًا نحتموها من الصخر، وصنعتموها بأَيديكم من الحجارة، ثم تتخذونها آلهة تدعونها رغبًا ورهبًا من دون الله، وإِنما سأَلهم ذلك تبكيتا لهم، وسخرية بهم، واستخفافًا بعقولهم.

96 -

{وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} :

هذه الآية من جملة كلام إِبراهيم عليه السلام والمعنى: أَتعبدون ما تنحتون وتتركون عبادة الله الواحد القهار والحال أن الله خلقكم فأحسن خلقكم، وصوركم فأبدع صوركم، وخلق هذه الأَصنام التي تصنعونها لأَن جوهرها ومادتها من خلق الله - تعالى - وأَما صورها وأَشكالها - وإِن كانت من أَعمالهم - فهي من إِقداره لهم - جل شأَنه - وخلق ما يتوقف عليه فعلهم من العدد والأَسباب.

خرّج البيهقي من حديث حذيفة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز وجل خلق كل صانع وصنعته، فهو الخالق، وهو الصانع سبحانه".

97 -

{قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ} :

أَي: قال قوم إِبراهيم حين انقطعت بهم الحجة، وأَعياهم الجواب المقنع - قالوا -: ابنوا له حائطًا ضخمًا، وبنيانا كبيرا وأجمعوا فيه الأَحطاب، وأَضرموا فيها النار، وأَلْقوه في لهيبها المتقد، وجحمتها المتأَججة عقوبة له على فعلته، وتخلصا من خطره وسطوته.

(1) الآية 62 من سورة الأنبياء.

ص: 435

98 -

{فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ} :

أَي: وأَراد قومه بهذا العمل معه كيدا به وإِحراقًا له، فرد الله كيدهم إلى نحورهم ، وجعل النار برهانًا على صدق دعوته وعلو قدره حيث جعلها عليه بردا وسلامًا، وجعلهم الأَذلين المقهورين الأسفلين.

{وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101)}

المفردات:

{ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي} : مهاجر إلى حيث أَمرني. أَو ذاهب إلى حيث أَتجرد لعبادته.

{هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ} : ارزقني الولد الصالح.

التفسير

99 -

{وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ} :

أَي: وقال إِبراهيم عليه السلام بعد أن نجاه ربُّه من كيد قومه، وجعل النار بردا وسلامًا عليه، وبعد أَن يئس من إيمانهم، وكره المقام معهم - قال -: إِني مهاجر إلى حيث أَمرني ربِّي - يريد الهجرة إلى الشام - أَو إِني مهاجر إلى حيث أَتجرد لعبادته، وأَخلص لتقديسه وتسبيحه.

ومعنى سيهدين: سيرشدني ويوفقني إلى ما فيه صلاح ديني وراحة نفسي.

وَبَتَّ القول في الهداية لسبق الوعد، أَو لفرط توكله، أَو بناء على ما جرت به السوابق معه ولم يكن كذلك حال موسى عليه السلام حيث قال: {عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي

ص: 436

سَوَاءَ السَّبِيلِ} (1) بصيغة الرجاء والتوقع لعدم سبق الوعد معه، أَو لأَنه كان بصدد أَمر دنيوي فناسبه عدم الجزم.

100 -

{رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ} :

هذه الآية اتجاه من إبراهيم عليه السلام إِلى ربه وتضرع إِليه أَن يرزقه من ذريته ما يعينه، ويجبر ضعفه، ويشد أَزره، والمعنى: ربِّ ارزقني بعض الصالحين يعينني على الدعوة والطاعة، ويؤنسني في الغربة ويواسيني في الكربة، يعني بهذا طلب الولد لأَن الهبة عند الإطلاق تخصه غالبًا.

101 -

{فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ} :

هذه الآية صريحة في أَن المبشر به عيْن ما استوهبه عليه السلام والمعنى: فاستجاب الله دعاءَ خليله وبشره بغلام حليم، وانطوت البشارة على بشارات ثلاث:

1 -

أَنه ولد ذكر. 2 - أَنه يبلغ ويدرك مدارك الشباب. 3 - أَنه يكون غاية في الحلم، والخلق والرضا.

وأَي حلم يعدل حلمه عليه السلام وقد عرض عليه أَبوه أمر ذبحه، وهو فتى في عنفوان شبابه وازدهار قوته، فيقول في إذعان ورضًا:{يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} .

{فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102)}

(1) من الآية 22 من سورة القصص.

ص: 437

المفردات:

{بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ} : وصل إلى رتبة أَن يسعى مع والده في أَعماله، ويعاونه في حوائجه.

{تَرَى} أَي: تشير وتفكر، مأْخوذ من الرأْي.

التفسير

102 -

{فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} :

جرى الأُسلوب في هذه الآيات على نمط القصص القرآني بطيِّ ما يقتضيه السياق وحذف ما ترشد إليه أَحداث القصة، والمعنى: وهبنا له هذا الغلام الذي استوهبنا إياه وبشرناه به، {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ} أَي: فلما اشتد عوده وبلغ رتبة أَن يسعى مع أَبيه ويعينه في أعماله، ويساعده على حوائجه كاشفه بواقع الأمر وصارحه بحقيقته فناداه بإِشفاق وتحنن {يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى} أَي: فتأَمل هذا الأَمر، وَأَدِرْ فيه رأْيك، وأَشر عليَّ بما يستقر عندك.

وإنما شاوره - وهو حتم لا خيار فيه - ليعلم ما عنده ويهيئه لقبول ما نزل من بلاءِ الله عز وجل فيثبت قدمه إِن جزع، وليوطن نفسه فيهون الأَمر عليه ويكتسب المثوبة بالانقياد لأَمر الله - تعالى - قبل نزوله خوفًا من المفاجأَة، ولتكون سنة في المشاورة.

{قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} أَي: فأَجاب الغلام أَباه في طمأْنينة وصدق امتثال: يا أَبت افعل ما تؤْمر به، ونفِّذ ما أَراكه الله، ستجدني إِن شاءَ الله من جملة الراضين بأَمر الله، الصابرين على قضائه، المذعنين لمشيئته وحكمه.

قال بعض أَهل الإشارة: فلما استثنى (1) وفقه الله للصبر.

قيل: إِن إبراهيم عليه السلام رأَى ليلة الثامن من ذي الحجة كأَن قائلا يقول له: إن الله يأْمرك بذبح ابنك هذا، فلما أَصبح روَّى في ذلك من الصباح إِلى الرواح، قائلا

(1) المراد من الاستثناء:

تعليق صبره على مشيئة الله - تعالى - في قوله: {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} .

ص: 438

في نفسه: أَمِنَ الله هذا الحلم أَم من الشيطان؟ فمن ثمة سُمِّي يوم التروية، فلما أَمسى رَأَى مثل ذلك فعرف أنه من الله. فمن ثمة سمى يوم عرفة، ثم رأى مثل ذلك في الليلة الثالثة فهم بنحر ولده فسمى اليوم يوم النحر.

واختلف العلماءُ في حقيقة الذبيح. هل هو إِسماعيل أَو إِسحق؟ والأَظهر الأَشهر أَن الذبيح المخاطب هو إِسماعيل عليه السلام إذ هو الذي وهب إثر المهاجرة؛ لأَن البشارة بإسحق بعده معطوفة على البشارة بهذا الغلام. ولقوله عليه الصلاة والسلام: "أَنا ابن الذبيحين" فأَحدهما جدّه إِسماعيل، والآخر أَبوه عبد الله؛ فإِن عبد المطلب نذر أَن يذبح ولدا إِن سهل الله - تعالى - له حفر بئر زمزم، أو بلغ بنوه عشرة، فلما حصل ذلك وأَسهم بين أولاده وخرج السهم على عبد الله فداه بمائة من الإبل، ولأن ذلك كان بمكة ولأَن بشارة إِسحق كانت مقرونة بولادة يعقوب منه وذلك في قوله - تعالى -:{فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} (1) فكيف يأْمره الله بذبحه وقد أَخبره بأَنه سيكون له منه يعقوب، وعن الأَصمعي قال: سأَلت أَبا عمرو بن العلاءِ عن الذبيح فقال: يا أَصمعي!!! أَين عزب عنك عقلك؟ ومتى كان إِسحق بمكة؟ وإنما كان إسماعيل، وهو الذي بنى البيت مع أَبيه.

ومما يقوى هذا الرأْي وينصره أن الله وصف إِسماعيل بالصبر دون أَخيه إسحق في قوله: {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ} (2) وهو صبره على الذبح.

ووصفه بصدق الوعد في قوله: {إنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ} (3) لأَنه وعد أَباه بالصبر على الذبح فوفّى به.

(1) من الآية 71 من سورة هود.

(2)

الآية 85 من سورة الأنبياء.

(3)

من الآية 54 من سورة مريم.

ص: 439

{فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (112) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (113)}

المفردات:

{أَسْلَمَا} اسْتسْلما: لأَمر الله، وانقادا له.

{تَلَّهُ} : أضجعه.

{لِلْجَبِينِ} : يطلق الجبين على أَحد جانبي الجبهة، ويطلق أَيضًا على الوجه.

{صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا} : وفيتها حقها بالعزم على تنفيذ ما أَمر الله.

{الْبَلَاءُ الْمُبِينُ} : الاختبار البين الشدة.

{بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} : كبش سمين عظيم القدر.

{ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ} : موبق لها ومهلكها بالكفر والمعاصي.

التفسير

103 -

106 - {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ} :

ص: 440

المعنى: فلما استسلم إِبراهيم وولده لقضاءِ الله وانْقَادَا لإِنفاذ أَمره، وأَخلصا أَنفسهما له وفوضا أَمرهما إِليه أضجع إبراهيم ولده على شقه فوقع جبينه على الأَرض، وهو أَحد جانبي الجبهة، أَو: كبّه على وجهه بإِشارة الولد كي لا يرى منه ما يورث رقة تحول بينه وبين تنفيذ أَمر الله، وأَسلم الولد نفسه للذبح راضيًا بقضاءِ الله، صابرا محتسبا نفسه عند الله - لما فعلا ذلك - في صدق، وإخلاص أدركتهما رحمة الله ووافاهما النداء من قبل الله: يا إِبراهيم، قد صدقت الرؤْيا بالعزم على تنفيذ ما رأَيت في منامك وترتيب مقدماته، وإعداد مقتضياته، إنا كذلك نجزي المحسنين الذين ينزلون على قضاء الله، ولا يؤثرون شيئًا على طاعته وتحصيل رضاه.

وهذا التذييل تعليل لتفريج تلك الكربة عنهما بإحسانهما، وصدق عزمهما.

قال الآلوسي: أَخرج غير واحد أَنه قال لأَبيه: لا تذبحني وأَنت تنظر إِلى وجهي عسى أَن ترحمني فلا تجهز عليّ. اربط يديّ إلى رقبتي، ثم ضع وجهي للأَرض.

وفي الآثار حكاية أقوال كثيرة غير ذلك، وكل هذه الأَقوال تدور حول امتثال الغلام لأَمر الله، وإِذعانه لقضائه.

وقوله تعالى: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ} تعقيب يجسد عظم البلاء، وقسوته، والمعنى: إِن هذا الأَمر الذي ابتلينا به إبراهيم وهذا الاختبار الذي سبرنا به غور إِيمانه وعمق يقينه، وتمحيص نبوته لهو الاختيار المتناهي في وضوح شدته، الذي يتميز فيه المخلصون، أَو لهو المحنة البينة الصعوبة البالغة أَقصى غايات القسوة والمرارة، إذ لا شيء أَصعب ولا أَقسى من أَن يذبح الإِنسان ولده بيده.

107 -

{وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} :

كان حديث الآيات السابقة عن عظم البلاء تنويهًا بعظم الفداء، وترشيحًا لجلال قدره ليقع قوله - تعالى -:{وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} موقعه من قوة التصور، وسموّ التفخيم.

ص: 441

والمعنى: أَنجينا الغلام من الذبح، وعافيناه من محنته، وفديناه بما يذبح بدله - فديناه - بكبش عظيم الجثة مكتنزٍ لحمًا وشحمًا، أَو كبش عظيم القدر لأَنه عطاءُ الله، والعطاءُ يعظم بعظمة معطيه، ولأَنه يفدى به الله نبيًّا ابن نبي.

108، 109 - {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ}:

أَي: لم ينته فضلنا على إبراهيم وولده عند كشف غمته، وإنزال الفداء، بل تجاوزنا هذا وزدناه حيث تركنا عليه، أَي: أَبقينا له وأعقبناه الثناء الحسن والذكر الجميل في الأُمم المتعاقبة بعده تتحرك به الشفاه وتنطلق به الأَلسن ترديدًا إلى آخر الزمان - تركنا عليه - {سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ} . فكل أَهل الأَديان يحيونه بالسلام عليه بلغاتهم.

110 -

{كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} :

أَي: مثل هذا الجزاء العظيم: من دوام الذكر، وخالد الثناء نجزي المحسنين في أعمالهم، الصادقين في نيّاتهم وإِخلاصهم.

111 -

{إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ} :

أَي: إِن إِبراهيم عليه السلام من جملة عبادنا المؤمنين الراسخين في الإيمان، الصادقين في العقيدة، ومن كان من جملة عبادنا المؤمنين لا يكون منه إلَاّ أَطيب الأَعمال، وأصدق الطاعات، ولا يكون له إلَاّ أَكرم الحسنات، وأَوفى المثوبات.

112 -

{وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} :

أَي: وتوالى إِكرامنا لإِبراهيم، واستمرت منحتنا عليه حيث بشرناه بعد إِسماعيل بإِسحاق ولدًا آخر، وطويت في هذه البشارة بشارات حسن تنشئته وإِدراكه مدارك الرجال، ونبوَّته.

وفي ذكر الصلاح بعد النبوَّة تعظيم لشأْنه، وإيماءٌ إِلى أَنه الغاية للنبوة، وأَنه الثمرة المرجوة.

113 -

{وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ} :

أَي: وباركنا على إِبراهيم وإسحاق عليهما السلام بأَن أَفضنا عليهما بركات الدين

ص: 442

والدنيا، فأَكثرنا نسلهما وجعلنا منهما أَنبياءَ ورسلًا، واختلفت أَحوال ذريتهما فكان منها محسن بالإِيمان والطاعة لنفسه، وظالمٌ لنفسه بالكفر والمعاصي ظلمًا بيِّنًّا ظاهر القبح.

وفي هذا تنبيه إِلى أَن الخبيث والطيب لا يجرى أَمرهما على العرق والعنصر، فقد يلد البر فاجرًا، وقد يلد الفاجر بَرًّا، وهذا مما يهدم أَمر الطبائع والعناصر، وينبِّه إِلى أَن الظلم في أَعقابهما لم يعد عليهما بعيب ولا نقيصة، وإِنما يعاب المرء بسوءِ فعله، ويعاقب على ما اجترحت يداه لا على ما وجد من أَصله وفرعه.

{وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (114) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (115) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (116) وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (117) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (118) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (119) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (120) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (121) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (122)}

المفردات:

{مَنَنَّا} : أَحسنَّا وأَنعمنا عليهما بالنبوة والنجاة والنصرة.

{الْكَرْبِ} : المكروه والشِّدة.

{الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ} : الواضح. وهو التوراة.

{الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} : الذي لا عوج فيه؛ لأَنه الموصل إلى الحق والصواب.

ص: 443

التفسير

114 -

{وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ} :

شروع في قصة موسى وهارون بعد الفراغ من قصة إِبراهيم وما تضمنت من أَخبار غريبة، وأَحداث عجيبة، ومنح جزيلة، ومواقف جليلة.

وصدّرت قصتهما بالمنَّة لإِبراز فضل الله - تعالى - عليهما في ظهورهما على قوم جبَّارين في أُمة عاتية، على رأْسها فرعون الغاشم المتأَله، لا يبالون بما يرتكبون من مظالم، ولا يخجلون مما يقترفون من مغاشم.

والمعنى: ولقد أَحسنَّا وأَنعمنا على موسى وأَخيه هارون بالنبوَّة وغيرها من النعم الدينية والدنيوية، حيث بعثناهما في قوم جبارين، يستعبدون الأحرار، ويسخرونهم في مصالحهم، ويسومونهم سوء العذاب.

115 -

{وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ} :

أَي: ونجَّينا موسى وهارون ومن تبعهما من قومهما من تسلُّط فرعون وقومه وغشمهم، وخلَّصناهم من الكرب والشدة وأَلوان العذاب المتفاقم في العظم والقبح المتمثل في قوله تعالى:{وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} (1):

116 -

{وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ} :

أَي: لم يقف أَمرنا معهما على الإِنجاءِ من كرب فرعون وقومه، وبطشهم بهم، بل تجاوز ذلك إِلى نصر موسى وهارون وقومهما على هذا الطاغوت، فكانوا هم الغالبين عليهم غلبة ليس وراءَها غاية، القاضين عليهم قضاء تركهم عبرة للعالمين وآية للمتأَملين.

وقد بدىء في الآية بالتنجية، وإِن كانت مقارنة للنصر للإِشارة إِلى أَن مجرَّد التَّنجية من عذاب فرعون وقومه في ذاتها نعمة، فضلًا عمَّا صحبها من النصر والغلبة، لتوفية مقام الامتنان حقه بإِظهار كل مرتبة من المراتب الثلاث: التنجية، والنصر، والغلية نعمةً جليلة على حيالها.

(1) من الآية 49 من سورة البقرة.

ص: 444

117 -

{وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ} :

هذه الآية من جملة ما مَنَّ الله به على موسى وهارون، وهي في موقعها من تتابع المنن وتساوقها بعد التنجية والنصرة والغلبة ليتم الأَمن والاستقرار، ويتعبد الطريق إلى إنزال الكتاب.

والمعنى: وآتينا موسى وهارون بعد تحقيق ما سبق - آتيناهما - الكتاب المستنير الواضح في تفصيل الشرائع، البين في توضيح الأَحكام، وهو التوراة.

118 -

{وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} :

الهداية إِلى الصراط المستقيم أَثر لإِتيان الكتاب.

والمعنى: وهديناهما بإِتيان الكتاب الصراطَ المستقيم، والطريق الممهد الموصل إلى الحق والصواب بما فيه من تفصيل الشرائع، وتفاريع الأَحكام.

119، 120 - {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (119) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ}:

أَي: وأَعقبناهما زيادة في المنَّة ووفرة في الإِحسان والفضل - أعقبناهما - الذكر الحسن والثناء الجميل في الأُمم التي تأْتي بعدهما إلى آخر الزمان بقولهم: {سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ} وما في معناه.

121، 122 - {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (121) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ}:

إِنا مثل هذا الجزاء الذي جازينا به موسى وهارون وقومهما من كل ما ذكرنا، وما شهدت به الأَحداث، وصار حديثًا عجبًا بين الناس - إنَّا كذلك نجزي المحسنين منهم ومن غيرهم جزاءً سخيًّا وافيًا، إِنهما من جملة عبادنا المؤمنين المخلصين في العبودية، وكمال الإيمان الذين لا يصدر عنهم إلَاّ العمل الصالح، والسلوك السوي. ولا يقع منهم إِلَاّ ما يقتضي جزيل الثواب وعظيم الجزاءِ.

ص: 445

{وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (124) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (125) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (126)}

المفردات:

{إِلْيَاسَ} : هو إلياس بن يس من سبط هارون أَخي موسى عليهم السلام بعث بعده، وقيل هو "إدريس".

{بَعْلًا} : اسم صنم لأَهل بَكّ من الشام، وهو البلد المعروف اليوم باسم "بعلبك"، وقال عكرمة وقتادة: البعل: الرب بلغة اليمن.

التفسير

123، 124 - {وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ}:

هذه الآيات دخول على قصة إِلياس ومن بلاغة التنزيل، وروعة إِعجازه اختلاف مداخل هذه القصص، ففي قصة نوح عليه السلام كان المدخل:{وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ} . وفي قصة إِبراهيم: {وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ} ، وفي قصة موسى وهارون:{وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ} وهذا تفنن في الأُسلوب يزيده جمالًا، ويزيد القارئ إِقبالًا، حيث يتصدر كل قصة الحدث الجليل فيها.

وقد صدرت قصة إِلياس ومن بعده بتكرار المؤكدات، لأَن أَخبارهم لم تبلغ في الاشتهار والتداول مبلغ نوح وإِبراهيم وموسى عليهم السلام.

والمعنى: وإِن من أَنبياء الله - تعالى - ورسله الذين أَرسلهم إِلى أقوامهم لإِرشادهم وهدايتهم إِلياس من سبط هارون أَخي موسى وبعث بعده، فاذكر يا رسول الله إذ قال لقومه

ص: 446

حين بعث فيهم: أَلَا تتَّقون الله وتخافون عذابه على كفركم به وجحدكم آلاءه ونعمه عليكم، وإِعراضكم عن توحيده وشكر عطائه، واتخاذكم آلهة زائفة، ومعبودات زائلة تالفة.

125، 126 - {أتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (125) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ}:

أَي: أَيستقيم منكم، ويصح في عقولكم وأَفهامكم أَن تعبدوا صنمًا أَصم، وحجرًا أَبكم تجثون حوله، وتقدمون له القرابين تدعونه لقضاءِ حوائجكم فتطلبون الخير ممَّا لا خير فيه، ولا يملك لكم ولا لنفسه نفعًا ولا ضرًّا {وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ} ، وتتركون عبادته وتوحيده وهو ربكم الذي خلقكم فأَحسن خلقكم، وصوركم فأَبدع صوركم، وخلق آباءَكم الأَولين السابقين عليكم من لدن آدم عليه السلام الذين عمرت بهم الدنيا، وامتد الوجود، وأَجرى عليكم وعليهم نعمه، وسخر لكم ما في السموات وما في الأَرض جميعًا منه.

{فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (127) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (128) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (129) سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (130) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (131) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (132)}

المفردات:

{لَمُحْضَرُونَ} : لشاهدون العذاب مساقون إِليه، والإِطلاق في الحضور اكتفاء بالقرائن، أَو لأَن الإِحضار المطلق مخصوص بالشر عرفًا.

{إِلْ يَاسِينَ} : لغة في إلياس كسيناءَ في سينين، وهو الأَولى، وقيل: هو جمع له أُريد به هو وأتباعه كالمُهلَّبيِّين والخُبَيْبِيِّين.

ص: 447

التفسير

127، 128 - {فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (127) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ}:

أَي: فكذب قوم إِلياس رسولهم وعارضوا دعوته، وأَنكروا عليه رسالته فحق عليهم عذاب الله، وحقت فيهم كلمته فإِنهم لشاهدون هذا العذاب ومدفوعون إِليه، ومساقون له لا يفلت منهم أَحد إِلَاّ من آمن به وصدقه، واتبع هداه فكان من الناجين المخلصين في عقيدتهم وطاعتهم لله.

129 -

132 - {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (129) سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (130) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (131) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ} :

تختتم قصة إلياس عليه السلام بما اختتمت به قصص الأَنبياء قبله.

والمعنى: وتركنا على إِلياس - في الأُمم الآتية بعده - الذكر الحسن والثناء الجميل المتمثل في قول الآخرِين: {سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ} وما في معناه، إنا مثل هذا الجزاءِ من الثناء نجزي كل محسن من عبادنا المؤمنين الذين لا يصدر عنهم إلَاّ القول الطيب والفعل الجميل.

{وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (133) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (134) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (135) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (136) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (138)}

المفردات:

{الْغَابِرِينَ} : الباقين في العذاب، أَو الماضين الهالكين، من: غَبَر بمعنى بقى أَو مضى فهو من الأَضداد.

{دَمَّرْنَا} : أَهلكنا.

{مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ} : داخلين في الصباح والمساء، أي: نهارًا وليلًا.

ص: 448

التفسير

133 -

136 - {وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (133) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (134) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (135) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (136)} :

بدئت قصة لوط بما بدئت به قصة إلياس من تأْكيد رسالته، ثم ذكرت نجاته وأَهله إِلَاّ امرأَته من شناعة العذاب الذي لحق بقومه فهدَّم عليهم قراهم تنبيهًا إِلى أَن نجاته من هذا العذاب نعمة من أَجلّ النعم.

والمعنى: وإِن لوطًا عليه السلام لمن جملة المرسلين الذين أَرسلهم الله لهداية أَقوامهم فدعاهم ونصحهم ووجههم إِلى ما يصلح دينهم ودنياهم فعارضوه، وكذَّبوه وأَمعنوا في الفاحشة النكراءِ من إتيان الرجال دون النساء، فاستوجبوا أَنكى عذاب وأَقسى عقاب حيث ائتفكت بهم قراهم، وتهدمت عليهم منازلهم فذهبوا فوق التراب أَثرًا، وبقوا للناس عبرا، فاعلم ذلك يا رسول الله، واذكر لقومك ترشيدًا ونصحًا إذ نجينا لوطًا وأهله من هذا العذاب الشديد والبطش العتيد إِلَاّ امرأَته العجوز التي انتصرت لقومها فكانت من الباقين في العذاب، أَو الماضين الهالكين في التراب. ثمَّ دمَّرْنَا الآخرين فلم يبق منهم باق فإن في ذلك شواهد على صدق دعوته وكونه من جملة المرسلين.

137، 138 - {وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (138)}:

أَي: وإِنكم يا كفار قريش لتمرون على منازلهم المهدَّمة في سفركم إلى الشام للتجارة وأَنتم داخلون في الصباح وفي المساءِ، أَي: نهارًا وليلًا "وسدوم" من قراهم المؤتفكة في طريقكم ترونها، وتشاهدون ما حلَّ بأَهلها.

وقوله - تعالى -: {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} معناه: أَتشاهدون ذلك فلا تتدبرون ولا تعقلون حتى تعتبروا وتخافوا أَن يصيبكم مثل ما أَصابهم، وينزل بكم ما نزل بهم، فإِن منشأَ ذلك مخالفتهم رسولهم، وأنتم في مخالفتكم لرسولكم تفعلون مثل فعلهم.

ص: 449

{وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144)}

المفردات:

{أَبَقَ} : هرب، وأَصل الإِباق: هرب العبد من سيِّده بغير إِذنه.

{الْمَشْحُونِ} : المملوء.

{فَسَاهَمَ} : قارع.

{الْمُدْحَضِينَ} : المغلوبين بالقرعة.

{الْتَقَمَهُ} : ابتلعه.

{وَهُوَ مُلِيمٌ} : داخل في الملامة مستحق لها.

{الْمُسَبِّحِينَ} : الذاكرين.

{لَلَبِثَ} : مكث.

{يَوْمِ يُبْعَثُونَ} : يوم القيامة.

التفسير

139 -

142 - {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142)} :

بهذه الآيات الكريمة تنتهي قصص الأنبياء التي احتوتها هذه السورة من كتاب الله.

وممَّا يثير النظر، ويسترعى الانتباه في هذا التنزيل البليغ أَن الفلك التي نجَّى الله بها نوحًا وأَهله في أَول هذه القصص تكرر ذكر مثلها في فلك آخر غرق منه يونس في اليم في آخر قصة منها.

ص: 450

ويونس عليه السلام هو يونس بن متَّى، قيل: إِنه نُبِّىءَ وهو ابن ثمان وعشرين سنة، وحكى في البحر أَنه كان في زمن ملوك الطوائف من الفرس.

وقال الآلوسي: "يروى أَنه أَوعد قومه العذاب، وأَخبرهم أَنه ينزل بهم إِلى ثلاثة أَيام فلما كان اليوم الثالث خرج يونس قبل أَن ينزل العذاب بهم، فعجُّوا إِلى الله وأَنابوا واستقالوا فأقالهم الله - تعالى - وصرف عنهم العذاب، فلمَّا لم ير يونس نزول العذاب استحيى أَن يرجع إِليهم وقال: لا أَرجع إِليهم كذَّابًا أَبدًا، ومضى على وجهه، فأَتى سفينة فركبها، فلما وصلت اللجّة وقفت فلم تسر، فقال صاحبها: ما يمنعها أَن تسير إلَاّ أَنَّ فيكم رجلًا مشئومًا فاقترعوا ليلقوا من وقعت عليه القرعة في الماء، فوقعت على يونس، ثم أَعادوها فوقعت عليه، ثم أَعادوها فوقعت عليه، فلما رأَى ذلك رمى بنفسه في الماء".

ومعنى الآيات: وإِن يونس عليه السلام لمن جماعة المرسلين، فاذكر يا رسول الله قصته وخبره إِذ هرب قبل أَن يأْذن له ربُّه إِلى الفُلْك المملوء بالراكبين المزحوم بكثرتهم فرارًا من العذاب الذي أُخبر بنزوله على قومه.

وعبَّر عن خروجه بالإِباق مع أَن الإِباق لا يكون إِلَاّ في هرب العبد من سيّده، لأَنه خرج قبل أَن يأْذن الله له بالخروج فاعتبر إباقًا كإباق العبد من سيِّده، وحسّنه أن كل مخلوق عبد الله تعالى.

وقوله - تعالى -: {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ} معناه: فقارع مع من كانوا معه في السفينة ليلقوا من تصيبه القرعة في الماء فأَصابته القرعة، وكرروا ذلك ثلاثًا فلم تخطئه فكان من المدحضين بالقرعة المغلوبين فيها، فلما رأَى ذلك رمى بنفسه في اليم، فتلقاه الحوت وابتلعه، وهو آتٍ بما يلام عليه مستحق لذلك.

143، 144 - {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144)}:

أَي: فلولا أَن يونس عليه السلام كان من الذاكرين الله كثيرًا الذين ديدنهُم التسبيح يعيشون فيه ويدومون عليه طوال حياتهم لا ينقطعون عن ذلك ولا يفترون لمكث في بطن الحوت حيًّا إلى يوم يبعثون: يوم القيامة.

ص: 451

والمراد بالتسبيح: مطلق الذكر كما حمله بعضهم، وحمله بعض آخر على العبادة، وقال آخرون: إن التسبيح هو ما ذكره الله - تعالى - في قوله: {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} (1).

وذهب جماعة منهم ابن عباس إِلى حمله على الصلاة، بل رُوى عنه أَنه قال:"كل ما في القرآن من التسبيح فهو بمعنى الصلاة".

وفي النص الكريم حثٌّ على إِكثار الذكر، ومداومة التسبيح، وتعظيم لشأْنه، وتنبيه إلى أَن من أَقبل على الله في السراء، أَخذ بيده عند الضراء.

أَخرج ابن أَبي شيبة عن الضحاك بن قيس قال: "اذكروا الله تعالى في الرخاءِ يذكركم في الشدة فإِن يونس عليه السلام كان عبدًا صالحًا ذاكرًا لله - تعالى - فلما وقع في بطن الحوت قال الله تعالى: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ

} الآية وإِن فرعون كان عبدًا طاغيًا ناسيًا لذكر الله - تعالى - فلما أَدركه الغرق قال: {آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} فقيل له: {آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} (2).

وكما اختلف المفسرون في كنه التسبيح اختلفوا في مقدار المكث، فقيل: أَربعون يومًا، وقيل: عشرون، وقيل: سبعة، وقيل: ثلاثة، وقيل: لم يلبث إلَاّ قليلًا ثم أُخرج من بطنه عقب الوقت الذي التُقم فيه.

روى عطاء أَنه حين ابتلع الحوت يونس أَوحى الله - تعالى - إلى الحوت: "إني جعلت بطنك له سجنًا ولم أَجعله لك طعامًا".

والمراد من الوحي إِلى الحوت إِلهامه، وحبس جهازه الهضمي عن هضمه، والله أَعلم.

(1) من الآية 87 من سورة الأنبياء.

(2)

الآية 90، 91 من سورة يونس.

ص: 452