المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌صحيح البخاري وأثره في حفظ الشريعة - موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين - ٤/ ١

[محمد الخضر حسين]

الفصل: ‌صحيح البخاري وأثره في حفظ الشريعة

‌صحيح البخاري وأثره في حفظ الشريعة

(1)

أنزل الله تعالى القرآن المجيد بدين قيم، وشريعة محكمة، وأمر رسوله الكريم - صلوات الله عليه - أن يبين للناس ما لم تصل إليه أذهانهم من معانيه السامية؛ فقال تعالى:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44]، ثم أمر الله تعالى بطاعة الرسول فيما يأمر به، أو ينهى عنه، وإن لم يرد أمره أو نهيه في صورة أنه بيان للقرآن، فقال تعالى:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

فدّلت الآيتان على أنّا مأمورون باتباع بيان الرسول للقرآن الكريم، واتباع ما يقرره من الأحكام، وإن لم يبد لنا وجه رجوعها إلى نص خاص من نصوص القرآن.

فمطلع الدين القيم، والشريعة السمحة: كتاب الله، وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وإكمال الدين الممتن به في قوله تعالى:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [المائدة: 3] إنما تحقق بنزول القرآن، وبما

(1) محاضرة الإمام في حفلة ذكرى الإمام البخاري التي أقامها نخبة من أبناء تركستان بالقاهرة. مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الثالث من المجلد الثامن عشر، رمضان 1364.

ص: 113

فصّله الرسول عليه الصلاة والسلام في أحاديثه من أحكام وآداب.

وقد تكفل الله تعالى بحفظ الذكر في قوله العزيز: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، ومن الجليّ أن الحكمة في حفظه إنما هي حفظ أصول الشريعة التي أراد الله تعالى أن تكون الشريعة العامة الخالدة، ومقتضى هذه الحكمة: أن يحفظ الله القرآن، ويحفظ السنّة التي تبين معاني بعض آياته، أو تقرر أحكامًا وأصولاً متممة للشريعة التي جاء لإقامتها.

ومن هنا عني الصحابة والتابعون رضي الله عنهم بحفظ السنة رواية وكتابة، ومنذ عهد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أقبل العلماء على جمع الأحاديث، وإخراجها في مؤلفات اختلفت أنظارهم في أساليبها، ولكنهم لم يقصدوا فيها إلى كتاب "الموطأ"، وقصد في تأليفه جمع أحاديث صحيحة مرفوعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأضاف إليها كثيراً من الأحاديث المرسلة أو المنقطعة، وكثيراً من إفراد الأحاديث الصحيحة عن غيرها، حتى جاء الإِمام مالك رضي الله عنه، وألّف أقوال الصحابة والتابعين وفتاواهم، وقد تتبع بعض أئمة الحديث تلك الأحاديث المرسلة أو المنقطعة، فوجدوها موصولة في روايات أخرى إلا أربعة أحاديث، ولم يترددوا في أن يقولوا: إن أول من ألف في الصحيح: مالك بن أنس، حتى قال الإِمام الشافعي رضي الله عنه: ما على ظهر الأرض كتاب بعد كتاب الله أصح من كتاب مالك.

ثم جاء الإِمام البخاري رضي الله عنه، فألف كتابه "الجامع الصحيح"، فكانت أحاديثه المرفوعة المتصلة الإسناد إلى النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أحاديث "الموطأ"، وما أودعه فيه من الأحاديث المرسلة أو المنقطعة، أو آثار الصحابة والتابعين أقلّ مما في كتاب "الموطأ".

ص: 114

* كيف تيسّر للإمام البخاري أن يؤلف هذا الجامع الصحيح:

نشأ الإِمام البخاري في عهد كان المقام الأسمى فيه لمن يتفقه في الدين، وكانت أمصار الإِسلام طافحة بأئمة الحديث وحفّاظه، فأقبل على رواية الحديث، وتلقى عن أئمة خراسان، ثم رحل إلى العراق والحجاز والشام ومصر، فلقي أئمتها وحفاظها، ولم يدخر جهداً في استقصاء ما عندهم من العلم، حتى تجمع له من الأحاديث ما لم يتجمع لغيره، وساعده على ذلك: سلامة الفطرة، وقوة الحافظة، وذكروا أنه روى عن أكثر من ألف شيخ، من بينهم: الإمام الحافظ علي بن المديني الذي قال فيه البخاري: "ما استصغرت نفسي إلا بين يدي علي بن المديني".

فلقاء البخاري في رحلاته بعدد كبير من حفاظ الحديث، مع صفاء ألمعيته، وقوة حافظته رفعه في علم الحديث والفقه إلى أن قال الإمام أحمد من شيوخه: ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل البخاري فقيه الأمة.

* سبب تأليفه:

قال البخاري: كنت عند إسحاق بن راهويه، فقال: لو جمعتم كتاباً مختصراً لصحيح رسول الله رضي الله عنه، فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع "الجامع الصحيح"، وابتدأ جمعه في المسجد الحرام، يدل لهذا قوله فيما روي عنه: صنفت كتابي "الجامع الصحيح" في المسجد الحرام، وما أدخلت فيه حديثاً حتى استخرت الله تعالى، وصليت ركعتين، وتيقنت صحته.

* حسن أسلوب "الجامع الصحيح"، ووجه تكراره للأحاديث:

اختلفت أساليب المصنفين في الحديث، فمنهم من رتبوا الأحاديث بالنظر إلى رواتها، وهي المسماة بالمسانيد؛ كما فعل الإمام أحمد بن حنبل

ص: 115

ومَن بعده، ومنهم من يرتبها على حسب الأماكن التي هي دليل عليها، فيضعون لكل حديث باباً يختص به؛ كباب الصلاة، والزكاة، كما فعل مالك في "الموطأ"، وانتهى الأمر إلى زمن البخاري، فسلك هذه الطريقة، ولكن كثرت الأحاديث المودعة في كتابه، فكان أكثر أبواباً من كتاب "الموطأ".

قال ابن خلدون: وجاء محمد بن إسماعيل البخاري إمام المحدثين في عصره، فخرج أحاديث السنّة على أبوابها في مسنده الصحيح بجميع الطرق التي للحجازيين والعراقيين والشاميين، واعتمد منها ما أجمعوا عليه دون ما اختلفوا فيه، وكرر الأحاديث، يسوقها في كل باب بمعنى ذلك الباب الذي تضمنه الحديث، فتكررت لذلك أحاديثه.

قالوا: لمسلم فضل، قلت البخاري أعلى

قالوا: المكرر فيه، قلت المكرر أحلى

* جمعة بين الرواية والتفقه في الحديث:

لم يقتصر البخاري على رواية الحديث كما يفعل كثير من المؤلفين في الحديث، بل جعل من مقاصد "جامعه": التفقه في أحاديثه، والنزوع إلى استنباط الأحكام والآداب، كما يشير إلى ذلك بالتراجم التي يضعها في صدور الأبواب، وهذا القصد قد سبقه إليه الإِمام مالك في "موطئه"، ولكن البخاري قطع فيه مراحل بعيدة على حسب كثرة ما جاء في "جامعه" من الأحاديث.

* استحسان شيوخه وغيرهم له عند عرضه عليهم:

لما صنف البخاري هذا الجامع، عرضه على علي بن المديني، وأحمد ابن حنبل، ويحيى بن معين، وغيرهم، فاستحسنوه، وشهدوا له بالصحة إلا

ص: 116

أربعة أحاديث، قال العقيلي: والحق فيه مع البخاري فهي صحيحة. واستحسان شيوخ المؤلف للكتاب، وشهادتهم له بالصحة، وسيلة كبرى لرواج الكتاب، وتنافس الناس في الإقبال عليه.

* تضافر العلماء من بعد على صحته، وترجيحه على غيره من كتب الحديث:

قال المحدثون: صحيحا البخاري ومسلم أصحّ الكتب بعد كتاب الله، وقالوا: إن كتاب البخاري أصح من كتاب مسلم، وما ينفرد به البخاري أصح مما ينفرد به مسلم.

وقال الأصوليون: إذا تعارض حديثان، أحدهما في صحيح البخاري، والآخر في غيره من كتب الحديث، رجّح الحديث المروي في صحيح البخاري.

ومما ساعد البخاري على تحري الصحة في جامعه: أنه أخذ عن علي ابن المديني، وقد أجمعوا على أنه أعلم أقرانه بعلل الحديث، وأخذ عن محمد بن يحيى الذهلي، وكان أعلم أهل عصره بعلل الحديث.

وقال ابن الصلاح: "وقد أجمعت الأمة على تلقي هذا الكتاب بالتسليم والقبول لصحة جميع ما فيه".

وقال بعض أهل العلم: من حلف على صحة جميع ما في البخاري، كان باراً في يمينه.

* إقبال الناس على روايته ودراسته:

امتياز "الجامع الصحيح" بالصحة والرجحان على غيره، جعل الناس يقبلون على روايته بلهف، فقد ذكر الفربري الذي هو أحد رواة الجامع عن البخاري: أن الجامع سمعه من البخاري تسعون ألفاً، وإذا رأينا أكثر الروايات للجامع الصحيح تنتهي إلى أبي عبد الله محمد بن يوسف الفريري عن البخاري،

ص: 117

فلأن الفريري سمع "الجامع الصحيح" من البخاري مرتين: مرة بفرير ومرة ببخارى، وتعد روايته أضبط الروايات.

ولثقة الناس بصحته، وعظم ما يقتبسونه من فوائده، ترى رجالاً يقرؤونه المرة بعد المرة في غير سآمة، فهذا غالب بن عطية الغرناطي يقول: كررت البخاري سبع مئة مرة. وذلك محدث اليمن سليمان بن إبراهيم العلوي يتحدثون عنه أنه أتى على البخاري نحو من مئتي مرة، قراءة وإقراء.

وأصحّ نسخة للجامع الصحيح اعتمد عليها المغاربة: نسخة برواية أبي عمران موسى بن سعادة، سمعها على أبي علي الصدفي نحو ستين مرة، وأبو علي الصدفي روى "الجامع الصحيح" عن أبي الوليد الباجي، والباجي رواه من أبي ذر رضي الله عنه.

* إقبال الناس عليه بالشرح والتعليق:

ولبلوغ "الجامع الصحيح" في الصحة الغاية، أقبل العلماء على اختلاف مذاهبهم على شرحه، والتعليق على المواضع المشكلة منه؛ كابن بطّال، وابن المهلب، وابن التين، والكرماني، وابن حجر، والليثي، والقسطلاني، والشيخ زكريا، وغيرهم.

ولم يستوف أكثر هؤلاء المصنفين ما يستحقه الكتاب من الشرح؛ إذ يحتاج شارحه- كما قال ابن خلدون- إلى معرفة الفرق المتعددة ورجالها من أهل الحجاز والشام والعراق، ومعرفة أحوالهم، واختلاف الناس فيهم، ولذلك يحتاج إلى إمعان النظر في التفقه في تراجمه؛ لأنه يترجم الترجمة، ويورد فيها الحديث بسند أو طريق، ثم يترجم أخرى، ويورد فيها ذلك الحديث بعينه؛ لما تضمنه من المعنى الذي ترجم به الباب، إلى أن يتكرر

ص: 118

الحديث في أبواب كثيرة بحسب معانيه واختلافها، ثم قال:"ومن شرحه، ولم يستوف هذا فيه، فلم يوف حق الشرح؛ كابن بطال، وابن المهلب، وابن التين، ونحوهم، ولقد سمعت كثيراً من شيوخنا يقولون: شرح كتاب البخاري دين على الأمة، يعنون: أن أحداً من علماء الأمة لم يعرف ما يجب له من الشرح بهذا الاعتبار".

وقال بعضهم: "لعل ذلك الدين قُضي بشرحي ابن حجر العسقلاني، والعيني".

وأشار الشوكاني إلى أن في شرح ابن حجر المسمّى "فتح الباري" كفاية، فأجاب حين طلبوا منه وضع شرح للبخاري بقوله:"لا هجرة بعد الفتح".

* أثره في تثبيت دعائم الإِسلام:

للجامع الصحيح أثر كبير في توطيد أركان الشريعة، وحمايتها من أن تعبث بها أصابع الجاحدين، يشهد بهذا وجوه كثيرة.

ومن هذه الوجوه: أن الأحاديث الضعيفة لا يعتمد عليها في استنباط الأحكام العملية، وتلقي الأمة للجامع الصحيح بالقبول والتسليم، يجعل أحاديثه كلها صالحة لأن يحتج بها في تقرير الأحكام العملية، فالجامع الصحيح وضع أمام الباحثين عن أحكام الشريعة جانباً عظيماً من الأحاديث التي لا يترددون في صحتها، ولا يشتبه عليهم الحال في عدالة رجالها.

ومن هذه الوجوه: أن بقية الكتب الستة التي أصبحت مدار علوم الحديث؛ كصحيح مسلم، وسنن الترمذي إنما ظهرت بعد الجامع الصحيح، وكان له أثر في توجيه مؤلفيها، وإجادة سندهم في تأليفها.

قال الدارقطني: لولا البخاري، لما ذهب مسلم ولا جاء.

ص: 119

وقال الحاكم: رحم الله محمد بن إسماعيل الإمام، فإنه الذي ألف الأصول، وبين للناس، وكل من عمل بعده، فإنما أخذ من كتابه.

وقال الإسماعيلي في "المدخل" بعد أن مدح البخاري في صنيعه، وذوقه: نحا نحوه في التصنيف جماعة، وذكر منهم: مسلم بن الحجاج، وقال: وكان يقاربه في العصر، فرام مرامه، وكان يأخذ عنه، أو عن كتبه.

ومن هذه الوجوه: أن بعض المجتهدين قد يسبق إلى استنباط حكم، ويتخذه مذهبًا، فإذا اطلع أتباعه على حديث في الجامع الصحيح ينافي ذلك الحكم، بينوا أن ذلك الاستنباط غير صائب، وتحولوا إلى الاقتداء بالحديث الصحيح، وكل إمام يقول:"إذا صح هذا الحديث، فهو مذهبي".

ومن هذه الوجوه: أن العلماء، بناء على شهرة الجامع الصحيح، وسمو مكانته في الصحة، وجهوا أنظارهم إلى البحث عن مرامي أحاديثه، والكشف عن أسرارها، وإيضاح ما أشكل منها، فجمعوا حول أحاديثه، وما يتصل بها من الآثار علماً غزيرًا، ومن هنا كانت شروحه من أقرب المراجع إلى أيدي الباحثين عن أحكام الشريعة وآدابها، وأفسحها مجالاً لمسائل الخلاف التي منشؤها التفقه في الحديث.

ومن هذه الوجوه: أن نفراً من زائغي العقيدة يحاولون اليوم وقبل اليوم أن يطرحوا السنّة النبوية من أصول الشريعة؛ بزعم أن الأحاديث غير ثابتة الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، ووجود الجامع الصحيح، وهو كتاب عرفه المسلمون بصحة السند، وأجمعوا على تلقيه بالقبول، يدفع هذا الزعم، ويكشف عن جهل صاحبه، أوسوء طويته.

وأذكر عقب هذا: أن الجامع الصحيح ساعد على حفظ اللغة العربية،

ص: 120

وإقامة قواعدها من وراء مساعدته على حفظ الشريعة وتأييد دعائمها؛ فإن ما في كتاب البخاري من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وأقوال الصحابة والتابعين يصح أن يستشهد به في اللغة، على ما بسطناه في رسالة قدمناها إلى المجمع، ونشرت في مجلته (1).

(1) انظر كتاب الإمام: "دراسات في العربية وتاريخها" كما نشر البحث في مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة - الجزء الثالث.

ص: 121