الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
السُّنّة والبدعة
(1)
شرع الله الدين الحنيف في سماحة وحكمة، فلم يأت بما فيه حرج، أو بما ينبو العقل السليم عن قبوله، وكانت هذه السماحة والحكمة من أسباب انتشاره في المعمورة، وظهوره على الأديان كلها في أعوام معدودة، وحيث بلي بعض الشرائع من قبل، فدخلها فساد التبديل والتأويل، اشتدت عناية الشارع بتحذير الناس من أن يحدثوا في الإِسلام ما ليس منه. قال صلى الله عليه وسلم:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رَدّ"(2) وقال: "كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة"(2).
ولم يخلص الدين - مع هذه الزواجر - من طوائف يلصقون به ما ينافي سماحته، أو ما يشوّه وجه حكمته، وقد كئرت هذه البدع حتى حجبت جانباً من محاسنه، وكان لها أثر في تنكر بعض القلوب لهدايته، وهذا ما حمل كثيراً من أهل العلم على أن يتناولوا البدع بالتأليف خاصة؛ كما فعل أبو بكر الطرطوشي، وأبو إسحاق الشاطبي، وغيرهما من رجال الدين.
وللبحث في البدع مجال واسع، ونحن نلم في هذا المقال بالقدر الكافي لإجابة رسائل اقترح أصحابها على المجلة بيان ما هو سنّة، وما هو بدعة،
(1) مجلة "نور الإسلام"- الجزآن الثامن والتاسع من المجلد الثاني، شعبان 1350 هـ.
(2)
"صحيح الإِمام البخاري".
وفي الفرق بين السنّة والبدعة، وتمييز البدعي من السني إصلاح كبير.
* السنَّة:
معنى السنّة في أصل اللغة: الطريقة، حسنة كانت أم سيئة، وقد تطلق على ما يقابل القرآن، فيراد بها: قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعلُه وتقريره، ويطلقها الفقهاء على ما يثاب على فعله، ولا يعاقب على تركه مما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وواظب عليه، وتطلق على ما يقابل البدعة، فيراد بها: ما وافق القرآن، أو حديث النبي عليه الصلاة والسلام من قول أو فعل أو تقرير، وسواء كانت دلالة القرآن أوالحديث على طلب الفعل مباشرة، أو بوسيلة القواعد المأخوذة منهما، وينتظم في هذا السلك: عمل الخلفاء الراشدين، والصحابة الأكرمين؛ للثقة بأنهم لا يعملون إلا على بينة من أمر دينهم.
قال عمر بن عبد العزيز: "سنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاةُ الأمور بعده سنناً، الأخذُ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، من عمل بها مهتدٍ، ومن خالفها، اتبع غير سبيل المؤمنين".
أما دلالة القرآن، أو قول الرسول صلى الله عليه وسلم على أن الأمر مشروع، فواضحة، ولا شأن للمجتهد في صيغ الأوامر إلا أن يتفقه فيها حتى يحملها على الوجوب أو الندب، ويتدبر أمرها فيما إذا عارضها دليل آخر؛ ليقضي بترجيح أحدهما على الآخر، أو يفصل في أن هذا ناسخ لذاك، وطرق الترجيح أو الحكم بالنسخ مقررة في كتب الأحكام.
والذي يستدعيه البحث في هذا المقال: أن نحدثك عن فعله عليه الصلاة والسلام وإقراره، حتى تعلم الضرب الذي كان لنا فيه أسوة حسنة، وسنّة قائمة:
من أفعاله عليه الصلاة والسلام ما يصدر عن وجه الجبلّة أو العادة؛ كالقيام والقعود والاضطجاع، والأكل والشرب واللبس، وهذا الضرب غير داخل فيما يطلب فيه التأسي، وغاية ما يفيده فعله عليه الصلاة والسلام لمثل هذه الأشياء: الإِباحة، فإذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو قام في مكان أو زمان، أو ركب نوعاً من الدواب، أو تناول لوناً من الأطعمة، أو لبس صنفًا من الثياب، فلا يقال فيمن لم يفعل شيئاً من ذلك: إنه تارك للسنّة.
ومن أفعاله عليه الصلاة والسلام ما علم اختصاصه به؛ كالوصال في الصوم، والزيادة في النكاح على أربع، ولا نزاع في أن مثل هذا ليس محلاً للتأسي، وما كان لأحد أن يقتدي به فيما هو من خصائصه.
ومنها: ما عرف كونه بياناً للقرآن؛ كقطعه يد السارق من الكوع بياناً لقوله تعالى: {فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38]، وحكم الاقتداء به في هذا حكم المبين من وجوب أو استحباب.
ومنها: ما لم يكن جبليّاً، ولا خصوصية، ولا بياناً، وهذا إذا علمت صفته في حقه عليه الصلاة والسلام من وجوب أو ندب أو إباحة، فأمته متابعة له في الحكم؛ إذ الأصل تساوي المكلفين في الأحكام.
فإن فعل صلى الله عليه وسلم أمراً، ولم يقم دليل خاص على أنه فعله على سبيل الوجوب أو الندب أو الإباحة، فهذا إما أن يظهر فيه معنى القربة؛ كافتتاحه الرسائل بكلمة:"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، فيحمل على أقل مراتب القرب، وهو الندب، وإما أن لا يظهر فيه معنى القربة، فيدل على أنه مأذون فيه، ومن أهل العلم من يذهب به مذهب المندوب إليه؛ نظراً إلى أنه عليه السلام مشرعّ، فالأصل في أفعاله التشريع، ومثال هذا: إرساله عليه الصلاة والسلام -
شعر رأسه الشريف إلى شحمة الأذن، وهو عمل لا يظهر فيه معنى القربة، ولكن بعض أهل العلم؛ كالقاضي أبي بكر بن العربي، وأبي بكر الطرطوشي جعلوه من مواضع الاقتداء، ورأى آخرون أن هذا محمول على العادة، فإذا جرت عادة قوم بنحو الحلق، فلا يوصفون بأنهم تركوا ما هو سنّة.
ومما يشبه إرسال الشعر إلى الأذن: إرساله عليه الصلاة والسلام ذؤابة من العمامة، وهي المسماة:"العذبة"، وقد ورد في حديث عمرو بن حريث في فتح مكة:"كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفها بين كتفيه"(1)، وحديث ابن عمر: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتم، سدل عمامته بين كتفيه (2).
وإذا كان إرسال ذؤابة من العمامة مما لا يظهر فيه معنى القربة، يكون موضعًا لاختلاف أهل العلم، فمنهم من يجعله من قبيل ما يتأسى به، وإلى هذا يجنح أبو بكر بن العربي، وقد روى الترمذي عن ابن عمر، وسالم، والقاسم: أنهم كانوا يفعلونه. ومنهم من يراه من قبيل العادة، فلا يعد المتعمِّم من غير عذبة تاركًا لسنّة، وهذه وجهة نظر من لم يكن يرسل العذبة من السلف، قال الإمام مالك: إنه لم ير أحداً يفعله إلا عامر بن عبد الله بن الزبير (3).
وقد يتقارب الحال في بعض الأفعال، فلا يظهر جلياً أهو عادة، أم شريعة؟ فتتردد فيه أنظار المجتهدين؛ نحو: جلسة الاستراحة عند قيامه
(1) أخرجه مسلم.
(2)
أخرجه الترمذي، والنسائي.
(3)
باب: العمائم في "فتح الباري".
للثانية أو الرابعة، فذهب بعضهم إلى أنه لم يفعلها على وجه القربة، فلا تدخل في قبيل السنّة، وعدّها طائفة فيما يستحب من أعمال الصلاة.
ومما لم يظهر فيه معنى القربة: تقديم اسمه عليه الصلاة والسلام في الرسائل على اسم المرسل إليه، ولهذا لم يحافظ عليه بعض السلف محافظتهم على ما يفهمون فيه معنى القربة، فأجازوا تأخير اسم المرسل على اسم المرسل إليه، وسئل الإمام مالك عن ذلك، فقال: لا بأس به، بل روى أن ابن عمر - وهو من أشد الناس محافظة على السنّة - قد كتب إلى معاوية، ثم إلى عبد الملك بن مروان، وقدم اسميهما على اسمه (1).
* تركه:
وكذلك يفصل القول في تركه عليه الصلاة والسلام لبعض الأشياء، فما يتركه من أجل كراهته له جبلَّة؛ كما امتنع من أكل الضب، ولما قال له خالد بن الوليد: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: "لا ولكنه لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه" وليس تركه صلى الله عليه وسلم للشيء على هذا الوجه من مواضع التأسي، وشاهده أن خالدًا رضي الله عنه سمع هذا الجواب، وما لبث أن جرّ إليه الضب، فأكله.
ويجري على هذا النحو ما يتركه صلى الله عليه وسلم لتحريم يختص به؛ كتركه أكل الثوم وما شاكله من كل ذي رائحة كريهة، فلغيره من المسلمين تناوله، ولا يكون بتناوله هذا خارجاً عن حدود قوله تعالى:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21].
(1) رواه البخاري في "الأدب المفرد" بسند صحيح.
فإن لم يكن تركه عليه الصلاة والسلام من ناحية الجبلّة، ولم يثبت أنه كان لمنع يختص به، فإن علم حكم هذا الترك في حقه من حرمة أو كراهة، كانت الحرمة أو الكراهة شاملة لأمته؛ بحجة أن الأصل عدم الخصوصية، فإن ترك عليه الصلاة والسلام أمراً، ولم يعلم حكم هذا الترك، دلّ على عدم الإذن: في الفعل. وأقل مراتب عدم الإذن: الكراهة، فيحمل عليها حتى يقوم الليل على ما فوقها، وهو التحريم.
وإذا ترك صلى الله عليه وسلم الأمر لمانع من الفعل يصرح به، أو يفهمه المجتهد بطريق الاستنباط، ثم يزول هذا المانع، فإنه يصح النظر بعد في أمر المتروك، ويجري حكمه على ما تقتضيه أصول الشريعة؛ كما ترك صلى الله عليه وسلم صلاة القيام في رمضان جماعة، وذكر أن المانع من استمراره عليها: خوف افتراضها عليهم، ولما انقطع الوحي بانتقاله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، ارتفع المانع من صلاة التراويح جماعة؛ وهو خوف الافتراض، فلم يبق في تركها موضع للتأسي، ولذلك رجع بها عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الأصل الذي هو فعل النبي صلى الله عليه وسلم لها في جماعة.
ومن هذا الباب: تركه صلى الله عليه وسلم لقتل حاطب بن أبي بلتعة حين اطلع له على كتاب أرسله إلى قريش يخبرهم فيه ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال ردًا على عمر بن الخطاب إذ قال له: دعني أضرب عنق هذا المنافق: "إنه قد شهد بدراً، وما يدريك لعلّ الله اطلع على من شهد بدراً، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم"(1)، ففي ظاهر الحديث تعليل عدم قتله بشهوده واقعة بدر، فمن لم تتحقق فيه هذه المزية ممن يتجسسون على المسلمين،
(1)"صحيح الإمام البخاري".
ويبلغون أخبارهم للمحاربين، يبقى أمره موكولاً لاجتهاد الإمام؛ ليجازيه بما تقتضيه المصلحة، ولو بالإعدام، وهذا ما يقوله إمام دار الهجرة مالك ابن أنس رحمه الله.
وإذا ترك صلى الله عليه وسلم أمراً لم يظهر في عهده ما يقتضي فعله، ثم طرأ حال يجعل المصلحة في الفعل، ارتفع طلب التأسي في الترك، وأصبح ذلك الأمر مجالاً لنظر المجتهد، حتى يفصل له حكماً على قدر المصلحة الداعية إلى فعله. ومثال هذا: أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يجمع القرآن في مصحف؛ إذ لم يظهر في عهده ما يدعو إلى هذا الجمع، ولكن كثرة من قتل في حرب أهل الردة من القرّاء أثارت الخوف على القرآن من الضياع، ورأى الخليفة الأول صحة الجمع لهذا المقتضى الذي لم يكن في عهد الوحي قائماً.
ولا يدخل في الترك الذي نتحدث عنه عدم فعله صلى الله عليه وسلم لأمور لم تكن وسائلها قد تهيأت، ولا الفنون التي يتوقف عليها إنشاؤها قد ظهرت، فلا يخطر على البال أن نمنع من وضع آلات تعرف بها الأوقات في المساجد، ونستند في هذا المنع إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل هذا في مسجده الشريف. وليس من الفقه أن نرد الخبر بثبوت شهر رمضان يأتي على طريق البرق أو المسرّة (1)؛ بدعوى أن الأخذ به مخالف للسنّة؛ إذ لم يأخذ النبي صلى الله عليه وسلم في إثبات الشهر إلا بشهادة يؤديها من في حضرته. وإنما يعد مثل هذا من قبيل المسكوت عنه، فلأهل العلم أن يتناولوه بالاجتهاد، ويلحقوه بالأصل الذي يصح تطبيقه عليه.
(1) المسرة: الهاتف.
والترك الذي يدل على عدم الإذن هو ما يروى في لفظ صريح؛ كتركه عليه الصلاة والسلام الأذان والإقامة ليوم العيد، وتركه غسل شهداء أحد، والصلاة عليهم. ويلحق بهذا: تركه الذي لم ينقل بلفظ صريح، ولكنه يفهم من عدم نقلهم للفعل الذي شأنه أن تتوفر الدواعي على نقله لو وقع. فيصح لنها أن نقول: من السنّة ترك رفع الأصوات بالذكر أمام الجنازة، ويكفي في الاستشهاد على أن السنّة ترك هذا الرفع: عدم نقلهم لفعله، وهو من الأمور التي لو فعلت، لتوفرت الدواعي على نقلها.
وقد وردت أحاديث دلت على أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتركون الأمر لمجرد ترك النبي صلى الله عليه وسلم له؛ كما ورد أنه عليه الصلاة والسلام خلع نعله في صلاة، فخلعوا نعالهم حتى أخبرهم بعدُ بأنه عَلِمَ من طريق الوحي أن بالنعل نجاسة (1).
ومن شواهده: أنه كان عليه الصلاة والسلام اتخذ خاتماً من الذهب، فاتخذوا خواتيم من ذهب، ثم نبذه، وقال:"إني لن ألبسه أبدًا" بها، فنبذوا خواتيمهم (2).
ومن عرف مسابقة الصحابة رضي الله عنهم إلى الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى في ترك المكروه، لم يجد في أمثال هذا الحديث دليلاً كافيًا على أن تركه عليه الصلاة والسلام للشيء، يحمل على أشد مراتب النهي، وهو التحريم. وحرمة استعمال خاتم الذهب مأخوذة من الأحاديث الدالة على حرمة استعمال الذهب زينة للرجال.
(1) رواه الإمام أحمد، وأبو داود.
(2)
صحيح الإمام البخاري.
* تقريره:
من مقتضى ما تقرر من عصمته صلى الله عليه وسلم، وأمانته في التبليغ: أن لا يقر أحداً على أمر غير مأذون فيه شرعاً، فيكون إقراره للأمر دليلاً على أنه لا حرج في فعله، سواء شاهده بنفسه فسكت، أو بلغه فلم ينكره. وما لا حرج فيه يشمل: الواجب، والمندوب، والمباح، فيحمل على أقل مراتبه، وهو الجواز، حتى يقوم الدليل على الندب أو الوجوب، ولا يدل الإقرار على جواز الفعل في حق من أقره النبي صلى الله عليه وسلم وحده، بل يكون الجواز حكماً شاملاً لجميع المكلفين؛ أخذًا بالأصل الذي هو استواء الناس في أحكام الشريعة. فليس لأحد أن يعد اللعب في المسجد بالسلاح تمرينًا على الحرب أمراً مخالفاً للسنّة، بعد أن ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر الحبشة على اللعب في مسجده بالحراب. وليس لأحد أن ينكر على المعتدة عدة وفاة إذا خرجت للاستفتاء، بعد أن ثبت أن قريعة بنت مالك خرجت بعد وفاة زوجها تستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في موضع العدة، فقال لها:"امكثي حتى تنقضي عدتك"، ولم يتعرض لخروجها بإنكار.
ويتصل ببحث السنّة مسألتان جرى فيهما اختلاف علماء الشريعة:
إحداهما: ما يقوم الدليل على أنه سنّة، ثم يتهاون فيه الناس، ولا يحتفظ به إلا فريق عرفوا باسم المبتدعة من ناحية اعتقاد أو عمل. وقد ذهب بعض الفقهاء إلى ترك هذه السنة احتراساً من التشبه بالمبتدعة. وضرب المثل لهذا بتسطيح القبور، والتختم باليمين، والحق أن محافظة بعض المبتدعة على سنّة حتى تفسير شعاراً لهم لا يخرجها عن حقيقة السنّة، ولا يزال خطاب الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم فيها متوجهاً إلى أولئك الذين تركوا السنّة حتى يعودوا إليها.
ثانيهما: ما يخشى من فعله اعتقاد العامة لوجوبه؛ فقد راعى بعض الأئمة مفسدة اعتقاد العامة لوجوب ما هو مندوب إليه؛ كما ذهب الإِمام مالك إلى كراهة صوم ستة أيام من شوال، مع صحة الحديث الوارد في فضله؛ خشية أن يعتقد العامة وجوبها.
قال أبو إسحاق الشاطبي: والذي خشي منه مالك وقع في المعجم، فصاروا يتركون المسحرين على عادتهم والبواقين.
وكذلك قال أبو إسحاق المروزي من أصحاب الإِمام الشافعي: لا أحب أن يداوم الإِمام على مثل أن يقرأ كل يوم جمعة بسورة الجمعة ونحوها؛ لئلا يعتقد العامة وجوبه، والجمهور لا يقيمون للخوف من اعتقاد العامة وزنًا. والتبعة في مثل هذا على أهل العلم؛ إذ هم المطالبون بتعليم الناس آداب دينهم، وهدايتهم إلى سبيل ربهم، وانظروا إلى ما صنع عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قبّل الحجر الأسود، وقال:"إني أعلم أنك لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبّلك، ما قبّلت"(1)؛ فقد جمع بين الأخذ بالسنة، ودفع ما عساه يخطر في أذهان العامة من اعتقاد فاسد.
* البدعة:
البدعة في اللغة: الأمر المحدث على غير مثال، محموداً كان الأمر أم مذموماً، ووردت البدعة في لسان الشارع، فذهب الفقهاء في الحديث عنها مذهبين:
أحدهما: مذهب من يتوسع في معناها، فيحملها على ما أحدث بعد
(1)"صحيح الإمام البخاري".
عهد النبوة، سواء أكان راجعاً إلى العبادات، أم المعاملات، وسواء أكان حسناً، أم قبيحاً.
قال الإِمام الشافعي رضي الله عنه: المحدثات من الأمور ضربان: أحدهما: ما أحدث يخالف كتاباً، أو سنّة، أو أثراً، أو إجماعاً، فهذه البدعة الضلالة. والثاني: ما أحدث من الخير، وهذه محدثة غير مذمومة.
وعلى هذه الطريقة جرى عز الدين بن عبد السلام؛ إذ قسم البدعة إلى: واجبة؛ كوضع علم العربية وتعليمه، ومندوبة؛ كإقامة المدارس، ومكروهة؛ كتزويق المساجد، ومحرمة؛ كتلحين القرآن بحيث تتغير ألفاظه عن الوضع العربي، ومباحة؛ كوضع الأطعمة على الموائد ألواناً.
ثانيهما: مذهب من يفسر البدعة بالطريقة المخترعة على أنها من الدين، وليست من الدين في شيء، فهي مذمومة في كل حال، ولا يدخل في حقيقتها واجب أو مندوب أو مباح، وعلى هذا المعنى ورد قوله صلى الله عليه وسلم:"وكل بدعة ضلالة"، وهذا ما يريده الإِمام مالك رضي الله عنه في قوله:"من ابتدع في الإِسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمداً صلى الله عليه وسلم خان الرسالة؛ لأن الله تعالى يقول: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [المائدة: 3] ".
وأصحاب هذه الطريقة يحملون قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في صلاة التراويح: "نعمت البدعة هذه" على معنى: البدعة في اللغة؛ كما أن أصحاب الطريقة الأولى يذهبون في قوله صلى الله عليه وسلم: "وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة"(1) إلى أن المراد من المحدثة والبدعة: نوع خاص من المحدثات والبدع، وهو ما كان مخالفاً للكتاب والسنّة.
(1) أخرجه مسلم.
والابتداع إما إحداث أمر في الدين غير مشروع من أصله؛ كصلاة الرغائب في رجب، وصلاة ليلة عاشورإء. وإما زيادة على أمر مشروع؛ كالذكر يقرن بالرقص في حركات متطابقة. وإما نقص من المشروع؛ كالذكر باسم مفرد في رأي من يعده بدعة؛ نظراً إلى أن الوارد إنما هو ذكر الله بلفظ مركب مفيد. وإما تحويل المشروع عن موضعه؛ كتقديم خطبة العيد على صلاته.
ويدخل في البدع: كل عمل استند صاحبه في ابتداعه إلى حديث موضوع؛ كالرقص في حال الذكر الذي يروي فيه فاعلوه حديثاً موضوعًا هو: "أن النبي صلى الله عليه وسلم تواجد، واهتز حتى سقط الرداء عن منكبه"، أما الحديث الضعيف يدل على فضل عمل خاص، فينفي عن العمل اسم البدعة، بشرط أن لا يكون ضعيفاً جداً، وأن يشهد لما رغب فيه من العمل أصل عام من أصول الشريعة.
ويدخل في البدعة: ترك المأذون فيه على وجه التدين، وتسمى: البدعة التَّرْكية، وقد سدّت الشريعة الطريق دون هذه البدعة إذ همّ قوم أن يقعوا في خطيئتها، فقال تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} [المائدة: 87]، ولم تعدم هذه البدعة بعد نزول الآية أناساً يتعلقون بها، ويحسبون أنهم يتقربون إلى الله بالتزامها، وإنما انحدروا إليها من ناحية الزهد، وللزهد مواطن لا يدخل ترك الطيبات في حدودها.
دعي الحسن البصري إلى طعام، ومعه أصحابه، وفرقد السبخي (1)، فمَعدوا على المائدة، وعليها ألوان من الدجاج المسمن، والفالوذج، وغير ذلك، فاعتزل فرقد ناحية، فسأل الحسن: أهو صائم؟ قالوا: لا، ولكنه
(1) السبخة: موضع بالبصرة ينسب إليه فرقد؛ لأنه كان يأوي إليه.
يكره هذه الألوان، فأقبل الحسن عليه، وقال: يا فرقد! أترى لُعاب النحل بلُباب البر بخالِص السمن، يعيبه مسلم؟!
ومن البدع التي يلبسها بعض المتصوفة بدعوى الزهد: أثواب ينشئونها من قطع مختلفة، وتسمى: المرقعات.
قال القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب "العارضة": إن الثوب إذا خلق منه جزء، كان طرحُ جميعه من الكِبر والمباهاة والتكاثر في الدنيا. وإذا رقعه، كان بعكس ذلك كله، ورقع الخلفاء ثيابهم. والحديث مشهور عن عمر، وذلك شعار الصالحين، وسنة المتقين. حتى اتخذه الصوفية شعاراً،
فجعلته في الجديد، وإنشاء مرقعة من أصلها، وهذا ليس سنّة، بل هو بدعة عظيمة، داخل في باب الرياء، وإنما المقصود بالترقيع: الانتفاع بالثوب على هيئة البِلى.
ومن أقبح البدع: ما يوضع موضع سنّة؛ كالاستخارة بنحو المصحف والسبحة بدل الاستخارة الواردة في السنّة التي هي صلاة ركعتين بالفاتحة، - وسورتي: الكافرون، والإخلاص، ثم الدعاء "اللهم إني أستخيرك بعلمك إلخ"، ولو قال إنسان لآخر عند الملاقاة:(صباح الخير)، أو (أسعد الله صباحكم) - مثلاً - في موضع: السلام عليكم، لعد صنيعه هذا من قبيل وضع المحدث مكان السنّة. غير أن الفرق بين هذا المثال وما تقدمه: أن الاستخارة بنحو المصحف والسبحة ممنوعة في نفسها.
قال القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب "الأحكام" بعد أن تكلم على التعرض للغيب: فإن قيل: فهل يجوز طلب ذلك في المصحف؟ قلنا: لا يجوز؛ فإنه لم يتبين المصحف ليعلم به الغيب، إنما بينت آياته، ورسمت
كلماته؛ ليمنع عن الغيب، فلا تشتغلوا به، ولا يتعرض أحدكم له. وأما نحو:(أسعد الله صباحكم)، فإنما ينكر حيث يوضع موضع تحية الإِسلام، فلو أضيف إلى التحية الإسلامية، لم يكن إضافته إليها من بأس.
ومما يفعله بعض الناس بدل حكايته الأذان والدعاء "اللهم رب هذه الدعوة التامة
…
إلخ" الثابتين في الصحيح: أن يقول الشخص: "مرحبا بحبيبي وقرة عيني محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم"، ثم يقبل إبهاميه، ويجعلهما على عينيه، ولا نعلم لهذا الذي يفعلونه من سند يوثق به حتى يصح أن يقام مقام سنّة ثابتة.
ولا يدخل في البدعة ما يفتي به البالغ درجة الاجتهاد، وإن خالف الجمهور، وإنما هو رأي مرجوح، وآخر راجح، إلا أن تكون الفتوى مخالفة للنص الجلي من القرآن أو السنّة، أو القواعد القاطعة، أو الإجماع؛ فإن الفتوى تكون حينئذ زلة لا يصح البقاء عليها، أو المتابعة فيها.
والشاهد على ما نقول من أن الأعمال التي تستند إلى آراء اجتهادية - ولو كانت مرجوحة - لا تسمى بدعة: أن الأئمة المجتهدين يرون أقوال مخالفيهم بالنسبة إلى أقوالهم مرجوحة، ولا ينسبونهم إلى ضلال، ولا ينكرون على من يقتدي بهم في المذهب. وإجماعهم على أن حكم الحاكم يرفع الخلاف، شاهد على أن المجتهد لا يرى أن العمل يقول مخالفه بدعة، ولو كان في نظره بدعة، لما أفتى بإقراره، وهو يعلم أن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. فلا نسمّي الصلاة لغير الخسوف والكسوف؛ كالزلزلة، والربح الشديدة بدعة وضلالة، وصاحبها مبتدعاً ضالاً؛ لأنها مشروعة عند بعض الأئمة، وإن كانت أدلتهم فيما نرى، أو يرى الإِمام الذي تفقهنا على مذهبه،
واهية مرجوحة.
نقول هذا؛ تحذيراً من قوم لم يدرسوا أصول الدين، ولم يتعرفوا مقاصد الشريعة، ولمجرد ما يتلون آية أو حديثاً، ويبدو لهم - وهم أشباه العامة- أن ما يقوله الإمام فلان، أو الأئمة الأربعة مخالف للآية أو الحديث، يعجلون إلى الإنكار، ولا يبالون أن يسموا العمل على ما ظهر لهم من أنه مخالف لنص الكتاب أو السنّة، بدعة، وصاحبها مبتدعاً.
وإذا كان في أشباه العامة من يقرأ الحديث في "صحيح الإمام البخاري"، أو الإمام مسلم - مثلاً -، ولا يحسن أن يتفقه فيه على مقتضى أصول الشريعة، فيخف إلى الطعن في مذاهب الأئمة حتى ينبذها بلقب البدعة، فإن في المستضعفين من أهل العلم من يعمد إلى أعمال يبتدعها العامة مخالفة للنصوص الجلية أو القواعد القطعية، فيتطلب لها مخرجًا يبتغي بها مرضاتهم {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} [التوبة: 62].
ومن أضر البدع: ما يكون إتلافاً للمال، وإنفاقاً له في غير جدوى؛ كإيقاد الشموع على قبور الأولياء بقصد القربة. ومن أجلبها للخسار: ما يعوق عن فعل خير؛ كالاستخارات غير الشرعية، فقد يتفق لفاتح المصحف أن يقع نظره على آية فيها معنى النهي- مثلاً -، فيترك الأمر، ويكون في فعله - لو استشار، أو اعتمد على الاستخارة الشرعية - خير كثير.
ومن شرها: ما يفعل بدعوى القربة، ويكون في الواقع مثيراً للأهواء، مبعدًا للنفوس عن التقوى؛ كهذه الأشعار التي توصف فيها الخمور والغواني والغلمان. ولا يتحاشى فيها عن ذكر العشق والهجر والوصال والعيون والثغور والرضاب، ويتغنى بها في المجامع بزعم أنها كنايات، أو إشارات لها تعلق
بالحضرة الإلهية أو النبوية.
ومن أسوأ البدع: ما يضاهي به بعض طرق المخالفين؛ كهذا الذي يدعو إليه بعض الزائغين أو المغفلين من إقامة خليفة (روحي) لا جند له ولا سلاح، ولا يملك من تنفيذ الأحكام الشرعية قليلاً ولا كثيراً، يدعو إليه الزائغون؛ لأنهم يريدون اتخاذه رمزاً لفصل الدين عن السياسة، ويدعو إليه بعض المغفلين؛ لأنهم لم ينتبهوا لسريرة الزائغين، أو لما قصد الشارع في إقامة الخليفة من مصلحة اتحاد كلمة المسلمين، وتنفيذ أحكام شريعته الغراء، وإنما يتحد المسلمون تحت راية من يحترمونه؛ لعدله، وجهاده في الحق جهادًا يطمس على أثر الباطل، وإنما يقيم أحكام الشريعة على وجهها من يكون في لسانه حجة، وفي يده قوة.
ومن البدع التي جاء الإسلام ليقتلعها من منبتها: أعمال يبنيها أصحابها على زعم أنها تقي من الجن، وليس بينها وبين هذه الوقاية من صلة؛ كذبح حيوان، أو صنع طعام؛ باعتقاد أنه يجلب رضاهم، ويكون سبباً لدفع ضرر يتوهم أنه يجيء من ناحيتهم.
ذكر لابن شهاب: أن إبراهيم بن هشام المخزومي أجرى عينًا، فقال له بعض المهندسين عند ظهور الماء: لو أهرقت عليها في دمًا، كان أحرى أن لا تغيض، ولا تفور فتقتل من يعمل فيها، فنحر جزائر (1) حتى جرى الماء مختلطًا بالدم، وأمر فصنع له ولأصحابه منه طعام. فقال ابن شهاب: أما بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يذبح للجن؟
وقد عرفت أن ترك السنّة لا يستدعي فعل بدعة، إلا أن تترك السنّة
(1) جمع جزور، وهي الناقة المجزورة؛ أي: المنحورة.
على اعتقاد أن خير الدين في تركها، فيكون من قبيل البدعة التركية؛ كمن يترك الصلاة في جماعة بدعوى أن صلاته في حال انفراد أجمعُ للقلب، وأدعى للخشوع. أما من ترك السنّة لغرض دنيوي، فلا يسمى لمجرد تركه السنّة مبتدعاً، كما اعتاد الناس ترك تشميت (1) الرؤساء مهابة لهم، ولو حمدوا الله تعالى بعد العطاس.
عطس المأمون مرة في محضر جماعة، فلم يشمته أحد، فقال لهم: لماذا لم تشمتوني؟ قالوا: هبناك، فقال: لا خير في مهابة تحرمني من رحمة الله. وإنما أمات هذه السنّة في مجالس الرؤساء استنكاف بعضهم من الرد على من يشمتهم، وما كان لهم أن يستنكفوا.
وإذا كانت البدع تشوه وجه الدين الحنيف في نظر من يجهلون حقائقه، فضلاً عما تجره من المفاسد العظيمة والمآثم، فمن الواجب على أهل العلم أن يحاربوها بما استطاعوا، وعلى القوة الحاكمة أن تشد أزرهم في تغييرها. وكثير من البدع لا تقتلع عروقها، ويطمس على آثارها إلا أن تتعاضد القوتان العلمية والتنفيذية على إماتتها.
قال عز الدين بن عبد السلام في رسالة (2) أنكر فيها بدعة صلاة الرغائب: "ولما صح عند الملك الكامل رحمه الله أنها من البدع المفتراة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبطلها من الديار المصرية، فطوبى لمن تولى شيئاً من أمور المسلمين، فاعان على إماتة بدعة، أو إحياء سنّة".
(1) تشميت العاطس: الدعاء له.
(2)
أوردها ابن السبكي في "طبقات الشافعية"(ج 4 ص 105).