الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الإذن في السكوت عن الدعوة
إنما تسقط فريضة النصح والدعوة إلى الحق في موضعين:
أحدهما: أن ينشأ عن الأمر أو النهي مفسدة أعظم، وذلك ما تقتضيه قاعدة: ارتكاب أخفّ الضررين إذا تعارضا. ومن شواهده: أن النبي صلى الله عليه وسلم كره من الصحابة تناولهم الأعرابي حين أخذ يبول في المسجد، ونهاهم عن ذلك، وقال:"إنما بُعثتم ميسرين، ولم تُبعثوا معسرين"، فالبول في المسجد تلطيخ لمحل العبادة بنجاسة، وفي قطعه عمن شَرع فيه مفسدة أكبر منه، وهي ما يحدث عنه من علة في البدن. والنجاسة تزال بالماء. ومن العلل ما ينبو عنه رأي الطبيب، ويخونه فيه الدواء، واعتناء الإسلام بالمحافظة على سلامة الأبدان غير قليل.
ويماثل هذا: أن يكون صاحب الضلالة ممن يطغى على الداعي، ويستنكف أن يكون بمنزلة المصادر عن إرشاده أو تذكيره، فيأخذه الإعجاب بسطوته إلى ارتكاب جهالة أفظع من الأولى حتى يغيظ داعيه إلى الخير، ويتظاهر بالغلو في مخالفة أمره أو نهيه.
ولا يدخل في هذا القبيل أن تجري عادة العامة بترك سنّة، أو فعل بدعة، ويكون أمرهم أو نهيهم سبب ثورة لا تتجاوز القلم أو اللسان، فإذا شد المصلح قلبه بإخلاص، وتحرَّى الأدب جهده، فلا جرم أن يكون لدعوته
الأثر النافذ، والعاقبة الحسنة، وليس السكوت عن صنيعهم، أو التمحل في تأويله، والفتوى بصحته، إلا مداهنة وإيثاراً للخلق على الحق، ولا يلبس هذه الخصلة المنكرة إلا قصير النظر، أو ضعيف الإرادة.
ولا حقَّ لأحد في أن يكتم ما فرض الله معرفته معتذراً بالخوف من أن يقع المخاطبون في سوء فهم، أو اضطراب فكر؛ فإن هذا النوع من العلم لا تحار في إدراكه العقول، وإنما يقوم مثل هذا معذرة للسكوت عن الحق الذي لم يكلف الناس بعلمه، وهو المراد يقول الإمام علي - كرم الله وجهه -:"حدثوا الناس بما يفهمون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟! "، ومن هذا: حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا عائشة! لولا قومك حديثٌ عهدهم بكفر- وفي رواية "بجاهلية" -، لنقضتُ الكعبة، فجعلت لها بابين: باب يدخل الناس، وباب يخرجون"، والذي تحاماه صلى الله عليه وسلم أن يظن بعضهم - لقرب عهدهم بالإسلام - أنه غيّر بناء الكعبة لينفرد بالفخر عنهم.
ثانيهما: أن يوقعه الأمر أو النهي في بلاء، ويلحق به ضرراً فادحاً. وعدّ الإمام الغزالي من هذا البلاء: الاستخفاف به على وجه يزري بكرامته. وقد يكون هذا عذراً في صرف الدعوة عن طائفة خاصة عرف منها هذا الخلق اللئيم، ولا يصح أن يكون عذراً في الإحجام عن دعوة الأمة إلى صالح، وإن وجد فيها طائفة تطلق ألسنتها بسباب المصلحين، وتباهتهم في المجامع أو الصحف بغير حساب.
وقد اتخذ بعض المفسدين هذا السباب والمباهتة سلاحاً يشهرونه في وجوه من يعترضون دعايتهم بالإنكار، ولو كان مثل هذا الأذى يجيز لأهل
العلم أن يخلوا سبيلهم، ويغمضوا عن منكراتهم، لسرت تلك الدعاية سريان السم الناقع، ولوثت هذه الفطرة السليمة برجس الغواية، ولا مرية في أن بلية الإغواء أشد إيلاماً لعقلاء الأمة، وأسوأ عاقبة من أن تنهش أعراضهم بألسنة حداد.
ويرى الشيخ ابن عرفة: أن خوف العزل من المنصب لا يعد عذراً يسقط عن الرجل فريضة النهي عن المنكر، وإذا كان بعض من لا يرجون لله وقارًا، قد يدعوه الحرص على إحراز سمعة فاخرة إلى أن يذود عن المصلحة العامة، وبزدري الولاية، ولا يبالي أن يصبح عاطلاً من قلادتها، أفلا يليق بأهل التوحيد الخالص - ما داموا يستيقنون أن الله يرزق الداعي إلى الإصلاح من حيث لا يحتسب - أن يكون أزهد الناس في المنصب الذي يطوي ألسنتهم عن قول الحق، أو يحملهم على مجاراة رئيس لا ينهى النفس عن الهوى؟!.
فإذا اعتقد الداعي إلى الإصلاح بما يناله من عذاب وبلاء، فهو في سعة واختيار من تحمل الأذى، أو طلب السلامة، فإن شاء، أخذ بالعزيمة، ورفع صوته بالدعوة إلى الحق، وإن شاء، تمسك بالرخصة التي يتمسك بها المستضعفون من الرجال والنساء.
وقد آثر جماعة من علماء الإسلام؛ لقوة غيرتهم على العدل، وشدة رغبتهم في الصالحات، أن يأخذوا بالعزم، وبحافظوا على الجهر بالإرشاد، وإن كره المفسدون جهرهم، وأذاقوهم من ألوان جورهم عذاباً أليمًا.
ومن قصصهم في هذا الشأن: أن الملك إسماعيل والى الإفرنج، وسلَّم لهم "صيدا"، وغيرها من الحصون؛ لينجدوه على الملك نجم الدين أيوب،
فأنكر عليه الشيخ عز الدين بن عبد السلام هذه الفعلة الخائنة، فغضب عليه الملك، وعزله عن مناصبه، وأمر باعتقاله، ثم بعث إليه من يعده ويمنيه لعله يرجع عن إنكاره ويرضى، فجاءه الرسول وقال له: تعاد إليك مناصبك وزيادة، وما عليك إلا أن تنكسر للسلطان، وتقبل يده لا غير. وما كان جواب الشيخ إلا أن قال له: والله! ما أرضاه أن يقبّل يدي، فضلاً أن أقبَّل يده، يا قوم! أنتم في واد، وأنا في واد.