الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
علل إهمال الدعوة
ما بال الرجل يعرف مناهج الصلاح، ويبصر طائفة من قومه يتهافتون على عماية، أو يهيمون في جهالة، ولا تنهض به الهمة ليعمل على إفاقتهم من سكرتهم، وإراءتهم معالم فوزهم؟!.
أخذنا نبحث عن منشأ هذا التقصير، وندير النظر في البحث كرتين، فرأينا مدار علته الفاقرة على عشرة أسباب:
1 -
المداهنة، فمن أهل العلم من يرى ذا جاه أو رياسة يهتك ستر الأدب، أو يعثو في الأرض فساداً، فيتغابى عن سفهه أو بغيه، ويطوي دونه التذكرة والموعظة ابتغاء مرضاته، أو حرصًا على مكانة أو غنيمة ينالها على يديه. ومن البلية: أن المترفين، ومن بنحو نحوهم في الزيغ والغرور، لا يكتفون ممن يسوقه الزمن إلى نواديهم أن يسكت عن جهلهم، ويتركهم وشأنهم. وإنما يرضيهم منه: أن يزين لهم سوءَ عملهم، أو يرمقهم بعين مكحولة بتبسم الاستحسان، وهو أقل شيء يستحق به في نظرهم لقب كيِّس ظريف!.
والمداهنة خلق قذر، لا ينحط فيه إلا مَن خفَّ في العلم وزنه، أو من نشأ نشأة صغار ومهانة، وهذا تاريخ العلماء الراسخين ناطق بما كان لهم من الإقدام على وعظ الأمراء، والإنكار عليهم إذا أساؤوا التصرف، أو أهملوا.
قال عز الدين بن عبد السلام للملك نجم الدين أيوب في مجلس حافل برجال الدولة: يا أيوب! ما حجّتك عند الله إذا قال لك: ألم أبوّئ لك ملك مصر، ثم تبيح الخمور؟! فقال: هل جرى هذا؟ فقال: نعم، الحانة الفلانية يباع فيها الخمور وغيرها من المنكرات، وأنت تتقلب في نعمة هذه المملكة. فقال: هذا أنا ما عملته، هذا من زمان أبي. فقال: أنت من الذين يقولون: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ} [الزخرف: 23]، فرسم الملك بإبطال تلك الحانة (1).
نعلم أن السلطة السياسية تتتقل أطواراً، وأن موقف العلماء أمام الأمراء يختلف على قدر ما يكون للعالم من مكانة في قلوب الأمة، وعلى قدر ما يكون للأمير من حماقة أو أناة. واختلاف السياسة أطوارًا، أو اختلاف مواقف العلماء أمام الأمراء إنما يقتضي أن يكون لكل طور سياسي- أو لموقف كل عالم- أسلوب في الدعوة يطابق مقتضى الحال، أما أصل دعوة الأمراء إلى حق أو صالح، ففريضة قائمة، وعز الدين بن عبد السلام، وأحدُ علماء هذا العصر - في احتمال أمانتها، ووجوب تحرير الذمة بأدائها - على سواء.
2 -
ضعف الجأش، وقلة الصبر على المكاره، وهو خلق يقطع لسان صاحبه عن قول الحق؛ مخافة أن لا يرتضي بعض الناس قوله، فيضمروا له البغضاء، ويسوموه أذى أو تهمكاً:
وكم سقتُ في آثارهم من نصيحةِ
…
وقد يستفيد البغضة المتنصحُ
وقد تعرض الكتاب العزيز لخصلة الاستهزاء بالمرشدين، ونبه على
(1)"طبقات الشافعية" لابن السبكي.
أنها عادة مالوفة، وأذى يعترض في طريق كل مناد بالإصلاح، قال تعالى:{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (10) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الحجر 10 - 11].
وقد يقص علينا من بذائهم ومكرهم ما يصح أن يكون من حكمةِ تسلية الدعاة، وتأكيد عزمهم على مواصلة الدعوة، وقلة الاكتراث بما يلاقونه من شغب وإساءة، فإذا لقي رُسُل الله- عليهم السلام من سفهاء القوم أذى كثيراً، فأغمضوا عنه، وداسوه بأقدامهم، فلا يسع غيرهم ممن يريد الخير لأمته إلا أن ينصح لهم، ويفتح في طرق الهداية أبصارهم، ولا يبالي بمن ينغض إليه رأسه ساخراً، أو يطلق فيه لسانه لامزاً.
3 -
إن في الرؤساء من تجمح بهم أهواؤهم عن ناحية العدل، ولا يرقبون لفضيلة العفاف عهداً، فيكيدون لكل من شأنه الدعوة والإصلاح؛ لكيلا يتعرض لسيرتهم، أو يتطاول إلى نقد سياستهم. وهذا الضرب من الاستبداد يلقي في النفوس الضعيفة حذراً بالغاً، ويقلب العارفين بطرق الإصلاح إلى حال الغافلين عنه، فتراهم ينظرون إلى الفساد يتقلب في البلاد كأنهم لا يبصرون.
قد يعذر أمثال هؤلاء في عدم التعرض لأحوال الرؤساء المستبدين؛ حيث اعتقدوا أن خوضهم فيها يسوقهم إلى عقوبة لا طاقة لهم بها. ولا عذر لأحد في الصمت عن التذكير جملة إلا إذا بلغ هؤلاء المستبدون أن يضعوا عقوبتهم على ظهر كل من ينهى عن منكر، ولو لم يكن له صلة بسياستهم الجائرة، ولعلك لا تجد في أنباء الدول من يتخطبه شيطان الاستبداد حتى يسطو على كل من ينطق بالحكمة والموعظة، وواجب العلماء أن يقوموا
بالإصلاح والإرشاد في دائرة الإمكان.
4 -
أن يغلوَ العالم في الورع، فيأبى الذهاب إلى حيث يأمر بمعروف، أو ينهى عن منكرة حذراً من أن يغشى ناديَ منكر، أو يختلط بصاحب ضلالة.
حكى القاضي عياض في كتاب "المدارك": أن عضد الدولة فنا خسرو الديلمي بعث إلى أبي بكر بن مجاهد، والقاضي ابن الطيب ليحضرا مجلسه لمناظرة المعتزلة، فلما وصل كتابه إليهما، قال الشيخ ابن مجاهد وبعض أصحابه: هؤلاء قوم فسقة، لا يحل لنا أن نطأ بساطهم، وليس غرض الملك من هذا إلا أن يقال: إن مجلسه يشتمل على أصحاب المحابر كلهم، ولو كان مخلصاً، لنهضتُ. قال القاضي ابن الطيب: فقلت لهم: كذا قال المحاسبي، وفلان، ومن عاصرهم: إن المأمون فاسق لا يحضر مجلسه، حتى ساق أحمد بن حنبل إلى طرطوس، وجرى عليه ما عرف، ولو ناظروه، لكفّوه عن هذا الأمر، وتبين له ما هم عليه بالحجة. وأنت أيضاً - أيها الشيخ - سلكت سبيلهم حتى يجري على الفقهاء ما جرى على أحمد، ويقولوا بخلق القرآن ونفي الرؤية، وها أنا خارج إن لم تخرج. فقال ابن مجاهد: إذا شرح الله صدرك لهذا، فاخرج.
5 -
أن يقوم الرجل بالإرشاد، فلا يجد ممن فيهم الكفاية مساعداً، وربما أدخلوا في قلبه اليأس، وسدوا باب الأمل في وجهه متكئين على دعوى فساد الزمان، وعدم إفادة النصيحة عند غلبة الفساد، وهو الخاطر الذي يسر أعداء الأدب أن يستقر في نفس كل مؤمن، فيجدوا من خمول أهل العلم وكسلهم، ما ينشط بهم إلى أن ينادوا للخروج على الفضيلة وهم آمنون.
6 -
أن يجد العالم في سيرته سيئة أو سيئات، فتلقي في نفسه الذلة
والرهبة، ويترك الإرشادة حذراً من أن يلمزه بها الناس حين يقوم بينهم مقام الواعظ الأمين. والعادة أن من يخرج للناس في ثوب مرشد، وقد علقت بسيرته وصمة، لم يلبثوا أن يذكروه بها، وينشدوه:
يا أيها الرجلُ المعلّم غيرَه
…
هلّا لنفسك كان ذا التعليمُ
فينبغي للعالم أن يكون ذا نفس زكية، وساحة نقية، حتى لا يكون الخلل في سيرته كالشجا يقف له في لهاته، ويمنعه من هداية المسرفين. وعلى أي حال كان، لا يليق به الإحجام عن الإرشاد، فإن ما يعرفه له الناس من زلل قد يصرف عنه وجوه العامة، ويقعد بهم عن سماع موعظته، أما الخاصة، فربما انتفعوا بدعوته الموصولة بالحجة أو بيان الحكمة.
7 -
العداوة تنشب بين الرجل والفئة الجاهلة، فتمسك لسانه عن نصيحتهم وإنذارهم ليتمادوا في ضلال، ويتساقطوا على عمل يهوي بهم في خسار. وقد خادعت هذا البائسَ نفسه، فرمت به في غش، وساقته إلى التهاون بواجب النصيحة.
8 -
الشفقة تفيض في فؤاد الرجل، وتطغو على حبه للإصلاح، فترده عن أمر الشخص بصالح فيه كلفة. والشفقة كسائر الفضائل التي يخرج بها الإفراط إلى ما لا يسمى فضيلة، وقد نهى القرآن عن مثل هذه الشفقة الطاغية، فقال تعالى:{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر} [النور: 2]. فالحدود والنظم وضعت لحفظ المصالح، واستيفاء الحقوق، فيجب ألا يكون للرأفة الداعية إلى الإخلال بشيء من إقامتها أثر يرى.
وأخرج ابن جرير في "تاريخه" عن سالم: أن عمر بن الخطاب كان إذا
صعد المنبر، فنهى الناس عن شيء، جمع أهله فقال: إني نهيت الناس عن كذا وكذا، وإن الناس ينظرون إليكم نظر الطير، وأقسم بالله! لا أجد أحداً منكم فعله، إلا أضعفت عليه العقوية؛ لمكانه مني.
9 -
أن يكون المستحق لأن يوجِّه إليه الداعي أمره أو نهيه مثل أب مطاع، أو معلم محترم، فيبلغ به الحياء منه، والاحترام لمقامه أن يسكت عن دعوته المشعرة بنسبته إلى جهالة أو خطيئة. وفيما قصة الله علينا من موعظة إبراهيم عليه السلام لآزر، وتسميته أباً، ما يرشدنا إلى أن الأبؤَة لا تمنع من الأمر بمعروف، أو النهي عن منكر، ولكن الأب يستحق من أدب الخطاب ولطف الموعظة أكثر مما يستحق غيره. وفي قصة موسى والخضر- عليهما السلام، واتباع الأول للثاني بصفة متعلم، ثم إنكاره عليه خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار، عبرةٌ للمتعلمين والمعلمين، فللمتعلمين حق الإنكار، وعلى المعلمين أن لا يستنكفوا.
10 -
علة نادرة، ولا ندري هل بقي لها من أثر إلى هذا اليوم، وهي: أنه كان في الناس من يبدو له أن يترك بعض أعمال الخيرة حذراً من أن يخالط قصدَه الرياءُ، والتطلعُ للسمعة، فيقلص نور إخلاصه، ويفوته ثواب الله في الآخرة. وترك الدعوة بمثل هذا الوسواس ورعٌ خادع، وما على العارف بالإصلاح إلا أن يجاهد نفسه، ويأخذها بأدب الإخلاص ما استطاع، ومخافةُ الرياء تجاه فائدة الدعوة إلى صالح لاغية.
11 -
علةٌ نشات في هذه الأيام، وهي أن الذين في قلويهم زيغ قد وجدوا من القوة المادية، وسلطان الدول الأجنبية، ما يزين لهم نشر دعايتهم الهازلة، فصادفت من بعض الأحداث أفئدة هواء، فباضت فيها وفرخت، وأخذ الإلحاد
يدرج على ألسنتهم، وصفاقة المجّان بارزة على وجوههم. وقد ينظر بعض أهل العلم إلى أن هذه الفتنة لم يسبق لها مثيل فيما سلف، فيهاب سطوتها، ويحسبها ناراً لا يمكن إطفاؤها، فيذوب أمامها، ويوليها ظهره يائساً!.
وما هذه الفتنة إلا جولة باطل يتوكأ على قوة مادية، فمتى لقي في سبيله الحقائق تكتنفها البينات، ذهب جُفاء، ولا يبقى له أثر إلا في نفوس يذهب المنطق بين جهالتها وشهواتها ضائعاً.