الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العلماء وحياتهم الاجتماعية
(1)
كان للذين أوتوا العلم فيما سلف سلطة نافذة في القلوب، وجلالة تملأ الصدور، حتى أصبحت مكانتهم أعزّ منزلة تطمح إليها النفوس، وأشرف غاية تتسابق إليها الهمم، ولم يرتقوا إلى تلك المكانة الشامخة بمعرفة اصطلاحات العلوم، وفهم ما تنطوي عليه صحف من تقدمهم فقط، فإن هذا المقدار وحده لا يغني في إحراز مظهر تحفل به العقول الراجحة، وتتضاءل أمامه النفوس المتعاظمة. وإنما أدركوا ذلك المقام الذي يكتنفه الاحترام من كل جانب؛ لأنهم كانوا يؤدون وظيفتهم بحق، ويتحرون بهديهم وتعليمهم الخطة المرسومة على حكمة. وما أحكموا القيام بوظيفتهم، وغنموا- بعد رضا الله تعالى- لسانَ صدق يلهج بتمجيدهم، إلا لأنهم يتحلون بأربع مزايا:
أولاها: استقلال الفكر؛ فإن من يغوص في فهم حقائق الشريعة ببصيرة نقية، ونظر قائم بنفسه، لا يعجزه أن يبينها للناس في أسلوب ينهض بحجتها، ويكشف عن وجه حكمتها. وهذا مما يحفظ رونقها، ويرفع شأن القائمين على حمايتها، أما الذي يتلقى تعاليمها بمجرد المتابعة، فلا يأمن أن يبتلى ببارع في فن الجدل يكافحه بتخيلات وشُبه تزلّ به في حيرة، وتهبط به في هاوية خيبة وصَغار.
(1) مجلة "البدر التونسية" - الجزء الثاني.
من ملك فكراً يفرق بين قشور العلم ولبابه، ولا يتناول القضايا النظرية إلا من دلائلها الناصعة، هو الذي يشهد أن لا لذة إلا في الحكمة، ولا شرف إلا مع العلم، فيعز عليه أن يمر به وقت لا يبحث فيه عن حقيقة، أو أن يخوض في موضوع دون أن تجود قريحته بما لم يسبقه إليه أستاذ، ولولا أن الأستاذ أبا إبراهيم المشاور على يقين من أن وظيفة التدريس منصب ليس وراءه مرتقى، لما قال لرسول الخليفة الناصر - حين جاء يدعوه وهو في مجلس حافل من الطلبة -: ارجع إلى أمير المؤمنين، وعرفه أنك وجدتني مع طلاب العلم، وليس يمكنني ترك ما أنا فيه حتى يتم مجلسهم المعهود لهم. وحيث كان الخليفة ممن يقدر العلماء المستقيمين حقَّ قدرهم، أعاد إليه الرسول في الحال قائلاً له في الجواب:"جازاك الله عن الدين وعن أمير المؤمنين وجماعة المسلمين خيراً، وأمتعهم بك".
ثانيتها: الاستقامة؛ فإن العلم لم يدخل في قبيل الفضيلة إلا لأنه أساس للعمل الذي هو وسيلة السعادة وعنوان الفلاح، فمن أتيح له أن اجتنى من ثمار العلم ما أحرز به لقب عالم، إلا أنه كان يمشي على عوج، ولا يبالي أن يتلطخ ذيله بريبة أو إثم، كان في عين الأمة الراقية كالقذى، ولا سيما إذا رمى بخطيئته النظام الاجتماعي، والمصلحة المشتركة.
لا يفي الناس للراسخ في العلم كيل الاحترام، إلا إذا استقامت سيرته، ووثقوا بصفاء سريرته، ولهذا ترى خصوم العالم العظيم إذا أرادوا القضاء على سمعته، يجنحون إلى الطعن في عدالته، فيرمونه بالماَثم، فإن لم يجدوا لذلك سبيلًا، التجؤوا إلى اتهامه بقلة الإخلاص في أعماله. يحق للأمة متى ألقى العالم زمامه بيد الهوى أن يشعروه بامتعاضهم من سوء مسلكه، ويطرحوا عن أنفسهم إجلاله بقدر ما طرح من رعاية الشريعة ومظاهر التقوى؛ إذ زلة
العالم ليست عقيمة كزلة غيره، بل لكونه محل القدوة، تتناسل، وتذلل للعامة الطريق إلى إتيان أمثالها، وارتكاب ما هو أشد خطراً، وأكبر وزراً منها.
ثالثتها: النظر في شؤون الاجتماع ومجاري السياسة، وبهذا يمكنكم السير في إرشادهم العام على منهج يستدرج الناشئة إلى التجمل بالآداب، والقيام على المصالح.
ثم إن كانت الحكومة رشيدة، وطدوا لها في كثير من النظامات القيّمة والمشروعات النافعة أكناف الأمة، وأنذروها عاقبة التهاون بالطاعة، والاستخفاف بواجب السكينة.
فإن كانت تغمض عن بعض الحقوق طرفها، ولا يبالي الباطل أن يرفع تحت سلطتها رأسه، دعوها إلى موقف السياسة العادلة، وجادلوها بالتي هي أحكم وأهدى سبيلاً.
ومما يشهد به النظر، وتؤيده التجربة: أن سلطة الدين المالكة لقلوبهم تجعلهم أطهر الناس ذمة، وأشدهم رعاية لحقوق الأمة متى عهد إليهم بتدبير قضية، أو إجراء نظام.
رابعتها: قوة الإرادة؛ إذ من وظيفة العالم مراقبة سير الأمة، حتى إذا اعترضها خلل، أرشد إلى إصلاحه، أو ضلت عن حق، قادها إلى مكانه، ومن تصدى لتقويم الخاطئين، وردِّ جماح المبطلين، يلاقي بالطبيعة أذى، ويجد في طريقه عقبات لا يقتحمها إلا ذو عزم ثابت، وإقدام لا يتزلزل، وكم من عالم يفوقه أقرانه علماً وألمعية، ولكن ينهض لإحياء سنة، أو إماتة باطل، ويلاقي في جهاده شدائد، فيجتازها بنفس مطمئنة، ولا يلبث أن يرجح وزنه،
ويبعد في حلبة السباق شأوه، ولو كشف لنا الغطاء عن حياة العلماء الذين أوذوا في سبيل الدعوة إلى الخير، ولم ينحرفوا عن خطتهم فتيلًا، لرأينا كيف ارتفعت منزلتهم، وتجلى وقارهم، حتى في عين من كان يسومهم سوء الأذية، أو يشفي غليل صدره أن يصرعوا في مصارع الاضطهاد.
الرجال الذين أحرزوا هذه المزايا، واستحقوا بها لقب العالم المصلح، ليسوا بكثير، فلو قلبت نظرك في السنين الماضية، وصعدت به إلى عهد غير قريب، رأيت المعاهد العلمية إنما تنبت في العصر الواحد الرجل أو الرجلين، وعلة هذا: ما طرأ على أسلوب التعليم من العوج الذي يقف بالأفكار في دائرة ضيقة، ويحرمها من أن تتمتع بنعمة استقلالها، ثم إن كثيراً من الحكومات لا توسع لدعاة الإصلاح صدرها، بل تنظر إليهم - في أغلب الأوقات - نظر المزدري بهم، أو الناقم عليهم، وهذا يفسد على العالم خصلة الشهامة، فينقلب إلى خمول وفرار من معترك الحياة.
كيف تكون حياة العلماء، ومبلغ الأمة من السعادة، لو جرى جميع الرؤساء على سياسة الخليفة الناصر، حيث قام القاضي منذر بن سعيد على منبر الجامع بقرطبة، وخطب منكراً عليه -وهو من الشاهدين- الإسرافَ في زخرفة المباني، وانفاق أموال الرعية في غير مصلحتها، وقارعاً سمعه بمثل قوله تعالى:{أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} [الشعراء: 128 - 130]، وما كان من الخليفة سوى أن قال لابنه الحكم- حين قال له: اعزله -: أمثل منذر بن سعيد في فضله وعلمه يعزل لإرضاء نفس ناكبة عن الرشد، سالكة غير القصد؟! هذا ما لا يكون.
فانزواء العلماء عن الدعوة إلى الخير إضاعة للقسم المهم من وظيفتهم، وقضاء على أعظم وسيلة لرقي الحالة الاجتماعية. فما أجدر الرجال الذين شربوا من موارد الحكمة بالكأس الراوية، وحزبت نفوسهم على العناية بحال الاجتماع، أن يخوضوا في أسباب سعادة الأمة، ويبحثوا في السير الذي تظهر في مظهر عزيز.