المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌العناية بالتعليم الديني - موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين - ٥/ ٢

[محمد الخضر حسين]

فهرس الكتاب

- ‌(9)«الدَّعْوَةُ إلى الإِصْلاحِ»

- ‌المقدمة

- ‌مقدمة الإمام محمّد الخضر حسين

- ‌الحاجة إلى الدعوة

- ‌الدعوة في نظر الإسلام

- ‌المبادرة إلى الدعوة

- ‌التعاضد على الدعوة

- ‌من الذي يقوم بالدعوة

- ‌الإخلاص في الدعوة

- ‌طرق الدعوة

- ‌أدب الدعوة

- ‌سياسة الدعوة

- ‌الإذن في السكوت عن الدعوة

- ‌علل إهمال الدعوة

- ‌آثار السكوت عن الدعوة

- ‌ما يدعى إلى إصلاحه

- ‌أثر الدين في إصلاح المجتمع

- ‌أثر أدب اللغة في نجاح الدعوة إلى الإصلاح

- ‌حريّة الدعوة فى دليل على رقي الأمة وعظمة الدولة

- ‌أصول الإصلاح الاجتماعي

- ‌من هو الواعظ بحق

- ‌الإسلام والعلم

- ‌التربية الدينية والشباب

- ‌التعليم الديني في مدارس الحكومة

- ‌العلماء وأولو الأمر

- ‌تعاون الدولة والأمّة على انتظام الأمن

- ‌من هو الشاب المسلم

- ‌إلى شباب محمد صلى الله عليه وسلم أيها الشباب الناهضون

- ‌مقاصد الاسلام في إصلاح العالم

- ‌انتشار الإسلام في العالم وعوامل ذلك

- ‌ عوامل انتشار الإسلام:

- ‌ ما يثار حول انتشار الإسلام من شبه:

- ‌نهوض الشباب بعظائِم الأمُور

- ‌جيل يؤمن بالأخلاق

- ‌مثل أعلى لشجاعة العلماء واستهانتهم بالموت في سبيل الحق

- ‌شجاعة العلماء وإنصاف الأمراء

- ‌محاربوا الأديان ونموذج من سلاحهم

- ‌العلماء وحياتهم الاجتماعية

- ‌العناية بالتعليم الديني

- ‌العناية بالتعليم الديني

- ‌مناهج الشرف

الفصل: ‌العناية بالتعليم الديني

‌العناية بالتعليم الديني

(1)

حضرة صاحب. . . .

جمعية الهداية الإِسلامية تحييكم أجمل التحية، وتقدم إليكم أليق مظاهر الإجلال، وتأمل فيكم أن تتقبلوا هذه المذكرة بقبول حسن، وأن تنبتوها نباتًا حسناً، فتحققوا ما فيها من رغبة، وتعملوا على إنجاز ما تحمل من رجاء، وما رغبتنا إلا رغبة مصر في كثرية سكانها، وما رجاؤنا إلا رجاء الإِسلام في أشرف غاياته وأنبل مقاصده.

لقد أصاب المسلمين في أنحاء المعمورة مصاب جلل أبدلهم من قوتهم ضعفاً، ومن عزتهم ذلاً، ومن نشاطهم ورقيهم في كافة مناحي الحياة خمولاً وتدهوراً.

مصاب دهى الأفراد والجماعات، واكتسح الرجل والمرأة، وعمَّ الصغير والكبير، وشمل الغني والفقير، ولم يرحم الفتى ولا الفتاة، ولم يسلم منه الجاهل ولا العالم.

ولسنا في حاجة إلى التفصيل ولا التدليل؛ فإن نظرة واحدة إلى مصر

(1) المذكرة الأولى التي رفعها الإمام بصفته رئيساً لجمعية "الهداية الإِسلامية" إلى الحكومة المصرية في طلب العناية بالتعليم الديني والتربية الدينية بالمدارس المصرية، ونشرت عام 1350 هـ - 1932 م.

ص: 182

- وهي مركز الثقافة الإِسلامية - تشعركم بفداحة ما نئنّ منه اليوم من انحلال في الأخلاق، وتفكك في الجماعات، وانهدام في الأسر، وانهيار في كل مقومات الأمة، وتقهقر ذريع إلى الوراء، في الوقت الذي تسير فيه قافلة العالم جادة إلى الأمام.

ولقد فكرنا وفكّر المصلحون، فألفينا الخطر كله أو جله يرجع إلى نقص التعليم المدرسي، وقصوره عن الوفاء بحاجات النفوس، وتربيتها تربية دينية صحيحة، تسلّحها ضد عاديات الأيام، وتقيها شر الزيغ والإباحة، وتحميها موارد الفسوق والفتنة، وتهيب بها إلى استرداد مجدها الأول، وعزها الراحل.

* مزايا التعليم الديني:

نعم، إن الدين الإِسلامي يقوّم العقيدة ويصلحها، ومتى استقامت العقيدة وصلحت، أقامت على المرء رقيباً منه عليه في حركاته وسكناته، وفي سره وعلانيته، وجعلت قلبه عرشاً لحكومة ساهرة، حاكمُها قدير عادل، عينه لا تنام، وملكه لا يرام. وهذه العقيدة الصالحة تحفز الهمة إلى النهوض والعمل، وتملا النفس بالشجاعة والأمل، وتطبع الإنسان على الإباء والشمم، وترفع القلب البشري عن الذلة والعبودية لغير من له السلطان وحده، وتنأى بالعقل الإنساني عن الخضوع للخرافات والأوهام، والتحاكم لغير الدليل والبرهان. وهذه العقيدة الصالحة أيضاً تفتح أمام الناس مستقبلاً أوسع من هذا المستقبل الضيق الذي يتطاحنون من حوله، وتجعل ميدان المجد متسعاً للجميع بما ترسم بين يدي صاحبها من حياة أسعد وأبقى وألذ وأمتع من هذه الحياة.

ص: 183

والدين الإِسلامي يصف لأتباعه من شعائر العبادات ما ينظم علاقتهم بالله تعالى، ويحرك فيهم دائماً إحساس الدين، ويقوي فيهم سلطان تلكم العقيدة التي هي مبعث كل إصلاح إن صلحت، كما أنها مثار كل فساد إن فسدت.

والدين الإِسلامي يقرر من ضروب المعاملات ما ينظم صلة الناس بعضهم ببعض، ويضمن راحة غنيهم وفقيرهم، ويجعل الجميع في أمن على دمائهم وأموالهم وأعراضهم، بأفضل ما عرف البشر من القوانين المدنية والتجارية والشخصية والجنائية والاجتماعية.

والدين الإِسلامي يشرعّ من مكارم الأخلاق ما يحكم به الروابط الإنسانية، وما يملأ العالم عدلاً وإحساناً وسلاماً ورحمة، وما يفي بحاجات بني الإنسان براً ونهوضاً ورقياً ورفعة.

والدين الإِسلامي زاخر بثقافات عالية في الفلسفة والأدب واللغة والقصص والتاريخ والاجتماع والتربية الوطنية وكثير من العلوم القديمة والحديثة.

* الإسلام والتجربة:

وليست هذه المزايا نظرية فحسب، بل هي عملية يؤيدها الواقع، وتسجلها الأيام، ويشهد بها الزمان؛ فإن الدين الإِسلامي قد جرب غير مرة في البوادي، وفي الحواضر، فنجح نجاحاً باهراً أدهش التاريخ، وبهر المؤرخين، وترك وراءه من جليل الآثار في حقب قليلة من الدهر ما لم يُسمَع بمثله في آية نهضة من النهضات الدينية وغير الدينية، حتى كأنما خلق العالم خلقاً جديداً، أو ولد الوجود ولادة ثانية.

فهل بعد هذه الحقائق الواضحة والتجارب الناجحة في دين الإِسلام،

ص: 184

يليق أن تُحرم ناشئتنا منه، وهو سر كل قوة، ويحال بينهم وبينه، وهو مبعث كل عظمة؟!.

* أولادنا وتعليم الدين:

ألا إن العين لتدمع، والقلب ليجزع من تلك المآسي المفجعة التي تمثَّل على أبنائنا وبناتنا من غير رحمة في طلعة كل شمس، فتُخفيهم عن أهليهم وذويهم، وتفرق بين الأم وولدها، والأب وابنه، والأخ وأخيه، والمسلم ودينه. وتجعل منهم حطب المبشرين، ووقود المضللين، وزبانية الملحدين، وذبائح الانتحار، وضحايا البغاء، وصرعى الخمور، وفرائس السموم البيضاء والسوداء، وسوس الأموال، ونكد الآباء والأمهات، وهمّ المعلمين والمعلمات، وعار الحال، وخيبة المآل.

أليس ذلك كله نتيجة مباشرة لإهمالنا هذه الناحية الحصينة في تكوين الطفل، وإعداد التلميذ، وتثقيف النشء تثقيفا إسلاميًا يكسبه المناعة ضد هذه الجراثيم المتفشية التي تحيط به إحاطة الظلام بالليل؟.

ثم ألسنا نحن الذين نتحمل بحق مسؤولية هذا النقص الفاضح في التربية، ونعتبر في نظر العدالة جناة على أولادنا، وبالتالي على أسرنا وأمتنا، وعلى شرفنا الماضي ومركزنا الحالي ومستقبلنا الآتي؟!.

ثم أليس هذا التلميذ وهذه التلميذة هما في الغد القريب سيقومان وحدهما بتمثيل أدوار الزوج والزوجة، والأب والأم، والمعلم والمعلمة، والطبيب والطبيبة، والصانع والزارع، والعامل والتاجر، والموظف والمحامي، والقاضي والحاكم، والوزير والأمير، والراعي والرعية؟

وهل ينجح أحد هؤلاء في الحياة، أو تنجح الحياة بأحد هؤلاء إلا إن

ص: 185

كان له ضمير حي، ولديه وازع قوي؟ وهل يحي الضمير، ويقوي الوازعَ سلطانٌ فوق سلطان الدين، وتربية أعلى من التربية الإِسلامية العملية الصادقة؟

إن كنتم في شك، فاسألوا التاريخ عن الآثار الجليلة التي خلقتها تربية الإِسلام "الصحيحة" حين كانت عملاً لا قولاً، وعامة لا خاصة، ويناء لا طلاء، وإخلاصاً لا نفاقاً، ونرجو ألا تنخدعوا بهذه الأصباغ والمساحيق الموضوعة على وجوه المنتسبين إلى الإِسلام زوراً في هذه الأيام؛ فإن بينها وبين الحقيقة ما بين النور والظلام، والجهل والعلم، والصدق والكذب، وذلك هو مثار الشكوى، ومنشأ البلاء.

* عيوب التعليم الديني الحاضر:

- من دواعي الأسف والأسى أن التعليم الديني الحاضر في المدارس يكاد يكون اسمًا بلا مسمى، أو جسماً من غير روح؛ إذ هو عبارة عن معلومات هزيلة ضئيلة لا تشبع حاجة التلميذ، ولا تتناول تفنيد الشبهات الطارئة عليه، ولا تفضح أمامه كثيراً من البدع والخرافات المحيطة من حوله، ولذلك فإن تعليم الدين على الوجه الموجود لا يترك أثراً في نفس التلميذ وأخلاقه وأفكاره، ولا في مظاهره وأعماله.

- وفوق ذلك، فإن الوزارة سلكت بالتعليم الديني مسلك الألعاب الرياضية، فجعلته مادة إضافية لا يحاسب التلميذ عليها، ولا يمتحن فيها، ولا وزن له في نجاحه أو رسوبه، ولا فرق بينه وبين الألعاب إلا أن الألعاب محبوبة إلى التلميذ بداعٍ من طبيعته وميوله، أما الدرس الديني، فمُبْغَض إليه بدافع من هواه ومجونه.

ص: 186

- وزاد الطين بلة: أنْ تُقرر هذه المادة الحيوية على صغار التلاميذ دون كبارهم، ففرضت على القسم الابتدائي، وصدر من القسم الثانوي، حتى إذا بلغ التلميذ أشده، واستوى وصار في السنة الثالثة الثانوية وما بعدها من بقية الثانوي وجميع العالي، هنالك لا يذوق لدينه طعماً، ولا يعرف لإسلامه هداية، على حين أنه في هذا الدور من السن والوسط والتفكير أمسُّ حاجة إلى التدرع بتعاليم الإِسلام، فإن دوَر المراهقة - بإجماع آراء المربين - هو أخطر الأدوار على الفتى والفتاة، وأشدها احتياجاً إلى تقوية الوازع الخلقي، وتربية الضمير الأدبي؛ لمكان ثورة الشباب، وطغيان الشهوة، وغلبة الهوى في هذه المرحلة الطاغية في حياة الإنسان. ومما لا ريب فيه: أنه لا قوة تعدل قوة الدين في تقوية الوازع، وإيقاظ الضمير.

- ومما هو جدير بالنظر: أن ليمس في مدارسنا رقابة دينية تهيمن على التلاميذ في أعمالهم وأحوالهم، ولا في أفكارهم ومظاهرهم، فليس ثمة عقوبة مفروضة على من ظهر بأفكار كافرة أو ملحدة، ولا على من قصر في صلاة وهو في المدرسة، ولا على من أفطر في رمضان مع الاستطاعة، ولا على من لوحظ عليه أو عليها رذيلة أو سلوك غير شريف.

- ومن عجيب أنك ترى ملابس التلاميذ وأزياءهم لا يلاحظ فيها ذوق الإِسلام، ولا تراعى فيها حرمة الدين، ولا تقدر فيها كرامة القومية. فإذا نظرت إلى الطفل وهو في روضة الأطفال، رأيته يلبس القبعة، وإذا نظرت إلى الفتاة، وجدتها حاسرة، وقد تعرى صدرها ونحرها، وربما غطت رأسها خارج المدرسة، فإذا دخلت حجرة الدراسة، كشفت رأسها أمام أستاذها، وإذا تأملت الفتى في بشرة وجهه، وشعر رأسه، وتفصيل ملابسه، وجدت في الكثير من الأحوال خروجاً عن واجب اللياقة، ومقتضيات الرجولة.

ص: 187

وإننا لا نشك لحظة في أن النظافة من الإيمان، وأن التجمُّل من المروءة، ولكننا نقول مع هذا: إن الشيء إذا خرج عن حده، عاد إلى ضده.

- نضيف إلى ما سبق: أن مادة القرآن الكريم قلّت عناية الوزارة بها عن ذي قبل، فأصبحت المدارس لا يتخرج فيها من الحفّاظ مثل من كانوا يتخرجون فيها من قبل، لا كثرة في العدد، ولا جودة في الأداء. ولوحظ التضييق على كثير من المدارس أو المكاتب التي كانت معنية بهذه الناحية من استظهار كتاب الله تعالى وتجويده، واضطر بعض الغيورين من الأمة أن يسدوا هذا النقص، ويدفعوا هذا الخطر بتأليف جمعيات للمحافظة على القرآن الكريم.

ونحن نألم من عدم احترام شعور الأمة المسلمة إلى هذا الحد. ونود من وزارة المعارف أن تبذل أقصى ما يستطاع من ترضية الأهالي في تعليم أولادهم، خصوصاً فيما يتصل بقداسة كتابهم، وأساس دينهم.

- وإن تعجب، فعجب أن تجد التلميذ المسلم لا يعرف من تاريخ نبيّه بقدر ما يعرف من تاريخ نابليون - مثلاً -. ولا يدرك من سيرة عظماء الإِسلام وأبطاله على نحو ما يدرك من سيرة مشاهير الغرب ورجاله، "وتلك ثالثة الأثافي".

ومن رابه شيء في ذلك، فليرجع إلى كتب الوزارة ومنهاجها في التاريخ" ثم ليسامحنا إذا خجل، ووارى وجهه استحياء حين يرى التاريخ الإِسلامي يندب حظه في مدارسنا، ويبكي أهله فينا وفي أولادنا.

* الذنب على الماضي والإصلاح على الحاضر:

وإننا لنعلم أن هذه التبعات في مجموعها ذنب جناه الماضي على يد

ص: 188

فئات يعلم الله ماذا كانوا يقصدون من وضع هذه السياسة في التعليم، ونعلم بجانب ذلك أن رجال العهد الحالي قد أخذوا يرأبون باصلاحهم صدع ما أفسدته الأيام الخالية، فحققوا بذلك أمنية عزيزة لشعب عزيز لا يرى شيئاً أعزّ عليه من دينه، ونفذوا بجهادهم هذا أجلّ رغبة سامية لأجلّ مليك إسلامي يكتب له التاريخ كل يوم يداً جديدة في خدمة الإِسلام ونصرته وإنهاضه وحراسته.

* الشكر لأنصار الإِسلام:

ونحن نشكر لأنصار الإِسلام هذه المواقف المشهورة المشرفة. ومن ورائنا مئات الملايين من المسلمين في أقطار الأرض يقدرون كل من آزر الحنيفية البيضاء في أمنية من أمنياتها، وأنهضها في عثرة من عثراتها، غير ناظرين إلى الأسماء، ولا آبهين إلى الألوان السياسية ولا غير السياسية، ولكن إلى الأعمال وحدها، وإلى الحقائق الواقعة أياً كان مصدرها.

وتلك البارقة التي لاحت في سماء هذا العهد، قد أنارت لنا السبيل، وجعلتنا نرغب إليكم في العمل على تهذيب سياسة التعليم، واثقين أنكم بذلك تكفِّرون ذنوب الماضي، وتصلحون الحاضر، وتحسنون إلى المستقبل بتنشئة جيل مسلم صادق، يستطيع أن يواجه الحياة بضمائر حية، وقلوب نقية، ورجولة صحيحة، وهمة فتية.

* كيف يكون الإصلاح؟

ونرى من الحكمة أن نترك لوزارة المعارف الشكل الذي تختاره، والثوب الذي تُلبسه لإصلاح تلك الغلطات السابقة، وعقيدتنا أن فيها رجالاً صدقوا ما عاهدوا الله عليه، يعرفون من الدين ومن وسائل التربية ما هو جدير

ص: 189

بإصلاحهم التعليم في هذه الناحية الدينية الخطيرة إذا ما عنوا بذلك، غير أننا نرجو ونلح، ونسأل ونلحف ونوصي، ونؤكد بضرورة تحقيق المطالب الآتية:

المطالب:

- يجب أن يقرر تعليم الدين كمادة أساسية، شأنه شأن بعض اللغات الأجنبية- على الأقل-. أما تقريره كمادة إضافية، فهو بالهزل أشبه منه بالجد.

- ويجب أن يكون تعليم الدين عاماً يشمل كل دور من أدوار التعليم، لا فرق بين إلزامي وأولي، وابتدائي وثانوي، وعال وفني وخصوصي، ولا فرق بين البنين والبنات، ولا بين المدارس الأميرية والأهلية.

- ويجب تعديل مناهج التعليم تعديلاً يناسب حال التلاميذ في سنهم وتفكيرهم، وفي نوع دراستهم ومستقبلهم، ويتناول بالبحث جميع الشبهات التي تعرض لهم، ويتعرض للبدع والخرافات، فيقضي عليها أمامهم، ويعنى عناية تامة بتهذيبهم وردعهم عن كل ما يحيط بهم من فتنة، لا سيما وهم في سن المراهقة.

- ويجب أن يكون التعليم عملياً يحمل فيه التلاميذ حملًا على التزام الشعائر الدينية مدى وجودهم بالمدرسة، ويبنى في كل مدرسة مصلى إن لم يكن بها، ويعين لها الإمام والمراقب الديني.

وتفرض العقوبة الرادعة على كل من أهان الإِسلام بكلمة أو فكرة من الإلحاد أو الكفر أو الزندقة، كما تفرض عقوبة زاجرة على كل من قصر في تأدية الصلاة وهو في المدرسة، أو انتهك حرمة الصيام مع الاستطاعة، أو ثبت عليه أنه يخادن فتاة، أو يسلك سلوكاً شائناً.

ص: 190

- ويتصل بهذه الرغبة: إلزام الفتيات بتهذيب أزيائهن، ورعاية الذوق الإِسلامي والكرامة القومية في غطاء رؤوسهن، وحشمة ملابسهن، وحياء وجوههن، وشرف سيرهن، ونقاء سيرتهن، ولا يفوتنا أن ننوه بمنع الاختلاط المحرم بين الجنسين، كما لا ننسى المطالبة بالقضاء على كل تعليم يتنافى ومبادئ الإِسلام، وإن أملنا لعظيم في أن يكون حضرات المعلمين والمعلمات في المدارس قدوة حسنة لتلاميذهم في المحافظة على هذه الشعائر الدينية والتقاليد القومية.

- ويجب أن يعني بتحفيظ القرآن الكريم أتم عناية، على نحو يستبقي لمصر مجدها في كثرة من يتخرج فيها من حفاظ، وبطريقة واسعة تشبع رغبات الأهلين في تزويد أولادهم باستظهار كتاب الله تعالى.

- ويجب أن يعني بدراسة التاريخ الإِسلامي دراسة حية واسعة تطبع في نفس التلميذ طابعًا لا يمحى؛ من الاعتزاز بدينه، والاعتداد بأسلافه، والإجلال لأبطال أمته، والطموح إلى ترسم آثار السلف الصالح في التوثب والنهوض، والتشبه بهم في كافة مناحي الحياة الحقة.

* شبهات المعترضين وردها:

ترى الجمعية أن المعترضين على هذا المشروع الجليل لا يتجاوزون في شبهاتهم الاعتراضات التالية:

الاعتراض الأول: انقسام عناصر السكان في مصر إلى مسلمين وأقباط، ولكل ديانة هو موليها. أما مدارس الحكومة، فهي مفتوحة للعنصرين على سواء، فيجب أن تكون الدراسة فيها مدنية فقط بعيدة عن كل ما هو دين.

والجمعية ترى: أن هذا الاعتراض منقوض من أساسه؛ لأن الدين هو

ص: 191

حاجة كل نفس، ووزارة المعارف - باعتبارها القائمة على تربية الأمة - يجب أن تسفح التلاميذ بما يحتاجون إليه من وسائل التربية والتهذيب. ولا شك أن الأغلبية الساحقة في البلاد مسلمة، ودين الدولة الرسمي بنص دستورها هو الإِسلام، ودافعي الضرائب الذين ينفقون على الحكومة، ومنها وزارة المعارف، مسلمون في معظمهم، ولا يرضون مطلقاً بأن يحرم أولادهم ثقافة الإِسلام الذي هو عصب السعادة الصحيحة للإنسان في حياته العاجلة والآجلة.

أما اختلاف ديانة السكان، فلا يصح أن تهدر في الأغلبية لأجل الأقلية، بل المعقول والمعمول به في كل عصر ومصر مراعاةُ الأغلبية، ومن خالجه شك في هذه الحقيقة، فلينظر إلى المدارس في البلدان الأجنبية، بل فلينظر إلى المدارس الأجنبية في بلادنا الإِسلامية، هنالك يجد الدين المسيحي يدرس دراسة أساسية عملية عامة لكل من في تلك المدارس من تلاميذ مسلمين وغير مسلمين. فأحرٍ ببلاد أكثريتها مسلمة، ومدارسها مسلمة، وأموالها مسلمة أن يكون الدين الإِسلامي فيها مادة أساسية عملية مفروضة على كل من فيها، مسلمين وغير مسلمين.

على أن سماحة الإِسلام لا تريد أن تذهب بعيداً كما ذهب أولئك، ولا تلزم غير المسلمين بتعاليم الإِسلام، وإنما تريد ألا يحرم الناشئ المسلم من أول مقوم له، وأعز شيء لديه، وهو معرفة دينه معرفة صحيحة لها قيمتها وأثرها. ولا ترى الجمعية مانعاً من أن تفسح وزارة المعارف لغير المسلمين أن يتعلموا دينهم، والله يقول:{لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256].

الاعتراض الثاني: قد نعلم أنهم يقولون: إن جعل هذه المادة أساسية

ص: 192

فيها امتحان ورسوب، يؤدي إلى خلل في نظام النجاح وترتيب التلاميذ إذا لوحظ اجتماع العنصرين.

والجمعية تقول لهم: إن المخرج من ذلك سهل، فيمكن أن تجعل درجات الدين مستقلة لا تضم إلى المجموع في ملاحظة الترتيب. وإنما يكفي أن تراعى في نجاح التلميذ ورسوبه فحسب. وذلك هو المهم.

وإذا جعل تعليم غير المسلمين لدينهم مباحاً في المدارس، زال الإشكال، أو كاد.

الاعتراض الثالث: يذهب بعض الأفكار إلى أن تعليم الدين في المدارس يُنافي مبدأ التخصص ذلك المبدأ الذي أجمع علماء التربية على احترامه، وضرورة تركيز سياسة التعليم عليه.

والجواب: إننا لا نريد تلاميذ المدارس على دراسة الدين دراسة المتخصصين، ولا أن يتوسعوا فيه توسع الأزهريين الفنيين، ولكننا نريدهم على أن يأخذوا من ثقافة الإِسلام بالقدر الذي لا بد منه في هداية كل نفس، وحمايتها من عاديات الإلحاد والزيغ، والفتنة والرذيلة.

ما بال هؤلاء القوم يؤمنون بوجهة النظر في تثقيف التلاميذ عامة، بعلوم مختلفة في مبدئها وغايتها، فمن لغة إنكليزية، إلى لغة أخرى فرنسية، إلى لغات شرقية، ومن حساب، إلى تاريخ، إلى قواعد صحة، إلى طبيعة، إلى تمرينات بدنية وألعاب رباضية، إلى غير ذلك. ثم ما بالهم لا يؤمنون في جانب ذلك بوجهة النظر في تثقيف التلاميذ بثقافة الإِسلام، التي هي بلا نزل أعلى الثقافات، وأبلغها أثراً في خُلق التلميذ وأفكاره، وعلومه وأعماله، ومظاهره وسائر شؤونه وأحواله؟!.

ص: 193

الاعتراض الرابع: ربما سمعنا منهم: أن تعاليم الإِسلام تتصل بالسياسة، وتتحكم فيها تحكماً لا يلائم الحال القائمة في مصر، ولا يتفق والصالح الخاص أو العام.

ونحن نؤكد: أن الإِسلام إذا اتصل بالسياسة، يحسن إليها ولا يسيء، ويوجهها إلى الغاية المثلى في ضمان السلام للعالم، وبث الطمأنينة في نفوس بني الإنسان، ويضع لها ميزانًا عادلاً يحمي حقوق الأفراد والجماعات.

الاعتراض الخامس: ربما قال قائلهم: إن أوروبا هي أسوتنا الحسنة، بل قدوة العالم كله اليوم. والناظر إلى نهضتها يجدها قائمة على نفض يدها من كل دين، وتذرعها في توثبها بقوة العلوم والصناعات فقط.

والجمعية ترى في ذلك الزعم انحرافاً عن جادة الصواب، وتجنياً على الحقيقة الواقعة؛ فإن الغربيين في مجموعهم لا يقلون عن الشرقيين في تمسكهم بدينهم الآن. وإذا صح أن بعض دولهم قد حاربت الأديان حيناً من الدهر، فذلك من الخطأ الفاحش في نظر أغلبيتهم، أو لظروف قاهرة أحاطت بها الفتنة، والتهمتها نار الثورة، حتى إذا بلغ الكتاب أجله، وهدأت العواصف، عادوا إلى حظيرة دينهم أشد مما كانوا، على أن الإِسلام في طبيعة تعاليمه وسماحة مبادئه له طابع خاص يجعله يساير الحوادث في كل زمان ومكان، وبؤيد النهضات كلها ما دامت صالحة؛ لأنه في الواقع هو دين النهضة، إليها دعا، وعليها قام، وبدونها لا يحيا ولا يعيش.

الاعتراض السادس: بقي أن طائفة يحتجون على الإِسلام بخمول أهله، وتأخر متبعيه في هذه الأيام.

والجمعية تقول لهؤلاء: "شنشنة أعرفها من أخزم"، هذه مغالطة لا يتكلم

ص: 194

بها، ولا يصغي إليها إلا مفتون طبع على قلبه، أو جهول بحقيقة الإِسلام لم يتذوق طعم مبادئه، وإذا أردتم أن تحكموا على الإِسلام كقانون مقدس، فادرسوا تعاليمه أولاً، ثم زنوها بميزان المنطق والعقل ثانياً، ثم احكموا بعد ذلك عليه بها، واحكموا به على أدعيائه، ولا تحكموا بأدعيائه عليه {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [التوبة: 41].

أما بعد:

فلا نحسب وزارة المعارف تعلل بمثل هذه السفاسف اليوم، خصوصاً بعد أن سلّمت بوجهة النظر في تعليم الدين، وقررته فعلاً. ولكن الذي نطلبه إليها الآن، ونرجو من رجال الإصلاح معاونتنا عليه، هو اعتبار الديانة لمادة أساسية عملية عامة على نحو ما أسلفنا.

ص: 195