الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رَآهُ، وَلَوْ غَزَتْ طَائِفَةٌ وَلَا أَمِيرَ فِيهِمْ مِنْ جِهَةِ الْإِمَامِ فَحَكَّمُوا فِي الْقِسْمَةِ وَاحِدًا أَهْلًا صَحَّتْ، وَإِلَّا فَلَا حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ.
أَيْ الزَّكَوَاتِ لِمُسْتَحِقِّيهَا، وَجَمَعَهَا لِاخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا.
سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِإِشْعَارِهَا بِصِدْقِ بَاذِلِهَا وَلِشُمُولِهَا لِلنَّفْلِ ذَكَرَهَا فِي فَصْلٍ آخِرَ الْكِتَابِ وَرَتَّبَهُمْ عَلَى مَا يَأْتِي مُخَالِفًا لِمَنْ ابْتَدَأَ بِالْعَامِلِ لِتَقَدُّمِهِ فِي الْقَسْمِ لِكَوْنِهِ يَأْخُذُهُ عِوَضًا تَأَسِّيًا بِالْآيَةِ الْمُشَارِ فِيهَا فَاللَّامُ الْمِلْكِ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأُوَلِ إلَى إطْلَاقِ مِلْكِهِمْ وَتَصَرُّفِهِمْ وَنَفْيِ الظَّرْفِيَّةِ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَخِيرَةِ لِتَقْيِيدِهِ بِالصَّرْفِ فِيمَا أَعْطَوْا لِأَجْلِهِ وَإِلَّا اُسْتُرِدَّ، وَذَكَرَهَا أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ كَالْمُخْتَصَرِ هُنَا؛ لِأَنَّهُ كَسَابِقِيهِ مَالٌ يَجْمَعُهُ الْإِمَامُ وَيُفَرِّقُهُ وَأَقَلُّهُمْ كَالْأُمِّ آخِرَ الزَّكَاةِ لِتَعَلُّقِهِ بِهَا، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ أَنْسَبَ، وَجَرَى عَلَيْهِ فِي الرَّوْضَةِ وَافْتَتَحَهُ فِي الْمُحَرَّرِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ} [التوبة: 60] الْآيَةُ فَعُلِمَ مِنْ الْحَصْرِ بِإِنَّمَا عَدَمُ صَرْفِهَا لِغَيْرِهِمْ وَهُوَ مَجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِي اسْتِيعَابِهِمْ (الْفَقِيرُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ) هُوَ كَلَامٌ ظَاهِرٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى رَابِطٍ نَحْوِيٍّ، أَمَّا الرَّابِطُ الْمَعْنَوِيُّ فَمَذْكُورٌ بَلْ مُتَكَرِّرٌ فِي كَلَامِهِ الْآتِي، وَبِفَرْضِ عَدَمِ ذِكْرِهِ فَمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ هُمْ الْمُسْتَحِقُّونَ لِهَذِهِ الصَّدَقَاتِ يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ مُفْلِتًا إذْ دَلَالَةُ السِّيَاقِ مُحْكَمَةٌ، وَهِيَ قَاضِيَةٌ عِنْدَ مَنْ لَهُ أَدْنَى ذَوْقٍ بِأَنَّ الْمُرَادَ قِسْمَتُهَا لِمُسْتَحِقِّيهَا وَأَنَّهُمْ الْمُبَيَّنُونَ فِي كَلَامِهِ (وَلَا كَسْبَ) حَلَالٌ لَائِقٌ بِهِ (يَقَعُ) جَمِيعُهُ أَوْ مَجْمُوعُهُ (مَوْقِعًا مِنْ حَاجَتِهِ) مِنْ مَطْعَمٍ وَمَلْبَسٍ وَمَسْكَنٍ وَسَائِرِ مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ لِنَفْسِهِ وَمُمَوَّنِهِ الَّذِي تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ لَا غَيْرَهُ، وَإِنْ اقْتَضَتْ الْعَادَةُ إنْفَاقَهُ خِلَافًا لِلسُّبْكِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ غَيْرِ إسْرَافٍ وَلَا تَقْتِيرٍ كَمَنْ يَحْتَاجُ إلَى عَشَرَةٍ وَلَا يَجِدُ إلَّا دِرْهَمَيْنِ.
وَقَالَ الْمَحَامِلِيُّ: إلَّا ثَلَاثَةً وَالْقَاضِي إلَّا أَرْبَعَةً، وَهُوَ الْأَوْجَهُ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
مَفْهُومِ قَوْلِهِ فِيمَا سَبَقَ وَفِي الشَّرْعِ شَيْءٌ دُونَ سَهْمٍ، فَبَيَّنَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَبْلُغَ بِهِ سَهْمَ رَاجِلٍ إنْ رَآهُ وَاسْتَأْجَرَ بِقَدْرٍ يَبْلُغُهُ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ وَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ ذَلِكَ
كِتَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِ
(قَوْلُهُ: ذَكَرَهَا) أَنَّثَ الضَّمِيرَ مَعَ رُجُوعِهِ لِلنَّقْلِ لِكَوْنِهِ صَدَقَةً (قَوْلُهُ: وَلِشُمُولِهَا) أَيْ فِي حَدِّ ذَاتِهَا، أَمَّا مَعَ تَفْسِيرِهَا بِالزَّكَوَاتِ فَلَا شُمُولَ، وَلَعَلَّهُ فَسَّرَ بِالزَّكَوَاتِ بِالنَّظَرِ لِمَقْصُودِ الْبَابِ وَأَعَادَ الضَّمِيرَ عَلَيْهَا بِاعْتِبَارِ الْوَضْعِ، ثُمَّ رَأَيْت فِي حَجّ وَلِشُمُولِهَا.
لِلنَّقْلِ وَضْعًا وَهُوَ صَرِيحٌ فِيمَا قَالَهُ (قَوْلُهُ: لَا يَحْتَاجُ إلَى رَابِطٍ نَحْوِيٍّ) أَيْ كَأَنْ يُقَالَ كِتَابُ قِسْمِ الصَّدَقَاتِ وَهِيَ الزَّكَوَاتُ وَيَجِبُ قَسْمُهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ إلَى آخِرِ مَا فِي الْآيَةِ، ثُمَّ يَقُولُ فَالْفَقِيرُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ إلَخْ (قَوْلُهُ: أَوْ مَجْمُوعُهُ) أَيْ الْجُمْلَةِ (قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ إسْرَافٍ) الْمُرَادُ بِهِ هُنَا أَنْ يَتَجَاوَزَ الْحَدَّ بِهِ فِي الصَّرْفِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِحَالِهِ
ــ
[حاشية الرشيدي]
الْأَوْلَى حَذْفُ مَا هُنَا لِإِغْنَاءِ مَا مَرَّ عَنْهُ مَعَ الزِّيَادَةِ، وَعَجِيبٌ أَخْذُ الشَّيْخِ بِمَفْهُومِ مَا هُنَا مِنْ مَنْعِ الزِّيَادَةِ مَعَ تَقَدُّمِ التَّصْرِيحِ بِهَا فِي الشَّارِحِ.
[كِتَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِ]
ِ (قَوْلُهُ: كَسَابِقَيْهِ) أَيْ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
وَإِنْ اعْتَرَضَ بِأَنَّهُ يَقَعُ مَوْقِعًا.
وَقَضِيَّةُ الْحَدِّ أَنَّ الْكَسُوبَ غَيْرُ فَقِيرٍ وَإِنْ لَمْ يَكْتَسِبْ وَهُوَ كَذَلِكَ هُنَا، وَفِي الْحَجِّ فِي بَعْضِ صُوَرِهِ كَمَا مَرَّ، وَفِيمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ فَرْعِهِ بِخِلَافِهِ فِي الْأَصْلِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ لِحُرْمَتِهِ كَمَا يَأْتِي إنْ وَجَدَ مَنْ يَسْتَعْمِلُهُ وَقَدَرَ عَلَيْهِ: أَيْ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ لَا تُحْتَمَلُ عَادَةً فِيمَا يَظْهَرُ وَحَلَّ لَهُ تَعَاطِيهِ وَلَاقَ بِهِ وَإِلَّا أُعْطِيَ، وَأَنَّ ذَا الْمَالِ الَّذِي عَلَيْهِ قَدْرُهُ وَلَوْ حَالًّا عَلَى الْمُعْتَمَدِ غَيْرُ فَقِيرٍ أَيْضًا فَلَا يُعْطَى مِنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ حَتَّى يَصْرِفَ مَا مَعَهُ فِي الدَّيْنِ، وَنِزَاعُ الرَّافِعِيِّ فِيهِ النَّاشِئُ عَنْ تَنَاقُضٍ حَكَى عَنْهُ هُنَا وَفِي الْعِتْقِ بِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُعْتَبَرَ كَمَا مَنَعَ وُجُوبَ نَفَقَةِ الْقَرِيبِ وَزَكَاةِ الْفِطْرِ مَرْدُودٌ بِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ عَدَمُ مَنْعِهِ لِلْفِطْرَةِ، وَعَلَى الْمَنْعِ ثُمَّ يُفَرَّقُ بِأَنَّ تِلْكَ مُوَاسَاةٌ فِي مُقَابَلَةِ طُهْرَةٌ الْبَدَنِ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا لِتَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِذِمَّتِهِ، وَمَا هُنَا مَلْحَظُهُ الِاحْتِيَاجُ، وَهُوَ قَبْلَ صَرْفِ مَا بِيَدِهِ غَيْرُ مُحْتَاجٍ، وَبِأَنَّ نَفَقَةَ الْقَرِيبِ تَجِبُ مَعَ الدَّيْنِ كَمَا ذَكَرُوهُ فِي الْفَلَسِ، فَوُجُوبُ الزَّكَاةِ فِيهِ وَنَفَقَةُ الْقَرِيبِ مَعَهُ يَقْتَضِيَانِ الْغِنَى، ثُمَّ هَذَا الْحَدُّ لِفَقِيرِ الزَّكَاةِ لَا فَقِيرَ الْعَرَايَا وَنَفَقَةُ الْمُمَوِّنِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ فِي مَحَالِّهِ، وَمَنْ لَهُ عَقَارٌ يَنْقُصُ دَخْلُهُ عَنْ كِفَايَتِهِ فَقِيرٌ أَوْ مِسْكِينٌ بِنَاءً عَلَى إعْطَائِهِ كِفَايَةَ الْعُمْرِ الْغَالِبِ كَمَا يَأْتِي.
نَعَمْ إنْ كَانَ نَفِيسًا وَلَوْ بَاعَهُ حَصَلَ بِهِ مَا يَكْفِيهِ دَخْلُهُ لَزِمَهُ بَيْعُهُ فِيمَا يَظْهَرُ (وَلَا يَمْنَعُ الْفَقْرَ) وَالْمَسْكَنَةَ (مَسْكَنُهُ) الَّذِي يَحْتَاجُهُ وَلَاقَ بِهِ فَإِنْ اعْتَادَ السَّكَنَ بِالْأُجْرَةِ أَوْ فِي الْمَدْرَسَةِ وَمَعَهُ ثَمَنُ مَسْكَنٍ أَوْ لَهُ مَسْكَنٌ خَرَجَ عَنْ اسْمِ الْفَقْرِ بِمَا مَعَهُ كَمَا بَحَثَهُ السُّبْكِيُّ (وَثِيَابُهُ) وَلَوْ لِلتَّجَمُّلِ بِهَا فِي بَعْضِ أَيَّامِ السَّنَةِ وَإِنْ تَعَدَّدَتْ إنْ لَاقَتْ بِهِ أَيْضًا فِيمَا يَظْهَرُ خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ السُّبْكِيّ، وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ حُلِيَّ الْمَرْأَةِ اللَّائِقِ بِهَا الْمُحْتَاجَةُ لِلتَّزَيُّنِ بِهِ عَادَةً لَا يَمْنَعُ فَقْرَهَا، وَقِنَّهُ الْمُحْتَاجُ لِخِدْمَتِهِ وَلَوْ لِمُرُوءَتِهِ لَكِنْ إنْ اخْتَلَّتْ مُرُوءَتُهُ بِخِدْمَتِهِ لِنَفْسِهِ أَوْ شَقَّتْ عَلَيْهِ مَشَقَّةً لَا تُحْتَمَلُ عَادَةً، وَكُتُبُهُ الَّتِي يَحْتَاجُهَا وَلَوْ نَادِرًا كَمَرَّةٍ فِي السَّنَةِ مِنْ عِلْمٍ شَرْعِيٍّ، أَوْ آلَةٍ لَهُ أَوْ لِطِبٍّ وَلَيْسَ ثَمَّ مِنْ يَعْتَنِي بِهِ، أَوْ وَعْظٍ لِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ وَاعِظٌ؛ لِأَنَّهُ يَتَّعِظُ مِنْ نَفْسِهِ مَا لَا يَتَّعِظُ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَوْ تَكَرَّرَتْ عِنْدَهُ كُتُبٌ مِنْ فَنٍّ وَاحِدٍ بَقِيَتْ كُلُّهَا لِمُدَرِّسٍ وَالْمَبْسُوطُ لِغَيْرِهِ، فَيَبِيعُ الْمُوجَزَ إلَّا إنْ كَانَ فِيهِ مَا لَيْسَ فِي الْمَبْسُوطِ فِيمَا
ــ
[حاشية الشبراملسي]
وَإِنْ كَانَ فِي الْمَطَاعِمِ وَالْمُلَابِسِ النَّفِيسَةِ فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِلْحَجْرِ عَلَى السَّفِيهِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَكْتَسِبْ) يَعْنِي بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ لَا كَسْبَ لَهُ بِالْقُوَّةِ بِأَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَفِيمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ فَرْعِهِ) أَيْ فَلَا تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ فَرْعِهِ الْكَسُوبِ وَإِنْ لَمْ يَكْتَسِبْ، وَقَوْلُهُ بِخِلَافِهِ فِي الْأَصْلِ أَيْ فَيَلْزَمُ فَرْعَهُ إنْفَاقُهُ، وَإِنْ كَانَ هُوَ مُكْتَسِبًا وَلَمْ يَكْتَسِبْ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: غَيْرُ فَقِيرٍ أَيْضًا) أَيْ هُنَا، وَكَذَا فِي نَفَقَةِ الْقَرِيبِ وَزَكَاةِ الْفِطْرِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ فِيهِمَا كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: بِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُعْتَبَرَ إلَخْ) ضَعِيفٌ (قَوْلُهُ: وَزَكَاةِ الْفِطْرِ) أَيْ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ وَإِلَّا فَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّارِحِ أَنَّ الدَّيْنَ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ مُطْلَقًا كَمَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ بِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ إلَخْ (قَوْلُهُ: لَهُ وَغَيْرِهِمْ) مِنْهُ فُقَرَاءُ الْعَاقِلَةِ (قَوْلُهُ: لَزِمَهُ بَيْعُهُ فِيمَا يَظْهَرُ) شَمَلَ مَا لَوْ كَانَ بِيَدِهِ عَقَارُ غَلَّتِهِ لَا تَفِي بِنَفَقَتِهِ، وَثَمَنُهُ يَفِي بِتَحْصِيلِ جَامَكِيَّةٍ أَوْ وَظِيفَةٍ يُحَصِّلُ مِنْهَا مَا يَكْفِيهِ فَيُكَلَّفُ بَيْعُ الْعَقَارِ لِذَلِكَ وَلَا يَدْفَعُ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الزَّكَاةِ (قَوْلُهُ: خَرَجَ عَنْ اسْمِ الْفَقْرِ) خِلَافًا لحج فِيمَنْ اعْتَادَ السَّكَنَ بِالْأُجْرَةِ وَلَكِنْ جَرَى الزِّيَادِيُّ عَلَى مَا فِي حَجّ (قَوْلُهُ: أَوْ لِطِبٍّ) وَالْفَرْقُ بَيْنَ كُتُبِ الطِّبِّ وَكُتُبِ الْوَعْظِ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَتَّعِظُ بِنَفْسِهِ غَالِبًا وَلَا يُطَبِّبُ نَفْسَهُ بَلْ يَحْتَاجُ لِلطَّبِيبِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجِ (قَوْلُهُ: فَيَبِيعُ الْمُوجَزَ) أَيْ الْمُخْتَصَرَ
ــ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَفِيمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَةٌ قَرِيبِهِ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ: نَفَقَةُ فَرْعِهِ انْتَهَتْ.
وَهِيَ أَصْوَبُ لِمُقَابَلَتِهَا بَعْدُ بِالْأَصْلِ، ثُمَّ هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ وَفِي الْحَجِّ: أَيْ فَلَا يَلْزَمُهُ نَفَقَةُ فَرْعِهِ الْكَسُوبِ وَإِنْ لَمْ يَكْتَسِبْ، بِخِلَافِ الْأَصْلِ يَلْزَمُ فَرْعَهُ إنْفَاقُهُ وَإِنْ كَانَ هُوَ مُكْتَسِبًا وَلَمْ يَكْتَسِبْ (قَوْلُهُ: إنْ وُجِدَ) رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ إنَّ الْكَسُوبَ غَيْرُ فَقِيرٍ (قَوْلُهُ: أَوْ لَهُ مَسْكَنٌ) فِيهِ مِنْ الْحَرَجِ مَا لَا يَخْفَى، عَلَى أَنَّ الَّذِي نَقَلَهُ غَيْرُهُ عَنْ السُّبْكِيّ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا كَانَ مَعَهُ ثَمَنُ الْمَسْكَنِ
يَظْهَرُ أَوْ نُسَخٍ مِنْ كِتَابٍ بَقِيَ لَهُ الْأَصَحُّ لَا الْأَحْسَنُ، وَآلَةُ الْمُحْتَرِفِ كَخَيْلِ جُنْدِيٍّ مُرْتَزِقٍ وَسِلَاحِهِ إنْ لَمْ يُعْطِهِ الْإِمَامُ بَدَلَهُمَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَمُتَطَوِّعٌ احْتَاجَهُمَا وَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ نَظِيرُ مَا مَرَّ فِي الْفَلَسِ كَمَا سَيَأْتِي بِقَيْدِهِ، وَثَمَنُ مَا ذُكِرَ مَا دَامَ مَعَهُ يَمْنَعُ إعْطَاءَهُ بِالْفَقْرِ حَتَّى يَصْرِفَهُ (وَمَالُهُ الْغَائِبُ فِي مَرْحَلَتَيْنِ) أَوْ الْحَاضِرُ وَقَدْ حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ (وَ) مَالُهُ (الْمُؤَجَّلُ) لِأَنَّهُ مُعْسِرٌ الْآنَ فِيهِمَا فَيَأْخُذُ إلَى أَنْ يَصِلَ أَوْ يَحِلَّ، أَمَّا مَا دُونَهُمَا وَلَا حَائِلٌ فَحُكْمُهُ كَالْحَاضِرِ.
وَقَضِيَّةُ إطْلَاقِهِ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ أَنْ يَحِلَّ قَبْلَ مُضِيِّ زَمَنِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ أَمْ لَا، وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَمَّا كَانَ مَعْدُومًا لَمْ يُعْتَبَرْ لَهُ زَمَنٌ بَلْ أُعْطِيَ إلَى حُلُولِهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى خَلَاصِهِ، بِخِلَافِ الْمَالِ الْغَائِبِ فَفَرَّقَ فِيهِ بَيْنَ قُرْبِ الْمَسَافَةِ وَبُعْدِهَا (وَكَسْبٌ لَا يَلِيقُ) بِهِ شَرْعًا أَوْ عُرْفًا لِحُرْمَتِهِ أَوْ إخْلَالِهِ بِمُرُوءَتِهِ لِكَوْنِهِ كَالْعَدَمِ كَمَا لَوْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَسْتَعْمِلُهُ إلَّا مَنْ مَالُهُ حَرَامٌ: أَيْ أَوْ فِيهِ شُبْهَةٌ قَوِيَّةٌ فِيمَا يَظْهَرُ، وَأَفْتَى الْغَزَالِيُّ بِأَنَّ أَرْبَابَ الْبُيُوتِ الَّذِينَ لَمْ تَجْرِ عَادَتُهُمْ بِالْكَسْبِ: أَيْ وَهُوَ يَخِلُّ بِمُرُوءَتِهِمْ لَهُمْ الْأَخْذُ وَكَلَامُهُمْ يَشْمَلُهُ، وَقَوْلُهُ فِي الْإِحْيَاءِ أَنَّ تَرْكَ الشَّرِيفِ نَحْوَ النَّسْخِ وَالْخَيَّاطَةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ حَمَاقَةٌ وَرُعُونَةُ نَفْسٍ وَأَخْذُهُ الْأَوْسَاخَ عِنْدَ قُدْرَتِهِ أَذْهَبُ لِلْمُرُوءَةِ مَحْمُولٌ عَلَى إرْشَادِهِ لِلْأَكْمَلِ مِنْ الْكَسْبِ، فَإِنْ أَرَادَ مَنْعَهُ مِنْ الْأَخْذِ اتَّجَهَ الْأَوَّلُ حَيْثُ أَخَلَّ الْكَسْبُ بِمُرُوءَتِهِ عُرْفًا وَإِنْ كَانَ نَسْخًا لَكُتُبِ الْعِلْمِ (وَلَوْ اشْتَغَلَ) بِحِفْظِ قُرْآنٍ أَوْ (بِعِلْمٍ) شَرْعِيٍّ وَمِنْهُ بَلْ أَهَمُّهُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ قَلْبًا سَلِيمًا عِلْمُ الْبَاطِنِ الْمُطَهِّرُ لِلنَّفْسِ أَوْ آلَةٌ لَهُ، وَأَمْكَنَ عَادَةً تَأَتَّى تَحْصِيلُهُ فِيهِ كَمَا قَالَهُ الدَّارِمِيُّ وَأَقَرَّاهُ (وَالْكَسْبُ) الَّذِي يُحْسِنُهُ (يَمْنَعُهُ) مِنْ أَصْلِهِ أَوْ كَمَالِهِ (فَقِيرٌ) فَيُعْطَى وَيَتْرُكُ الْكَسْبَ لِتَعَدِّي نَفْعِهِ وَعُمُومِهِ، أَمَّا مَنْ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ التَّحْصِيلُ فَلَا يُعْطَى إذَا كَانَ يَلِيقُ بِهِ مِثْلُهُ (وَلَوْ اشْتَغَلَ بِالنَّوَافِلِ) مِنْ صَلَاةٍ وَغَيْرِهَا وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ الْمُطَلَّقَةُ غَيْرُ صَحِيحٍ إذْ لَوْ تَعَارَضَ كَسْبٌ وَرَاتِبَةٌ كُلِّفَ الْكَسْبُ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ الْعِلَّةِ الْآتِيَةِ (فَلَا) يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ مِنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ شَيْئًا وَإِنْ اسْتَغْرَقَ بِذَلِكَ جَمِيعَ وَقْتِهِ، خِلَافًا لِلْقَفَّالِ لِأَنَّ نَفْعَهُ قَاصِرٌ عَلَيْهِ سَوَاءٌ الصُّوفِيُّ وَغَيْرُهُ.
نَعَمْ أَفْتَى ابْنُ الْبَزْرِيِّ بِأَنَّهُ لَوْ نَذَرَ صَوْمَ الدَّهْرِ وَانْعَقَدَ نَذْرُهُ وَمَنَعَهُ صَوْمُهُ عَنْ كَسْبِهِ أُعْطِيَ لِلضَّرُورَةِ حِينَئِذٍ كَمَا لَوْ احْتَاجَ لِلنِّكَاحِ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ فَيُعْطَى مَا يَصْرِفُ فِيهِ (وَلَا
ــ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ مُعْسِرٌ الْآنَ فِيهِمَا) أَيْ مَا لَمْ يَجِدْ مَنْ يُقْرِضُهُ عَلَى الْأَوْجَهِ؛ لِأَنَّهُ غَنِيٌّ فَلَا نَظَرَ لِاحْتِمَالِ تَلَفِهِمَا فَتَبْقَى ذِمَّتُهُ مُعَلَّقَةٌ اهـ حَجّ.
وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ مَا يُصَرِّحُ بِهِ فِي قَوْلِهِ وَشَرْطُهُ: أَيْ ابْنُ السَّبِيلِ الْحَاجَةُ (قَوْلُهُ: وَكَلَامُهُ يَشْمَلُهُ) مُعْتَمَدٌ، وَقَوْلُهُ: أَيْ الْغَزَالِيِّ فِي الْإِحْيَاءِ (قَوْلُهُ أَوْ بِعِلْمٍ شَرْعِيٍّ) .
[فَرْعٌ] قَالَ ع: لَوْ كَانَ فَقِيهًا فَهَلْ يُعْطَى مَا يَحْتَاجُهُ مِنْ الْكُتُبِ؟ هُوَ مُحْتَمَلٌ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ فِي كِتَابِ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ.
وَالْأَقْرَبُ إعْطَاؤُهُ ذَلِكَ لِاحْتِيَاجِهِ لَهُ (قَوْلُهُ: وَأَمْكَنَ عَادَةً تَأَتَّى تَحْصِيلُهُ) وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ تَصِيرَ فِيهِ قُوَّةٌ بِحَيْثُ إذَا رَاجَعَ الْكَلَامَ فَهِمَ كُلَّ مَسَائِلِهِ أَوْ بَعْضِهَا (قَوْلُهُ: مِثْلُهُ) أَيْ الْكَسْبِ (قَوْلُهُ: وَانْعَقَدَ نَذْرُهُ) أَيْ بِأَنْ كَانَ الصَّوْمُ لَا يَضُرُّهُ (قَوْلُهُ: أُعْطِيَ لِلضَّرُورَةِ) قَدْ يُمْنَعُ بِأَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى الصَّوْمِ وَقْتَ النَّذْرِ ثُمَّ طَرَأَ مَا يَمْنَعُهُ مِنْهُ سَقَطَ وُجُوبُهُ،
ــ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: مِنْ الْكَسْبِ) بَيَانٌ لِلْأَكْمَلِ (قَوْلُهُ: اتَّجَهَ الْأَوَّلُ) يَعْنِي مَا فِي الْفَتَاوَى، وَحَاصِلُ الْمُرَادِ أَنَّ كَلَامَ الْغَزَالِيِّ فِي الْإِحْيَاءِ الْمُخَالِفَ لِمَا فِي فَتَاوِيهِ إنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى الْإِرْشَادِ وَإِلَّا فَهُوَ ضَعِيفٌ، وَالْأَوْجَهُ مَا فِي الْفَتَاوَى (قَوْلُهُ: حَيْثُ أَخَلَّ الْكَسْبُ بِمُرُوءَتِهِ) أَيْ كَمَا قُيِّدَ بِهِ فِيمَا مَرَّ وَكَانَ يَنْبَغِي الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: تَأَتِّي تَحْصِيلِهِ فِيهِ) أَيْ تَحْصِيلِ الْمُشْتَغِلِ فِي ذَلِكَ الْعِلْمِ
يُشْتَرَطُ فِيهِ) أَيْ الْفَقِيرِ (الزَّمَانَةُ وَلَا التَّعَفُّفُ عَنْ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْجَدِيدِ) فِيهِمَا لِصِدْقِ اسْمِ الْفَقْرِ مَعَ ذَلِكَ وَلِظَاهِرِ الْأَخْبَارِ؛ وَلِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم أَعْطَى الْقَوِيَّ وَالسَّائِلَ وَضِدَّهُمَا وَالْقَدِيمُ يَشْتَرِطَانِ (وَالْمَكْفِيِّ بِنَفَقَةِ قَرِيبٍ) أَصْلٍ أَوْ فَرْعٍ (أَوْ زَوْجٍ) وَلَوْ فِي عِدَّةِ طَلَاقٍ رَجِّعِي أَوْ بَائِنٍ وَهِيَ حَامِلٌ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ (لَيْسَ فَقِيرًا) وَلَا مِسْكِينًا (فِي الْأَصَحِّ) لِاسْتِغْنَائِهِ وَلِلْمُنْفِقِ وَغَيْرِهِ الصَّرْفُ إلَيْهِ بِغَيْرِ الْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ.
وَالثَّانِي نَعَمْ لِاحْتِيَاجِهِمَا إلَى غَيْرِهِمَا، نَعَمْ لَا يُعْطِي الْمُنْفِقُ قَرِيبَهُ مِنْ سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ مَا يُغْنِيهِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ بِذَلِكَ يُسْقِطُ النَّفَقَةَ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَا ابْنَ السَّبِيلِ إلَّا مَا زَادَ بِسَبَبِ السَّفَرِ، وَلِأَحَدِهِمَا بِالنِّسْبَةِ لِكِفَايَةٍ نَحْوَ قِنٍّ الْأَخْذُ مِمَّنْ لَا يَلْزَمُ الْمُزَكِّي إنْفَاقُهُ، وَلَوْ سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا بِنُشُوزٍ لَمْ تُعْطَ لِقُدْرَتِهَا عَلَى النَّفَقَةِ حَالًا بِالطَّاعَةِ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ سَافَرَتْ بِلَا إذْنٍ أَوْ مَعَهُ وَمَنَعَهَا أُعْطِيت مِنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ حَيْثُ لَمْ تَقْدِرْ عَلَى الْعَوْدِ حَالًا لِعُذْرِهَا، وَإِلَّا فَمِنْ سَهْمِ ابْنِ السَّبِيلِ إذَا عَزَمَتْ عَلَى الرُّجُوعِ لِانْتِهَاءِ الْمَعْصِيَةِ، وَخَرَجَ بِذَلِكَ الْمَكْفِيِّ بِنَفَقَةِ مُتَبَرِّعٍ فَيَجُوزُ لَهُ الْأَخْذُ، وَعَدَلَ الْمُصَنِّفُ عَنْ قَوْلٍ أَصْلُهُ كَالشَّرْحَيْنِ وَالرَّوْضَةِ لَا يُعْطَيَانِ مِنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ الْمُفِيد صِدْقُ الْحَدِّ عَلَى الْقَرِيبِ بِأَنَّهُ فَقِيرٌ، غَيْرَ أَنَّا إنَّمَا لَمْ نُعْطِهِ لِكَوْنِهِ فِي مَعْنَى الْقَادِرِ بِالْكَسْبِ، وَأَمَّا الْمَكْفِيَّةُ بِنَفَقَةِ الزَّوْجِ فَغَنِيَّةٌ قَطْعًا بِمَا تَمْلِكُهُ فِي ذِمَّتِهِ إلَى تَعْبِيرِهِ بِمَا ذَكَرَهُ؛ لِأَنَّ صَنِيعَ أَصْلِهِ يُوهِمُ أَنَّ الْحَدَّ غَيْرُ مَانِعٍ بِالنِّسْبَةِ لِلْقَرِيبِ لِمَا قَرَّرَهُ الْمُعْتَرِضُ أَنَّهُ فَقِيرٌ وَلَا يُعْطَى، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ غَيْرُ فَقِيرٍ؛ لِأَنَّ قُدْرَةَ بَعْضِهِ كَقُدْرَتِهِ لِتَنْزِيلِهِ مَنْزِلَتَهُ، فَمَا سَلَكَهُ الْمُصَنِّفُ أَوْجَهُ وَأَدَقُّ، وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ " الْمَكْفِيِّ " أَنَّ الْكَلَامَ فِي زَوْجٍ مُوسِرٍ، أَمَّا مُعْسِرٍ لَا يَكْفِي فَتَأْخُذُ تَمَامَ كِفَايَتِهَا بِالْفَقْرِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ لَمْ يَكْفِهَا مَا وَجَبَ لَهَا عَلَى الْمُوسِرِ لِكَوْنِهَا أَكُولَةً تَأْخُذُ تَمَامَ كِفَايَتِهَا بِالْفَقْرِ وَلَوْ مِنْهُ فِيمَا يَظْهَرُ، وَأَنَّهُ لَوْ غَابَ زَوْجُهَا وَلَا مَالَ لَهُ وَلَمْ تَقْدِرْ عَلَى التَّوَصُّلِ إلَيْهِ وَعَجَزَتْ عَنْ الِاقْتِرَاضِ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
فَعَجْزُهُ عَنْ الصَّوْمِ هُنَا بِدُونِ الْكَسْبِ قَدْ يُقَالُ هُوَ مَانِعٌ مِنْ وُجُوبِ الصَّوْمِ فَيُكَلَّفُ الْكَسْبُ (قَوْلُهُ: وَلِظَاهِرِ الْأَخْبَارِ) قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عِنْدَ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ اللَّهُ يُعْطِي وَأَنَا أَقْسِمُ» مَا نَصُّهُ: وَالْمُرَادُ أَنَّ الْمَالَ مَالُ اللَّهِ وَالْعِبَادَ عِبَادُ اللَّهِ وَأَنَا قَاسِمٌ بِإِذْنِهِ مَالَهُ بَيْنَكُمْ، فَمَنْ قَسَمْت لَهُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا فَبِإِذْنِ اللَّهِ.
وَقَدْ يَشْمَلُ قِسْمَةَ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَالْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ: أَيْ مَا أَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ مِنْ الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ وَالْحِكَمِ يَقْسِمُهُ بَيْنَهُمْ، فَيُلْقِي إلَى كُلِّ أَحَدٍ مَا يَلِيقُ بِهِ وَيَحْتَمِلُهُ وَاَللَّهُ يُعْطِي فَهْمَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ا. هـ. (قَوْلُهُ: أَوْ زَوْجٍ) قَضِيَّةُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ عَدَمِ اعْتِبَارِ الْإِسْرَافِ وَالتَّقْتِيرِ فِي حَدِّ الْفَقْرِ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَوْ كَانَتْ لَا يَكْفِيهَا عَلَى مَا يَلِيقُ بِهَا نَفَقَةُ الزَّوْجِ لِإِعْسَارِهِ مَثَلًا أَخَذَتْ مِنْ الزَّكَاةِ مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي تَحْصِيلِ النَّفَقَةِ الَّتِي تَلِيقُ بِهَا خُصُوصًا إذَا كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْهَيْئَاتِ ثُمَّ رَأَيْت قَوْلَهُ الْآتِي وَيُؤْخَذُ مِنْهُ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَلِأَحَدِهِمَا) أَيْ الْفَقِيرِ وَالْمِسْكَيْنِ (قَوْلُهُ: لِكِفَايَةٍ نَحْوَ قِنٍّ إلَخْ) قَالَ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ: وَبَحَثَ ابْنُ الرِّفْعَةِ أَنَّ الِابْنَ لَوْ كَانَ لَهُ عِيَالٌ جَازَ أَنْ يُعْطِيَهُ أَبُوهُ مِنْ سَهْمِ الْمَسَاكِينِ مَا يَصْرِفُهُ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهُ لَا تَلْزَمُ الْأَبَ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: أَوْ مَعَهُ وَمَنَعَهَا) أَيْ مِنْ السَّفَرِ، وَقَوْلُهُ أُعْطِيت لَمْ يُبَيِّنْ مَا تُعْطَاهُ، فَإِنْ كَانَتْ تُعْطَى
ــ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: نَعَمْ لَا يُعْطَى الْمُنْفِقُ إلَخْ) هُوَ اسْتِدْرَاكٌ عَلَى قَوْلِهِ وَلِلْمُنْفِقِ وَغَيْرِهِ الصَّرْفُ إلَيْهِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَلِأَحَدِهِمَا) أَيْ الْمَكْفِيِّ بِنَفَقَةِ الْقَرِيبِ وَالْمُكَفِّيَةِ بِنَفَقَةِ الزَّوْجِ خِلَافًا لِمَا وَقَعَ فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ مِنْ تَرْجِيعِ الضَّمِيرِ إلَى الْفَقِيرِ الْمِسْكِينِ إذْ لَا يَصِحُّ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ: أَوْ مَعَهُ) أَيْ الزَّوْجِ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْمَكْفِيَّةُ بِنَفَقَةِ الزَّوْجِ إلَخْ) هَذَا لَا مَوْضِعَ لَهُ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ وَهُوَ مِنْ كَلَامِ الْمُعْتَرِضِ الَّذِي قَصَدَ الشَّارِحُ الرَّدَّ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِالِاعْتِرَاضِ، وَالشِّهَابُ حَجّ صَرَّحَ فِي تُحْفَتِهِ بِالِاعْتِرَاضِ حَاكِيًا لَهُ بِقِيلَ، وَمِنْ جُمْلَتِهِ قَوْلُهُ وَأَمَّا الْمَكْفِيَّةُ إلَخْ، وَغَرَضُ الْمُعْتَرِضِ مِنْهُ الِاعْتِرَاضُ عَلَى الْمَتْنِ أَيْضًا فِي حِكَايَتِهِ الْخِلَافَ فِيهَا كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الشِّهَابُ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ صَنِيعَ أَصْلِهِ يُوهِمُ إلَخْ) قَالَ الشِّهَابُ سم:
أَخَذَتْ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ وَفَتَاوَى الْمُصَنِّفِ مِنْ أَنَّ الزَّوْجَ أَوْ الْبَعْضَ لَوْ أَعْسَرَ أَوْ غَابَ وَلَمْ يَتْرُكْ مُنْفِقًا وَلَا مَالًا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إلَيْهِ أُعْطِيت الزَّوْجَةُ أَوْ الْقَرِيبُ بِالْفَقْرِ أَوْ الْمَسْكَنَةِ، وَيُسَنُّ لَهَا أَنَّ تُعْطِي زَوْجَهَا مِنْ زَكَاتِهَا وَلَوْ بِالْفَقْرِ وَإِنْ أَنْفَقَهَا عَلَيْهَا كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ خِلَافًا لِلْقَاضِي
(وَالْمِسْكِينُ مَنْ قَدَرَ عَلَى مَالٍ أَوْ كَسْبٍ) حَلَالٍ لَائِقٍ (يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِ) وَكِفَايَةُ مُمَوَّنِهِ مِنْ مَطْعَمٍ وَغَيْرِهِ مِمَّا مَرَّ (وَلَا يَكْفِيهِ) كَمَنْ يَحْتَاجُ عَشَرَةً فَيَجِدُ سَبْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً وَإِنْ مَلَكَ نِصَابًا أَوْ أَنْصِبَاءَ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ فِي الْإِحْيَاءِ: قَدْ يَمْلِكُ أَلْفًا وَهُوَ فَقِيرٌ، وَقَدْ لَا يَمْلِكُ إلَّا فَأْسًا وَحَبْلًا وَهُوَ غَنِيٌّ وَلَا يَمْنَعُ الْمَسْكَنَةَ الْمَسْكَنُ وَمَا مَعَهُ مِمَّا مَرَّ مَبْسُوطًا، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكِفَايَةِ هُنَا وَفِيمَا مَرَّ كِفَايَةُ الْعُمْرِ الْغَالِبِ نَظِيرُ مَا يَأْتِي فِي الْإِعْطَاءِ وَإِنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا.
لَا يُقَالُ: يَلْزَمُ عَلَى ذَلِكَ أَخْذُ أَكْثَرِ الْأَغْنِيَاءِ بَلْ الْمُلُوكِ مِنْ الزَّكَاةِ.
لِأَنَّا نَقُولُ: مَنْ مَعَهُ مَالٌ يَكْفِيهِ رِبْحُهُ أَوْ عَقَارٌ يَكْفِيهِ دَخْلُهُ غَنِيٌّ، وَالْأَغْنِيَاءُ غَالِبُهُمْ كَذَلِكَ فَضْلًا عَنْ الْمُلُوكِ فَلَا يَلْزَمُ مَا ذُكِرَ، وَقَدْ عُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمِسْكِينَ أَحْسَنُ حَالًا مِنْ الْفَقِيرِ خِلَافًا لِمَنْ عَكَسَ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ} [الكهف: 79] حَيْثُ سَمَّى مَالِكِيهَا مَسَاكِينَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمِسْكِينَ مَنْ يَمْلِكُ مَا مَرَّ
(وَالْعَامِلُ) الْمُسْتَحِقُّ لِلزَّكَاةِ بِأَنْ فَرَّقَ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ أُجْرَةً مِنْ بَيْتِ الْمَالِ هُوَ (سَاعٍ) يُجْبِيهَا (وَكَاتِبٌ) مَا وَصَلَ مِنْ ذَوِي الْأَمْوَالِ وَمَا عَلَيْهِمْ وَحَاسِبٌ (وَقَاسِمٌ وَحَاشِرٌ) وَهُوَ الَّذِي (يَجْمَعُ ذَوِي الْأَمْوَالِ) أَوْ السُّهْمَانِ وَحَافِظٌ وَعَرِيفٌ وَهُوَ كَالنَّقِيبِ لِلْقَبِيلَةِ وَمُشِدٌّ اُحْتِيجَ إلَيْهِ وَكَيَّالٌ وَوَزَّانٌ وَعَدَّادٌ يُمَيِّزُ بَيْنَ الْأَصْنَافِ (لَا) الَّذِي يُمَيِّزُ نَصِيبَ الْمُسْتَحِقِّينَ مِنْ مَالِ الْمَالِكِ بَلْ أُجْرَتُهُ عَلَيْهِ وَلَا نَحْوَ رَاعٍ وَحَافِظٍ بَعْدَ قَبْضِ الْإِمَامِ لَهَا بَلْ أُجْرَتُهُ مِنْ أَصْلِ الزَّكَاةِ لَا مِنْ خُصُوصِ سَهْمِ الْعَامِلِ، وَلَا (الْقَاضِي وَالْوَالِي) عَلَى الْإِقْلِيمِ إذَا قَامَا بِذَلِكَ بَلْ يَرْزُقُهُمَا الْإِمَامُ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ الْمُرْصَدِ لِلْمَصَالِحِ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُمَا عَامٌّ.
وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ دُخُولُ قَبْضِ الزَّكَاةِ وَصَرْفِهَا فِي عُمُومِ وِلَايَةِ الْقَاضِي، وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْهَرَوِيِّ وَأَقَرَّهُ مَا لَمْ يُنَصَّبْ لَهُمَا مُتَكَلِّمٌ خَاصٌّ، وَالْأَوْجَهُ جَوَازُ أَخْذِهِ مِنْ سَهْمِ الْغَارِمِ إذَا اسْتَدَانَ لِلْإِصْلَاحِ، وَمِنْ سَهْمِ الْغَازِي الْمُتَطَوِّعِ وَمِنْ سَهْمِ الْمُؤَلَّفِ الضَّعِيفِ النِّيَّةِ، وَظَاهِرٌ أَنَّهُ إذَا مُنِعَ حَقُّهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ جَازَ لَهُ الْأَخْذُ بِنَحْوِ الْفَقْرِ وَالْغُرْمِ مُطْلَقًا، وَسَيَأْتِي فِي الرِّشْوَةِ أَنَّ غَيْرَ السُّبْكِيّ بَحَثَ الْقَطْعَ بِجَوَازِ أَخْذِهِ لِلزَّكَاةِ.
(وَالْمُؤَلَّفَةُ) جَمْعُ مُؤَلَّفٍ مِنْ التَّأْلِيفِ وَهُوَ جَمْعُ الْقُلُوبِ، وَهُوَ (مَنْ أَسْلَمَ وَنِيَّتُهُ ضَعِيفَةٌ) فِي أَهْلِ الْإِسْلَامِ أَوْ فِي الْإِسْلَامِ نَفْسِهِ بِنَاءً عَلَى
ــ
[حاشية الشبراملسي]
كَغَيْرِهَا كِفَايَةَ الْعُمْرِ الْغَالِبِ أَشْكَلَ؛ لِأَنَّهَا إذَا عَادَتْ وَجَبَتْ نَفَقَتُهَا عَلَى الزَّوْجِ فَلَا يَبْعُدُ أَنَّهَا تُعْطَى كِفَايَتُهَا إلَى عَوْدِهَا وَوُجُوبِ نَفَقَتِهَا اهـ سم عَلَى حَجّ
قَوْلُهُ (أَوْ كَسْبٍ حَلَالٍ) أَيْ وَلَيْسَ فِيهِ شُبْهَةٌ أَخْذًا مِمَّا قَدَّمَهُ فِي قَوْلِهِ أَوْ فِيهِ شُبْهَةٌ قَوِيَّةٌ إلَخْ (قَوْلُهُ فَيَجِدُ سَبْعَةً) أَيْ بَلْ أَوْ خَمْسَةً أَوْ سِتَّةً لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ مِنْ يَمْلِكُ أَرْبَعَةً فَقِيرٌ عَلَى الْأَوْجَهِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ لَا يَمْلِكُ إلَّا فَأْسًا) بِالْهَمْزِ كَمَا فِي الْمُخْتَارِ (قَوْلُهُ: كِفَايَةُ الْعُمْرِ الْغَالِبِ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَخْذِ نَفْسِهِ، أَمَّا مُمَوَّنُهُ فَلَا حَاجَةَ إلَى تَقْدِيرِ ذَلِكَ فِيهِ بَلْ يُلَاحَظُ فِيهِ كِفَايَةُ مَا يَحْتَاجُهُ الْآنَ مِنْ زَوْجَةٍ وَعَبْدٍ وَدَابَّةٍ مَثَلًا بِتَقْدِيرِ بَقَائِهَا أَوْ بَدَلِهَا لَوْ عُدِمَتْ بَقِيَّةُ عُمْرِهِ الْغَالِبِ
(قَوْلُهُ وَمِشَدٍّ) هُوَ الَّذِي يَنْظُرُ فِي مَصَالِحِ الْمَحَلِّ (قَوْلُهُ وَالْأَوْجَهُ جَوَازُ أَخْذِهِ) أَيْ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْقَاضِي إلَخْ
(قَوْلُهُ: وَالْمُؤَلَّفَةُ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ يُعْطُونَ وَلَوْ مَعَ الْغِنَى اهـ سم عَلَى مَنْهَجِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ جَمْعُ الْقُلُوبِ) أَيْ
ــ
[حاشية الرشيدي]
يُتَأَمَّلُ (قَوْلُهُ: مِنْ أَنَّ الزَّوْجَ أَوْ الْبَعْضَ لَوْ أُعْسِرَ) صَرِيحٌ فِي أَنَّ مَنْ أَعْسَرَ زَوْجُهَا بِنَفَقَتِهَا تَأْخُذُ مِنْ الزَّكَاةِ وَإِنْ كَانَتْ مُتَمَكِّنَةً مِنْ الْفَسْخِ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ الْفَسْخَ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ اسْتِغْنَاؤُهَا، وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الِاسْتِغْنَاءُ بِأَنْ كَانَ لَهَا قَرِيبٌ مُوسِرٌ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهَا لَوْ فُسِخَتْ أَنَّهَا لَا تُعْطَى فَلْيُرَاجَعْ الْحُكْمُ
(قَوْلُهُ: مَنْ مَعَهُ مَالٌ يَكْفِيهِ رِبْحُهُ إلَخْ) هَذَا هُوَ الْجَوَابُ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ كَوْنِ الْمَالِ يَكْفِيهِ الْعُمُرَ الْغَالِبَ أَنَّهُ تَكْفِيهِ عَيْنُهُ يَصْرِفُهَا كَمَا بَنَى عَلَيْهِ
مَا عَلَيْهِ أَئِمَّتُنَا كَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْإِيمَانَ: أَيْ التَّصْدِيقَ نَفْسَهُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ كَثَمَرَتِهِ فَيُعْطَى وَلَوْ امْرَأَةً لِيُقَوِّيَ إيمَانَهُ (أَوْ) مَنْ نِيَّتُهُ قَوِيَّةٌ لَكِنْ (لَهُ شَرَفٌ) بِحَيْثُ (يَتَوَقَّعُ بِإِعْطَائِهِ إسْلَامَ غَيْرِهِ) وَلَوْ امْرَأَةً (وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُمْ يُعْطَوْنَ مِنْ الزَّكَاةِ) لِنَصِّ الْآيَةِ عَلَيْهِمْ فَلَوْ حُرِمُوا لَزِمَ أَنْ لَا مَحْمَلَ لَهَا، وَدَعْوَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعَزَّ الْإِسْلَامَ عَنْ التَّأْلِيفِ بِالْمَالِ إنَّمَا يَتَوَجَّهُ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ، عَلَى أَنَّهَا إنَّمَا تَتَّجِهُ رَدًّا لِقَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّ مُؤَلَّفَةِ الْكُفَّارِ يُعْطَوْنَ مِنْ غَيْرِ الزَّكَاةِ لَعَلَّهُمْ يُسْلِمُونَ، وَعِنْدَنَا لَا يُعْطَوْنَ مِنْهَا قَطْعًا وَلَا مِنْ غَيْرِهَا عَلَى الْأَصَحِّ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي لَا يُعْطَوْنَ.
وَالثَّالِثُ يُعْطَوْنَ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ الْمُرْصَدِ لِلْمَصَالِحِ وَهَذَا مِنْهَا وَمِنْ الْمُؤَلَّفَةِ أَيْضًا مَنْ يُقَاتِلُ أَوْ يُخَوِّفُ مَانِعِي الزَّكَاةِ حَتَّى يَحْمِلَهَا مِنْهُمْ إلَى الْإِمَامِ وَمَنْ يُقَاتِلُ مَنْ يَلِيه مِنْ الْكُفَّارِ أَوْ الْبُغَاةِ فَيُعْطَيَانِ إنْ كَانَ إعْطَاؤُهُمَا أَسْهَلَ مِنْ بَعْثِ جَيْشٍ وَحَذَفَهُمَا؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ فِي مَعْنَى الْعَامِلِ، وَالثَّانِيَ فِي مَعْنَى الْغَازِي، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ الْآتِي وَإِلَّا فَالْقِسْمَةُ عَلَى سَبْعَةٍ أَنَّ الْمُؤَلَّفَ بِأَقْسَامِهِ يُعْطَى وَإِنْ قَسَمَ الْمَالِكُ، وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا خِلَافًا لِجَمْعٍ مُتَأَخِّرِينَ، وَجَزَمَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ مَنْهَجِهِ بِمَا قَالُوهُ يُنَاقِضُهُ قَوْلُهُ بَعْدَ قُبَيْلِ الْفَصْلِ الثَّانِي، وَالْمُؤَلَّفَةُ يُعْطِيهَا الْإِمَامُ أَوْ الْمَالِكُ مَا يَرَاهُ.
نَعَمْ اشْتِرَاطٌ أَنَّ لِلْإِمَامِ دَخْلًا فِي الْأَخِيرَيْنِ ظَاهِرٌ لِتَعَلُّقِهِمَا بِالْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، فَلَا وَجْهَ لِتَوَقُّفِ إعْطَاءِ الْأَوَّلَيْنِ عَلَى نَظَرِ الْإِمَامِ، ثُمَّ اشْتِرَاطُ جَمْعٍ فِي إعْطَاءِ الْأَرْبَعَةِ الِاحْتِيَاجُ إلَيْهِمْ مُفَرَّعٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْطِي الْمُؤَلَّفَةَ إلَّا الْإِمَامُ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ مَا مَرَّ فِي الْأَخِيرَيْنِ مِنْ اشْتِرَاطِ كَوْنِ إعْطَائِهِمَا أَسْهَلَ مِنْ بَعْثِ جَيْشٍ إذْ ذَلِكَ يُغْنِي عَنْ اشْتِرَاطِ الْحَاجَةِ إلَيْهِمَا بَلْ الضَّعْفُ وَالشَّرَفُ فِي الْأَوَّلَيْنِ كَافٍ فِي الْحَاجَةِ.
(وَالرِّقَابُ الْمُكَاتَبُونَ) كَمَا فَسَّرَ بِهِمْ الْآيَةَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ بِشَرْطِ صِحَّةِ كِتَابَتِهِمْ كَمَا سَنَذْكُرُهُ فَخَرَجَ الْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِإِعْطَاءِ مَالٍ، فَإِنْ عَتَقَ بِمَا اقْتَرَضَهُ وَأَدَّاهُ فَهُوَ غَارِمٌ، وَأَنْ لَا يَكُون مَعَهُمْ وَفَاءٌ بِالنُّجُومِ وَإِنْ قَدَرُوا عَلَى الْكَسْبِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُعْطَ الْفَقِيرُ وَالْمِسْكِينُ الْقَادِرَانِ عَلَى ذَلِكَ كَمَا مَرَّ؛ لِأَنَّ حَاجَتَهُمَا تَتَحَقَّقُ يَوْمًا بِيَوْمِ وَالْكَسُوبُ يَحْصُلُ كُلَّ يَوْمٍ كِفَايَتُهُ، وَلَا يُمْكِنُ تَحْصِيلُ كِفَايَةِ الدَّيْنِ إلَّا بِالتَّدْرِيجِ غَالِبًا لَا حُلُولُ النُّجُومِ تَوْسِيعًا لِطُرُقِ الْعِتْقِ لِتَشَوُّفِ الشَّارِعِ إلَيْهِ، وَبِهِ فَارَقَ الْغَارِمَ وَلَا إذْنَ لِلسَّيِّدِ فِي الْإِعْطَاءِ، وَإِذَا صَحَحْنَا كِتَابَةَ بَعْضِ قِنٍّ كَأَنْ أَوْصَى بِكِتَابِهِ عَبْدٌ فَعَجَزَ الثُّلُثُ عَنْ كُلِّهِ لَمْ يُعْطَ، وَلَا يُعْطَى مُكَاتَبُ نَفْسِهِ مِنْ زَكَاتِهِ، وَيُسْتَرَدُّ مِنْهُ إنْ عَجَّزَ نَفْسَهُ أَوْ عَتَقَ بِغَيْرِ الْمَدْفُوعِ، وَإِنَّمَا جَازَ أَنْ يُعْطَى لِغَرِيمِهِ مِنْ زَكَاتِهِ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ مِلْكٌ لِسَيِّدِهِ فَكَأَنَّهُ أَعْطَى مَمْلُوكَهُ بِخِلَافِ الْغَارِمِ.
نَعَمْ مَا أَتْلَفَهُ قَبْلَ الْعِتْقِ وَالْبَرَاءَةِ لَا يُغَرَّمُ بَدَّلَهُ لِتَلَفِهِ عَلَى مِلْكِهِ مَعَ حُصُولِ الْغَرَضِ الْمَقْصُودِ، وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْ إنْفَاقِهِ فِي غَيْرِ الْعِتْقِ وَإِنْ كَانَ لَهُ كَسْبٌ لَكِنْ قَبْلَ كَسْبِ مَا عَلَيْهِ لَا بَعْدَهُ لَيُقَوِّيَ ظَنَّ حُصُولِهِ الْمُتَشَوِّفَ إلَيْهِ الشَّارِعُ.
(وَالْغَارِمُ) الْمَدِينُ وَمِنْهُ مُكَاتَبٌ اسْتَدَانَ النُّجُومَ وَعَتَقَ كَمَا مَرَّ، وَإِنَّمَا يُعْطَى (إنَّ اسْتَدَانَ لِنَفْسِهِ) شَيْئًا
ــ
[حاشية الشبراملسي]
هُنَا، وَإِلَّا فَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ مُطْلَقًا عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ (قَوْلُهُ: وَالثَّانِي فِي مَعْنَى الْغَازِي) لَكِنْ جَعَلَهُمَا فِي مَعْنَى مَنْ ذَكَرَ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُقَاتِلَ وَالْمَخُوفَ يُعْطِيَانِ مِنْ سَهْمِ الْعَامِلِ، وَأَنَّ مَنْ يُقَاتِلُ مَنْ يَلِيه مِنْ الْكُفَّارِ يُعْطَى مِنْ سَهْمِ الْغُزَاةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادًا وَإِنَّمَا يُعْطَوْنَ مِنْ سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ (قَوْلُهُ: أَوْ الْمَالِكُ) أَيْ حَيْثُ قُلْنَا بِهِ، وَعَلَيْهِ فَلَا مُنَاقَضَةَ (قَوْلُهُ ظَاهِرٌ) أَيْ وَمَعَ ظُهُورِهِ فِي ذَلِكَ الْمُعْتَمَدِ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْإِعْطَاءَ لَا يَخْتَصُّ بِهِ (قَوْلُهُ: بَلْ الضَّعْفُ) أَيْ كَافٍ
(قَوْلُهُ بِشَرْطِ صِحَّةِ كِتَابَتِهِمْ) وَكَوْنُ الْكِتَابَةِ لِجَمِيعِ الْمُكَاتَبِ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: نَعَمْ مَا أَتْلَفَهُ) أَيْ مِمَّا أَخَذَهُ وَهُوَ اسْتِدْرَاكٌ
ــ
[حاشية الرشيدي]
الْمُعْتَرِضُ اعْتِرَاضَهُ، بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَكْفِيهِ رِبْحُهُ
(قَوْلُهُ:: لَا حُلُولُ النُّجُومِ) أَيْ فَلَا يُشْتَرَطُ (قَوْلُهُ وَيُسْتَرَدُّ مِنْهُ) أَيْ الزَّكَاةُ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهِ وَكَانَ الْأَوْلَى تَأْخِيرَهُ عَمَّا بَعْدَهُ (قَوْلُهُ: نَعَمْ مَا أَتْلَفَهُ قَبْلَ الْعِتْقِ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى قَوْلِهِ وَتُسْتَرَدُّ إلَخْ
يَصْرِفُهُ (فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ) طَاعَةً كَانَ أَوْ مُبَاحًا وَإِنْ صَرَفَهُ فِيهَا، وَلَوْ لَمْ يَتُبْ إذَا عُلِمَ قَصْدُهُ الْإِبَاحَةَ أَوْ لَا، لَكِنَّا لَا نُصَدِّقُهُ فِيهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَيُعْلَمُ ذَلِكَ بِقَرَائِنَ تُفِيدُ مَا ذُكِرَ، وَتَمْثِيلُ الرَّافِعِيِّ الِاسْتِدَانَةَ لِلْمَعْصِيَةِ بِمَا لَوْ اشْتَرَى خَمْرًا فِي ذِمَّتِهِ مَحْمُولٌ عَلَى كَافِرٍ اشْتَرَاهَا وَقَبَضَهَا فِي الْكُفْرِ فَيَسْتَقِرُّ بَدَلُهَا فِي ذِمَّتِهِ، أَوْ يُرَادُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ اسْتَدَانَ شَيْئًا فَقَصَدَ صَرْفَهُ فِي تَحْصِيلِ خَمْرٍ وَصَرَفَهُ فِيهِ فَالِاسْتِدَانَةُ بِهَذَا الْقَصْدِ مَعْصِيَةٌ، وَتَعْبِيرُهُ بِالِاسْتِدَانَةِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ، فَلَوْ أَتْلَفَ مَالَ غَيْرِهِ عَمْدًا أَوْ أَسْرَفَ فِي النَّفَقَةِ كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ إنْ صَرَفَ الْمَالَ فِي الْمَلَاذِّ الْمُبَاحَةِ لَيْسَ بِصَرْفِ مَحَلِّهِ فِيمَنْ يَصْرِفُ مِنْ مَالِهِ إلَّا بِالِاسْتِدَانَةِ مِنْ غَيْرِ رَجَاءِ وَفَائِهِ: أَيْ حَالًّا فِيمَا يَظْهَرُ مِنْ سَبَبٍ ظَاهِرٍ.
لَا يُقَالُ: لَوْ أُرِيدَ هَذَا لَمْ يَتَقَيَّدْ بِالْإِسْرَافِ.
لِأَنَّا نَقُولُ: الْمُرَادُ بِالْإِسْرَافِ هُنَا الزَّائِدُ عَلَى الضَّرُورَةِ أَمَّا الِاقْتِرَاضُ لِلضَّرُورَةِ فَلَا حُرْمَةَ فِيهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ فِي وُجُوبِ الْبَيْعِ لِلْمُضْطَرِّ الْمُعْسِرِ، وَإِنَّمَا (أُعْطِيَ) الْأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي لِتَقْصِيرِهِ بِالِاسْتِدَانَةِ لِلْمَعْصِيَةِ مَعَ صَرْفِهَا فِيهَا (قُلْت: الْأَصَحُّ يُعْطَى إذَا تَابَ) حَالًّا إنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) وَكَذَا إذَا صَرَفَهُ فِي مُبَاحٍ كَعَكْسِهِ السَّابِقِ، وَلَا يُعْطَى غَارِمٌ مَاتَ وَلَا وَفَاءَ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ إنْ عَصَى بِهِ فَوَاضِحٌ وَإِلَّا فَغَيْرُ مُحْتَاجٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُطَالِبُ بِهِ.
وَالثَّانِي لَا يُعْطَى؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا اتَّخَذَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً ثُمَّ يَعُودُ (وَالْأَظْهَرُ اشْتِرَاطُ حَاجَتِهِ) أَيْ الْمُسْتَدِينِ بِأَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ قَضَى دَيْنَهُ مِمَّا مَعَهُ تَمَسْكَنَ كَمَا رَجَحَاهُ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَالْمَجْمُوعِ فَيُتْرَكُ لَهُ مِمَّا مَعَهُ مَا يَكْفِيهِ: أَيْ الْكِفَايَةُ السَّابِقَةُ لِلْعُمْرِ الْغَالِبِ فِيمَا يَظْهَرُ، ثُمَّ إنْ فَضَلَ مَعَهُ شَيْءٌ صَرَفَهُ فِي دَيْنِهِ وَتَمَّمَ لَهُ بَاقِيَهُ وَإِلَّا قَضَى عَنْهُ الْكُلَّ، وَلَا يُكَلَّفُ كَسُوبٌ الْكَسْبَ هُنَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ مِنْهُ غَالِبًا إلَّا بِتَدْرِيجٍ، وَفِيهِ حَرَجٌ شَدِيدٌ.
وَالثَّانِي لَا يُشْتَرَطُ لِعُمُومِ الْآيَةِ وَمُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْفَلَسِ مِنْ وُجُوبِ الِاكْتِسَابِ عَلَى عَاصٍ بِالِاسْتِدَانَةِ يَجِيءُ نَظِيرُهُ هُنَا، وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ ذَاكَ حَقُّ آدَمِيٍّ فَغَلُظَ فِيهِ أَكْثَرُ (دُونَ حُلُولِ الدَّيْنِ) لِأَنَّهُ يُسَمَّى الْآنَ مَدِينًا (قُلْت: الْأَصَحُّ اشْتِرَاطُ حُلُولِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) .
لِعَدَمِ حَاجَتِهِ إلَيْهِ الْآنَ (أَوْ) اسْتَدَانَ (لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ) أَيْ الْحَالُ بَيْنَ الْقَوْمِ بِأَنْ يَخَافَ فِتْنَةً بَيْنَ شَخْصَيْنِ أَوْ قَبِيلَتَيْنِ تَنَازَعَا فِي قَتِيلٍ أَوْ مَالٍ مُتْلَفٍ، وَإِنْ عَرَفَ قَاتَلَهُ أَوْ مُتْلِفَهُ فَيَسْتَدِينُ مَا يُسَكِّنُ بِهِ الْفِتْنَةَ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
عَلَى قَوْلِهِ وَيَسْتَرِدُّ مِنْهُ إلَخْ
(قَوْلُهُ وَإِنَّمَا أُعْطِيَ الْأَوَّلُ) هُوَ مَنْ اسْتَدَانَ لِنَفْسِهِ دُونَ الْمَعْصِيَةِ، وَالثَّانِي هُوَ مَنْ اسْتَدَانَ لِلْمَعْصِيَةِ وَصَرَفَهُ فِيهَا (قَوْلُهُ: لَا يُطَالِبُ بِهِ) أَيْ الْآنَ (قَوْلُهُ مِمَّا مَعَهُ تَمَسْكُنٌ) أَيْ صَارَ مِسْكِينًا (قَوْلُهُ: فَيَسْتَدِينُ مَا يَسْكُنُ بِهِ) فِي سم عَلَى حَجّ: قَدْ يُقَالُ الِاسْتِدَانَةُ بِالْقَرْضِ وَلَا يَكُونُ إلَّا حَالًا إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ بِأَنْ يَشْتَرِيَ
ــ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَتَمْثِيلُ الرَّافِعِيِّ الِاسْتِدَانَةَ لِلْمَعْصِيَةِ) هَذَا سَقَطَ مِنْ نُسَخِ الشَّارِحِ مِنْ الْمَتْنِ وَالشَّرْحِ، وَلَفْظُ الْمَتْنِ: وَالْغَارِمُ إنْ اسْتَدَانَ لِنَفْسِهِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ أُعْطِي أَوْ لِمَعْصِيَةٍ فَلَا قُلْت إلَخْ، فَقَوْلُ الشَّارِحِ وَتَمْثِيلُ الرَّافِعِيِّ إلَخْ مِنْ تَعَلُّقِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَوْ لِمَعْصِيَةٍ فَلَا الَّذِي سَقَطَ شَرْحُهُ مِنْ نُسَخِ الشَّارِحِ، وَفِي نُسَخِ الشَّارِحِ أَيْضًا كِتَابَةً أُعْطِيَ مِنْ قَوْلِهِ الْآتِي آخِرَ السَّوَادَةِ وَإِنَّمَا أُعْطِيَ الْأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي إلَخْ بِالْأَحْمَرِ وَهُوَ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ كَمَا عَرَفْت (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَغَيْرُ مُحْتَاجٍ) أَيْ؛ لِأَنَّ مُطَالَبَةَ الدَّائِنِ الَّتِي كُنَّا نُعْطِيهِ لِدَفْعِهَا قَدْ انْدَفَعَتْ عَنْهُ بِالْمَوْتِ، فَالْمُرَادُ بِالْمُطَالَبَةِ فِي قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُطَالَبُ بِهِ الْمُطَالَبَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ كَمَا يُصَرِّحُ بِذَلِكَ كَلَامُ الدَّمِيرِيِّ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ نَفْيُ الْمُطَالَبَةِ الْأُخْرَوِيَّةِ، وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا فِي التُّحْفَةِ مِمَّا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ ذَلِكَ (قَوْلُهُ لِلشَّارِحِ مَعَ الْمَتْنِ أَوْ اسْتَدَانَ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ بِحَسَبِ مَا حَلَّ بِهِ الشَّارِحُ الْمَتْنَ أَوَّلًا مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ إنْ اسْتَدَانَ لِنَفْسِهِ الَّذِي قَطَعَهُ الشَّارِحُ عَنْ الْمَتْنِ قَبْلُ وَدَخَلَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَإِنَّمَا يُعْطَى فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ وَإِنَّمَا يُعْطَى إنْ اسْتَدَانَ لِنَفْسِهِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ أَوْ اسْتَدَانَ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَحِينَئِذٍ فَيَصِيرُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ أُعْطِيَ غَيْرُهُ مُتَعَلِّقًا بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ، فَكَانَ عَلَى الشَّارِحِ أَنْ يُقَدِّرَ لَهُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وَإِلَّا صَارَ مُهْمَلًا فَتَأَمَّلْ
وَلَوْ كَانَ ثَمَّ مَنْ يُسَكِّنُهَا غَيْرُهُ (أُعْطِيَ) إنْ حَلَّ الدَّيْنُ هُنَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ (مَعَ الْغَنِيِّ) وَلَوْ بِنَقْدٍ وَإِلَّا لَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ هَذِهِ الْمَكْرُمَةِ (وَقِيلَ إنْ كَانَ غَنِيًّا بِنَقْدٍ فَلَا) يُعْطَى إذْ لَيْسَ فِي صَرْفِهِ إلَى الدَّيْنِ مَا يَهْتِكُ الْمُرُوءَةَ، وَيُرَدُّ بِأَنَّ الْمَلْحَظَ هُنَا الْحَمْلُ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ الْمُقْتَضِي عَدَمَ الْفَرْقِ، وَأَفْهَمَ ذِكْرَهُ الِاسْتِدَانَةَ الدَّالُّ عَلَيْهَا الْعَطْفُ، كَمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَوْ أَعْطَى مِنْ مَالِهِ لَمْ يُعْطَ، وَمِثْلُهُ مَا لَوْ اسْتَدَانَ وَوَفَّى مِنْ مَالِهِ، وَمِنْ الْغَارِمِ الضَّامِنِ لِغَيْرِهِ لَا لَتَسْكِينِ فِتْنَةٍ وَهُوَ مُعْسِرٌ بِمَا عَلَى مُعْسِرٍ فَيُعْطَى.
فَإِنْ وَفَّى فَلَا رُجُوعَ كَمُعْسِرٍ مُلْتَزِمٍ بِمَا عَلَى مُوسِرٍ بِلَا إذْنٍ، وَصَرْفُهُ إلَى الْأَصِيلِ الْمُعْسِرِ أَوْلَى أَوْ هُوَ مُوسِرٌ بِمَا عَلَى مُوسِرٍ فَلَا، وَشَمَلَ ذَلِكَ الضَّمَانُ بِالْإِذْنِ وَبِدُونِهِ، وَهُوَ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ فِي الشِّقِّ الثَّانِي وَاسْتَوْجَهَهُ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، أَوْ مُوسِرٌ بِمَا عَلَى مُعْسِرٍ أُعْطِيَ دُونَ الضَّامِنِ، وَمَنْ اسْتَدَانَ لِنَحْوِ عِمَارَةِ مَسْجِدٍ وَقِرَى ضَيْفٍ وَفَكِّ أَسِيرٍ يُعْطَى عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ النَّقْدِ لَا عَنْ غَيْرِهِ كَالْعَقَارِ، كَذَا جَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الْمُقْرِي تَبَعًا لِلْمَاوَرْدِيِّ وَالرُّويَانِيِّ وَغَيْرِهِمَا، وَقَالَ السَّرَخْسِيُّ: حُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ اسْتَدَانَهُ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ، وَجَزَمَ بِهِ الْحِجَازِيُّ وَصَاحِبُ الْأَنْوَارِ، وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ: إنَّهُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْأَكْثَرِينَ وَاعْتَمَدَهُ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، عَلَى أَنَّهُ لَوْ قِيلَ لَا أَثَرَ لِغِنَاهُ بِالنَّقْدِ أَيْضًا حَمْلًا عَلَى هَذِهِ الْمَكْرُمَةِ الْعَامِّ نَفْعُهَا لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا، وَظَاهِرٌ أَنَّ مَا اكْتَسَبَهُ مُكَاتَبٌ وَنَحْوُ غَارِمٍ وَابْنِ سَبِيلٍ لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ صَرْفُ قَدْرِ مَا أَخَذَ فِيمَا أَخَذَ لَهُ.
(وَسَبِيلُ اللَّهِ تَعَالَى غُزَاةٌ لَا فَيْءَ لَهُمْ) أَيْ لَا سَهْمَ لَهُمْ فِي دِيوَانِ الْمُرْتَزِقَةِ بَلْ هُمْ مُتَطَوِّعَةٌ يَغْزُونَ إذَا نَشِطُوا بَلْ هُمْ فِي حِرَفِهِمْ وَصَنَائِعِهِمْ وَسَبِيلُ اللَّهِ وَضْعًا الطَّرِيقُ الْمُوَصِّلَةُ لَهُ تَعَالَى، ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْجِهَادِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ الشَّهَادَةِ الْمُوَصِّلَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ وُضِعَ عَلَى هَؤُلَاءِ؛ لِأَنَّهُمْ جَاهَدُوا لَا فِي مُقَابِلٍ فَكَانُوا أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِمْ.
وَأَمَّا تَفْسِيرُ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ الْمُخَالِفِ لِمَا عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ لَهُ بِالْحَجِّ لِحَدِيثٍ فِيهِ فَقَدْ أُجِيبَ عَنْهُ: أَيْ بَعْدَ تَسْلِيمِ صِحَّتِهِ الَّتِي زَعَمَهَا الْحَاكِمُ، وَإِلَّا فَقَدْ طَعَنَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ بِأَنَّ فِي سَنَدِهِ مَجْهُولًا، وَبِأَنَّ فِيهِ عَنْعَنَةَ مُدَلِّسٍ وَبِأَنَّ فِيهِ اضْطِرَابًا بِأَنَّا لَا نَمْنَعُ أَنَّهُ يُسَمَّى بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي مُرَادِ الْآيَةِ بِسَبِيلِ اللَّهِ لَا سِيَّمَا وَخَبَرُ «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ إلَّا لِخَمْسَةٍ، ذَكَر مِنْهَا الْغَازِيَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ مَنْ ذَكَرْنَاهُ (فَيُعْطَوْنَ مَعَ الْغَنِيِّ) إعَانَةً لَهُمْ عَلَى الْغَزْوِ، وَمَرَّ أَنَّهُ لَا حَظَّ لَهُمْ فِي الْفَيْءِ كَمَا لَا حَظَّ لِأَهْلِهِ فِي الزَّكَاةِ، فَإِنْ عُدِمَ وَاضْطُرِرْنَا إلَى الْمُرْتَزِقِ أَعَانَهُ الْأَغْنِيَاءُ مِنَّا مِنْ أَمْوَالِهِمْ لَا مِنْ الزَّكَاةِ.
(وَابْنُ السَّبِيلِ) هُوَ شَامِلٌ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فَفِيهِ تَغْلِيبٌ (مُنْشِئُ سَفَرٍ) مِنْ بَلَدِ الزَّكَاةِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَطَنَهُ، وَقُدِّمَ اهْتِمَامًا بِهِ لِوُقُوعِ الْخِلَافِ الْقَوِيِّ فِيهِ إذْ إطْلَاقُهُ عَلَيْهِ مَجَازٌ لِدَلِيلٍ هُوَ عِنْدَنَا الْقِيَاسُ عَلَى الثَّانِي بِجَامِعِ احْتِيَاجِ كُلٍّ لِأُهْبَةِ السَّفَرِ (أَوْ مُجْتَازٌ) بِهِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِمُلَازِمَتِهِ السَّبِيلَ، وَهِيَ الطَّرِيقُ، وَأُفْرِدَ فِي الْآيَةِ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ مَحَلُّ الْوِحْدَةِ وَالِانْفِرَادِ (وَشَرْطُهُ) مِنْ جِهَةِ الْإِعْطَاءِ لَا التَّسْمِيَةِ (الْحَاجَةُ) بِأَنْ لَا يَجِدَ مَا يَقُومُ بِحَوَائِجِ سَفَرِهِ وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ بِغَيْرِهِ وَلَوْ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَإِنْ وَجَدَ مِنْ يُقْرِضُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا مَرَّ مِنْ اشْتِرَاطِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَعَدَمِ وُجُودِ مُقْرِضٍ بِأَنَّ الضَّرُورَةَ فِي السَّفَرِ وَالْحَاجَةَ فِيهِ أَغْلَبُ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يُفَرِّقُوا فِيهِ بَيْنَ الْقَادِرِ عَلَى الْكَسْبِ، وَلَوْ بِلَا مَشَقَّةٍ كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُهُمْ وَبَيْنَ غَيْرِهِ لِتَحَقُّقِ حَاجَتِهِ مَعَ قُدْرَتِهِ هُنَا دُونَ مَا مَرَّ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
فِي ذِمَّتِهِ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ مَا يَصْرِفُهُ فِي تِلْكَ الْجِهَةِ كَإِبِلِ الدِّيَةِ اهـ (قَوْلُهُ: فَإِنْ وَفَّى) يَعْنِي الضَّامِنَ مَا عَلَى الْأَصِيلِ بِمَا قَبَضَهُ مِنْ الزَّكَاةِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْأَصِيلِ
(قَوْلُهُ: لَا فِي مُقَابِلِ) هِيَ بِمَعْنَى اللَّامِ
(قَوْلُهُ وَعَدَمِ وُجُودِ مُقْرِضٍ)
ــ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: فَإِنْ وَفَّى) وَفِي عِبَارَةِ شَرْحِ الرَّوْضِ، وَإِذَا قَضَى وَقَوْلُهُ فَلَا رُجُوعَ: أَيْ عَلَى الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَرْجِعُ إذَا غَرِمَ مِنْ مَالِهِ (قَوْلُهُ: إلَى الْأَصِيلِ الْمُعْسِرِ) أَيْ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ (قَوْلُهُ: وَشَمِلَ ذَلِكَ) أَيْ ضَمَانُ الْمُوسِرِ مَا عَلَى الْمُوسِرِ (قَوْلُهُ: فِي الشِّقِّ الثَّانِي) أَيْ قَوْلِهِ وَبِدُونِهِ
(قَوْلُهُ: وَعَدَمُ وُجُودِ مُقْرِضٍ) تَبِعَ فِي هَذِهِ الْإِحَالَةِ