الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أسباط، عن السدي:"الذي يؤمن بالله وكلماته"، فهو عيسى ابن مريم.
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا، أنَّ الله تعالى ذكره أمرَ عباده أن يصدِّقوا بنبوِّة النبيّ الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته، ولم يخصص الخبرَ جل ثناؤه عن إيمانه من "كلمات الله" ببعض دون بعضٍ، بل أخبرهم عن جميع "الكلمات"، فالحق في ذلك أن يعمَّ القول، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤمن بكلمات الله كلِّها، على ما جاء به ظاهرُ كتابِ الله.
* * *
وأما قوله: "واتبعوه لعلكم تهتدون"، فاهتدوا به أيها الناس، واعملوا بما أمركم أن تعملوا به من طاعة الله= "لعلكم تهتدون"، يقول: لكي تهتدوا فترشدوا وتصيبوا الحقّ في اتّباعكم إيّاه.
* * *
القول في تأويل قوله: {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ
(159) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: "ومن قوم موسى"، يعني بني إسرائيل= "أمة"، يقول: جماعة (1) = "يهدون بالحق"، يقول: يهتدون بالحق، أي يستقيمون عليه ويعملون (2)"وبه يعدلون"، أي: وبالحق يعطُون ويأخذون، ويُنصفون من أنفسهم فلا يجورون. (3)
* * *
وقد قال في صفة هذه الأمة التي ذكرها الله في الآية، جماعةٌ أقوالا نحن ذاكرو ما حضَرنا منها.
(1)(1) انظر تفسير ((أمة)) فيما سلف 12: 415، تعليق: 3، والمراجع هناك.
(2)
(2) انظر تفسير ((الهدى)) فيما سلف من فهارس اللغة (هدى) .
(3)
(3) انظر تفسير ((العدل)) فيما سلف 6: 51، وفهارس اللغة (عدل) .
15250-
حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة، عن صدقة أبي الهذيل، عن السدي:"ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون"، قال: قوم بينكم وبينهم نهر من شُهْدِ. (1)
15251-
حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله:"ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون"، قال: بلغني أن بني إسرائيل لمّا قتلوا أنبياءَهم، كفروا. وكانوا اثني عشر سبطًا، تبرّأ سبطٌ منهم مما صنعوا، واعتذروا، وسألوا الله أن يفرِّق بينهم وبينهم، ففتح الله لهم نَفَقًا في الأرض، فساروا فيه حتى خرجُوا من وراء الصين، فهم هنالك،
(1)(1) الأثر:: 15250 - ((صدقة أبي الهذيل)) ، ترجم له البخاري في الكبير 2/2/295، ولم يزد على أن قال:((عن السدي، روى عنه ابن عيينة)) ، ولم يذكر فيه جرحاً. وذكره في التهذيب وقال:((صدقة أبو الهذيل، تقدم ذكره في ترجمة: صدقة بن أبي عمران)) ، ولكن سقط من نسخة التهذيب ترجمة ((صدقة بن أبي عمران)) ، فلم يرد له ذكر في الكتاب. وأما ابن أبي حاتم، فلم يذكره في كتابه، لا في ترجمة خاصة، ولا في ترجمة ((صدقة بن أبي عمران)) ، ولكن كلام ابن حجر في التهذيب قد يوهم أنهما شخص واحد، ولكن الراجح أنهما رجلان، لأن البخاري ترجم له، ففرق بينهما. وقوله ((نهر من شهد)) يعنى: نهراً من عسل من أنهار الجنة التي قال الله تعالى في سورة محمد: 15 {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى} وبهذا اللفظ (شهد)، ذكره ابن كثير في تفسيره 3:573. وفي الدر المنثور 1: 136: ((وبينهم نهر من سهل - يعني من رمل - يجري)) ، ثم جاء الألوسى في تفسير الآية (9: 75) فنقل ذلك هكذا: ((وبينهم نهر من رمل يجري)) ثم قال: ((وضعف هذه الحكاية ابن الخازن، وأنا لا أراها شيئا، ولا أظنك تجد لها سنداً يعول عليه ولو ابتغيت نفقاً في الأرض أو سلماً إلى السماء)) . ونقل الألوسى نقل من المعنى الذي ذكره السيوطي ((سهل)) - يعني من رمل)) ، وهو فاسد جداً والصواب أن ((سهل)) ، محرف عن ((شهد)) ، وهو الصواب إن شاء الله. هذا تحرير نص الخبر وتأويله، وأما صحته أو ضعفه فهما بمعزل من تصحيح نصه، ومثل هذا الخبر والذي يليه، لا يؤخذ به إلا بحجة قاطعة يجب التسليم لها. ولا حجة في رواية موقوفة على السدي.
حُنَفاء مسلمُون يستقبلون قبلتنا= قال ابن جريج: قال ابن عباس: فذلك قوله: (وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا)[سورة الإسراء: 104] . و"وعد الآخرة"، عيسى ابن مريم، يخرجون معه= قال ابن جريج: قال ابن عباس: ساروا في السَّرَب سنة ونصفًا. (1)
* * *
(1)(1) الأثر: 15251 - هذا الخبر، لم يروه أبو جعفر في تفسير آية سورة الإسراء، وهذا ضرب من اختصاره لتفسيره، وربما دل ذلك على ضعف الخبر عنده، لأنه لو صح عنه لذكره في تفسير قوله تعالى:((فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَة)) ، أنه عيسى ابن مريم عليه السلام.
القول في تأويل قوله: {وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا}
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فرقناهم= يعني قوم موسى من بني إسرائيل، فرقهم الله فجعلهم قبائل شتى، اثنتي عشرة قبيلة.
* * *
وقد بينا معنى "الأسباط"، فيما مضى، ومن هم. (1)
* * *
واختلف أهل العربية في وجه تأنيث "الاثنتي عشرة"، و"الأسباط" جمع مذكر. فقال بعض نحويي البصرة: أراد اثنتي عشرة فرقة، ثم أخبر أن الفرق "أسباط"، ولم يجعل العدد على "أسباط".
* * *
وكان بعضهم يستخِلُّ هذا التأويل ويقول (2) لا يخرج العدد على غير
(1)(2) انظر تفسير ((الأسباط)) فيما سلف 2: 121، الخبر رقم 1047 / 3: 109 - 113، 122 / 6:569.
(2)
(3) في المخطوطة: ((يستحكى هذا التأويل)) ، وفي المطبوعة:((يستحكى على هذا التأويل)) ، زاد ((على)) ، لأن وجد الكلام لا معنى له. والصواب عندي ما أثبت ((يستخل)) من ((الخلل)) وهو الوهن والفساد، وقالوا:((أمر مختل)) أي فاسد واهن. فاستخرج أبو جعفر أو غيره قياساً من ((الخلل)) ((استخل الشيء)) ، أي استوهنه واستضعفه، ووجد فيه خللاً. وهو قياس جيد في العربية. وهو صواب المعنى فيه إن شاء الله.
التالي، (1) ولكن "الفرق" قبل "الاثنتي عشرة"، حتى تكون "الاثنتا عشرة" مؤنثة على ما قبلها، ويكون الكلام: وقطعناهم فرقًا اثنتي عشرة أسباطًا= فيصحّ التأنيث لما تقدَّم.
* * *
وقال بعض نحويي الكوفة: إنما قال "الاثنتي عشرة" بالتأنيث، و"السبط" مذكر، لأن الكلام ذهب إلى "الأمم"، فغُلّب التأنيث، وإن كان "السبط" ذكرًا، وهو مثل قول الشاعر:(2) وَإِنَّ كِلابًا هَذِهِ عَشْرُ أَبْطُنٍ وَأَنْتَ بَرِيءٌ مِنْ قَبَائِلِهَا الْعَشْرِ (3)
ذهب ب"البطن" إلى القبيلة والفصيلة، فلذلك جمع "البطن" بالتأنيث.
* * *
وكان آخرون من نحويي الكوفة يقولون: إنما أنّثت "الاثنتا عشرة"، و "السبط" ذكر، لذكر "الأمم". (4)
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أنّ "الاثنتي عشرة" أنثت لتأنيث "القطعة"، ومعنى الكلام: وقطعناهم قِطَعًا اثنتي عشرة ثم ترجم عن "القِطَع" ب"الأسباط"، وغير جائز أن تكون "الأسباط" مفسرة
(1)(1) في المخطوطة: ((على غير الثاني)) ، وغيرها في المطبوعة إلى:((على عين الثاني)) ، وكلتاهما فاسدة المعنى، والصواب ما أثبت. يعنى: ما يتلو العدد، وهو ((أسباط)) ، وهو الظاهر في الكلام، وتقديره:((اثنى عشرة فرقة أسباطاً)) ثم حذف ((فرقة)) وإضمارها، يوجب أن يجرى العدد على ما يتلوه، فصح بهذا ما أثبت من قراءة النص.
(2)
(2) النواح الكلابي، رجل من بنى كلاب.
(3)
(3) سيبويه 2: 174، معاني القرآن للفراء 1: 126، الإنصاف: 323، العينى (هامش الخزانة) 4: 484، واللسان (بطن) ، وغيرها. ولم أجد تتمة الشعر.
(4)
(4) هو الفراء في معاني القرآن 1: 397.
عن "الاثنتي عشرة" وهي جمع، لأن التفسير فيما فوق "العشر" إلى "العشرين" بالتوحيد لا بالجمع، (1) و"الأسباط" جمع لا واحد، وذلك كقولهم:"عندي اثنتا عشرة امرأة". ولا يقال: "عندي اثنتا عشرة نسوة"، فبيَّن ذلك أن "الأسباط" ليست بتفسير للاثنتي عشرة، (2) وأن القول في ذلك على ما قلنا.
* * *
وأما "الأمم"، فالجماعات= و"السبط" في بني إسرائيل نحو "القَرْن". (3)
* * *
وقيل: إنما فرّقوا أسباطًا لاختلافهم في دينهم.
* * *
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: "وأوحينا إلى موسى"، إذ فرّقنا بني إسرائيل قومه اثنتي عشرة فرقة، وتيَّهناهم في التيه، فاستسقوا موسى من العَطش وغَوْر الماء= "أن اضرب بعصَاك الحجر".
* * *
(1)(1)((التفسير)) ، هو ((التمييز)) ، فقوله:((مفسرة)) أي تمييزاً في الإعراب.
(2)
(2) في المطبوعة والمخطوطة: ((ففي ذلك أن الأسباط)) ، وهو تركيب واه ضعيف، ورجحت أن ما أثبت أشبه بالصواب.
(3)
(3) انظر تفسير ((الأمة) فيما سلف ص: 172، تعليق: 1 والمراجع هناك وتفسير السبط فيما سلف ص 174 تعليق 2 والمراجع هناك.
وقد بينا السبب الذي كان قومه استسقوه وبينا معنى الوحي بشواهده. (1)
* * *
= "فانبجست"، فانصّبت وانفجرت من الحجر اثنتَا عشرة عينًا من الماء، "قد علم كل أناس"، يعني: كل أناس من الأسباط الاثنتي عشرة "مشربهم"، لا يدخل سبط على غيره في شربه= "وظللنا عليهم الغمام"، يكنُّهم من حرّ الشمس وأذاها.
* * *
وقد بينا معنى "الغمام" فيما مضى قبل، وكذلك:"المن والسلوى". (2)
* * *
= "وأنزلنا عليهم المن والسلوى"، طعامًا لهم= "كلوا من طيبات ما رزقناكم"، يقول: وقلنا لهم: كلوا من حَلال ما رَزقْناكم، أيها الناس، وطيّبناه لكم= "وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون"، وفي الكلام محذوف، ترك ذكره استغناءً بما ظهَر عما ترك، وهو:"فأجِمُوا ذلك، (3) وقالوا: لن نصبر على طعام واحد، فاستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير"= "وما ظلمونا"، يقول: وما أدخلوا علينا نقصًا في ملكنا وسلطاننا بمسألتهم ما سألوا، وفعلهم ما فعلوا= "ولكن كانوا أنفسهم يظلمون"، أي: ينقصونها حظوظَها باستبدالهم الأدنى بالخير، والأرذل بالأفضل.
* * *
(1)(1) انظر ما سلف 2: 119 - 122. = وتفسير ((الوحي)) فيما سلف من فهارس اللغة (وحي) .
(2)
(2) انظر تفسير ((تظليل الغمام)) فيما سلف 2: 90، 91. = وتفسير ((المن)) و ((والسلوى)) فيما سلف 2: 91 - 101. = وتفسير سائر الآية، وهي نظيرتها فيما سلف 2: 101، 102.
(3)
(3) في المطبوعة: ((فأجمعوا ذلك)) ، ظن ما في المخطوطة خطأ، فأصلحه، يعنى فأفسده! ! يقال:((أجم الطعام يأجمه أجما)) ، إذا كرهه ومله من طول المداومة عليه.