الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْأَلْفَاظُ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا (الْمَنَاهِي اللَّفْظِيَّة)
قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا ، وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا ، وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (1)} (2)
(هق)، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَكَلَّمَهُ فِى بَعْضِ الأَمْرِ ، فَقَالَ الرَّجُلُ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:" أَجَعَلْتَنِي لِلهِ عِدْلًا؟ ، بَلْ مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ "(3)
(1){رَاعِنَا} : مِنْ أَرْعِنَا سَمْعَكَ، أي: فرِّغْهُ لِكلامنا، وَجْهُ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ كَانَ بِلِسَانِ الْيَهُودِ سَبًّا ، قِيلَ: إِنَّهُ فِي لُغَتِهِمْ بِمَعْنَى اسْمَعْ لَا سَمِعْتَ ، وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، فَلَمَّا سَمِعُوا الْمُسْلِمِينَ يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:" رَاعِنَا " ، طَلَبًا مِنْهُ أَنْ يُرَاعِيَهُمْ ، مِنَ الْمُرَاعَاةِ ، اغْتَنَمُوا الْفُرْصَةَ، وَكَانُوا يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَذَلِكَ ، مُظْهِرِينَ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ الْمَعْنَى الْعَرَبِيَّ، مُبْطِنِينَ أَنَّهُمْ يَقْصِدُونَ السَّبَّ ، الذي مَعْنَى هَذَا اللَّفْظِ فِي لُغَتِهِمْ.
وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي تَجَنُّبُ الْأَلْفَاظِ الْمُحْتَمِلَةِ لِلسَّبِّ وَالنَّقْصِ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدِ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمُفِيدَ لِلشَّتْمِ، سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ ، وَدَفْعًا لِلْوَسِيلَةِ، وَقَطْعًا لِمَادَّةِ الْمَفْسَدَةِ ، وَالتَّطَرُّقِ إِلَيْهِ.
ثُمَّ أَمَرَهُمُ اللهُ بِأَنْ يُخَاطِبُوا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بِمَا لَا يَحْتَمِلُ النَّقْصَ ، وَلَا يَصْلُحُ لِلتَّعْرِيضِ فَقَالَ:{وَقُولُوا انْظُرْنَا} أَيْ: أَقْبِلْ عَلَيْنَا ، وَانْظُرْ إِلَيْنَا. فتح القدير للشوكاني (1/ 145)
(2)
[البقرة: 104]
(3)
(هق) 5603 ، (خد) 783 ، (ن) 10825 ، (حم) 1839 ، انظر الصَّحِيحَة: 139
ثم قال الألباني: وفي هذه الأحاديث دليل أن قول الرجل لغيره: " ما شاءُ اللهُ وشِئتَ " يُعتَبر شِركا في نظر الشارع، وهو من شِرك الألفاظ ، لأنه يُوهم أن مشيئةَ العبد في درجة مشيئة الرب سبحانه وتعالى، وسببه: القَرْنُ بين المشيئتين ، ومثل ذلك قول بعض العامة ، وأشباههم ممن يدَّعي العلم: ما لي غير الله وأنت ، وتوكلنا على الله وعليك ، ومثله قول بعض المحاضرين: باسم الله والوطن ، أو: باسم الله والشعب ، ونحو ذلك من الألفاظ الشركية التي يجب الانتهاء عنها: والتوبة منها ، أدَبًا مع الله تبارك وتعالى. أ. هـ
(جة)، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " إِذَا حَلَفَ أَحَدُكُمْ فلَا يَقُلْ: مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: مَا شَاءَ اللهُ ، ثُمَّ شِئْتَ "(1)
(1)(جة) 2117 ، انظر صحيح الجامع: 495 ، والصحيحة: 1093
(س جة حم)، وَعَنْ قَتِيْلَةَ بِنْتِ صَيْفِيٍّ الْجُهَيْنِيَّةِ رضي الله عنها قَالَتْ:(أَتَى حَبْرٌ مِنْ الْأَحْبَارِ إلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ ، نِعْمَ الْقَوْمُ أَنْتُمْ ، لَوْلَا أَنَّكُمْ تُشْرِكُونَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " سُبْحَانَ اللهِ ، وَمَا ذَاكَ؟ " ، قَالَ: تَقُولُونَ إِذَا حَلَفْتُمْ: وَالْكَعْبَةِ)(1)(وَتَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ)(2)(" فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَحْلِفُوا أَنْ يَقُولُوا: وَرَبِّ الْكَعْبَةِ ، وَيَقُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ ، ثُمَّ شِئْتَ ")(3)
(1)(حم) 27138 ، (س) 3773 ، وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح.
(2)
(جة) 2118 ، (س) 3773
(3)
(س) 3773 ، (جة) 2118 ، (حم) 27138 ، الصَّحِيحَة: 137
(م)، وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رضي الله عنه قَالَ: خَطَبَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: مَنْ يُطِعْ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:" بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ ، قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ غَوَى "(1)
(1)(م) 48 - (870) ، (س) 3279 ، (د) 1099 ، (حم) 18273
(خ م جة حم)، وَعَنْ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ:(كُنْتُ فِي رَكْبٍ أَسِيرُ فِي غَزَاةٍ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَحَلَفْتُ فَقُلْتُ: لَا وَأَبِي)(1)(" فَسَمِعَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:)(2)(مَهْ!)(3)(لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ)(4)(إِنَّ اللهَ عز وجل يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ)(5)(إِنَّهُ مَنْ حَلَفَ بِشَيْءٍ دُونَ اللهِ فَقَدْ أَشْرَكَ)(6)(فَمَنْ كَانَ حَالِفًا)(7)(فلَا يَحْلِفْ إِلَّا بِاللهِ)(8)(أَوْ لِيَصْمُتْ)(9)(وَمَنْ حَلَفَ بِاللهِ فَلْيَصْدُقْ ، وَمَنْ حُلِفَ لَهُ بِاللهِ فَلْيَرْضَ ، وَمَنْ لَمْ يَرْضَ بِاللهِ ، فَلَيْسَ مِنْ اللهِ (10) ") (11)(قَالَ عُمَرُ: فَوَاللهِ مَا حَلَفْتُ بِهَا مُنْذُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ذَاكِرًا وَلَا آثِرًا)(12).
(1)(حم) 291 ، (خ) 5757
(2)
(حم) 241 ، (خ) 6271 ، (م) 1 - (1646) ، (د) 3249
(3)
(حم) 329 ، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح.
(4)
(خ) 3624
(5)
(خ) 5757 ، (م) 1 - (1646) ، (د) 3249 ، (حم) 241
(6)
(حم) 329 ، (ت) 1535
(7)
(خ) 5757 ، (م) 3 - (1646) ، (د) 3249
(8)
(خ) 3624 ، (م) 1646
(9)
(خ) 2533 ، (م) 3 - (1646) ، (د) 3249
(10)
أَيْ: فَلَيْسَ مِنْ قُرْبِ اللهِ فِي شَيْء ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَهْلَ الْقُرْبِ يُصَدِّقُونَ الْحَالِفَ فِيمَا حَلَفَ عَلَيْهِ تَعْظِيمًا لِلهِ ، وَمَنْ لَا يُصَدِّقُهُ مَعَ إِمْكَانِ التَّصْدِيقِ فَلَيْسَ مِنْهُمْ. حاشية السندي على ابن ماجه - (ج 4 / ص 339)
(11)
(جة) 2101 ، (هق) 20512 ، انظر الإرواء: 2698 ، صحيح الجامع: 7247 ، صَحِيح التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيب: 2951
(12)
(خ) 6271 ، (م) 1 - (1646) ، (ت) 1533 ، (س) 3767 ، (حم) 112
(م س)، وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (" لَا تَحْلِفُوا بِالطَّوَاغِي (1)) (2)(وَلَا بِالْأَنْدَادِ (3)) (4)(وَلَا بِآبَائِكُمْ)(5)(وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ، لَا تَحْلِفُوا إِلَّا بِاللهِ ، وَلَا تَحْلِفُوا بِاللهِ إِلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ ")(6)
(1) هُوَ جَمْعُ طَاغُوت ، وَهُوَ الصَّنَم، وَيُطْلَقُ عَلَى الشَّيْطَان أَيْضًا، وَيَكُونُ الطَّاغُوتُ وَاحِدًا ، وَجَمْعًا ، وَمُذَكَّرًا ، وَمُؤَنَّثًا، قَالَ الله تَعَالَى:{وَاجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا} ، وَقَالَ تَعَالَى:{يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ. . .} وسُمِّيَ (الطَّاغُوت) بِاسْمِ الْمَصْدَر ، لِطُغْيَانِ الْكُفَّارِ بِعِبَادَتِهِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ طُغْيَانِهِمْ وَكُفْرِهِمْ، وَكُلّ مَا جَاوَزَ الْحَدَّ فِي تَعْظِيمٍ
أَوْ غَيْرِهِ فَقَدْ طَغَى، فَالطُّغْيَانُ: الْمُجَاوَزَةُ لِلْحَدِّ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى:{لَمَّا طَغَى الْمَاءُ} أَيْ: جَاوَزَ الْحَدّ. النووي (ج 6 / ص 38)
(2)
(م) 6 - (1648) ، (جة) 2095 ، (س) 3774 ، (حم) 20643
(3)
الْأَنْدَاد: جَمْعُ نِدٍّ، وَهُوَ مِثْلُ الشَّيْءِ الَّذِي يُضَادُّهُ فِي أُمُورِه، وَيُنَادُّهُ ، أَيْ: يُخَالِفُهُ، وَيُرِيدُ بِهَا مَا كَانُوا يَتَّخِذُونَهُ آلِهَةً مِنْ دُونِ الله.
قَالَ فِي الْفَتْح: وَهَلْ الْمَنْعُ لِلتَّحْرِيمِ؟ ، قَوْلَانِ عِنْد الْمَالِكِيَّة، كَذَا قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ: الْكَرَاهَة، وَالْخِلَافُ أَيْضًا عِنْدَ الْحَنَابِلَة، لَكِنَّ الْمَشْهُورَ عِنْدهمْ: التَّحْرِيم، وَبِهِ جَزَمَ الظَّاهِرِيَّة. عون المعبود (7/ 234)
(4)
(س) 3769 ، (د) 3248
(5)
(م) 6 - (1648) ، (س) 3774 ، (حم) 20643
(6)
(س) 3769 ، (د) 3248
(خ م)، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " مَنْ حَلَفَ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى ، فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ (1) "(2)
(1) قلت: فيه دليل على أن من حَلَفَ بغير اللات والعزى مما هو من دون الله ، كالكعبة والأولاد وغيرها مما يَحْلِفُ به كثير من الناس ، فإنه يُسَنُّ في حقه أن يقول كما أُمِرَ أن يقولَ من حَلَفَ باللات والعزى. ع
(2)
(م) 1647 ، (خ) 6274 ، (ت) 1545 ، (حم) 8073
(حل)، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " احْلِفُوا بِاللهِ وَبَرُّوا وَاصْدُقُوا، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يُحِبُّ أَنْ يُحْلَفَ بِهِ"(1)
(1) أخرجه أبو نعيم فى الحلية (7/ 267) ، والديلمي (1/ 101، رقم 333)، انظر صَحِيح الْجَامِع: 211 ، الصحيحة: 1119
(خ م)، وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (" إِذَا دَعَوْتُمُ اللهَ فَاعْزِمُوا فِي الدُّعَاءِ، وَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ:)(1)(اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ ، اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ)(2)(وَلَكِنْ لِيَعْزِمْ الْمَسْأَلَةَ ، وَلْيُعَظِّمْ الرَّغْبَةَ)(3)(فَإِنَّ اللهَ صَانِعٌ مَا شَاءَ ، لَا مُكْرِهَ لَهُ)(4) وَ (لَا يَعْظُمُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَعْطَاهُ ")(5)
(1)(خ) 7026 ، (م) 7 - (2678)
(2)
(خ) 5980 ، (م) 9 - (2679)
(3)
(م) 8 - (2679) ، (خ) 7039 ، (ت) 3497 ، (د) 1483
(4)
(م) 9 - (2679) ، (خ) 7039 ، (جة) 3854 ، (حم) 8220
(5)
(خد) 607 ، (م) 8 - (2679) ، (حم) 9902 ، صحيح الأدب المفرد: 475
(م جة)، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ (1) وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ (2) احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ (3) وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ (4) وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ ، كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ ، وَمَا شَاءَ فَعَلَ، (وفي رواية: قَدَّرَ اللهُ ، وَمَا شَاءَ فَعَلَ) فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ "(5)
الشرح (6)
(1) الْمُرَاد بِالْقُوَّةِ هُنَا: عَزِيمَةُ النَّفْسِ ، وَالْقَرِيحَةُ فِي أُمُورِ الْآخِرَة، فَيَكُونُ صَاحِبُ هَذَا الْوَصْفِ أَكْثَرَ إِقْدَامًا عَلَى الْعَدُوِّ فِي الْجِهَاد، وَأَسْرَعَ خُرُوجًا إِلَيْهِ ، وَذَهَابًا فِي طَلَبِهِ، وَأَشَدَّ عَزِيمَةً فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ ، وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَرِ، وَالصَّبْرِ عَلَى الْأَذَى فِي كُلِّ ذَلِكَ، وَاحْتِمَالِ الْمَشَاقِّ فِي ذَاتِ اللهِ تَعَالَى، وَأَرْغَبَ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْأَذْكَارِ وَسَائِرِ الْعِبَادَات، وَأَنْشَطَ طَلَبًا لَهَا ، وَمُحَافَظَةً عَلَيْهَا، وَنَحْو ذَلِكَ. شرح النووي (ج 9 / ص 19)
(2)
أَيْ: فِي كُلٍّ مِنْ الْقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ خَيْرٌ ، لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْإِيمَان، مَعَ مَا يَأتِي بِهِ الضَّعِيف مِنْ الْعِبَادَات. شرح النووي (ج 9 / ص 19)
(3)
اِحْرِصْ عَلَى طَاعَةِ الله تَعَالَى ، وَالرَّغْبَةِ فِيمَا عِنْده، وَاطْلُبْ الْإِعَانَةَ مِنْ اللهِ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ. شرح النووي على مسلم - (ج 9 / ص 19)
(4)
أَيْ: لَا تَعْجَزْ وَلَا تَكْسَلْ عَنْ طَلَبِ الطَّاعَة، وَلَا عَنْ طَلَبِ الْإِعَانَة. النووي (9/ 19)
(5)
(م) 2664 ، (جة) 79
(6)
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاء: هَذَا النَّهْيُ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ قَالَهُ مُعْتَقِدًا ذَلِكَ حَتْمًا، وَأَنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ تُصِبْهُ قَطْعًا، فَأَمَّا مَنْ رَدَّ ذَلِكَ إِلَى مَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ لَنْ يُصِيبَهُ إِلَّا مَا شَاءَ الله، فَلَيْسَ مِنْ هَذَا.
وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق رضي الله عنه فِي الْغَار: " لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ أَبْصَرَنَا " ، وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ مُسْتَقْبَل، وَلَيْسَ فِيهِ دَعْوَى لِرَدِّ قَدَرٍ بَعْدَ وُقُوعِه ، وَكَذَا حَدِيثِ:" لَوْلَا حِدْثَانُ عَهْدِ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ ، لَأَتْمَمْتُ الْبَيْتَ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيم " ، وَ" لَوْ كُنْتُ رَاجِمًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لَرَجَمْتُ هَذِهِ " ، وَ" لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ " ، وَشِبْهُ ذَلِكَ، فَكُلُّهُ مُسْتَقْبَلٌ لَا اِعْتِرَاضَ فِيهِ عَلَى قَدَر، فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ اِعْتِقَادِهِ فِيمَا كَانَ يَفْعَلُ لَوْلَا الْمَانِع، وَعَمَّا هُوَ فِي قُدْرَتِه، فَأَمَّا مَا ذَهَبَ ، فَلَيْسَ فِي قُدْرَتِه.
فَالَّذِي عِنْدِي فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ النَّهْيَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَعُمُومِه؛ لَكِنَّهُ نَهْيُ تَنْزِيه، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُه صلى الله عليه وسلم:" فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَان " أَيْ: يُلْقِي فِي الْقَلْبِ مُعَارَضَةَ الْقَدَر، وَيُوَسْوِسُ بِهِ الشَّيْطَان.
وَقَدْ جَاءَ مِنْ اِسْتِعْمَالِ (لَوْ) فِي الْمَاضِي ، كقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:" لَوْ اِسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اِسْتَدْبَرْتُ ، مَا سُقْتُ الْهَدْي " ، وَغَيْرُ ذَلِكَ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا هُوَ عَنْ إِطْلَاقِ ذَلِكَ فِيمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ، فَيَكُونُ نَهْيَ تَنْزِيهٍ ، لَا تَحْرِيم.
فَأَمَّا مَنْ قَالَهُ تَأَسُّفًا عَلَى مَا فَاتَ مِنْ طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى، أَوْ مَا هُوَ مُتَعَذِّرٌ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، وَنَحْو هَذَا، فَلَا بَأسَ بِهِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ أَكْثَرُ الِاسْتِعْمَالِ الْمَوْجُودِ فِي الْأَحَادِيث. شرح النووي على مسلم - (ج 9 / ص 19)
(هق)، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: زَرَعْتُ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: حَرَثْتُ "، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَلَمْ تَسْمَعُوا إلَى قَوْلِ اللهِ عز وجل: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ ، أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} (1). (2)
قَالَ تَعَالَى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ ، وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} (3)
(1)[الواقعة/63، 64]
(2)
(هق) 11532 ، (حب) 5723 ، (طس) 8024 ، الصَّحِيحَة: 2801
(3)
[الأنبياء: 78]
(خ م د حم)، وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (" لَا تَقُولُوا لِحَائِطِ (1) الْعِنَبِ: الْكَرْمُ) (2)(فَإِنَّ الْكَرْمَ هُوَ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ)(3) وفي رواية: (إِنَّمَا الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ)(4)(وَلَكِنْ قُولُوا: حَدَائِقُ الْأَعْنَابِ)(5)(وَالْحَبْلَةُ ")(6)
(1) الْحَائِطُ: الْبُسْتَانُ مِنْ النَّخْلِ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ حَائِطٌ ، وَهُوَ الْجِدَارُ.
(2)
(حم) 7896 ، (خ) 5828 ، (م) 9 - (2247)
(3)
(حم) 7668 ، (م) 6 - (2247) ، (د) 4974
(4)
(خ) 5829 ، (م) 9 - (2247)
(5)
(د) 4974 ، (ن) 11644
(6)
(م) 12 - (2248) ، (خد) 795
(خ م حم)، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (" قَالَ اللهُ عز وجل: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ)(1)(يَشْتُمُنِي وَهُوَ لَا يَدْرِي)(2)(وَلَا يَنْبَغِي لَهُ شَتْمِي)(3)(يَسُبُّ الدَّهْرَ)(4)(يَقُولُ: يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ)(5) وفي رواية: (يَقُولُ: وَادَهْرَاهْ (6) وَادَهْرَاهْ) (7)(وَأَنَا الدَّهْرُ (8) بِيَدِي الْأَمْرُ ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) (9) وفي رواية:(الْأَيَّامَ وَاللَّيَالِي لِي ، أُجَدِّدُهَا وَأُبْلِيهَا ، وَآتِي بِمُلُوكٍ بَعْدَ مُلُوكٍ)(10)(فَإِذَا شِئْتُ ، قَبَضْتُهُمَا ")(11)
(1)(خ) 4549 ، (م) 3 - (2246) ، (د) 5274
(2)
(حم) 7975 ، 10586 ، وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده حسن.
(3)
مشيخة ابن طهمان - (1/ 105)، انظر الصَّحِيحَة: 3477
(4)
(خ) 4549
(5)
(م) 3 - (2246) ، (خ) 5828
(6)
(وا دَهْراه): أسلوبُ نَدْبٍ بمعنى: وَيْلِي من قَسْوةِ الزمان.
(7)
(حم) 7975 ، 10586 ، (ك) 1526 ، انظر الصَّحِيحَة: 3477 ، وقال الشيخ الأرناؤوط: إسناده حسن.
(8)
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَا صَاحِبُ الدَّهْرِ ، وَمُدَبِّرُ الْأُمُورِ الَّتِي يَنْسُبُونَهَا إِلَى الدَّهْرِ ، فَمَنْ سَبَّ الدَّهْرَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ فَاعِلُ هَذِهِ الْأُمُورِ ، عَادَ سَبُّهُ إِلَى رَبِّهِ الَّذِي هُوَ فَاعِلُهَا ، وَإِنَّمَا الدَّهْرُ زَمَانٌ جُعِلَ ظَرْفًا لِمَوَاقِعِ الْأُمُورِ ، وَكَانَتْ عَادَتُهُمْ إِذَا أَصَابَهُمْ مَكْرُوهٌ أَضَافُوهُ إِلَى الدَّهْرِ ، فَقَالُوا: بُؤْسًا لِلدَّهْرِ ، وَتَبًّا لِلدَّهْرِ. فتح الباري (13/ 390)
وَأَمَّا الدَّهْرُ الَّذِي هُوَ الزَّمَانُ ، فَلَا فِعْل لَهُ، بَلْ هُوَ مَخْلُوقٌ مِنْ جُمْلَةِ خَلْقِ الله تَعَالَى ، وَمَعْنَى " فَإِنَّ الله هُوَ الدَّهْر " أَيْ: فَاعِلُ النَّوَازِلِ وَالْحَوَادِث، وَخَالِقُ الْكَائِنَات. وَاللهُ أَعْلَم. شرح النَّوَوِيّ (7/ 419)
(9)
(خ) 7053 ، (م) 3 - (2246) ، (د) 5274
(10)
(حم) 10442 ، (هب) 5237 ، انظر الصحيحة: 532 ، وصحيح الترغيب والترهيب: 2804
(11)
(م) 3 - (2246) ، (حم) 7702
(م)، وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ ، فَإِنَّ اللهَ هو الدَّهْرُ "(1)
(1)(م) 5 - (2246) ، (حم) 9126
(خ م د)، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (" لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي ، وَأَمَتِي، كُلُّكُمْ عَبِيدُ اللهِ، وَكُلُّ نِسَائِكُمْ إِمَاءُ اللهِ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: غُلَامِي ، وَجَارِيَتِي، وَفَتَايَ ، وَفَتَاتِي)(1)(وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: اسْقِ رَبَّكَ ، أَطْعِمْ رَبَّكَ ، وَضِّئْ رَبَّكَ)(2)(وَلَا يَقُلْ الْعَبْدُ: رَبِّي ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: سَيِّدِي)(3)(وَمَوْلَايَ)(4)(فَإِنَّكُمْ الْمَمْلُوكُونَ ، وَالرَّبُّ: اللهُ عز وجل ")(5)
قَالَ الْبُخَارِيُّ ج3ص93: قَالَ مُجَاهِدٌ: {فَتَيَاتِكُمْ} : إِمَاءَكُمْ.
(1)(م) 13 - (2249) ، (خ) 2414 ، (حم) 9965
(2)
(م) 15 - (2249) ، (خ) 2414
(3)
(م) 14 - (2249) ، (خ) 2414
(4)
(د) 4976 ، (م) 15 - (2249) ، (حم) 8182
(5)
(د) 4975 ، (حم) 9465
(6)
[النور: 33]
(ت)، وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " بِئْسَمَا لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَقُولُ: نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ ، بَلْ هُوَ نُسِّيَ وَاسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا (1) مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنْ النَّعَمِ (2) فِي [عُقُلِهَا (3)] (4) "(5)
(1) التَّفَصِّي: الِانْفِصَال، وَهُوَ بِمَعْنَى الرِّوَايَة الْأُخْرَى:" أَشَدُّ تَفَلُّتًا ".
(2)
(النَّعَم): أَصْلُهَا الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ، وَالْمُرَاد هُنَا: الْإِبِلُ خَاصَّة؛ لِأَنَّهَا الَّتِي تُعْقَل. (النووي - ج 3 / ص 142)
(3)
(عُقُل): جَمْع عِقَال ، أَيْ: الحَبْل.
(4)
(م) 228 - (790)
(5)
(ت) 2942 ، (خ) 4744 ، (م) 228 - (790) ، (س) 943 ، (حم) 3960
(حم)، وَعَنْ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " لَا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ: سَيِّدَنَا ، فَإِنَّهُ إِنْ يَكُ سَيِّدَكُمْ ، فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ (1) رَبَّكُمْ عز وجل "(2)
(1) سَخِطَ أَي: غضب ، وأَسْخَطَه: أَغْضَبَه.
(2)
(حم) 22989 ، (خد) 760 ، (ن) 10073 ، (د) 4977 ، انظر صَحِيح الْجَامِع: 711 ، الصَّحِيحَة: 1389
(خ م)، وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم: " لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: خَبُثَتْ نَفْسِي (1) وَلَكِنْ لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي"(2)
الشرح (3)
(1) قَالَ وَكِيعٌ: هُوَ الْغَثَيَانُ.
(2)
(خ) 5825 ، (م) 16 - (2250) ، (د) 4979 ، (حم) 24289
(3)
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَقِسَتْ ، وَخَبُثَتْ بِمَعْنًى وَاحِد ، وَإِنَّمَا كَرِهَ صلى الله عليه وسلم مِنْ ذَلِكَ اِسْم الْخُبْثِ ، فَاخْتَارَ اللَّفْظَةَ السَّالِمَةَ مِنْ ذَلِكَ ، وَكَانَ مِنْ سُنَّتِهِ صلى الله عليه وسلم تَبْدِيلُ الِاسْمِ الْقَبِيحِ بِالْحَسَنِ.
وَقَالَ غَيْره: مَعْنَى لَقِسَتْ: غَثَتْ، وَهُوَ يَرْجِعُ أَيْضًا إِلَى مَعْنًى خَبِيث. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ سَاءَ خُلُقهَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ فِي الَّذِي يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأسِهِ فَيُصْبِحُ خَبِيثَ النَّفْس ، وَنَطَقَ الْقُرْآنُ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ فَقَالَ تَعَالَى:{وَمَثَل كَلِمَة خَبِيثَة} .
قُلْت: لَكِنْ لَمْ يَرِدْ ذَلِكَ إِلَّا فِي مَعْرِضِ الذَّمّ، فَلَا يُنَافِي ذَلِكَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْبَابِ مِنْ كَرَاهَةِ وَصْفِ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ بِذَلِكَ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ الْحَدِيثِ اِسْتِحْبَابُ مُجَانَبَةِ الْأَلْفَاظِ الْقَبِيحَةِ وَالْأَسْمَاء، وَالْعُدُولِ إِلَى مَا لَا قُبْحَ فِيهِ، وَالْخُبْثُ وَاللَّقْسُ وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى الْمُرَادُ يَتَأَدَّى بِكُلٍّ مِنْهُمَا ، لَكِنَّ لَفْظَ الْخُبْثِ قَبِيح، وَيَجْمَعُ أُمُورًا زَائِدَةً عَلَى الْمُرَادِ بِخِلَافِ اللَّقْس ، فَإِنَّهُ يَخْتَصُّ بِامْتِلَاءِ الْمَعِدَة.
وَفِيهِ أَنَّ الْمَرْءَ يَطْلُبُ الْخَيْرَ ، حَتَّى بِالْفَألِ الْحَسَن، وَيُضِيفُ الْخَيْرَ إِلَى نَفْسِهِ ، وَلَوْ بِنِسْبَةٍ مَا، وَيَدْفَعُ الشَّرَّ عَنْ نَفْسِهِ مَهْمَا أَمْكَنَ ، وَيَقْطَعُ الْوَصْلَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِ الشَّرّ ، حَتَّى فِي الْأَلْفَاظِ الْمُشْتَرَكَة. فتح الباري (17/ 377)
وَقَالَ تَعَالَى: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ، هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} (1)
(يع)، وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ:(اسْتُشْهِدَ غُلامٌ مِنَّا يَوْمَ أُحُدٍ، فَوُجِدَ عَلَى بَطْنِهِ صَخْرَةٌ مَرْبُوطَةٌ مِنَ الْجُوعِ، فَمَسَحَتْ أُمُّهُ التُّرَابَ عَنْ وَجْهِهِ ، وَقَالَتْ: هَنِيئًا لَكَ يَا بُنَيَّ الْجَنَّةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " مَا يُدْرِيكِ؟)(3)(لَعَلَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ أَوْ يَبْخَلُ بِمَا لَا يُنْقِصُهُ ")(4)
(1)[النجم: 32]
(2)
[النساء: 49، 50]
(3)
(يع) 4017
(4)
(يع) 6646 ، (مش) 2423 ، (ت) 2316 ، (هب) 10342 ، انظر صَحِيح التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيب: 2883، 2884
(طس)، وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رضي الله عنه قَالَ:" أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا ، فَرَأَيْتُهُ مُتَغَيِّرًا "، فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي مَا لِيَ أَرَاكَ مُتَغَيِّرًا؟ ، قَالَ:" مَا دَخَلَ جَوْفِي مَا يَدْخُلُ جَوْفَ ذَاتِ كَبِدٍ مُنْذُ ثَلَاث "، قَالَ: فَذَهَبْتُ، فَإِذَا يَهُوديٌّ يَسْقِي إِبِلًا لَهُ فَسَقَيْتُ لَهُ عَلَى كُلِّ دَلْوٍ تَمْرَةٌ، فَجَمَعْتُ تَمْرًا فَأَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:" مِنْ أَيْنَ لَكَ يَا كَعْبُ؟ " ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:" أَتُحِبُّنِي يَا كَعْبُ؟ "، قُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ ، نَعَمْ ، قَالَ:" إِنَّ الْفَقْرَ أَسْرَعُ إِلَى مَنْ يُحِبُّنِي مِنَ السَّيْلِ إِلَى مَعَادِنِهِ، وَإِنَّهُ سَيُصِيبُكَ بَلاءٌ فَأَعِدَّ لَهُ تِجْفَافًا (1) "، قَالَ:" فَفَقْدَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلَ عَنِّي "، فَقَالُوا: مَرِيضٌ، " فَخَرَجَ يَمْشِي حَتَّى أَتَانِي، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيَّ قَالَ: أَبْشِرْ يَا كَعْبُ" فَقَالَتْ أُمِّي: هَنِيئًا لَكَ الْجَنَّةُ يَا كَعْبُ، فَقَالَ:" مَنْ هَذِهِ الْمُتَأَلِّيَةُ عَلَى اللهِ؟ "، قُلْتُ: هِيَ أُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ:" وَمَا يُدْرِيكِ يَا أُمَّ كَعْبٍ، لَعَلَّ كَعْبًا قَالَ مَا لَا يَعْنِيهِ، أَوْ مَنَعَ مَا لَا يُغْنِيهُ "(2)
(1) التِّجْفَافُ: آلَةٌ لِلْحَرْبِ يَلْبَسُهُ الْفَرَسُ وَالْإِنْسَانُ لِيَقِيَهُ فِي الْحَرْبِ ، فَمَعْنَى الْحَدِيثِ: إِنْ كُنْت صَادِقًا فِي الدَّعْوَى وَمُحِقًّا فِي الْمَعْنَى ، فَهَيِّءْ آلَةً تَنْفَعُكَ حَالَ الْبَلْوَى، فَإِنَّ الْبَلَاءَ وَالْوَلَاءَ مُتَلَازِمَانِ فِي الْخَلَا وَالْمَلَا ، وَمُجْمَلُهُ أَنَّهُ تَهَيَّأ لِلصَّبْرِ ، خُصُوصًا عَلَى الْفَقْرِ لِتَدْفَعَ بِهِ عَنْ دِينِكَ بِقُوَّةِ يَقِينِكَ مَا يُنَافِيهِ مِنْ الْجَزَعِ وَالْفَزَعِ ، وَقِلَّةِ الْقَنَاعَةِ وَعَدَمِ الرِّضَا بِالْقِسْمَةِ ، وَكُنِيَ بِالتِّجْفَافِ عَنْ الصَّبْرِ ، لِأَنَّهُ يَسْتُرُ الْفَقْرَ ، كَمَا يَسْتُرُ التِّجْفَافُ الْبَدَنَ عَنْ الضُّرِّ. تحفة الأحوذي - (ج 6 / ص 137)
(2)
(طس) 7157 ، (خط)(4/ 272)، (كر) ج50ص146 ، انظر الصَّحِيحَة: 3103 ، صَحِيح التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيب: 3271
(خ)، وَعَنْ أُمِّ الْعَلَاءِ الْأَنْصَارِيَّةِ رضي الله عنها قَالَتْ:(لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَةَ ، اقْتَرَعَتْ الْأَنْصَارُ عَلَى سَكَنِهِمْ ، فَطَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ رضي الله عنه)(1)(فَسَكَنَ عِنْدَنَا)(2)(فَوَجِعَ وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ ، غُسِّلَ وَكُفِّنَ فِي أَثْوَابِهِ)(3)(" فَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم " قُلْتُ: رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ ، لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللهَ قَدْ أَكْرَمَهُ؟ " ، فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ ، فَمَنْ يُكْرِمُهُ اللهُ؟ ، قَالَ: " أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ ، وَاللهِ إِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ ، وَاللهِ وَأَنَا رَسُولُ اللهِ ، مَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِهِ)(4) وفي رواية: " وَاللهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللهِ ، مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ "(5)(فَقُلْتُ: فَوَاللهِ لَا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا)(6)(وَأَحْزَنَنِي ذَلِكَ ، قَالَتْ: فَنِمْتُ فَأُرِيتُ لِعُثْمَانَ عَيْنًا تَجْرِي ، فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرْتُهُ)(7)(فَقَالَ: " ذَلِكِ عَمَلُهُ)(8)(يَجْرِي لَهُ ")(9)
(1)(حم) 27498 ، (خ) 2541
(2)
(خ) 2541
(3)
(خ) 6602
(4)
(خ) 1186
(5)
(خ) 6615 ، (حم) 27498
(6)
(خ) 1186
(7)
(خ) 2541
(8)
(خ) 3714
(9)
(خ) 6615 ، (حم) 27497
(خد م د)، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ قَالَ:(سَمَّيْتُ ابْنَتِي بَرَّةَ ، فَقَالَتْ لِي زَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ رضي الله عنها:)(1)(غَيِّرِ اسْمَهَا)(2)(" فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ هَذَا الِاسْمِ)(3)(وَنَكَحَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ وَاسْمُهَا بَرَّةُ، فَغَيَّرَ اسْمَهَا إِلَى زَيْنَبَ وَدَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ حِينَ تَزَوَّجَهَا وَاسْمِي بَرَّةُ، فَسَمِعَهَا تَدْعُونِي بَرَّةَ، فَقَالَ: لَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ، فَإِنَّ اللهَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْبَرَّةِ مِنْكُنَّ وَالْفَاجِرَةِ ")(4)(فَقَالَتْ: مَا نُسَمِّيهَا؟)(5)(قَالَ: " سَمِّيهَا زَيْنَبَ " فَقَالَتْ: فَهِيَ زَيْنَبُ، قَالَ مُحَمَّدٌ: فَقُلْتُ لَهَا: سَمِّي، فَقَالَتْ: غَيِّرْ إِلَى مَا غَيَّرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَسَمِّهَا زَيْنَبَ)(6).
(1)(م) 19 - (2142)
(2)
(خد) 821 ، انظر الصَّحِيحَة: 210
(3)
(م) 19 - (2142) ، (د) 4953
(4)
(خد) 821 ، (م) 19 - (2142)
(5)
(د) 4953 ، (م) 19 - (2142)
(6)
(خد) 821 ، (م) 19 - (2142) ، (د) 4953 ، (خ) 5839 ، (جة) 3732
(خ م س)، وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه قَالَ:(" أَعطَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَهْطًا (1) وَأَنَا جَالِسٌ فِيهِمْ ، فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْهُمْ رَجُلًا لَمْ يُعْطِهِ " - وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ - فَقُمْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَسَارَرْتُهُ (2)) (3) (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ، مَا لَكَ عَنْ فُلَان (4) فَوَاللهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا ، قَالَ:" أَوْ مُسْلِمًا ") (5) وفي رواية: (قَالَ: " لَا تَقُلْ: مُؤْمِنٌ ، وَقُلْ: مُسْلِمٌ (6)") (7) (قَالَ: فَسَكَتُّ قَلِيلًا ، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ فِيهِ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ ، وَاللهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا ، قَالَ: " أَوْ مُسْلِمًا " ، قَالَ: فَسَكَتُّ قَلِيلًا ، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ فِيهِ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ ، وَاللهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا ، قَالَ: " أَوْ مُسْلِمًا) (8)(ثُمَّ قَالَ: يَا سَعْدُ ، إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ ، خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللهُ فِي النَّارِ)(9)(عَلَى وَجْهِهِ ")(10)
الشرح (11)
(1) الرَّهْطُ: عَدَدٌ مِنَ الرِّجَالِ ، مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَى عَشَرَةٍ. (فتح - ح27)
(2)
أي: كَلَّمْتُهُ سِرَّا.
(3)
(خ) 1408 ، (م) 131 - (150)
(4)
أَيْ: ما سَبَبُ عُدُولِكَ عَنْهُ إِلَى غَيْرِه؟. (فتح - ح27)
(5)
(خ) 1827 ، (م) 237 - (150) ، (س) 4992 ، (د) 4685
(6)
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: {قَالَتْ الْأَعْرَابُ آمَنَّا} . (س) 4993
(7)
(س) 4993 ، (ن) 11724
(8)
(خ) 1408 ، (م) 237 - (150)
(9)
(خ) 1827 ، (م) 236 - (150)
(10)
(خ) 1408 ، (م) 237 - (150) ، (د) 4683 ، (حم) 1522
(11)
مُحَصَّلُ الْقِصَّةِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُوسِعُ الْعَطَاءَ لِمَنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ تَأَلُّفًا، فَلَمَّا أَعْطَى الرَّهْطَ وَهُمْ مِنْ الْمُؤَلَّفَةِ ، وَتَرَكَ جُعَيْلًا ، وَهُوَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ مَعَ أَنَّ الْجَمِيعَ سَأَلُوهُ، خَاطَبَهُ سَعْدٌ فِي أَمْرِه ، لِأَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ جُعَيْلًا أَحَقُّ مِنْهُمْ ، لِمَا اِخْتَبَرَهُ مِنْهُ دُونَهُمْ، وَلِهَذَا رَاجَعَ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّة، فَأَرْشَدَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلَى أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِعْلَامُهُ بِالْحِكْمَةِ فِي إِعْطَاءِ أُولَئِكَ ، وَحِرْمَانِ جُعَيْل ، مَعَ كَوْنِهِ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّنْ أَعْطَى؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَ إِعْطَاءَ الْمُؤَلَّف ، لَمْ يُؤْمَنْ اِرْتِدَادُهُ ، فَيَكُونُ مِنْ أَهْلِ النَّار.
ثَانِيهمَا: إِرْشَادُهُ صلى الله عليه وسلم إِلَى التَّوَقُّفِ عَنْ الثَّنَاءِ بِالْأَمْرِ الْبَاطِنِ ، دُونَ الثَّنَاءِ بِالْأَمْرِ الظَّاهِر، فَوَضَحَ بِهَذَا فَائِدَةُ رَدِّ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم عَلَى سَعْد، وَأَنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ مَحْضَ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ، بَلْ كَانَ أَحَدُ الْجَوَابَيْنِ عَلَى طَرِيقِ الْمَشُورَةِ بِالْأَوْلَى، وَالْآخَرُ عَلَى طَرِيقِ الِاعْتِذَار.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَةُ سَعْدٍ لِجُعَيْلٍ بِالْإِيمَانِ، وَلَوْ شَهِدَ لَهُ بِالْعَدَالَةِ لَقُبِلَ مِنْهُ ، وَهِيَ تَسْتَلْزِم الْإِيمَان؟
فَالْجَوَاب: أَنَّ كَلَامَ سَعْدٍ لَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجَ الشَّهَادَة ، وَإِنَّمَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْمَدْحِ لَهُ ، وَالتَّوَسُّلِ فِي الطَّلَبِ لِأَجْلِهِ ، فَلِهَذَا نُوقِشَ فِي لَفْظِه، حَتَّى وَلَوْ كَانَ بِلَفْظِ الشَّهَادَة ، لَمَا اِسْتَلْزَمَتْ الْمَشُورَةُ عَلَيْهِ بِالْأَمْرِ الْأَوْلَى رَدَّ شَهَادَتِه، بَلْ السِّيَاقُ يُرْشِدُ إِلَى أَنَّهُ قَبِلَ قَوْلَهُ فِيهِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ.
وَرُوِّينَا فِي مُسْنَد مُحَمَّد بْن هَارُون الرُّويَانِيّ وَغَيْره بِإِسْنَادٍ صَحِيح إِلَى أَبِي سَالِم الْجَيْشَانِيّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ " أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ: كَيْف تَرَى جُعَيْلًا؟ ، قَالَ: قُلْت: كَشَكْلِهِ مِنْ النَّاس، يَعْنِي الْمُهَاجِرِينَ ، قَالَ: فَكَيْف تَرَى فُلَانًا؟ ، قَالَ: قُلْت: سَيِّدٌ مِنْ سَادَات النَّاس ، قَالَ: فَجُعَيْلٌ خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِنْ فُلَان ، قَالَ: قُلْت: فَفُلَان هَكَذَا وَأَنْتَ تَصْنَع بِهِ مَا تَصْنَع قَالَ: إِنَّهُ رَأسُ قَوْمِه، فَأَنَا أَتَأَلَّفهُمْ بِهِ ".
فَهَذِهِ مَنْزِلَةُ جُعَيْلٍ الْمَذْكُورُ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَمَا تَرَى، فَظَهَرَتْ بِهَذَا الْحِكْمَةُ فِي حِرْمَانِهِ وَإِعْطَاءِ غَيْرِه، وَأَنَّ ذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ التَّألِيفِ كَمَا قَرَّرْنَاهُ.
وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنْ الْفَوَائِدِ: التَّفْرِقَةُ بَيْن حَقِيقَتَيْ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَام، وَتَرْكُ الْقَطْعِ بِالْإِيمَانِ الْكَامِلِ لِمَنْ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ، وَأَمَّا مَنْعُ الْقَطْعِ بِالْجَنَّةِ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا صَرِيحًا ، وَإِنْ تَعَرَّضَ لَهُ بَعْضُ الشَّارِحِينَ.
نَعَمْ هُوَ كَذَلِكَ فِيمَنْ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ النَّصّ.
وَفِيهِ الرَّدُّ عَلَى غُلَاةِ الْمُرْجِئَة فِي اِكْتِفَائِهِمْ فِي الْإِيمَانِ بِنُطْقِ اللِّسَان.
وَفِيهِ جَوَازُ تَصَرُّفِ الْإِمَامِ فِي مَالِ الْمَصَالِح ، وَتَقْدِيمِ الْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ ، وَإِنْ خَفِيَ وَجْهُ ذَلِكَ عَلَى بَعْضِ الرَّعِيَّة.
وَفِيهِ جَوَازُ الشَّفَاعَةِ عِنْد الْإِمَامِ فِيمَا يَعْتَقِدُ الشَّافِعُ جَوَازه، وَتَنْبِيهُ الصَّغِيرِ لِلْكَبِيرِ عَلَى مَا يَظُنُّ أَنَّهُ ذَهِلَ عَنْهُ، وَمُرَاجَعَةُ الْمَشْفُوعِ إِلَيْهِ فِي الْأَمْرِ إِذَا لَمْ يُؤَدِّ إِلَى مَفْسَدَة.
وَأَنَّ الْإِسْرَارَ بِالنَّصِيحَةِ أَوْلَى مِنْ الْإِعْلَان: " فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَسَارَرْتُه " ، وَقَدْ يَتَعَيَّن إِذَا جَرَّ الْإِعْلَانُ إِلَى مَفْسَدَة.
وَفِيهِ أَنَّ مَنْ أُشِيرَ عَلَيْهِ بِمَا يَعْتَقِدُهُ الْمُشِيرُ مَصْلَحَةً ، لَا يُنْكَر عَلَيْهِ، بَلْ يُبَيَّنُ لَهُ وَجْهَ الصَّوَاب.
وَفِيهِ الِاعْتِذَارُ إِلَى الشَّافِعِ إِذَا كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي تَرْكِ إِجَابَتِه، وَأَنْ لَا عَيْبَ عَلَى الشَّافِعِ إِذَا رُدَّتْ شَفَاعَتُه لِذَلِكَ. فتح الباري (ح27)
(س)، وَعَنْ أَبِي الْعَجْفَاءِ السُّلَمِيِّ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه: وَأُخْرَى تَقُولُونَهَا لِمَنْ قُتِلَ فِي مَغَازِيكُمْ أَوْ مَاتَ: قُتِلَ فُلَانٌ شَهِيدًا ، أَوْ مَاتَ فُلَانٌ شَهِيدًا ، وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَوْقَرَ (1) عَجُزَ دَابَّتِهِ ، أَوْ دَفَّ رَاحِلَتِهِ ذَهَبًا أَوْ وَرِقًا (2) يَطْلُبُ التِّجَارَةَ ، فلَا تَقُولُوا ذَاكُمْ ، وَلَكِنْ قُولُوا كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:" مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ مَاتَ ، فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ "(3)
(1) أَيْ: مَلَأَ.
(2)
أَيْ: فِضة.
(3)
(س) 3349 ، (حم) 285 ، 340 ، (حب) 4620 ، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده قوي.
(د)، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " كَانَ رَجُلَانِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مُتَآخِيَيْنِ، فَكَانَ أَحَدُهُمَا يُذْنِبُ ، وَالْآخَرُ مُجْتَهِدٌ فِي الْعِبَادَةِ، فَكَانَ لَا يَزَالُ الْمُجْتَهِدُ يَرَى الْآخَرَ عَلَى الذَّنْبِ ، فَيَقُولُ: أَقْصِرْ (1) فَوَجَدَهُ يَوْمًا عَلَى ذَنْبٍ ، فَقَالَ لَهُ: أَقْصِرْ ، فَقَالَ: خَلِّنِي وَرَبِّي ، أَبُعِثْتَ عَلَيَّ رَقِيبًا؟، فَقَالَ: وَاللهِ لَا يَغْفِرُ اللهُ لَكَ ، أَوْ لَا يُدْخِلُكَ اللهُ الْجَنَّةَ، فَقَبَضَ اللهُ أَرْوَاحَهُمَا ، فَاجْتَمَعَا عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَقَالَ لِهَذَا الْمُجْتَهِدِ: أَكُنْتَ بِي عَالِمًا؟ ، أَوْ كُنْتَ عَلَى مَا فِي يَدِي قَادِرًا؟، وَقَالَ لِلْمُذْنِبِ: اذْهَبْ فَادْخُلْ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، وَقَالَ لِلْآخَرِ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النَّارِ "، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ ، أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ (2). (3)
(1)(أَقْصِر): مِنْ الْإِقْصَار ، وَهُوَ الْكَفُّ عَنْ الشَّيْءِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ.
(2)
أَيْ: أَهْلَكَتْ تِلْكَ الْكَلِمَةُ مَا سَعَى فِي الدُّنْيَا، وَحَظَّ الْآخِرَة. عون (10/ 429)
(3)
(د) 4901 ، (حم) 8275 ، صَحِيح الْجَامِع: 4455، هداية الرواة: 2286
(م)، وَعَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيَّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " قَالَ رَجُلٌ: وَاللهِ لَا يَغْفِرُ اللهُ لِفُلَانٍ ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى (1) عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ؟ ، فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ ، وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ "(2)
(1) التَّأَلِّي: الحلف والقَسَم.
(2)
(م) 137 - (2621)
(حم)، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (" إِذَا سَمِعْتَ الرَّجُلَ يَقُولُ: هَلَكَ النَّاسُ، فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ)(1)(يَقُولُ اللهُ: إِنَّهُ هُوَ هَالِكٌ (2) ") (3)
(1)(حم) 10006 ، (م) 139 - (2623) ، (د) 4983
(2)
قَالَ أَبُو دَاوُد: قَالَ مَالِكٌ: إِذَا قَالَ ذَلِكَ تَحَزُّنًا لِمَا يَرَى فِي النَّاسِ - يَعْنِي فِي أَمْرِ دِينِهِمْ - فَلَا أَرَى بِهِ بَأسًا ، وَإِذَا قَالَ ذَلِكَ عُجْبًا بِنَفْسِهِ وَتَصَاغُرًا لِلنَّاسِ ، فَهُوَ الْمَكْرُوهُ الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ.
(3)
(حم) 7671 ، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح.
(ن)، وَعَنْ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ أَبْغَضَ الْكَلَامِ إلى اللهِ عز وجل أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: اتَّقِ اللهَ فَيَقُولُ: عَلَيْكَ بِنَفْسِكَ "(1)
(1)(ن) 10685 ، (هب) 630 ، (طب في الدعوات الكبير) 156 ، (ش) 2403 ، انظر الصَّحِيحَة: 2598، وصححه الألباني في الإرواء تحت حديث: 341
(خ م)، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " مَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ ، فَلْيَتَصَدَّقْ بِشَيْءٍ "(1)
(1)(م) 1647 ، (خ) 4579 ، (ت) 1545 ، (حم) 8073
(حب)، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: قَبَّحَ اللهُ وَجْهَكَ ، وَوَجْهَ مَنْ أَشْبَهَ وَجْهَكَ ، فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ (1) "(2)
(1) قال ابن حبان: يريد به على صورة الذي قيل له " قبح الله وجهك " من ولده ، والدليل على ان الخطاب لبني آدم دون غيرهم قوله صلى الله عليه وسلم " وَوَجْهَ مَنْ أَشْبَهَ وَجْهَكَ " لأن وجه آدم في الصورة تشبه صورة ولده. أ. هـ
قال الألباني في صحيح الأدب المفرد ح128: فإذا شتم المسلم أخاه وقال له: " قَبَّحَ اللهُ وَجْهَكَ ، وَوَجْهَ مَنْ أَشْبَهَ وَجْهَكَ " شمل الشَّتم آدم أيضاً ، فإن وجه المشتوم يشبه وجه آدم ، والله خلق آدم على هذه الصورة التي نشاهدها في ذريته ، إلا أن الفرق أن آدم خلقه الله بيده ، ولم يمر بالأدوار والأطوار التي يمر بها بنوه ، وإنما خلقه من تراب ، قال تعالى في أول سورة المؤمنون:{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً ، فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً ، فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا ، فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ، ثُمَّ أَنْشَأنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ، فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون: 12 - 14]. أ. هـ
(2)
(حب) 5710 ، (خد)(173) ، (حم) 7414 ، انظر الصَّحِيحَة تحت حديث: 862 ، ظلال الجنة: 519