الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتاب الحج
من نظم الإمام العمريطي الشافعي
شروط وجوب الحج
قال العلامة العمريطي (1) في نظم نهاية التدريب
(كل أمرى فملزم كما أُمِرْ
…
بأن يحج مرة ويعتمرْ)
(إن كان حراً مسلماً مكلفاً
…
وأمكن المسير والخوف انتفى)
(وواجداً لزاده والراحلهْ
…
زيادة عن كل ما يحتاج له)
(1) هو العلامة المفضال، والفقيه الصالح الورع، شرف الدين يحيى بن نور الدين موسى بن رمضان بن عميرة العمريطي الشافعي الأنصاري الأزهري، من جمع بين العلم والعمل، وبين الرفعة والتواضع، وبين التحصيل والعطاء، وبين البحث والنظر والفتح الإلهي على يديه، حتى إنه كان أعجوبة في سلاسة وبساطة النظم للأبحاث الفقهية واللغوية والأصولية حيث حلّق في كل هذا واجاد، وتلقته الأمة بالقبول، وعلى الخصوص منها العلماء وطلاب العلوم الشرعية، وهؤلاء وجدوا فيها تسهيلاً لحفظ ما شرفهم الباري من حمل راية علومه. ألف إمامنا العمريطي نظمين في اللغة أحدهما هو هذا الذي اخترنا لك منه ما يختص بأحكام الركن الخامس وهو ما يسمى بغاية الاختصار أو «نهاية التدريب في نظم غاية التقريب» ولم يشير إلى تاريخ نظمه.
وصنف القاضي أبو شجاع
…
مختصراً في غاية الإبداع
وغاية التقريب والتدريب
…
فصار يسمى غاية التقريب
مع كثرة التقسيم في الكتاب
…
وحصره خصال كل باب
نظمته مستوفياً لعلمه
…
مسهلاً لحفظه وفهمه
الثاني في الفقه هو «تحرير تنقيح اللباب» كما نظم «تسهيل الطرقات في نظم الورقات» التي اشتهرت بين الأصوليين، وهي في الأصل لإمام الحرمين أرّخ للتسهيل في ربيع الأول 989 هـ، و «الدرة البهية في نظم الآجرومية» التي اشتهرت بين اللغويين أتم نظمها في العام 970 هـ، كما ألف «التيسير» في نظم «التحرير» في الفقه أرّخ لإتمامه في شهر رجب في العم 988 هـ. نسبة الشيخ إلى عَِمْريط بفتح العين وكسرها من أعمال بلبيس من نواحي الشرقية بمصر وفاته كما قال المترجمون بعد العام 989 هـ أي بعد 1580 م.
انظر الأعلام للزركلي جـ 8 صـ 175 ـ. وتهذيب تحفة الحبيب للعلامة الفشني بعناية قاسم النوري.
الحج إلى بيت الله الحرام فريضة ثابتة من فرائض الإسلام، وليست أمراً مستحدثاً ابتدعه الفقراء. كما يروق لبعض السطحيين أن يزعم! ثم رسوخ هذا الركن الشامخ ليس من المناسك الخاصة بهذه الأمة، بدليل قوله تعالى:{وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [الحج: 26].
وبين أبي الأنبياء إبراهيم وخاتم الأنبياء محمد عليهم الصلاة والسلام قرابة ألفي عام.
وقد مر معك من روايات مسلم أسماء الأنبياء الذين ورد ذكرهم أنهم حجوا بيت الله الحرام، ومنهم موسى عليه السلام، لذلك ورد في الأثر أنه ما من نبي إلّا وحج بيت الله الحرام، وان آدم حج البيت ماشياً، وانه أول من حج من عباد الله عز وجل ورسله وأنبيائه (1).
ولما للحج من فضيلة عظمى فقد ذهب بعض أهل العلم إلى عده أفضل العبادات، لذلك قال الحليمي:
(1) انظر مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج للعلامة الإمام محمد الخطيب الشربيني جـ 1 ص 460.
(2)
الراحج المعتمد أن الصلاة أفضل منه، لأنها ركن الإسلام الرئيسي وعماده الأول، ولورود أحاديث في ذلك منها الصلاة خير موضوع
…
وهو ما نص عليه العلامة الخطيب الشربيني بعد أن ساق كلام الحليمي. انظر المرجع والجزء والصفحة.
ولقد اختلف العلماء في السنة التي فرض فيها الحج إلى البيت العتيق، بسبب اختلافهم في الزمن الذي خرجت فيه أدلة فرض الحج على هذه الأمة، لذلك آل الأمر إلى الاجتهاد في تحديد عام الوجوب بواسطة القرائن:
بداية: المشهور عند عامة الفقهاء أنه فرض بعد الهجرة، لكن متى؟
القول الأول: أنه فرض في السنة الخامسة من الهجرة، وهو ماجرم به الرافعي في الكلام على أن الحج على التراخي (1).
القول الثاني: أنه في السنة الثانية للهجرة. قال العلامة الشربيني: «وصححاه في كتاب السير، ونقله في المجموع عن الأصحاب، وهذا هو المشهور» .
القول الثالث: أنه في السنة الثامنة منه. حكاه في الأحكام السلطانية.
القول الرابع: أن فرضه وقع في السنة التاسعة، كذا حكاه في الروضة، وصححه القاضي عياض.
هذه خلاصة أقوال العلماء في زمن مشروعية الحج (2) لكن القول الأخير منها هو ما رجحه أُستاذنا االدكتور مصطفى ديب البغا وكذلك أُستاذنا الدكتور وهبة الزحيلي ـ حفظهما الله تعالى.
قال فضيلة الشيخ د. مصطفى البغا: «لعل أرجح ما قيل في تحديد الزمن الذي شرع فيه الحج والعمرة أنه العام التاسع من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، بدليل قوله
(1) هذه الأقوال نقلاً عن نفس المرجع والجزء والصفحة.
(2)
ثمة قول أخر وهوأن الحج فرض في السنة العاشرة، قال العلامة الخطيب الشربيني: قيل في العاشرة قال بعضهم: وهوغلط. انظر المرجع والجزء والصفحة.
عليه الصلاة والسلام: فيما رواه الشيخان، لوفد عبد القيس الذين قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم في أول العام التاسع للهجرة، وقد سألوا عن الأوامر التي يجب أن يأتمروا بها:[آمركم بالإيمان بالله، إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا الخُمسَ من المغنم].
فلوكان الحج مفروضاً قبل ذلك، لعده في جملة الأوامر التي وجهها إليهم» (1).
وقال فضيلة الشيخ د. وهبة الزحيلي: «وتاريخ مشروعيته على الصحيح أن الحج فرض في أواخر سنة تسع من الهجرة، وأن آية فرضه هي قوله تعالى:
{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97] نزلت عام الوفود أواخر سنة تسع وهو رأي أكثر العلماء، وأنه صلى الله عليه وسلم لم يؤخر الحج بعد فرضه عاماً واحداً، وإنما أخره عليه السلام للسنة العاشرة لعذر، وهو نزول الآية بعد فوات الوقت، فكان حجه بعد الهجرة حجة واحدة سنة عشر كما روى أحمد ومسلم» (2).
فأقوال العلماء اختلفت في السنة التي وجب فيها الحج إلى بيت الله الحرام، لكنها اتفقت على أن رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم حج مرة واحدة بعد الهجرة، لأجل هذا قال الإمام العمريطي:
كل أمراءٍ فملزم كما أُمِرْ
…
بأن يحج مرة ويعتمرْ
(1) الفقه المنهجي، قسم العبادات وملحقاتها، كتاب الحج والعمرة صـ 114. ولدى الاستقراء تبين لي أنه عين الذي ذهب إليه أُستاذنا الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي حفظه الله، الذي ذكر ذات استدلال أُستاذنا الدكتور مصطفى البغا باستثناء شيء واحد وهو أنه يذكر أن الحج فرض في السنة العاشرة للهجرة، وليس في أواخر السنة التاسعة منه. انظر فقه السيرة فصل: حجة الوداع صـ 479.
(2)
الفقه الإسلامي وادلته جـ 3 صـ 2065.
فالحج لا يجب في العمر إلّا مرة واحد؛ يشهد لهذا الحديث الذي رواه النسائي ومسلم واللفظ له عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله «فقال: يا أُيّها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا فقال رجل (1): أكلَّ عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً، ثم قال: ذروني ما تركتكم، ولو قلتُ نَعَم لوجبت، ولما استطعتم» (2)، ثم قال:«فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم (3)، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه» (4).
ودليل آخر نقرؤه في صحيحي البخاري ومسلم واللفظ المسلم عن قتادة أن أنساً رضي الله عنه أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتمر أربع عُمر كلهن في ذي العقدة، إلَّا التي مع حجته (5):
(1) قال الإمام النووي: هذا الرجل هو الأقرع بن حابس كذا جاء مبَّيناً في غير هذه الرواية. انظر صحيح مسلم بشرح النووي جـ 9 صـ 464.
(2)
قال النووي: دليل على أن الأصل عدم الوجوب، وأنه لا حكم قبل ورود الشرع، وهذا هو الصحيح عند محققي الأصوليين لقوله تعالى:{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ شَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} .] الإسراء الآية 15]. انظر نفس المرجع والجزء والصفحة.
(3)
قال النووي: هذا من قواعد الإسلام المهمة، ومن جوامع الكلم التي أُعطيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: وهذا الحديث موافق لقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: الآية 16]، وأما قوله تعالى:{اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران: 102] ففيها مذهبان: أحدهما أنها منسوخة بقوله تعالى: فاتقوا الله ما أستعطتم والثاني وهو الصحيح أو الصواب وجزم به المحققون أنها ليست منسوخة، بل قوله تعالى: فاتقوا الله ما استطعتم مفسرة لها ومبينة للمراد بها. قالوا: وحق تقاته: وهو امتثال أمره، ، واجتناب نهيه. انظر نفس المرجع والجزء صـ 464 - 465.
(4)
صحيح مسلم (1337/ 412).
(5)
قال إمامنا النووي: وكانت إحداهنّ في ذي القعدة عام الحديبية سنة ست من الهجرة، وصُدَّوا فيها فتحللوا وحسبت لهم عمرة، والثانية في ذي العقدة وهي سنة سبع وهي عمرة القضاء، والثالثة في ذي القعدة سنة ثمان، وهي عام الفتح، والرابعة مع حجته وكان إحرامها في ذي القعدة، وإعمالها في ذي الحجة. وأما قول ابن عمر إن إحداهنّ كانت في رجب فقد أنكرته عائشة، وسكت ابن عمر حين أنكرته، قال العلماء: هذا يدل على أنه أشتبه عليه أو نسي أوشك، ولهذا سكت عن الإنكار على عائشة ومراجعتها بالكلام
…
انظر مسلم بشرح النووي صـ 8 صـ 381.
عمرة من الحديبية، وعمرة من العام المقبل في ذي العقدة، وعمرة من جعرانة حيث قسم غنائم حُنَين في ذي القَعْدة، وعمرة مع حجته (1)» (2).
وفي رواية عند مسلم قال: حجةً واحدة، واعتمر أربع عمر .. (3)
وفي رواية عن مسلم بن زيد بن أرقم:
…
وأنه حجّ بعد ما هاجر حجة واحدة (4)
وهل حجّ رسول الله صلى الله عليه وسلم غير هذه الحجة؟
يجيب عن هذا التساؤل أستاذنا العلامة الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي بقوله: «اختلف العلماء: هل حجّ رسول الله صلى الله عليه وسلم غير هذه الحجة في الإسلام؟ فقد روى الترمذي وابن ماجة أنه صلى الله عليه وسلم حجّ ثلاث حجج قبل هجرته إلى المدينة. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: وهو مبني على عدد وفود الأنصار إلى العقبة بمنى بعد الحج. فإنهم قدموا أولاً فتواعدوا، ثم قدموا ثانياً فبايعوا
(1) هذه العمرة هي التي أدخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحج فصار قارناً بعد أن كان أول الأمر مفرداً، وما ذلك إلّا مخالفة للمشركين الذين كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور. ولم يعتمر رسول صلى الله عليه وسلم بعد انقضاء النسك عمرة مستقلة في شوال أو محرم، بينما فعلته عائشة من التنعيم فاعتمرت في سنة واحدة مرتين: مرة في قرانها، وأخرى بعد الحج من التنعيم بإذن من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي هذا دليل على جواز العمرة أكثر من مرة في العام الواحد وهو مذهب الجمهور خلافاً للمالكية.
(2)
صحيح البخاري برقم (1780) مسلم (1253/ 217).
(3)
هذه الرواية تحمل نفس الرقم عند مسلم.
(4)
صحيح مسلم (1254/ 218).
البيعة الأولى، ثم قدموا ثالثاً فبايعوا البيعة الثانية. اهـ.
ومنهم من روى أنه عليه الصلاة والسلام كان يحج كل سنة قبل أن يهاجر، وأياً ما كان الأمر، فإن مما لا شك فيه أن وجوب الحج إنما شرع في العام العاشر من الهجرة، فلم يكن واجباً قبل ذلك، ولم يحج النبي صلى الله عليه وسلم بعدها غير هذه الحجة» (1).
قال مسلم: قال أبو إسحاق: وبمكة أُخرى أي حجة قبل الهجرة (2).
وقد يجب الحج أكثر من مرة لعارض كما لو نذر أن يحج، وكذا فيما لو أفسد حج التطوّع فيلزمه القضاء وجوباً (3).
وقد يحرم الحج إلى بيت الله كما لو حج بمالٍ حرام، لكنه لا يبطل بذلك فيما لو أتى به صاحبه صحيحاً بلا مفسد، إلّا أنه لا يبلغ به رتبة الحج المبرور، ولا يعفى فيه من الإثم والحرمة، فهو نظير الصلاة فوق أرض مغصوبة، أو الوضوء بماء مغصوب (4).
ومن صور الحج الذي تلازمه صفة الحرمة إحرام الزوجة بحج النفل، فللزوج منعها، وله تحليلها أيضاً لفوات حقه؛ لأنه على الفور، والنسك على التراخي، ويلحق بها الولد إذا أحرم بحج التطوع من غير رضى والده، فقد أثم
(1) انظر فقه السيرة لأستاذنا الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، فصل حجة الوداع، في العبر والعظات صـ 479.
(2)
قال النووي: يعني قبل الهجرة، وقد روي في غير مسلم قبل الهجرة حجتان انظر صحيح مسلم بشرح النووي جـ 8 صـ 382.
(3)
مغني المحتاج للشربيني جـ 1 ص 460.
(4)
الفقه الإسلامي وأدلته الدكتور وهبة الزحيلي جـ 3 ص 2072.
بذلك، وللأب تحليله أيضاً (1).
وقد يكره الحج فيما لو منع الوالد ولده من حجة الإسلام، فلا يلزمه طاعته في هذا (2).
والحج الذي يلزم المرء المسلم مرة واحدة في عمره لا يجب على الفور عند الشافعية ومن وافقهم (3)، لأن العمر كله منذ الاستطاعة وقت للأداء، لكن بشرط العزم على الفعل في المستقبل. قال العلامة الشربيني: وإنّ أخَّر بعد التمكن، وفَعَلهُ قبل أن يموت لم يأْثَمْ لأنه صلى الله عليه وسلم أخره إلى السنة العاشرة بلا مانع، وقيس به العمرة (4)، لكن التأخير إنما يجوز بشرط العزم على الفعل في المستقبل كما مر بيانه في الصلاة، وأن لا يتضيق بنذر أو قضاء أو خوف عضب (5) فلو خشي من وجب عليه الحج أو العمرة العضب حرم عليه التأخير، لأن الواجب الموسع إنما يجوز تأخيره بشرط أن يغلب على الظن السلامة إلى وقت فعله. قال في المجموع: قال المتولي: ومثله من خشي هلاك ماله (6).
ولا يتنافى الوجوب على التراخي مع الندب بأداء الحج أو العمرة عقب
(1) حاشية العلامة ابن حجر الهتمي على شرح الإيضاح في مناسك الحج للنووي من ص 26 إلى صـ 28.
(2)
قال العلامة ابن حجر الهتمي في حاشيته على شرح الإيضاح للنووي ص 27 في الزوجة واستئذان زوجها: وخلاصة المعتمد منه أنه يسن للحرة استئذان زوجها في الإحرام بنسكها كما قال الشيخان ولا ينافيه قول المصنف هنا وفي المجموع له منعها من حجة الإسلام فإنه لا يلزم من جواز منعه حرمة إحرامها بغير إذنه.
(3)
هو الإمام محمد صاحب الإمام أبي حنيفة النعمان. انظر الحج والعمرة في الفقه الإسلامي لأستاذنا د. نور الدين عتر صـ 13.
(4)
أي العمرة لا تجب على الفور مثل الحج.
(5)
العضب هو العجز عن الحج بنفسه لزمانة أو لهرم ونحوهما. انظر صحيح مسلم بشرح النووي جـ 9 ص 461
(6)
مغني المحتام للخطيب الشربيني جـ 1 ص 460 - 461.
الوجوب فوراً (1)؛ لأن السنة أن لا يؤخر الفعل عن عام الإمكان مبادرة منه إلى براءة ذمته، ومسارعة إلى التلبس بالطاعة، وامتثالاً لقوله تعالى:{فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة: 148]، لأن التأخير ربما عرّض الحج إلى الفوات، بسبب ما يفاجئ الإنسان من حوادث الزمان، وربما انتهى به الأمر إلى الإثم العظيم، بتركه إن مات قبل أن يتمكن من القيام بالنسك (2) ولقد رجح أستاذنا الدكتور وهبة الزحيلي مذهب الشافعية في هذه المسألة بقوله: وهذا الرأي أولى ليسره على الناس، وعدم الحكم بالتأثيم؛ ولأن الأحاديث التي احتج بها الجمهور كلها ضعيفة، والحج فرض سنة ست عند نزول آل عمران كما حقق الشافعية، ومن قال إنه فرض سنة عشر فقد أخطأ؛ لأن السورة نزلت قبلها قطعاً، لكن تعجيل الحج ضروري للاحتياط (3)
والحج لا يجب على كل فرد مسلم على إطلاقه إلّا إن كان بالغاً، واستطاع إلى ذلك سبيلاً؛ لأنه عبادة مالية؛ مرتبط بالقدرة على تحصيل المال الكافي لذلك. من هنا قال الإمام العمريطي:
(إن كان حراً مسلماً مكلفاً
…
وأمكن المسير والخوف انتفى)
(وواجداً لزاده والراحلة
…
زيادة عن كل ما يحتاج له)
(1) قال أستاذنا الدكتور وهبة الزحيلي في الفقه الإسلامي وأدلته جـ 3 ص 2073: قال أبو حنيفة والمالكية في أرجح القولين والحنابلة: يجب الحج بعد توافر الاستطاعة وبقية الشروط الآتية على الفور في العام الأول، أي في أول أوقات الإمكان، فيفسق وترد شهادته بتأخيره سنيناً؛ لأن تأخيره معصية صغيره، وبارتكابه مرة لا يفسق إلّا بالإصرار
…
».
(2)
مغني المحتاج جـ 1 ص 460.
(3)
الفقه الإسلامي الزحيلي جـ 3 ص 2074 لكن هذا الخلاف ما رجحه في موضع آخر كمات مرَّ.
فلا يجب الحج على الكافر الأصلي وجوب مطالبة في الدنيا؛ لأنه لا إكراه في الدين. وكذلك لا يصح منه لو فعله.
ولا يجب على غير البالغ (أي الصبي) ولا مجنون لعدم تكليفهما به كسائر العبادات، لحديث: رُفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يبرأ (1)، لكن يصح من الصبي المميز إن باشره بإذن الولي، وأمّا الصبي غير المميز فيشترط فيه أن يحرم عنه الولي ومثله المجنون (2). والدليل ما رواه مسلم في صحيحه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم لقي ركْباً بالرَّوْحاء، فقال: من القوم؟ قالوا: المسلمون. فقالوا: مَن أنت؟ قال: رسول الله. فرفعتْ إليه امرأةٌ صبياً فقالت: ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر (3).
أما الفقير لو حج فإنه يصح منه، ويجزئ عنه، ولو لم يجب عليه أصلاً (4).
وبهذا نعلم للاستطاعة شروطاً:
منها وجود الراحلة التي هي وسيلة نقله من بلده إلى البيت الحرام؛ لأنها
(1) ذكر الحديث صاحب الفقه المنهجي صـ 122 وقال: رواه ابن حيان والحاكم وصححاه.
(2)
تهذيب تحفة الحبيب في شرح نهاية التدريب، للعلامة شهاب الدين أحمد بن حجازي الفَشْني صـ 199.
(3)
صحيح مسلم (1336/ 409).
(4)
تهذيب تحفة الحبيب
…
للعلامة الفَشْني صـ 199.
هي التي سترحل به إلى هناك، وتعرف اليوم بالطائرة أو الحافلة أو السفينة.
ويشترط في هذه الراحلة أن تكون فاضلة عن دينه ومؤنة من تلزمه نفقتهم مدة ذهابه وإيابه. قال الشافعية: والأصح اشتراط كونه فاضلاً عن مسكنه وعبدٍ يحتاج إليه لخدمته (1).
وذهب الشافعية أيضاً إلى أنّ مَن له مال تجارة، أو مستغلات يحصّل منها نفقته وجب عليه بيعها وصرفها للزاد والراحلة لأجل الحج في الأصح؛ لأنّ الفريضة دين عليه وهو يملك المال الكافي لأدائه فأشبه من عليه دين لأجنبي حيث يلزمه صرفُ مال تجارته لقضاء دينه (2).
واشتراط الراحلة لمن بينه وبين مكة أكثر من مرحلتين. أما مَن كان بينه وبين مكة المكرمة أقل من مرحلتين، وكان قادراً على المشي لزمه الحج ماشياً، ولو لم يملك أُجرة الراحلة استئجاراً، أو ثمنها شراء، ولا يعتبر في حقه وجود الراحلة (3) ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة كما ذهب إليه الإمام الرافعي (4).
ومن كان بينه وبين مكة مرحلتان فأكثر، وكان قادراً على المشي، ولا يملك الراحلة، لم يلزمه الحج وجوباً، لكن يندب في حقه ذلك خروجاً من خلاف من أو جبه (5).
(1) هي عبارة النووي في المنهاج. انظر مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج للخطيب الشربيني جـ 1 صـ 465.
(2)
نفس المرجع والجزء والصفحة.
(3)
تهذيب تحفة الحبيب في شرح نهاية التدريب للعلامة الحجازي الفَشْني صـ 200.
(4)
مغني المحتاج للعلامة الشربيني جـ 1 صـ 463.
(5)
نفس المرجع والجزء والصفحة.
ومن شروط الاستطاعة أن يثبت الحاج على الراحلة بلا مشقة شديدة.
دليل ذلك ما جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن عباس أنه قال: كان الفَضلُ بن عباسٍ رديف رسول صلى الله عليه وسلم، فجاءته امرأة من خَثْعَم تستفتيه، فجعل الَفضلُ ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الأخر. قالت يا رسول الله: إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: نعم، وذلك في حجة الوداع. (1) وفي رواية أخرى عند مسلم: إن أبي شيخ كبير عليه فريضة الله في الحج، وهو لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم فحجي عنه (2).
قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث العظيم المنافع:
هذا الحديث فيه فوائد:
منها جواز الإرداف على الدابة إذا كانت مطيقة.
وجواز سماع صوت الأجنبية عند الحاجة في الاستفتاء والمعاملة وغير ذلك.
ومنها تحريم النظر إلى الأجنبية.
ومنها إزالة المنكر باليد لمن أمكنه.
ومنها جواز النيابة في الحج عن العاجز الميؤوس منه بهرم أو زمانه أو موت.
ومنها جواز حج المرأة عن الرجل.
(1) صحيح مسلم (1334/ 407).
(2)
صحيح مسلم (1335/ 408).
ومنها بر الوالدين بالقيام بمصالحهما من قضاء دين وخدمة وحج عنهما وغير ذلك.
ومنها وجوب الحج على من هو عاجز بنفسه مستطيع بغيره كولده، وهذا مذهبنا؛ لأنها قالت: أدركته فريضة الحج كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة (1).
ومنها جواز قول حجة الوداع، وأنه لا يكره ذلك، وسبق بيان هذه مرات.
ومنها جواز حج المرأة بلا محرم إذا أمنت على نفسها وهو مذهبنا» (2).
ومن شروط الاستطاعة أن يجد كل ما يحتاج إليه من مأكل ومشرب وملبس، حتى السُّفْرة (3) التي يأكل عليها في ذهابه إلى رجوعه إلى بلده (4).
كل هذا؛ لأن الغربة في السفر تورث صاحبها وحشة، حيث يتنازعه الشوق والحنين إلى الأهل والأوطان، فكان لا بد من مال يغطي نفقات الرحلة، يغدو به الحاج عزيزاً كريماً، لا يجمع إلى غربة الوطن ووحشته، هلاك النفس في الطريق، وهلاك الأهل في محل الإقامة، وكل هذا من اعتدال الإسلام الذي ربط الحج
(1) هذا هو النوع الثاني من الاستطاعة، أي استطاعة غير مباشرة، وهو الذي يستطيع تحصيل الحج بغيره، سواء كان معضوباً فوكّل غيره به وكان يملك أجرة من يحج عنه بأجرة المثل، فيلزمه ذلك، أو مات ولم يحج، وفي تركته مال وجب الإحجاج عنه من تلك التركة.
قال الإمام النووي: «وقال الشافعي والجمهور: يجوز الحج عن الميت عن فرضه ونذره سواء أوصى به أم لا، ويجزئ عنه، ومذهب الشافعي وغيره أن ذلك واجبٌ في تركته. وعندنا يجوز للعاجز الاستنابة في حج التطوع على أصح القولين» . انظر نفس المرجع والجزء ص 461 - 462.
(2)
صحيح مسلم بشرح النووي جـ 9 صـ 461.
(3)
السُّفرة هي طعام يتخذ للمسافر.
(4)
تهذيب تحفة الحبيب
…
للعلامة الحجازي الفشني صـ 200.
بالاستطاعة المالية التي لا يتحقق الركن الخامس بغيابها. لا بل بلغ بالعمق الحضاري بديننا الحنيف أن ربط الراحلة التي اشترطها بهذه الرحلة المباركة بما يصلح لمثل الحاج في مكانته وهيئته. فلم يشترط أي راحلة يستطيعها الناس بإمكانياتهم المادية المحدودة، ولهم مقام ونظرة احترام خاصة في مجتمعاتهم، لذلك قال العلامة الشربيني: من شرط الاستطاعة وجود الراحلة الصالحة لمثله .. (1).
ولم يشترطوا فيها الشراء كما ذكرتُ لك، كما لم ينحوا في ذلك المنحى المادي الضيق الذي يجعل مقامات الناس حسب أرصدتهم المالية في البنوك، وإنما جعل الصالح لمثل هذا الشخص الذي لا تهتك به حرمة كرامته ولو كان فقيراً ليس بحوزته شيء، كما لو كان من أهل العلم والجاه أو الصلاح أو الجهاد والفتوحات.
ومن الاستطاعة أمن الطريق جواُ أو بحراً أوبراً. فلو خاف على نفسه أو ماله سَبُعاً من سباع الأرض، أوعدوّاً يتربص به، أو رَصَدياً يقطع عليه الطريق، ولا طريق له سواه لم يجب الحج (2).
ويشترط في المرأة أن يخرج معها زوج أو محرم أو نسوة ثقات، كما يلزمها أجرة المحرم إذا لم يخرج إلّا بها (3).
والأعمى يجب عليه الحج والعمرة إن وجد قائداً يقوده ويهديه عند نزوله ويركبه عند ركوبه (4).
(1) مغني المحتاج للعلامة الشربيني جـ 1 صـ 463.
(2)
نفس المرجع والجزء صـ 465.
(3)
تهذيب تحفة الحبيب
…
للعلامة الحجازي الفشني صـ 200.
(4)
مغني المحتاج للعلامة الشربيني جـ 1 صـ 468.