المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌محرمات الإحرام (1)   قال الإمام العمريطي: (وهذه عشرُ خصالٍ تحرمُ … من - الحج من نظم الإمام العمريطي الشافعي في «نهاية التدريب في نظم غاية التدريب»

[محمد محيي الدين حمادة]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌شروط وجوب الحج

- ‌أركان الحج

- ‌الركن الأول من أركان الحج هو الإحرام

- ‌الركن الثاني الوقوف بعرفة

- ‌الركن الثالث: الحلق أو التقصير

- ‌الركن الرابع: السَّعي

- ‌الركن الخامس الطواف:

- ‌الركن السادس: ترتيب معظم الأركان

- ‌واجبات الإحرام

- ‌الواجب الأول: الإحرام من الميقات

- ‌الواجب الثاني: الرمي

- ‌الواجب الرابع: المبيت بمنى

- ‌الواجب الخامس: التحذير من الوقوع في محرمات الإحرام

- ‌الواجب السادس: طواف الوداع:

- ‌أبرز المستحبات في الحج

- ‌محرمات الإحرام

- ‌الفداء من اقتراف محظورات الإحرام

- ‌الدماء في الإحرام(أقسامها ـ خصوصيتها ـ ما يقوم مقامها)

- ‌دم التخيير والتقدير

- ‌دم التخيير والتعديل

- ‌شرب زمزمٍ ندبٌ

- ‌ملحق هام في أبرز مزارات مكة

- ‌ غار ثور

- ‌دار الندوة:

- ‌دار السيدة خديجة رضي الله عنها:

- ‌الأخشبان:

- ‌شِعبُ أبي طالب:

- ‌المحصَّب

- ‌مسجد الراية:

- ‌مسجد خالد بن الوليد:

- ‌مقبرة المعلاة:

- ‌سَرِف:

- ‌مسجد الفتح بالجموم:

- ‌غار حراء:

الفصل: ‌ ‌محرمات الإحرام (1)   قال الإمام العمريطي: (وهذه عشرُ خصالٍ تحرمُ … من

‌محرمات الإحرام

(1)

قال الإمام العمريطي:

(وهذه عشرُ خصالٍ تحرمُ

من محرمٍ وكلها ستعلمُ)

(لبس المخيط مطلقاً من الذكرْ

وستر بعض رأسه بلا ضررْ)

ووجهها كرأسه إذا استترْ

وقَلْم أظفارٍ كذا حلق الشعرْ)

وقتل صيد كالحلال في الحرمْ

والقطع من أشجاره كالصيد ثَمْ)

والوطء والنكاح والمباشرهْ

بشهوة ومس طيبٍ عاشرهْ)

ثم الفدا من كل ما منها وجدْ

إلّا النكاح فهو غير منعقدْ)

والظفر فيه المد والظفرانٍ

كالشعرتين فيهما مدانٍ)

والنسكان مطلقاً قد أُبطلا

بالوطء إلّا وطء من تحللا)

وواجبٌ بالوطء هديٌ والقضا

وكونه في فاسدٍ مضى)

بدأ العلامة العمريطي بعشر خصال يحرم على المحرم الاقتراب منها بسبب إحرامه.

لكن قبل إعلامك بتفصيل كل منها سأخبرك بأن ثلاثة من العشرة يعد إتيانها

(1) هذا الفصل هو السبب الرئيسي الذي من أجله عرجت على تصنيف العمريطي في مناسك الحج؛ لأن جابراً في حديثه لم يعرّجْ على ذلك، فكان ذلك نقصاً في كتاب «الركن الخامس» استدركه هنا بفضل الباري وتوفيقه.

ص: 82

من الكبائر: وهي الصيد والوطء وعقد النكاح، وما سوى ذلك فكلها صغائر (1)

فلينتبه المسلم المحرم بأحد النسكين من وقوع محذورٍ منها منذ الإحرام إلى التحلل سواء كان صغيراً أو كبيراً كي ينال بحرصه رتبة الحج المبرور الذي ليس له جزاء إلّا الجنة.

أول هذه المحرمات على المهل بحج أو بعمرة، لبس المخيط مطلقاً، أو ما في معناه كالمنسوج على هيئته، سواء كان من قطن أو صوف أو جلد أو غير ذلك، شرط أن يكون محيطاً (2) أي معمولاً على قدر البدن، أو قدر عضو منه، وشرطه أن يلبسه على الصورة المعتادة لذلك بخلاف ما لو ألقى شيئاً منه كالعباءة مثلاً على كتفه، دون أن يدخل يديه في فتحتيها، أي لا على النحو الذي يلبس عادة فإن ذلك لن يضره، ولا فديه عليه.

ومثله ما لو التحف بجبة أو عباءة عند نومه، أو جعل قميصه إزاراً، أو سرواله رداء جاز له ذلك بشرط أن يراعي أن لا يحيط ما ذكر بعضو من أعضائه أو بجملة جسمه على النحو الذي يجري فيه اللباس عادة (3).

وله أن يعقد إزاراه (4)، وأن يشد عليه خيطاً ليثبت، وأن يجعل له مثل الحجزة

(1) حاشية العلامة الباجوري جـ 1 صـ 480.

(2)

فالعبرة بالإحاطة سواء كان منسوجاً أو مخيطاً لذلك قال العلامة الباجوري في شرحه على كلام العلامة ابن قاسم الغزي ح 1 صـ 480: فلو عبر بالمُحيط بضم الميم وبالحاء المهملة لكان أولى.

(3)

لذلك لو ألقى على نفسه عباءة مثلاً، وهو مضطجع، فإن كان بحيث لو قام أستمسكت عليه، وعُدّ لابساً لها، لزمه الفدية وإلّا فلا.

(4)

في مذهب السادة الحنفية يكره أن يعقد أو يخلل الإزار، ولكن لو فعله فلا شيء عليه. انظر الفقه الإسلامي وأدلته لأستاذنا الدكتور وهبة الزحيلي جـ 3 صـ 2294، وكتاب مناسك الحج والعمرة للدكتور محمد توفيق رمضان البوطي صـ 64، فيما دوّنه فقيه الحنفية في دمشق في حاشية الكتاب المذكور فضيلة الشيخ عبد الرزاق الحلبي حفظه الله.

ص: 83

ويدخل فيه التِّكة إحكاماً.

ويستثنى من عقد الإزار ما لو شده بأزرارٍ في عراً، فإنه ممتنع، وفيه الفدية.

أما الرداء فلا يجوز عقده مطلقاً (1)، وتلزمه الفدية، سواء عقده بأزرار وعرى، أو عقد طرفه في طرفه الآخر.

ولا يجوز أن يزرّ رداءه، ولا أن يُخلّه بِخِلَال أو مسلة، ولا أن يربط خيطاً في طرفه ثم يربطه في طرفه الآخر؛ لأن ذلك كله فيه معنى الخياطة المحظورة، وبالتالي يترتب على صنعه الفداء.

قال إمامنا النووي بعد أن ساق هذه الأحكام: «فافهم هذا فإنه مما يتساهل فيه عوام الحجاج، ولا تغترّ بقول إمام الحرمين: يجوز عقد الرداء كالإزار فإنه شاذ مردود، ومخالف لنص الشافعي وأصحابه، وقد روى الشافعي تحريم عقد الرداء عن ابن عمر رضي الله عنهما (2).

وله شد المنطقة والِهيْمَان على وسطه للحاجة إلى ذلك (3).

(1) هذا بخلاف ما لو عقد طرف ردائه في إزاراه، فإنه جائز، وإن كان فيه كراهة، وهو ما نص عليه المتولي من فقهاء الشافعية. انظر الحاشية لابن حجر على شرح الإيضاح صـ 173.

(2)

انظر نفس المرجع صـ 174.

(3)

روى البخاري في صحيحه عن عطاء قال في المحرم: يختَّمُ ويلبس الِهيْمَان. وقال البخاري: طاف ابن عمر

رضي الله عنهما وهو محرم، وقد حزم على بطنه بثوب. وقال: ولم تَر عائشة بالتُّبَّان بأساً للذين يرحلون هودجها. قال العلامة ابن حجر العسقلاني في فتح الباري على صحيح البخاري: التُّبَّان: بضم المثناة وتشديد الموحدة سراويل قصير بغير أكمام. وعن يرحلون قال الجوهري: رحلت البعير: أرحله بفتح أوله رحلاً إذا شددتُ على ظهره الرحل. انظر فتح الباري جـ 3 صـ 501. وصحيح البخاري باب الطيب عند الإحرام.

ص: 84

وله أن يلبس الخاتم والساعة ويضع النظارات على عينيه، أو السماعة (جهاز تقوية السمع) في أذنيه، وأن يتقلد سيفاً ومصحفاً (1).

وله أن يدخل يده في كمّ قميص منفصل عنه؛ لأنه لا يسمى لا بساً.

الضابط في هذا كله أن ما يطلق عليه اسم الملبوس في عرف الناس، يحصل به الترفه الذي يتنافى مع حكمة الإحرام ومشروعيته هو الحرام بالنسبة لمن أحرم بأحد هذين النسكين، وإلَّا فالأصل الإباحة (2).

فقه هذه الأحكام استنبطه العلماء من المدلول اللغوي والتطبيقي للرواية التي أوردها الشيخان عن نافع عن ابن عمر أن رجلاً قال: يا رسول الله: ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال عليه السلام: لا يلبس القميص ولا العمائم ولا السراويل ولا البرانس ولا الخفاف، إلّا أحد لا يجد نعلين فليلبس خفّين، وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شياً مسّه زعفران أو ورس» (3).

فالحديث النبوي الشريف نبه بالقميص والسراويل على كل مخيط معمول على قدر البدن أو على قدر عضو منه بخياطة من نحو نسج أو لزق أو ضفر أو تلبيد أو عقد أو غير ذلك.

(1) ويزاد من جانب المرأة أن لها أن تلبس الذهب والحرير، وتتجمل بالحلي زينة مباحة عند كافة العلماء لكن ليس لها أن تظهر زينتها أمام الأجنبي سواء في زمن الإحرام أو الإحلال، وهو ما يمنع كون الحج مبروراً.

(2)

أي وفق هذا الحد. أنظر الفقه الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي جـ 3.

(3)

صحيح البخاري برقم (1542)، وصحيح مسلم برقم (117/ 1).

ص: 85

ونبه بالعمائم والبرانس على كل ما في معناها مما يستر الرأس مخيطاً كان أو غير ذلك (1).

(1) الأصل أنه لا يجوز لبس الخفين بنص الأحاديث الصحيحة لإحاطتهما بالعقب والكعبين، ولسترهما أصابع وظاهر القدمين، ولكنّ فَقْدَ النعلين يجيز للمحرم استعمال الخفين بشرط القطع أسفل الكعبين بدليل الحديث السابق الذي رواه الشيخان عن ابن عمر والذي أخذ به مالك وأبو حنيفة والشافعي وجماهير العلماء فقالوا: لا يجوز لبسهما إلّا بعد القطع. وقال أحمد: يجوز لبس الخفين بحالهما ولم يذكر اشتراط قطعهما محتجاً بما رواه مسلم عن ابن عباس برقم (1178/ 4). قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب يقول: «السراويل لمن يجد الإزار، والخُفّان لمن لم يجد النعلين، يعني المحرم» وكذا لما رواه مسلم بمعناه عن جابر. قال أصحاب أحمد: حديثا ابن عباس وجابر نسخا حديث ابن عمر المصرّح بقطع الخفين قبل لبسهما وزعموا أن قطعهما إضاعة مال! لكن جماهير فقهاء الأمة لم تأخذ بقولهم، ولم تأخذ بحديث ابن عباس وحده، وإنما أعملت الروايتين معاً فحملت المطلق في روايتيهما على المقيد في رواية ابن عمر، فأعملوا الروايات معاً، وأخذوا بزيادة الثقة، وهو هنا ابن عمر، وقالوا: زيادة الثقة مقبولة، والإعمال خير من الإهمال، والنسخ لا يجري إلّا بعد العجز عن جمع بين الروايات، والتحقق من زمن السابق واللاحق. أما إضاعة المال فقد نصوا على أن ذلك فيما لم يرد فيه شرع. وبالنسبة للكعبين الواردين بالحديث فقد فسر العلماء الكعب بالعظم الناتئ في جانبي كل قدم وفسرها أبو حنيفة بالعظم الناتئ وسط ظاهر القدم هذا يعني أن الحنفية فيما نقل عن أبي حنيفة فسروا الكعب بالشاخص في ظهر القدم، وقد ابتعدوا بهذا عن جمهور أهل اللغة الذين صرحوا بأن في كل قدم كعبين، ومن هذا ومن معنى النعلين فقد أوجب الجمهور كشف الكعبين والعقبين وأصابع القدمين وهذا هو الأصل لكن بعد أن يعتمد إلى الخف فيقطعه أسفل من الكعبين. هل يضر ما يحيط بالعقب وغيره. مما يبقى من المقطوع؟ الجواب: الأصل أنه لو كان لابساً له باختياره ضرّ، ولكن أجاز الفقهاء ذلك في الخف؛ لأنه انصراف إليه عند الحاجة. قال العلامة سليمان البجيرمي في شرحه على الخطيب جـ 2 صـ 562:

«قال ابن حجر: «وظاهر إطلاق الاكتفاء بقطعه الخف أسفل من الكعبين أنه لا يحرم وإن بقي منه ما يحيط بالعقب والأصابع وظهر القدمين وعليه فلا ينافي تحريم السرموجة، لأنه مع وجود غيرها» ثم قال: «ومحل جواز لبسهما بعد القطع عند فقد غيرهما وعند الحاجة» . لكن هل على الحاج بفدية للبس الخفين عند فقد النعلين؟ قال مالك والشافعي ومن وافقهما أنه لا شيء عليه؛ لأنه لو وجبت فدية لبيَّنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهنا فائدة جليلة أتى على ذكرها العلامة ابن حجر الهيتمي في حاشية على شرح =

ص: 86

والنتيجة أن كل معمول على قدر العضو مما يلحق بمعنى من المعاني المنصوص عليها هو حرام بالنسبة للمحرم، وتلزم له الفدية أياً كانت تلك الوسيلة. (1).

هذا السؤال توجَّه به الصحابة الكرام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل إحرامهم، بدليل ما جاء في رواية النسائي: ما نلبس من الثياب إذا أحرمنا؟ (2) أي بصيغة الاستفهام.

والعلماء مجمعون على أن المراد بالمحرم في هذا الحديث هو الرجل حصراً (3)؛ لأنه لا إحرام للمرأة في لباسها، إذ ليست معنية لا من قريب ولا من بعيد من حظر القميص أو السروال أو العمامة أو البرنس أو الخف؛ لأن إحرام النساء ينحصر في الوجه والكفين في مسألة اللباس، لذلك لمن أحرمت بأحد النسكين أن ترتدي ما تشاء من الثياب من قمصان أو جلابيب أو سراويل أو أي لون من الكساء تختاره لنفسها سواء من جهة أجزائها العلوية، أو السفلية، لا حرج في ذلك ولا ضرر، شريطة أن يكون شرعياً.

= الإيضاح للنووي صـ 179 حين قال: «تتمة: كل محظور جاز لحاجة فيه الفدية إلّا نحو السراويل والخفين المقطوعين وما يأتي في دم الحلق والصيد ويعلم مما مرّ، ويأتي أنه لا يجب الفدية في اللبس إلَّا على عامد عالم بالحرمة مختار لم يتحلل» .

انظر شرح النووي على صحيح مسلم صـ 8 صـ 252 - 254 وفتح الباري ص 3 صـ 506 إلى 508، الحج والعمرة والعمرة د. نور الدين عتر صـ 57 ..

(1)

لذلك قال إمامنا النووي: «وأما ما لم يوجد فيه الإحاطة المذكورة فلا باس به وإن وجدت فيه خياطة» ثم قال عقب ذلك مباشرة: «فيجوز أن يرتدي القميص والجَّبة، ويلتحف به في حال النوم، وأن يتزر بسراويل أو بإزار ملفق من رقاع مخيطة. وله أن يشتمل بالعباءة والإزار والرداء طاقين وثلاثة وأكثر

». انظر حاشية العلامة ابن حجر الهتمي على شرح الإيضاح للنووي صـ 172.

(2)

فتح الباري صـ 3 صـ 506.

(3)

نفس المرجع والجزء صـ 507.

ص: 87

هذه خلاصة قول الإمام في أولى محرمات الإحرام: (لبس المخيط مطلقاً من الذكر .. ).

أما النوع الثاني من محظورات الإحرام فقد ساقه بقوله في الشطر الثاني لهذا البيت: وسترُ بعض رأسه بلا ضرر):

قال فقهاؤنا: يحرم على المسلم في إحرامه ستر جميع الرأس أو بعضه بكل ما يعد ساتراً عرفاً سواء كان مخيطاً أو خلاف ذلك من نحو العمامة أو القلنسوة (1) أو الطيلسان (2) أو الطربوش أو الخرقة أو العصابة التي يعصب بها الرأس فذلك حرام، وفيه الفدية (3).

أما ما لا يعد ساتراً عادة كما لو انغمس في الماء، أو استظل بمَحْمِل (4) أو داخل حافلة، أو حمل بيده مظلة تقيه الشمس أو المطر، فلا بأس بهذا كله سواء مسّ المحمل رأسه أم لا.

ومن قال: إن سقف الحافلة يعد ساتراً يحرم عليه فعله وتجب فيه الفدية

(1) القلنسوة هو ما تدار عليه العمامة.

(2)

هو الشال، وهو غير مخيط.

(3)

وكذا الطين والحناء إذا كانا ثخينين؛ لأنه يصدق عليهما معنى الستر المنهي عنه في حديث المحُرم الذي خرَّ عن بعيره ميتاً فقال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تُخمِّروا رأسه ولا تُحنّطوه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً» أما إن لم يكونا اثخينين فلا يضر، ويلحق بها المرهم إذا كان رقيقاً فلا يضر أما إذا ادّهن في جسمه أو ستر بهما سائر البدن فلا يضر أيضاً؛ لأن المنهي في الساتر أن يقع على الرأس فحسب، فالمدار على ما يعدّ ساتراً للرأس في عرف الناس حتى ولو لم يمنع إدراك لون البشرة كاالزجاج أو مادة النايلون أو الطاقية. انظر حاشية الباجوري 1/ 483 وشرح الإيضاح للنووي في حاشية العلامة ابن حجر عليه صـ 169 ـ 171.

(4)

المَحَمِل بوزن مجلس. وقال العلامة الباجوري في حاشيته 1/ 481.: بفتح الميم الأولى وكسر الثانية أو بالعكس.

ص: 88

فقد أبعد وأغرب وشذّ عن العرف ومدلول اللغة، وضوابط الفقهاء. لا بل قال النووي ما هو أشدّ من هذا حين نقل قولاً ضعيفاً إلى أن المحمل إن مسَّ رأسه لزمه الفدية! قال:«وليس بشيء» (1) وقال العلامة ابن حجر: «وفي المجموع أنه ضعيف أو باطل» (2) فكيف بمن يقول اليوم إن سقف المحمل ولو لم يمس يعد ساتراً! هل قال لهذا أحد من السلف الصالح، أو الفقهاء المعتمدين! ألا فلنتذكر نصيحة رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا:«ولن يُشَادّ هذا الدينَ أحدُ إلّا غلبه» .

ومن الأصل ما لو وضع يده على رأسه، وأطال في ذلك، أو شدّ عليه خيطاً لصداع أو غيره فلا بأس به ولو قصد به الستر. أما لو وضع على رأسه حِملاً أو نحوه ولم يقصد به الستر فيكره ولا يحرم، ولا فدية فيه (3).

المحظور الثالث ساقه العمريطي في صدر البيت الثالث حين قال: «ووجهها كرأسه إذا ااستتر

»:

الضمير في وجهها يعود إلى المرأة المحرم، رغم أنه لم يأت لها على ذكر حتى الآن تأكيداً منه على أنه لا إحرام للمرأة في اللباس إلّا من خلال منع ستر الوجه (4) وهو ما أورده، هنا، ويلحق به منع ستر الكفين، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم في رواية البخاري

(1) حاشية ابن حجر على شرح الإيضاح للنووي صـ 171.

(2)

نفس المرجع والصفحة.

(3)

أما إذا قصد به الستر فيضر؛ لأنه مما اعتاد الناس الستر به، والقاعدة الشرعية أنّ ما كان كذلك فالمرجح فيه هو القصد، فإن قصد الستر حرم وإلّا فلا.

(4)

قال أستاذنا د. نور الدين عتر في «الحج والعمرة صـ 57» : واستدل الحنفية بحديث عبد الله بن عمر قال: إحرام المرأة في وجهها.

ص: 89

من زيادته على الحديث السابق (1): ولا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين (2).

فوجه المرأة في حرمة ستره كرأس الرجل في ذلك سواء بسواء، ولو كان لبعض منه، فحرام، وفيه الفدية، اللهمّ إلّا ما لا يتأتى ستر جميع الرأس إلّا به؛ لأن ما لا يتم الواجب إلّا به فهو واجب، إذ لا يمكن استيعاب ستر الرأس إلَّا بستر قدر يسير مما يليه من الوجه (3).

قال إمامنا النووي: «وأما المرأة فالوجه في حقها كرأس الرجل، فتستر رأسها وسائر بدنها سوى الوجه بالمخيط وجميع ما كان لها السَّتْرُ به قبل الإحرام كالقميص والسراويل والخُفِّ. وتستر من وجهها القدْرَ اليسير الذي يلي الرأس، إذ لا يمكن ستر جميع الرأس إلّا به. والرأس عورة تجب المحافظة على ستره» (4).

ولو رغبت المرأة بستر وجهها دون مخالفة القواعد الفقهية كأن كانت ذاتَ هيئة، أو حريصة على أن لا يتبدّى وجهها للرجال، فلها ذلك، ولو لم تدْعُ إلى ذلك حاجة من حرّ أو برد أو خوف فتنة أو نحو شيء مما ذكر، فهذا حقها، وطريقته كما ذكره الفقهاء أن تُسْدِلَ على وجهها ثوباً متجافياً عنه بحيث لا يمس بشرة وجهها، تباعده بما يشبه ما يضعه مرتادوا المواقع السياحية من هلالٍ بلاستيكي على جباههم يحجبون به عن أعينهم وهج الشمس المزعج.

(1) أي حديث: ما يلبس المحرم من الثياب ....

(2)

يلحق بالمرأة في هذا الرجل، وهو ما نص عليه الإمام النووي في شرح الإيضاح وقال: ويلزمه الفدية أما علة تحرير القفاز فكونه ملبوس عضو ليس بعورة فأشبه خف الرجل. انظر الحاشية على شرح الإيضاح صـ 176 و 177 ـ.

(3)

((

مغني المحتاج للخطيب الشربيني جـ 1 ص 519.

(4)

((

شرح الإيضاح للنووي في حاشية ابن حجر الهيتمي عليه ص 175.

ص: 90

هذا الذي سقته بين يديك من تحريم اللبس، المعمول على قدر العضو، وتحريم ستر الوجه واليدين، هو فيما إذا لم يكن عُذْرٌ، يبيح للمحرم لبس شيء في جسمه، أو ستر شيء لوجهها أو كفَّيها، فإن وُجد العذر جاز ذلك، وسقط الإثم، لكن تلزم الفدية (1).

فالحاجة التي ترتقي إلى رتبة العذر في سائر محظورات الإحرام هي التي يحصل معها مشقة لا يحتمل مثلها غالباً، جسدية كانت أو شرعية، كما لو شجَّ رأسه واحتاج إلى عصبه ومنع الجراثيم والهواء عنه، أو احتاج إليه لحرّ أو برد أو مداواة، أو احتاجت المرأة إلى ستر وجهها خشية فتنة حامت حولها، أو توقعتها من نظر بعض من حولها، فهذه مشقة شرعية (2).

دليل الفقهاء في هذا حديث كعب بن عُجْرَة، حين أصاب رأسه القملُ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيؤذيك هوامُّك؟ فقال: نعم، يا رسول الله. قال:«احلقْ رأسك، وانسكْ نسيكة، أو أطعم ستة من مساكين الحرم، أو صُمْ ثلاثة أيام» (3).

وقد قاس الفقهاءُ على حلق شعر الرأس عند العذر سائرَ المحظورات.

كما قاسوا الفدية في حلق الرأس مع العذر على فعل محرمات الإحرام بدافع العذر، فأوجبوا الفدية أيضاً، حيث ذهبوا إلى رفع الإثم في كلٍّ لاتحاد الصورة.

(1) حتى تلزم الفدية يشترط كون ذلك بما بعد ساتراً، أما لو وقفت خلف نافذة زجاجية تحجب عن الناس ما وراءها، فلا يضرها ذلك؛ لأنه لا يعد ساتراً عرفاً، على أنه أيضاً لا يطلب منها ذلك، لكنني استشهدت بهذا المثال توضيحاً مني لهذه القاعدة.

(2)

الحاشية لابن حجر صـ 178.

(3)

صحيح مسلم/1201/ 80)، وهو أمُّ الرأس هي القمل.

ص: 91

وبمناسبة ذكر القمل في حديث كعب بن عُجْرَة، وبمناسبة ما يتلوه في الفقرة التالية من حكم إزالة الأظفار، فإنه يحسن بي أن أعرّج على ما ذكره الفقهاء حول مسألة قتل القمل، وإلقائه، وإزالة أذاه.

فالصحابي الجليل ترك شعره؛ لأن حلق الشعر من محظورات الإحرام، لكن ظروف السفر، وغباره جعل القمل يلحق بشعر كعب، حتى هال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رآه، فقال: أيؤذيك هوامُّك؟ ، ثم أمره بإزالة شعره، وما فيه من قمل. فما حكم إزالة القمل، وقتله؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال أُذَكّر القارئ الكريم بأنَّ إزالة القمل في غير الإحرام مطلوب شرعاً بداهة، لما فيه من الأذى والضرر الذي يتنافى مع النظافة التي نادى بها ديننا، حيث إنَّ الإسلام دخل حياتنا على قاعدة النظافة في كل شيء، نظافة القلب، ونظافة العقيدة ونظافة اللباس والمكان والبدن.

لذلك قال الشافعية: لا شيء في قتل القمل أو إزالته؛ لأنّ فيه دفع الأذى عن نفسه، لكنهم استحبوا له إن فعل أن يتصدَّق؛ لأنه ـ فيما يبدو لي ـ قتل شيئاً في رحلة السلام التي أقام مولانا عز وجل الحج ساحة لها.

أما الحنفية فقد قالوا بوجوب التصدّق بما شاء.

وفي المذهب المالكي: القمل يأخذ حكم الشعر تماماً (1). وإذا جاز لباحث مثلي أن يجتهد، فإني أميل إلى مذهب الشافعية، لا لأني أتعبد الله وفق اجتهاداته وضوابطه الشرعية، بل، لأن السلام في هذا الوجود لا يتنافى مع إزالة ما غرز في

(1) الحج والعمرة في الفقه الإسلامي د. نور الدين عتر، فقرة (97)، ص 142 - 143.

ص: 92

أرضه من أشواك دامية، وهو ما يتفق مع الفواسق التي استثناها الشرع من الأصل العام في حرمة الصيد والقتل.

المحظور الرابع: ساقه العمريطي بقوله: «وقلْم أظفار» :

يحرم قلْم الظفر وكسره، ويحرم قطع جزء من أظفار اليد أو الرِّجل، فإن فعل المحرم شيئاً من ذلك عصى، ولزمه الفدية.

الحرمة لا تقتصر على التقليم، لأنّ أيّ إزالة للأظفار يعد محظوراً، وتلزم الفدية. يستثنى من الحرمة والفدية ما لو انكسر بعض ظفر المحرم، وتأذى به، فله إزالة الجزء المنكسر دون غيره، وليس له إزالة باقي الظفر؛ لأنه صحيح، ولا يجوز له أن يقطع شيئاً من الصحيح (1).

دليل تحريم قلْم الأظفار القياس في منع إزالتها على منع إزالة الشعر الذي هو أحد المحرمات كما سيأتي، بجامع الترفُّهِ في كلٍّ. قال العلامة الشربيني:«وأمّا الظفر فقياساً على الشَّعْر لما فيه من الترفّه» (2).

المحظور الخامس: هو إزالة الشعر من الرأس وغيره بالحلق، أو بأيّ وسيلة أخرى: قال الفقهاء: يحرم على المحرم إزالة الشعر بحلق أو تقصير أو نتف أو حرق أو بغير ذلك من وجوه الإزالة، سواء وقع منه ذلك في شعر الرأس أو الوجه أو الشارب أو سائر الجسد من نحو شعر الصدر أو الإبط أو العانة ولو كان لشعرة واحدة فهو حرام (3).

(1) الحاشية لابن حجر على شرح الإيضاح النووي ص 194، وحاشية الباجوري جـ 1 ص 483.

(2)

مغني المحتاج للعلامة محمد الخطيب الشربيني جـ 1 ص 521.

(3)

الحاشية للعلامة ابن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح للنووي ص 190 - 191.

ص: 93

وفي دليل هذا المحظور يقول الفقيه الشافعي العلامة الشيخ محمد الخطيب الشربيني رحمه الله: «وأما الشعر فلقوله تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ} [البقرة: 196] أي شعرَها، وشعرُ سائد الجسد ملحق به بجامع الترفه (1). أمّا حكُّ الشعر بالظفر أو بغيره فهو مكروه» (2).

لكن ماذا لو نسي المحرم فأزال بعض شعره أو قلم ظفره. قال الإمام النووي في تبيانه لهذه النقطة:

«هذا الذي ذكرناه في الحلق أو القَلْم بغير عذر (3).

فأمّا إذا كان بعذر فلا إثم.

وأما الفدية ففيها صور:

منها الناسي والجاهل فعليهما الفدية على الأصح؛ لأنّ هذا إتلاف، فلا يسقط ضمانه بالعذر كإتلاف المال.

ومنها ما لو كثر القمل في رأسه أو كان به جراحة أحوجه أذاها إلى الحلق أو تأذّى بالحرّ لكثرة شعره فله الحلق وعليه الفدية.

ومنها: لو نبتت شعرة أو شعرات داخل جفنه، وتأذّى بها، قلعها ولا فدية. وكذا لو طال شعر حاجبه، أو رأسه، وغطّى عينه، قطع المغطى ولا فدية. وكذا لو

(1) مغني المحتاج للعلامة الشربيني جـ 1 ص 521

(2)

حاشية العلامة الباجوري جـ 1 ص 483.

(3)

أي هذا الذي ذكرناه هو في لزوم الإثم والفدية في الحلق والقَلْم بغير عذر.

ص: 94

انكسر بعض ظفره وتأذى به قطع المنكسر ولا يقطع معه من الصحيح شيئاً» (1).

وبالنسبة للتحلل بحلق الشعر أو تقصيره يقول أستاذنا الدكتور محمد توفيق رمضان البوطي حفظه الله: «يجوز للمحرم حلق شعر الحلال، ولا يجوز للمحرم ولا للحلال حلق شعر المحرم، فإن فعل بإذنه فالفدية على المحلوق وإلَّا فالفدية على من حلق» (2).

وقال استأذنا الدكتور نور الدين عتر في ذات الموضوع: فتحرم بالإحرام الأشياء الآتية: حلق الرأس بنفسه أو بواسطة غيره محرماً كان أو حلالاً، عملاً بنص الآية. وكذا حلقُ المحرم رأس محرم آخر، وذلك ما لم يفرغ الحالق والمحلوق من أداء نسكهما ويصبح الحلق حلالاً لهما، فعندئذ لا يدخلان في الخطر، ويجوز لهما أن يحلقا لبعضهما باتفاق المذاهب» (3).

وقال فضيلة العلامة الحنفي الشيخ عبد الرزاق الحلبي ـ حفظه الله ـ: «إذا حلق المحرم للمحرم فعلى الحالق صدقة وعلى الآخر دم، وهذا إذا كان في غير أوانه. أما في أوانه فلا شيء على أحد منهما، إذ يجوز للمحرم أن يتحلل بنفسه بالحلق» (4).

السادس والسابع من المحظورات ـ تناولهما العمريطي في البيت الرابع من محرمات الإحرام وفيه يقول:

(1) الحاشية للعلامة ابن حجر على شرح الإيضاح للنووي ص 193 - 194.

(2)

انظر مناسك الحج والعمرة وآداب الزيارة، لفضيلته باب محرمات الإحرام صـ 68

(3)

انظر الحج والعمرة في الفقه الإسلامي، لفضيلته الفقرة (37) صـ 58.

(4)

مناسك الحج والعمرة د توفيق البوطي صـ 68 نقلاً عن الحاشية في التعليقات التي كتبها فضيلة الشيخ عبد الرزاق الحلبي حفظه الله وشفاه.

ص: 95

وقَتلُ صيد كالحلال في الحرم

والقطع من أشجاره كالصيد ثَمّ

يحرم بالإحرام صيد كل حيوان بريّ وحشي مأكول اللحم.

خرج بالبري ما لا يعيش إلّا في البحر فيحلُّ صيده.

وخرج بالوحشي الإنسيُّ كالدجاج والنَّعَم وإن توحش.

وخرج بالمأكول غير المأكول كالذئب وكل ماله ناب فلا يحرم صيده (1).

فإن أُتلف الحيوان المذكور بصيد أو غير ذلك لزمه الجزاء. فإن كان إلى جانب ذلك مملوكاً لزمه الجزاء، لأنه حق الله تعالى، ولزمه القيمة للمالك، تعويضاً عليه، لأنه حق العبد (2).

دليل هذا قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} .. [المائدة: 95].

وقوله تعالى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} . [المائدة: 96].

فصيد المأكول البري الوحشي ثابت لهذه الآية من نحو بقر وحش أما صيد المتولد منه ومن غيره كمتولد بين حمار وحش وحمار أهلي فقد حمل العلماء، تحريمه على الاحتياط؛ لأن أحد أصليه ينضبط به وصف الحرمة (3).

وليس الصيد وحده هو الذي يحظر على المحرم الاقتراب منه لا بل إن

(1) حاشية العلامة إبراهيم البيجوري جـ 1 صـ 484.

(2)

حاشية العلامة ابن حجر الهتيمي على شرح الإيضاح للنووي صـ 202.

(3)

مغني المحتاج للعلامة محمد الخيب الشربيني جـ 1 صـ 524.

ص: 96

ترويع ما أمنه الله تعالى في جنبات بيته الحرام ولو كان من نحو حيوان اعتاد الناس اصطياده، أو طير لهم عهداً بنصب الشباك له، فإن ذلك كله ممنوع بالنسبة للمحرم والحلال. بأي صورة وقع الأمر، وعلى أي وجه جاء، كالاستيلاء عليه، أو إتلاف جزء من أجزائه، فإنه ضامن له، ولو لنحو شعرة منه.

وكذا يحرم ما هو دون هذا كالإعانة على قتل الصيد بالدلالة على موضعه أو إعارة آلة الصيد له أو حتى بصياح، لذلك فإن مجرد التنفير، ممنوع في حرم الله الآمن، فلو تهاون في قدسية الحرم المكي، واستهتر بأمان من فيه ولو كان حيواناً مأكولاً ولو بتنفير صيدٍ، فعثر ذلك الصيد هرباً منه فهلك أو أخذه سبع بسبب خوفه أو أنصدم بحبل أو شجرة أو ما شابه هذا لزمه الضمان. فالحيوان المنفر يبقى في عهدةَ المنفَّر حتى يسكن اضطرابه ويعود إلى حالته الأولى، فإن هلك في حال نفاره بآفة سماوية فلا ضمان على الأصح (1).

هذا معنى الأمان الذي يجب أن يتمتع به الإنسان أو الحيوان المأكول أو الطير أو النبات الذي يقيم في حدود الحرم، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: «إنّ هذا البلد حرام بحرمة الله، لا يعضد شجره، ولا ينفر صيده (2).

قال العلامة الشربيني: «أي لا يجوز تنفير صيده لمحرم ولا حلال، فغير التنفير أولى وقيس بمكة سائر الحرم» (3).

فإن أتلف من حرم عليه ذلك. صيداً بشروطه المذكورة، مملوكاً أوغير

(1) حاشية العلامة ابن حجر الهتيمي على شرح الإيضاح في مناسك الحج صـ 206 - 207.

(2)

رواه الشيخان.

(3)

مغني المحتاج جـ 1 صـ 524.

ص: 97

مملوك ضمنه لقواه تعالى: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} . [المائدة: 95].

ويحرم الجراد، كما يحرم الطيور المائية التي تغوص في الماء وتخرج.

لكن لا يحرم السمك وصيد البحر وقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَدْوِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ (1) وَلِلسَّيَّارَةِ} (2)[المائدة: 96]، إلّا أنه يلحق بالحرمة ما يعيش في البر والبحر في وقت واحد.

ولا يحرم صيد ما ليس مأكولاً، ولا صيد ما هو متولّد من مأكول وغيره.

ويحرم على المحرم أكل صيد صاده بنفسه، أو صاده غيره له بإذنه، أو بغير إذنه (3) كما يحرم أكل صيد أعان عليه (4)، أو تَسبّبَ فيه، كالدلالة فيه عليه، أو إعارة

(1) هذا حكم بتحليل صيد البحر من سمك وحيتان وسائر ما في بطنه. وطعام البحر المذكور في هذه الآية المراد به ما قذفه البحر وطفا عليه. قال الشافعي ومالك والأوزاعي والثوري وغيرهم: «يؤكل كل ما في البحر من سمك ودواب سواء اصطيد أو وجد ميتاً. وربما استدل العلماء بقوله صلى الله عليه وسلم: هو الطهور ماءه، الحلَّ ميتة» وهو حديث صحيح أخرجه أبو داود (83) والترمذي (69) وأبن ماجة (386) و (3246) وغيرهم كما يشهد للجمهور حديث البخاري ومسلم (1935) والدارمي (1944) وغيرهم من حديث جابر في الحوت الذي يسمى العنبر وفيه فلما قدمنا المدينة ذكرنا ذلك له فقال: «هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا» فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله.

وقال أبو حنيفة: لا يؤكل السمك الطافي على الماء، ويؤكل ما سواه من السمك، ولا يؤكل شيء من حيوان البحر إلّا السمك. هذا والأحاديث الصحيحة ليست إلى جانبه في هذه المسألة والله أعلم.

(2)

السّيارة هم الذين يركبون البحر أي يجوز أكل طعام البحر لمن يصطاده وهو يركب البحر، كما يجوز أكله لمن يصطاده وهو على البر. القول الثاني: السّيارة هم المسافرون مطلقاً أي فيجوز أكل طعام البحر للمسافر والمقيم على السواء. انظر الجامع لإحكام القرآن للإمام القرطبي 6/ 295.

(3)

في صحيح مسلم (1193/ 50) عن ابن عباس عن الصَّعْبِ بن جَثَّامة اللَّيْثيّ أنه أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حماراً وحشياً وهو بالأبواء، أو بِوَدّان [مكانان بين مكة والمدينة] فرده عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما في وجهي قال: «إنّا لم نَرُدّهُ عليك إلّا أنّا حُرُم» هذا وترجم البخاري لهذا الحديث بالرقم (2596) بعنوان: «باب: من لم يقبلْ الهدية لعلة .. » والصحيح أنه كان مذبوحاً لما جاء في رواية مسلم: عَجُزَ حمارٍ وحشٍ يقطر دماً» (1194/ 54). قال الإمام الترمذي: وقال الشافعي: إنما وجْهُ هذا الحديث عندنا: إنما رده عليه لما ظن أنه صِيْدَ من أجله وتركه على التّنزّه. انظر الجامع الصحيح جـ 3 صـ 206. في كلامه على حديث ابن عباس الذي خرجه برقم (849). قال الإمام النووي: «واحتج الشافعي وموافقوه بحديث أبي قتادة المذكور في صحيح مسلم بعد هذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الصيد الذي صاده أبو قتادة، وهو حلال، قال للمحرمين: هو حلال فكلوا، وفي الرواية الأخرى قال: هل معكم منه شيء؟ قالوا: معنا رِجله فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكلها. وفي سنن أبي داوُد والنسائي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «صيد البرّ لكم حلال مالم تصيدوه أو يصاد لكم» هكذا الرواية يصاد بالألف، وهي جائزة على لغة، ومنه قول الشاعر: ألم يأتيك والأنباء تنمي.

قال أصحابنا: يجب الجمع بين هذه الأحاديثِ، وحديث جابر هذا صريح في الفرق، وهو ظاهر في الدلالة للشافعي وموافقيه .. ». انظر شرح النووي على صحيح مسلم جـ 8 صـ 278.

(4)

قال الإمام النووي: وقال أبو حنيفة: ولا يحرم عليه ما صيد له بغير إعانة منه انظر النووي على صحيح مسلم جـ 8 صـ 277. أقول: حديث ابن عباس السابق في صحيح مسلم يقوي مذهب إمامنا الشافعي ومالك وأحمد وداود والظاهري والله أعلم.

ص: 98

سكين، أو مناولة سوط، فإن أكل منه عصى لكن لا جزاء عليه بسبب الأكل.

ولو ذبح المحرم صيداً صار ميتة على الأصح، يحرم على كل أحدٍ أكله.

ولو تحلل المحرم من إحرامه لم يحل له ذلك الصيد.

ولو صاد الحيوان المأكول حلالُ، لا لأجل أن يأكل المحرم منه، ولا تسبُّبَ المحرم فيه، جاز له الأكل، دون أن يقع عليه جزاء لما ذكرته لك في حاشية الفقرة السابقة.

لا ينتفي عن الجاهل والناسي فكلاهما في وجوب ذلك كالعامد لكن

لا إثم عليهما بخلاف العامد (1).

(1) عد في متابعة هذه الإحكام إلى حاشية العلامة ابن حجر الهتيمي على شرح الإيضاح للنووي صـ 207 - 209.

ص: 99

ويلحق بحرمة الصيد في الحرم من الحلال والمحرم قطع أو قلع نبات الحرم الرطب الذي يستنبتُ (1) وحده، أي لا يستنبته الآدميون، وليس مما يملكه أحد، للحديث السابق «لا يعضد شجره» (2) أي لا يقطع، «ولا يختلى خلاه» (3) أي لا ينتزع حشيشه الرطب.

قال العلامة الشربيني: «وقيس بما في الخبر غيره مما ذكر. وخرج بالرطب الحشيش اليابس، فيجوز قطعه لا قلعه، والشجر اليابس فيجوز قطعه وقلعه والفرق بين الشجر والحشيش في القلع أن الحشيش ينبت بنزول الماء عليه» (4).

والأظهر عند الشافعية تعلق الضمان بقطع أشجار الحرم (5).

وبمناسبة ذكر تحريم صيد البرّ يجدر بنا أن نأتي على ذكر ما استثناه الفقهاء من إباحة قتل بعض حيوانات الحرم بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ذكر خمساً سماهن فواسق، أجاز قتلهن في الحل والحرم على يد المحرم والحلال سواء بسواء (6)، وذلك في الحديث المتفق على صحته، والذي يقول فيه المصطفى صلى الله عليه وسلم:

(1) أما الذي يزرعه الناس اليوم، ويستنبتوه بأنفسهم كالحبوب والأشجار المثمرة فليس بحرام.

(2)

رواية صحيح مسلم: «إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامراء، يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً ولا يعضد بها شجرة .. » . (1354/ 446).

(3)

قال الإمام النووي: قالوا: الخلا والعشب اسم للرطب منه (أي الكلأ) والحشيش والهشيم اسم لليابس منه.

(4)

مغني المحتاج للعلامة محمد الخطيب الشربيني ح 1 ص 527.

(5)

قال في مغني المحتاج في الجزء والصفحة في بيان ذلك حول وجوب البقرة في الشجرة الحرميّة الكبيرة: «كما رواه الشافعي عن ابن الزبير ومثله لا يقال إلّا بتوقيف وسواء اخلقت الشجرة أم لا. ثم قال في وجوب الشاة في الشجرة الصغيرة: رواه الشافعي أيضاً.

(6)

الفواسق تقتل في الحرم من الحلال والمحرم سواء بسواء كما قلت لك. وفي المقابل الصيد يحرم في الحرم من الحلال والمحرم سواء بسواء عند جمهور العلماء. لكن الخلاف في الجزاء: قال مالك والشافعي وأحمد: يجب =

ص: 100

«خمسّ من الدوات ليس على المحرم في قتلهن جناج: الغراب (1) والحدَأة، والعقرب والفأرة والكلب العقور» (2).

وفي رواية عن مسلم ذكر الحية دون ذكر العقرب والحُدَيَّا عوضاً عن الحدأة (3).

وفي رواية عند أبي داود وقع لفظ: السبُعُ العادي (4) أي الحيوان المفترس.

وليس المذكور وحده مباحاً قتله، بل ما في معناه أيضاً، حيث قال الشافعية: المعنى في جواز قتلهنّ كونُهنّ مما يؤكل، لذلك قالوا: كل ما لا يؤكل،

= على الحلال ما يجب على المحرم فيما لو قتل صيداً على وجه قياس الحلال على المحرم فالفدية على كل منهما واحدة. وقال الحنيفة: إنْ ذبح الحلال صيد الحرم وجب عليه قيمته يتصدق بها. ولا يجوز الصوم في هذه المسألة عندهم؛ لأن الواجب هو ضمان بقتله، والصوم لا يصلح ضماناً. انظر الحج والعمرة في الفقه الإسلامي د. نور الدين عتر (101) صـ 147.

(1)

سائر الغربان ومنها الغراب الأبقع الذي وقع ذكره في رواية عند مسلم (1198/ 67) وهو الذي في ظهره وبطنه بياض فذلك كله جائز قتله ويستشنى من هذا العموم غراب الزرع، ويقال له غراب الزاغ، فقد اتفق العلماء على إخراج هذا الغراب الصغير لأنه يأكل الحب ولذلك أفتوا بجواز أكله. انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري للإمام أحمد بن حجر العسقلاني جـ 4 صـ 50 وصحيح مسلم بشرح النووي جـ 8 ص 285.

(2)

صحيح مسلم (1200/ 76) وفي رواية عنده برقم (1198/ 66): «خمس فواسق يقتلن في الحرم» . وفي أخرى برقم (1198/ 70) عن عائشة قالت: «أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل خمس فواسق في الحل والحرم» .

(3)

صحيح مسلم (1198/ 67). هذه الزيادة تجعل المنصوص عليه ستاً. وفي رواية قال: فقلتُ للقاسم؟ قال: «تُقتلُ بصُغْر لها» قال النووي: أي بمذلة وإهانة انظر (1198/ 66) من صحيح مسلم.

أما الحدأة بوزن عَنبَة، فلفظ يدل على الواحدة والجمع يكون بحذف التاء مثل تمره وتمر أي الجمع على «حِدَأَ» .

وهي طير يقف في الطيران. ولغة الحُدَيَّا على الإدغام، والأولى على التسهيل. انظر فقح الباري جـ 4 صـ 50 وصحيح مسلم بشرح النووي جـ 89 صـ 286.

(4)

سنن أبي داود (1848)

ص: 101

أو هو متولد من مأكول وغيره جاز قتله.

وقال مالك: المعنى فيهن كونهن مؤذيات (1).

وفي الكلب العقور قال جمهور العلماء: ليس المراد به تخصيص الكلب المعروف، بل المراد كل عاد مفترس غالباً كالسبع والنمر والذئب (2) والفهد ونحوها؛ لأن معنى العاقر والعقور الجارح.

وفي المقابل نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل أربع من الدواب بعينها: النملة والنحلة والهُدْهُدِ والصُّرَدِ (3)» (4).

وفي رواية نهى عن قتل الضفدع. (5)

البيت الأخير من كلام الإمام العمريطي في محرمات الإحرام يدنن حول ما تبقى منها وهي:

(1) صحيح مسلم بشرح النووي جـ 8 صـ 285.

(2)

قال فضيلة الشيخ قاسم النوري. بعنايته بكتاب نهاية التدريب للعلامة الفشني صـ 219 «وأما الذئب فقد ثبت قتله» في حديث ابن عمر رواه الدارقطني (2) /232 ثم قال: «ونهى عن قتل الخطاطيف أي: الخفاش. رواه البيهقي 9/ 318.» اهـ. على أي حال قتل الذئب يدخل في عموم الكلب العقور أو السبع العادي. ثم إن زفر من الحنفية حمل الكلب العقور في الحديث على الذئب خاصة، بينما حمله أبو حنيفة على الكلب المعروف، وألحق به الذئب. انظر شرح النووي على مسلم في الجزء والصفحة.

(3)

قال الشيخ محمد فؤاد وعبد الباقي: الصترد في المنجد طائر ضخم الرأس، أبيض اللون، أخضر الظهر، يصطاد صغار الطير انظر ذلك في تعليقاته على سنن ابن ماجة جـ (2) صـ 1074.

(4)

انظر مسند الإمام أحمد برقم (3066) وقد جاء في الموسوعة الحديثية على مسند الإمام أحمد حول هذا الحديث: إسناده صحيح على شرط الشيخين كما رواه ابن ماجة برقم (3224)، وأبو داود (5267).

(5)

الحديث السابق في سنن ابن ماجة برقم (3224) بذكر الضفدع عوضاً عن النملة. قال الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي: في الزوائد في إسناده إبراهيم بن الفضل المخزومي وهو ضعيف.

ص: 102

والوطء والنكاح والمباشرهْ

بشهوة ومسّ طيب عاشره

الوطء والمباشرة بشهوة هو ما يعبر عنه الفقهاء بقولهم: الجماع ومقدماته، ودليلهم في ذلك قوله تعالى:{فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقٌ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 197]، وهي آية وردت خبراً بمعنى النهي، والمقصود فلا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا في الحج.

والرفث (1) مفسر بعدة أشياء أبرزها الجماع، أي الوطء في الفرج، وهو

قول ابن عباس وابن جبير ومالك، أي فلا جماع في الحج، أي قبل التحلل من إحرامه

(1) وأما الفسوق والجدال الواردان في الآية فهما وفق التفصيل التالي:

الفسوق يعني جميع المعاصي كلها، وهو المعتمد، وهو ما قاله ابن عباس وعطاء والحسن. وقال ابن عمر: الفسوق إتيان المعاصي في حال إحرامه بالحج، كقتل الصيد، وقص الظفر وأخذ الشعر .. وقال الإمام مالك: الفسوق الذبح للأصنام ومنه قوله تعالى: {أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [الأنعام: 145] وقال الضحاك: الفسوق: التنابز بالألقاب ومنه قوله تعالى: {بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ} [الحجرات: 11]. وقال ابن عمر: الفسوق السباب، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته (البخاري 1521 ومسلم 1350 والترمذي 811 .. ):«سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر» . قال الإمام القرطبي بعد أن ساق هذه الأقوال: والقول الأول أصح؛ لأنه يتناول جميع الأقوال. انظر تفسير القرطبي جـ 2 صـ 404.

والجدال قال فيه الإمام القرطبي: «الجدال وزنه فعال من المجادلة، وهي مشتقة من الجَدْل وهو الفَتْل، منه زمام مجدول. وقيل: هي مشتقة من الجدالة التي هي الأرض، فكأن كل واحد من الخصمين يقاوم صاحبه حتى يغلبه فيكون كمن ضرب به الجدالة. انظر نفس المرجع والجزء صـ 406. فالجدال أن يجادل رفيقه حتى يغضبه، والفسوق: هو الخروج عن الطاعة، وعلى المحرم أن يشتغل بالتلبية، وذكر الله تعالى، وقراءة القرآن، وأمرٍ بمعروف، ونهي عن المنكر، وتعليم لجاهل، وما إلى ذلك من وجوه البر والخير، بعيداً عن الفسوق الذي هو خروج عن طاعة الله وهو حرام، وبعيداً عن الرفث الذي هو مباح خارج الإحرام، حرام في زمنه، وبعيداً عن الجدال الذي يتضمن استغضاب الصاحب لرفيقه، فما أشنع أن تصدر مثل هذه الأخلاق الذميمة عن المحرم، وهو الذي أحرم بأمر الله، وابتغاء رضوانه؟ !

ص: 103

فيه؛ لأنه يفسده.

وقال ابن عمر وطاوس وعطاء وغيرهم: الرفث: الإفحاش للمرأة في الكلام. وعند قوم: هو الإفحاش بذكر النساء، سواء كان بحضرتهن أم لا (1). ويمكن أن أختصر ذلك بما قاله بعضهم من أنه كلمة جامعة لما يريده الرجل من أهله.

والخلاصة أن الرفث يطلق على الجماع، ويطلق على ما يكون بين الرجل وزوجه من المغازلة والتقبيل بشهوة والمفاخذة والمعانقة واللمس باليد بشهوة، وبهذا يدخل فيه الكلام الفاضح في المسائل الجنسية التي هي من خوارم المروءة بالنسبة لغير المحرم، فكيف باقتراف ذلك زمن الإحرام.

إنني من خلال عملية لف الأقوال أستطيع أن اجمع ذلك بما نقلته لك عن الفقهاء من قولهم: الرفث: هو الجماع ودواعيه أو مقدماته، وفي كل ذلك تجب الفدية، وإن لم يُنزلْ، إذا كان لمساً بشهوة من دون حائل، أما إذا وقع لمس بشهوة مع حائل، أو نظر بشهوة ـ وهو من دواعي الجماع كما تعلم ـ فلا تجب فيه الفدية وإن أنزل، حتى وإن كرر النظر فأنزل من غير مباشرة لم تلزمه الفدية.

ويدخل في تلك المقدمات الاستمناء باليد، فإن أنزل وجبت الفدية، وإن لم يُنزلْ لم تجبْ.

ولو جامع المحرم بعد المباشرة بشهوة أو بعد الاستمناء باليد، دخلت فديتهما في فدية الجماع حتى ولو لم يكن الجماع ناشئاً عن أي منهما، بأن طال الزمن بين الجماع وأحد المذكورين؛ لأن القوي وهو هنا الجماع حين دخل على الضعيف

(1) انظر نفس المرجع والجزء صـ 403 وحاشية الباجوري جـ 1 صـ 485.

ص: 104

وهو هنا المباشرة بشهوة أو الاستمناء كانت الغلبة في الفدية للقوي، لاضمحلال الضعيف معه، وهو هنا على سبيل المثال لا يجب عليه الدم إن استمنى بيده، فأنزل، ثم جامع فأدخل، لدخول الأول في بدنة الجماع (1)

زبدة القول أنه لو باشر بشهوة عامداً عالماً بالتحريم لزمه الفدية، لكن لا يفسد نسكه لأنه لا يفسد الحج إلّا الوطء إن كان قبل التحلل الأول، سواء وقع قبل الوقوف بعرفة. أو بعده (2).

أما لو باشر بشهوة ناسياً فلا شيء عليه بلا خلاف، سواء أنزل أم لم يُنزل. فالجماع وحده الذي يفسده الحج، ومع ذلك فلا يتأثر المضي في أعمال الحج والعمرة إذا أفسدت بالجماع؛ لأن الإحرام شديد التعلق بمناسكه، بخلاف سائر العبادات كالصلاة مثلاً، لذلك ذكر فقهاؤنا أن من أفسد نسكه بالوطء في الفرج وجب عليه المضي في فاسدة من حج أو عمرة، بأن يأتي ببقية الأعمال حسب ترتيبها، وذلك لإطلاق الإتمام في قوله تعالى:{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة:

(1) انظر حاشية العلامة إبراهيم البيجوري جـ 1 ص 485.

(2)

لو وقع الوطء بين التحللين لم يفسد الحج، مع مراعاة أن الوطء هو من المحرمات التي لا تباح إلّا بعد حصول التحلل الثاني، وكذا نقول في شأن المباشرة فيما دون الفرج بشهوة، وكذا في استمناء باليد، فإنهما يحرمان أيضاً حتى يخرج الناسك من إحرامه بالتحلل الأخير، لأنهما مما يتعلق بالنساء، وما كان من هذا القبيل فلا يجوز وقوعه حتى يتحقق التحللان بتمامها. انظر مغني المحتاج جـ 1 صـ 486.

هذا الوطء يفسد به الحج إن وقع قبل الوقوف بعرفة، وقبل التحلل الأول إجماعاً. بينما يفسد به الحج إن وقع بعد الوقوف بعرفة وقبل التحلل الأول، على خلاف في ذلك بين الفقهاء، والمعتمد إفساد الحج به؛ لأنه وطءٌ صادف إحراماً صحيحاً لم يحصل فيه التحلل، فلا فرق بين كونه قبل الوقوف أو بعده؛ لأن الصورة في الحالتين واحدة.، وهي الإحرام الصحيح التام. وقال الإمام أبو حنيفة: يفسد الحج بالجماع فقط إن وقع قبل الوقوف بعرفة لا بعده.

ص: 105

196]، إذ لم تفصّل الآية بين الصحيح والفاسد (1)، على حين صح ذلك بأسانيد عن جمع من الصحابة رضي الله عنهم ولا مخالف (2).

وإذا فسد الحج ووجب الإتمام، وجب بعد ذلك القضاء على الفور، وإن كان نسكه تطوعاً، لأنه يلزم الحاج أو المعتمر أن يتم ما شرع فيه للآية المذكورة فكان كنسك الفريضة من حيث لزوم القضاء فوراً.

وإذا عزم أن يقضي نسكه الفاسد وجب أن يحرم من الميقات الذي أحرم منه أول مرة، أي حين أحرم بالنسك الذي أفسده بالوطء، فإن كان أحرم به من ميقاتٍ ما لزم أن يحرم بقضائه من ذلك الميقات. وإن كان أحرم من مكان ما قبل الميقات لزمه أيضاً أن يحرم بالقضاء من ذلك المكان (3).

إن فساد الحج أو العمرة بالوطء لهو من المحرمات التي أجمع عليها العلماء ولو كان إدخالاً في فرج بهيمة أو في دبر إنسان، فضلاً عن كونه في زوجة قبلاً أو دُبُراً ولو بحائل (4).

ومن أحكام الجماع في إطار مناسك الإحرام أنه يَحرم على المرأة الحلال تمكين زوجها المحرم من مواقعهتا لما فيه من إعانته على معصية الله.

كما يحرم على الحلال جماع زوجته المحرمة، لكن لا فدية عليها على

(1) حاشية العلامة إبراهيم الباجوري جـ 1 صـ 487.

(2)

المنهاج القويم على المقدمة الحضرمية للإمام شهاب الدين أحمد بن حجر الهتيمي صـ 444.

(3)

نفس المرجع والصفحة.

(4)

حاشية الباجوري جـ 1 صـ 485.

ص: 106

الصحيح سواء كان الوطء زوجاً أم غيره، مُحرماً أم حلالاً (1).

وكما يفسد الحج بالوطء في الفرج قبل التحلل الأول وتفسد به العمرة المفردة قبل الفراغ منها بالتحلل منها بالحلق أو التقصير في ختام رحلة الإحرام والطواف والسعي لعمرته، حيث ليس للعمرة إلّا تحلل واحد (2).

ومن محظورات الإحرام قبل التحلل منه عقد النكاح إيجاباً أو قبولاً، للخبر الذي رواه مسلم في صحيحه:«لا يَنْكح المحرم ولا يُنْكح ولا يخْطُبُ» (3).

لهذا الحديث ذهب جماهير العلماء ومنهم مالك والشافعي وأحمد فمن بعدهم إلى أنه لا يصح نكاح المحرم، واعتمدوا أحاديث الباب التي أوردها مسلم في كتاب النكاح، باب بعنوان: تحريم نكاح المحرم.

وخالف أبو حنيفة والكوفيون جماهير الفقهاء فقالوا بجواز نكاح المحرم للحديث الآخر الذي رواه مسلم في الباب عن أبي الشعثاء أن ابن عباس أخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم (4).

(1) قال العلامة الشيخ محمد الخطيب الشربيني بعد أن ساق ما سبق بيانه: وإن كانت عبارة المجموع تدل على أنها إذا كانت محرمة دونه أنّ عليها الفدية. ولنا هنا طريقة قاطعة باللازم بخلاف الصوم وقيل: إن كان الواطىء لا يتحمل عنها فعليها الفدية. مغني المحتاج جـ 1 صـ 523.

(2)

قال العلامة إبراهيم الباجوري في حاشيته جـ 1 صـ 486: «والحكمة في ذلك أن الحج يطول زمنه وتكثر أعماله فجعل له تحللان، ليحلّ بعض محرماته في وقت، وبعضها في وقت آخر، بخلاف العمرة» قم قال: «نعم عمرة الفوات التي يتحلل بها من فاته الوقوف لها تحللان: فالأول: يحصل بالطواف المتبوع بالسعي إن لم يكن سعى، أو بإزالة الشعر بحلق أو غيره. والثاني يحصل بالآخر. فقولهم: العمرة لها تحلل واحد في غير عمرة الفوات» .

(3)

صحيح مسلم (1409/ 43).

(4)

صحيح مسلم (1410/ 46).

ص: 107

أجاب الجمهور عن حديث ميمونة بأجوبة، منها تأويل حديث ابن عباس على أنه صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة في الحرم وهو حلال؛ لأنه يقال لمن في الحرم محرم وإن كان حلالاً؛ لأنه يقال لمن هو في الحرم محرم وإن كان حلالاً. قال الإمام النووي: «وهي لغة شائعة معروفة، ومنه البيت المشهور [قتلوا ابن عفان الخليفة محرماً] أي في حرم المدينة (1).

الجواب الثاني قال به جماعة من أصحاب الشافعية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له أن يتزوج في حال الإحرام، وهو مما خُصَّ به دون الأمة. قال العلامة النووي: وهذا أصح الوجهين عن أصحابنا (2).

الجواب الثالث: أن أكثر الصحابة رووا أنه صلى الله عليه وسلم تزوجها حلالاً، وهو ما روته ميمونة نفسها فرواية هؤلاء أضبط من رواية من قال إنه تزوجها محرماً. قال الإمام النووي:«قال القاضي وغيره: ولم يرو أنه تزوجها محرماً» إلّا ابن عباس وحده، وروت ميمونة وأبو رافع وغيرهما أنه تزوجها حلالاً وهم أعرف بالقضية لتعلقهم به، بخلاف ابن عباس، ولأنّهم أضبط من ابن عباس وأكثر» (3).

أما قوله صلى الله عليه وسلم: «ولا يُنكح فمعناه كما قال العلماء أنه لا يزوج امرأة بولاية ولا بوكالة. قال النووي: «قال العلماء: سببه أنه لما منع في مدة الإحرام من العقد لنفسه صار كالمرأة فلا يعقد لنفسه ولا لغيره» . وظاهر هذا العموم أنه لا فرق بين أن يزوج بولاية خاصة كالأب والأخ ونحوهم، أو بولاية عامة وهو

(1) صحيح مسلم بشرح النووي جـ 9 صـ 541.

(2)

نفس المرجع والجزء والصفحة.

(3)

نفس المرجع والجزء صـ 540، وثمة أجوبة أخرى ذكرها النووي فعد إليها إن شئت التوسيع.

ص: 108

السلطان والقاضي ونائبه وهذا هو الصحيح عندنا، وبه قال جمهور أصحابنا.

وقال بعض أصحابنا: يجوز أن يزوج المحرم بالولاية العامة؛ لأنها يستفاد بها بالخاصة وولهذا يجوز للمسلم تزويج الذمية بالولاية العامة دون الخاصة» (1). ثم قال النووي: واعلم أن النهي عن النكاح والإنكاح في حال الإحرام نهي تحريم، فلو عقد لم ينعقد سواء كان المحرم هو الزوج والزوجة أو العاقد لهما بولاية أو وكالة نهي تحريم، فالنكاح باطل في كل ذلك، حتى لو كان الزوجان والولي مُحلِّين ووكّل الوليُّ أو الزوجُ مَحرَماً في العقد لم ينعقد (2)». (3)

ثم قال النووي: وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «ولا يخطب فهو نهي تنزيه ليس بحرام وكذلك يكره للمحرم أن يكون شاهداً في نكاح المحلون» (4).

إذن كل نكاح وجد فيه ولي محرم، أو زوج محرم، أو زوجة محرمة فهو باطل بنص الفقهاء على هذه المسالة.

وعلى العكس لو عقد وهو حلال وطلق وهو حلال، جاز له الرجعة في الإحرام على الأصح لكن مع الكراهة (5)

الأخير من محظورات الإحرام هو الطيب: «إذا أهلّ المسلم بالحج أو العمرة

(1) نفس المرجع والجزء صـ 541.

(2)

أما لو وكل حلال حلالاً في التزويج ثم أحرم أحدهما أو أحرمت المرأة جاز لمن أحرم أن يتزوج بعد التحللين بالولاية السابقة. انظر حاشية العلامة ابن حجر على شرح الإيضاح للنووي صـ 194.

(3)

صحيح مسلم بشرح النووي جـ 9 صـ 541.

(4)

نفس المرجع والجزء والصفحة.

(5)

الحاشية لابن حجر على شرح الإيضاح للنووي صـ 195.

ص: 109

حرم عليه استعمال الطيب في بدنه وملبوسه أو فراشه».

دليل الحرمة الإجماع. ومن النصوص التي استند إليها إجماع الفقهاء الحديث المتفق عليه عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: «كنت أطيِّبُ رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه حين يُحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت» (1).

ومن الأدلة ما أخرجه النسائي وابن ماجة موقوفاً على ابن عباس قال: إذا رميتم الجمرة فقد حلَّ لكم كلُّ شيءٍ إلّا النساء. فقال له رجل: يا ابن عباس! والطيب؟ فقال: أمّا أنا فقد رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يُضَمِّخُ رأسه بالمسك. أفطيب ذلك أم لا» (2).

فالطيب من أبرز مظاهر الترفه الذي تأباه حكمة الحج إلى بيت الله الحرام، ويتنافى مع قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: الحاجّ أشعثُ أغبر، وقوله صلى الله عليه وسلم:«ولا يلبس من الثياب ما مسه ورسٌ أو زعفران» (3). والروس هو الطيب (4)، ويبد ولي أن الزعفران مثله (5)، بدليل ما جاء في القاموس المحيط من أنه إذا كان في بيت لا يدخله سام أبرص اهـ وهذا ربما لرائحته، والله أعلم.

(1) صحيح البخاري، باب الطيب عند الإحرام، وابن ماجة (3042) وسنن الترمذي (917).

(2)

سنن ابن ماجة برقم 3041.

(3)

رواه البخاري في صحيحه باب: ما لا يلبس المحرم من الثياب، بلفظ: ولا تلبسوا من الثياب ما مسه زعفران أو ورس.

(4)

الورس نبت أصفر طيب الريح يصبغ به. ولون صبغه بين الحمرة والصفرة. وهو أشهر طيب في بلاد اليمن. انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري للإمام ابن حر العسقلاني صـ 3 صـ 509، والحاشية لابن حجر الهيتمي على شرح الإيضاح صـ 180 ومغني المحتاج للشربيني جـ 1 صـ 520. هذا قد جاء في مختار الصحاح: ورّس الثوب توريساً صبغه بالورس.

(5)

جاء في مختار الصحاح: زعفر الثوب صبغه به.

ص: 110

فاستعمال الطيب يحرم على الحاج أو المعتمر حتى ولو كان فيه مقصود آخر كالمسك والكافور والورد والياسمين والبنفسج والنرجس والريحان وما أشبه ذلك (1).

قال الإمام النووي: «ولا يحرم ما لا يظهر فيه قصد الرائحة، وإن كان له رائحة طيبة كالفواكه الطيبة الرائحة كالسفرجل والتفاح والأُتْرُجّ (2) والنارنج، وكذا الأدوية (3) كالدار صيني، والقَرَنْفُل والسُّنْبُل (4) وسائر الأبازير الطيبة، وكذا الشِّيْحُ والقَيْصُوم والشَّقَاق وسائر أزهار البراري الطيبة التي لا تستنبت قصداً (5)، وكذا نَوْرُ التفاح والكُمّثْرى (6)، وغيرهما، وكذا العُصْفُر والحناء فلا يحرم شيء من هذه ولا فدية فيه» (7).

ومن الأشياء التي يحرم استعمالها الكحل إذا ظهر طعم الطيب فيه، أو

ريحه، ما لم يستهلك الطيب في الطعام، فإن استهلك فلا بأس به (8). فإن بقي اللون

(1) الحاشية لابن حجر الهيتمي ص 180.

(2)

الأُتْرَج يعرف عند أهل الشام باسم الكبَّاد، وهو نبتٌ أصفر أضخم من الليمون.

(3)

الخلاصة أن الذي يقصد به الأكل (التفكّه) أو التداوي، لا يحرم، ولا تجب فيه الفدية، وإن كانت له رائحة طيبة.

(4)

ومثله المحلب.

(5)

لأنها تنبت وحدها، ولأنها لا تعدّ طيباً.

(6)

ويعرف اليوم بالإجاص.

(7)

انظر الحاشية للعلامة ابن حجر على شرح الإيضاح للنووي ص 180 - 181.

(8)

وبهذا يتضح لنا أنّ ثمة فرقاً بين الأبازير الطيبة التي تدخل في صناعة الطعام فهذا لا يضر، أما الطيب فإن دخل في الطعام ولم يكن مستهلكاً، فأكلُ هذا الطعام بالنسبة للمحرم حرام.

ومن الأمثلة ما يدخل الحلويات من طيب يعرف عند أهل الشام بماء الزهر، يخلط مع نوع من الحلوى يسمّى كشك الأمراء، أو الراحة أو غيرهما من ألوان الحلويات الدمشقية أو غير الدمشقية، فهذا كله حرام أكله للمحرم إنْ كان ظاهر الطعم أو الرائحة. =

ص: 111

وحده لم يحرم في الأصح (1). قال الإمام النووي: «ولو خفيت رائحة الطيب أو الثوب المطيب بمرور الزمان والغبار ونحوه، فإن كان بحيث لو أصابه الماء فاحت رائحته حرم استعماله، فإنْ بقي اللون فقط لم يحرم على الأصح» .

ثم تابع قوله: «ولو انغمر طيبٌ في غيره كماء ورد قليل انمحق في ماء لم يحرم استعماله على الأصح. وإن بقي طعمه أو ريحه حرم. وإن بقي اللون لم يحرم على الأصح» (2).

أمّا شم الطيب فقط دون مس فيكره عند الشافعية والحنفية والمالكية، أي لا فداء في ذلك ولا إثم. وقال الحنبلية يحرم تعمد شمّ الطيب كالمسك والكافور ويجب فيه الفداء، لكن يجوز شمّ رائحة الفواكه الطيبة عندهم، وكل نبات صحراوي كالشِّيح والقيصوم (3)

لا بل يمكنني أن أقول: إنّ أكل الفواكه ذات الرائحة الطيبة كالتفاح والليمون والنارنج والسفرجل والبرتقال وغيرها هو جائز عند جميع الفقهاء، والله أعلم. وربما يؤيد ذلك ما رواه البخاري موقوفاً على ابن عباس قال: يَشُمُّ

= هذا في فقه السادة الشافعية، أما في فقه السادة الحنفية فعندهم أنه إن خلط الطيب بطعام قبل طبخه ثم طبَخَه معه فلا شيء عليه، وكذا لو خلطه بطعام مطبوخ بعد طبخه، فلا شيء عليه قليلاً كان أو كثيراً. أما إن خلطه بطعام غير مطبوخ، فإن كان الطعام أكثر فلا شيء عليه وإن وجدت الرائحة غير أنه إن وجدت الرائحة معه يكره، أما إن كان الطيب المخلوط بالطعام غير المطبوخ أكثر ففيه الدم وإن لم تظهر رائحة. انظر الحج والعمرة في الفقه الإسلامي د. نور الدين عتر، الفقرة (37) صـ 59.

(1)

انظر الحاشية لابن حجر على شرح الإيضاح للنووي ص 182.

(2)

نفس المرجع والصفحة.

(3)

الحج والعمرة في الفقه الإسلامي د. نور الدين عتر، الفقرة (37) صـ 58.

ص: 112

المحرم الرَّيحان، وينظر في المرآة، ويتداوى بما يأكل الزيت والسمن» (1).

(1) صحيح البخاري، باب الطيب عند الإحرام.

ص: 113