الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ملحق هام في أبرز مزارات مكة
مزارات مكة تطلق ويراد بها المواطن التي صلّى أو نزل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وربما نزلت فيها آيات، أو حدثت معه فيها أحداث، لذلك استحب العلماء متابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأرض التي يعرّج عليها، أو الفعل الذي يؤديه عندها رجاء البركة، وابتغاء المتابعة والأدلة على ذلك كثيرة استقصيتها في كتاب «حَرَمُ الحبِّ والسَّلام .. » فعد إليه فإنه مفيد. وفي هذه الدراسة المتواضعة ستحصل معرفة موثقة بالسيرة النبوية وفق كل مزار، وما يدور حول هذه المزارات من آيات وأبحاث، حتى نتمكن من قراءة سيرة كل موضع ونحن نرسم لها في مخيلتنا صورة حقيقية، مستفيدين من عبرها.
ومن أبرز مزارات مكة
غار ثور
، وغار حراء، وشعب علي، ودار الأرقم وغير ذلك.
غار ثور:
يقع في جبل ثور، وهو في الجهة الجنوبية من المسجد الحرام على بعد (4) كم منه، وعلى ارتفاع (748) متراً عن سطح البحر، و (458) متراً من سفح الجبل.
والغار في اللغة ثقب في الجبل، وهو كذلك إذ نراه صخرة مجوفة أشبه بسفينة صغيرة ظهرها إلى أعلى، في ارتفاع أقصاه 1.25 م، وأقصى طوله وعرضه 3.5×3.5.
للغار فتحتان: فتحة في ناحية الغرب وهي التي دخل منها النبيّ صلى الله عليه وسلم. قبل القرن التاسع الهجري كان الشخص يدخل منها زاحفاً، لكن بعد التاريخ المذكور
تمت توسعة الفتحة، ثم تلتها توسعة أخرى في نهاية القرن الثالث عشر الهجري وأقصى ما وصل إليه ارتفاعها متر واحد مع الدرج المنحوت بأسفلها.
أما الفتحة الأخرى فهي في جهة الشرق، وهي أوسع من الأولى. يقال: إنها مستحدثة ليسهل على الناس الدخول إلى الغار من باب، والخروج من باب آخر؛ لأن المسافة بين الفتحتين قصيرة جداً لا تتجاوز ثلاثة أمتار وخمسين سنتيمتراً.
الصعود إلى الغار يستغرق قرابة ساعة ونصف، مما يدل على أنه كما قال من صعده وكتب عنه صعب المرتقى (1).
غار ثور ورد ذكره في القرآن الكريم في قوله تعالى: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِن اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40)} [التوبة: 40].
والآية هذه تلقي الضوء على حادثة هامة في تاريخ النبوة، رصدها البيان الإلهي، وفصَّلتها السنّة المشرّفة، ألا وهي حادثة الهجرة من مكة إلى المدينة، في ظل طلب مسعور من المشركين لشخص النبي محمد صلى الله عليه وسلم حيَّاً أو ميتاً.
روى البخاريُّ في صحيحه من حديث عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت:
«(2) .. .. فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين:
إني أُريتُ دار هجرتكم ذاتَ نخلٍ بين لابتين، وهما الحرَّتان. فهاجر من هاجر
(1) اُنظر «تاريخ مكة المكرمة قديماً وحديثاً» د. محمد إلياس عبد الغني.
(2)
الحديث طويل وقد اخترت لك خاتمته التي ترتبط ببحثنا، وهي ليست بالقصيرة.
قِبَلَ المدينة، ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهّز أبو بكر قِبَلَ المدينة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: على رِسْلِك، فإني أرجو أن يؤذن لي. فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال: نعم. فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده ورقَ السَّمُر (1) ـ وهو الخَبَط (2) ـ أربعة أشهر.
قالت عائشة: فبينما نحن يوماً جلوسٌ في بيت أبي بكر في نَحْرِ الظهيرة (3) قال قائل لأبي بكر هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنّعاً (4) ـ في ساعة لم يكن يأتينا فيها ـ فقال أبو بكر: فداءٌ له أبي وأمي، واللهِ ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر. قالت: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن فأُذن له، فدخل فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: أخْرِجْ مَن عندك، فقال أبو بكر: إنما هم أهلك (5) بأبي أنت يا رسول الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم (6)، قال أبو بكر: فَخُذ بأبي أنتَ إحدى راحلتيَّ هاتين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بالثمن (7)، قالت عائشة: فجهَّزْناها أحثَّ الجهاز (8)، وصنَعْنا لهما سُفرة في جرابٍ (9)، فقطعتْ أسماءُ بنتُ أبي بكر قطعةً من نطاقها فربطت به على فم
(1) هي شجرة أم غيلان، وقيل: كل ما له ظل ثخين، وقيل: السَّمُر ورق الطلح. انظر فتح الباري جـ 7 صـ 293.
(2)
هذا مدرج من تفسير الزهري، والمراد كل ما يخبط بالعصا فيسقط من ورق الشجر. نفس المرجع.
(3)
أي أول النهار وهو أشد ما يكون في حرارة النهار، والغالب في أيام الحر القيلولة فيها. قاله ابن حجر في فتح الباري.
(4)
أي مغطّياً رأسه.
(5)
أشار إلى عائشة وأسماء. وفي رواية عند غير البخاري: «لا عينَ عليك، إنما هم ابنتاي» . نفس المرجع.
(6)
وزاد ابن إسحاق قالت عائشة: فرأيتُ أبا بكر يبكي، وما كنت أحسب أنّ أحداً يبكي من الفرح.
(7)
هي ناقصة القصواء وربما يكون اشتراط الثمن؛ لأنه لا يحب أن تكون هجرته صلى الله عليه وسلم من مال نفسه. نفس المرجع صـ 294.
(8)
من الحثّ وهو الإسراع، والجَهاز بفتح الجيم وقد تكسر.
(9)
أي زاداً في جراب؛ لأن الأصل في السفرة الزاد الذي يصنع للمسافر، ثم استعمل في وعاء الزاد ومثله المزادة للماء وكذا الراوية. نفس المرجع والصفحة.
الجراب فبذلك سمّيت ذات النطاقين (1).
قالت: ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل ثور (2)، فكَمنا (3) فيه ثلاث ليالٍ، يبيت عندهما عبدُ الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثَقِفٌ (4) لَقِنٌ (5)، فيَدَّلج (6) من عندهما بسحر (7)، فيصبح مع قريش بمكة كبائت (8)، فلا يسمع أمراً يُكتادان (9) به إلَّا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حتى يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامرُ بنُ فُهَرِة (10) مولى أبي بكر مِنحة (11) من غنم فيُريحهما (12) عليهما حين تذهب ساعةٌ
(1) شقّت سيدتنا أسماء بنتُ سيدنا أبي بكر نطاقها نصفين، فشدّت بأحدهما الزاد، واقتصرت على الآخر، فمن ثَمَّ قيل لها ذات النطاقين، وكذا ذات النطاق، وهو أصل النطاقين. والإفراد والتثنية بهذين الاعتبارين. ويبدو أن نطاق الزاد سترته بالنطاق الآخر. انظر فتح الباري صـ 294.
(2)
هو الغار الذي نتحدث عنه، والذي ينسب إلى الجبل فيقال: غار ثور. وقد خرجا إليه من بيت الصدّيق مباشرة. قال في فتح الباري صـ 294 ـ 295: «ذكر الواقدي أنهما خرجا من خوخةٍ في ظهر بيت أبي بكر، وقال الحاكم: تواترت الأخبار أن خروجه كان يوم الاثنين، ودخوله المدينة كان يوم الاثنين، إلا أن محمد بن موسى الخوارزمي قال: إنه خرج من مكة يوم الخميس. قلت: يجمع بينهما بأن خروجه من مكة كان يوم الخميس، وخروجه من الغار كان ليلة الاثنين؛ لأنه أقام فيه ثلاث ليال، فهي ليلة الجمعة وليلة السبت، وليلة الأحد، وخرج في أثناء ليلة الاثنين» . أقول: ولتمام الفائدة فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم فارق دنياه، والتحق بمولاه ضحوة يوم الاثنين في 13 ربيع أول سنة 11 للهجرة الموافق 8 يونيو سنة 633 م عن 63 سنة قمرية كاملة وثلاثة أيام. انظر «نور اليقين» للمرحوم الشيخ محمد الخضري صـ 264.
(3)
أي فاختفيا فيه.
(4)
الثّقِف الحاذق.
(5)
اللَّقِنُ السريع الفهم.
(6)
في مختار الصحاح ادَّلج بتشديد الدال سار من آخر الليل، أما أدْلج فقد سار من أول الليل.
(7)
في مختار الصحاح السَّحَر قُبيل الصبح.
(8)
من بات أي نام أي مثل من نام فيها.
(9)
وفي رواية عند غير البخاري: يُكادان.
(10)
هو مولى أبي بكر اشتراه فأسلم فأعتقه.
(11)
تطلق على كل شاة، وفي رواية أن الغنم كانت لأبي بكر.
(12)
الرّواح ضد الصباح، وهو اسم للوقت من زوال الشمس إلى الليل، وهو أيضاً راح يروح، لذلك جاء في رواية موسى بن عقبة: » يروح عليهما كل ليلة فيحلبان، ثم تسرح بكرة فيصبح في رعيان الناس فلا يفطن له «فتح الباري صـ 296.
من العشاء فيبيتان في رِسلٍ ـ وهو لبن مِنحتهما ورضيفهما (1) ـ حتى ينعق (2) بها عامرُ بنَ فُهرِة بغَلَس (3)، يفعل ذلك في كلِّ ليلة من تلك الليالي الثلاث.
واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلاً من الدِّيل (4)، وهو من بني عبد بن عدي هادياً خِرِّيتاً (5) ـ والخِرِّيتُ الماهر بالهداية (6) ـ وقد غمس حِلفاً في آل العاص بن وائل السهميّ (7)، وهو على دين كفار قريش، فدفعا إليه راحِلَتَيْهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليالٍ براحلتَيْهما صُبْحَ ثلاث، وانطلق معهما عامرُ بنُ فُهرِة والدَّليل، فأخذ بهم طريق السواحل (8)» (9).
إنّ منزلة هذا الغار تأتي من حيث إن القرآن الكريم ذكره بالقصة واللفظ، والسنة الشريفة فصّلته تفصيلاً، وما نخلص إليه من ذلك أن البيان الإلهي يخاطب من
(1) اللبن المرضوف الذي وضعت فيه الحجارة المحماة بالشمس أو النار لينعقد وتزول رخاوته.
(2)
أي يصيح بغنمه؛ لأن النعيق صوت الراعي إذا زجر الغنم.
(3)
الغَلَس في اللغة ظلمة آخر الليل.
(4)
أي ابن الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة.
(5)
الخِرِّيت هو الدليل الخبير الماهر بطرق المفاوز. واسمه عبد الله بن أرقد، وفي رواية أُرَيْقِدْ، وعند موسى بن عقبة أُرَيقِط بالتصغير وبالطاء. قال في فتح الباري جـ 7 ص 297: » وهو أشهر «.
(6)
هذا مُدْرج من تفسير الزهري.
(7)
أي هو حليفهم، وكانوا إذا تحالفوا غمسوا أيمانهم في دم أو خلوق أو في أي شيء يكون فيه تلويث.
(8)
جاء في فتح الباري جـ 7 ص 297: «وفي رواية موسى بن عقبة فأجاز بهما أسفل مكة ثم مضى بهما حتى جاء بهما الساحل أسفل من عسفان، ثم أجاز بهما حتى عارض الطريق» .
(9)
صحيح البخاري برقم (3905).
تخلّف عن غزوة تبوك معاتباً بعد انصراف رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك (1): إلَّا تنصروه بالنَفْر معه، فإنّ الله ناصره ومؤيده حتى ولو كانت الملحمة مع إمبراطورية الروم، والمسلمون من قلة، والأيام من أشدّ الأوقات حرّاً في الصيف. لقد نصره ربه من قبل في أحلك الأوقات يوم خرج وحده فقيراً، شريداً، مطلوباً رأسه بعد أمرٍ دُبِّرَ بليل، فنصره الله، وصاحبَهُ رجل الصدق والوفاء أبا بكر، فأين كنتم يومئذ؟ ثم أين استجممتم أيُّها المتخلفون يوم تبوك؟ ألم آخذ بيده إلى برّ الأمان. يقول العلماء: هذه الآية في فضائل الصدّيق رضي الله عنه وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان، ذلك أنهما بعد أن خرجا من فتحة في ظهر بيت أبي بكر، توجَّها إلى الغار دونما إبطاء، فكان أبو بكر يمشي بين يديه ساعة، ومن خلفه ساعة، فسأله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأجابه:
أذكرُ الطلب فأمشي خلفك، وأذكر الرصد فأمشي أمامك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مستفهماً: لو كان شيءٌ أَحبَبْتَ أن تُقْتَلَ دوني؟
فأجابه بلا تردّد: إي والذي بعثك بالحق.
لقد كان أبو بكر رضي الله عنه في ذروة الإخلاص والفداء، وما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحب معه غير هذا الصنف من الرجال في هجرة يترتب على نجاحها المضيُّ في أمانة الدعوة الإسلامية إلى غايتها، وعلى إخناقها خنق حقيقة الإسلام إلى يوم الدين.
ولقد توّج الصدّيق وفاءه الاستبساليَّ لحظة أن انتهيا إلى الغار حيث وقف على بابه يخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغة الحرص: مكانَكَ يا رسول الله حتى استبرئ لك الغار. قال: فاستبرأه (2).
(1) تفسير القرطبي جـ 8 صـ 133.
(2)
دلائل النبوة للبيهقي. انظر فتح الباري جـ 7 صـ 296.
إن مغامرة الاستكشاف والتطهير لغار ثور هي عملية استشهادية بكل المقاييس، لأن الدخول إلى الغار يومها كان زحفاً ـ كما مر ـ فالولوج إليه مع انخفاض بابه وضيقه (1)، واحتمال وجود حيوان يؤذي من نحو حية وعقرب في منطقة نائية صعبة المرتقى في أعلى جبلٍ من جبال مكة الجرداء، قد يؤدي الاستبراء فيه إلى الذهاب بحياة أبي بكر رضي الله عنه في أية لحظة، ومع ذلك فقد أصرَّ وصدق وفعل المهمة التي لا يُقبل عليها إلا الخُلَّص من الرجال.
نعم، إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أُحيط بثلة من الرجال الصادقين لن تجد لهم في الدنيا نظيراً، من هؤلاء سيدنا عليُّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه الذي اختارته يد العناية الإلهية لمهمة أخرى متممة لمهمة أبي بكر في الإخلاص والاستبسال حين أمر جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يبيت في فراشه تلك الليلة فدعا علياً وأمره أن يبيت في الفراش، ويُسجِّي نفسه ببُرْد رسول الله صلى الله عليه وسلم الأخضر حتى يورّي عنه عيون المشركين الذين وقفوا على بابه يحرسونه يحسبونه رسول الله صلى الله عليه وسلم (2).
رقد عليٌ في الفراش وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين الشباب المندَبين لجريمة اغتياله رجاء أن يضيع دمه الشريف بين القبائل.
خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه حفنة من تراب، فجعل ينثرها على رؤوس رجال الكتيبة المسلحة التي وقفت ترصده بعد أن طمس الله على أبصارهم، وغَشيَهم النوم، وهو يقرأ عليهم من صدر سورة يس إلى قوله تعالى:{وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9)} [يس: 9](3).
(1) نفس المرجع والجزء صـ 15.
(2)
هذا من زيادة رواية ابن إسحاق. انظر نفس المرجع والجزء صـ 295.
(3)
فتح الباري جـ 7 صـ 295.
ويكون قد اجتمع لرسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الخروج معجزتان ليستيقنوا صدق النبوة، وضآلة من يقف في وجه أمرٍ قدّره الله وقضاه:
المعجزة الأولى استغراقهم في نوم غلب عليهم جميعاً دون استثناء واحد منهم.
المعجزة الثانية وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب على رؤوس المشركين ونثره نثراً ليتأكدوا أنه مرَّ من هنا، ولولا أنه نبي ما كان له ذلك وهم الذين أحكموا القبضة على مداخل داره، بقوة السلام.
إنهما بطلان مستبسلان كل منهما يذود عن النبي والنبوة ابتغاء مرضاة الله، ولو ذهبت روحه فداء ذلك (1).
في المشهد الأول قتلةٌ وظفتهم العادات والتقاليد البالية، والعقائد الفاسدة ليثأروا من هذا النبي الذي بُعث مسفهاً لموروثات الجاهلية، يحمل في يدٍ مشعل العلم والنور ليضيء للتائهين دروب النجاة، وفي يدٍ المعجزة الإلهية الناطقة بصدقه التي يعجز عن مثلها البشر جميعاً ولو اجتمعوا لها.
وفي المشهد الثاني اندفاع من هؤلاء القتلة ومن لفّ لفّهم بحثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقتله وتصل طلائع إجرامهم إلى فم الغار.
(1) في رقود علي في فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من مقصد حضاري تتعلم منه الأمة، فمن جانب هو درس في الأخذ بالأسباب؛ لأن المشركين يحسبون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في فراشه فيطمئنون ولا يبحثون عنه بينما يكون قد اتخذ طريق الأمان في غياب عيونهم التي تتربص به سوءاً.
المقصد الآخر هو تعريض عليّ روحه للموت وسيأتي.
المقصد الثالث هو أداء الأمانات للمشركين؛ لأنهم رغم عدائهم للحبيب ما كانوا يجدون أحداً يأمنون عنده على أماناتهم خيراً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي هذا مشهد من مشاهد الحضارة الإسلامية الناطقة في ساحة السيرة النبوية، وهي أنه لم يستبحْ أموالهم التي بين يديه مع أنهم استباحوا دمه، كما أنه لم يُرقْ لهم دماً عندما غشيهم النوم، وبأيديهم أسلحة الجريمةفهل في الدنيا أعظم من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
المشهد الأول يبدأ ليلاً حين أحاط مسلحوهم بالمنافذ المؤدية إلى دار رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونظروا من ش ق الباب فوجدوا نائماً في الفراش، فحسبوه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاطمئنوا إلى أنه صلى الله عليه وسلم موجود، وما عليهم سوى انتظار الخروج، ولقد همّوا أن يقتحموا عليه خلوته ويقتلوه أو يقيدوه ليساق للموت لكن انتهى أمرهم إلى الانتظار حتى خرج عليهم عليٌّ كرّم الله وجهه صُبحاً فأخبرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فات ونجا (1)، فاستشاطوا غضباً، فانطلقوا يبحثون عنه في الفجاج والشعاب معتمدين على شبابهم وخيلهم وأهل الخبر فيهم حتى بعثوا في أثرهم قائفَين يقتفيان الأثر، أحدهما كرز بن علقمة الذي أوصلهم بالفعل إلى منطقة الغار قائلاً: هنا اختفى الأثر.
ومع انتشارهم بحثاً عنه صلى الله عليه وسلم في الفيافي والقفار يبدأ المشهد الثاني صباحاً.
وفي المشهدين تعريض النفس للموت فداء رسول الله صلى الله عليه وسلم.
في المشهد الأول كان يمكن أن ينقضوا على الفراش فتزهق روح علي دون أن يدروا ولم يكن ثمة ضوء فيظهر المعالم والبيت منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي المشهد الثاني كان يمكن أن يهوي أبو بكر من الجبل الشاهق وهو يسير مضطرباً على رسول الله صلى الله عليه وسلم تارة أمامه وتارة خلفه وذلك في صعود صعب لا سهل ميسَّر.
في المشهد الأول لحظة خروج عليّ يخبرهم بنجاة رسول الله صلى الله عليه وسلم صباحاً (2)،
(1) تفسير القرطبي جـ 7 ص 132.
(2)
في رواية موسى بن عقبة عن الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث بعد الحج بقية ذي الحجة والمحرم وصفر ثم إنّ مشركي مكة اجتمعوا .. ثم ساق الحديث ثم قال: «وباتَ عليٌّ على فراش النبيّ صلى الله عليه وسلم يورّي عنه، وباتت قريش يختلفون في أمره أيهم يهجم على الفراش فيوثقه، فلما أصبحوا إذا هم بعلي قال: فخرجوا يطلبونه في كل وجه» . انظر فتح الباري جـ 7 صـ 295.
وشعورهم بأنه انقضى وقت يتيح لمحمد صلى الله عليه وسلم بسبب خديعة علي، كان من المتوقع أن يفرّغوا غيظهم في صدر علي بطعنة خنجر، أو ضربة سيف وهو الذي استدرجهم ليلة بكاملها، لكن الله سلّم.
وفي المشهد الثاني في استبراء الغار، أو إدراك العيون للحبيب وصاحبه، الموت هو أبسط عقاب في هجرة مصيرية بالنسبة لكل من التوحيد والوثنية في مكة على حد سواء.
أما المشهد الثالث فترسمه شجاعة عمر، في إظهاره لعزة المسلم الذي لا يخشى لومة لائم، ولا كيد حاقد على الإسلام والمسلمين.
وهكذا فإن شموع الإسلام أبو بكر عمر عثمان وعلي وسائر الصحابة الكرام هم التضحيات التي أذابت حظوظ نفسها لأجل أن يصل الإسلام إلى البشرية نقياً صافياً سلسبيلاً كما أُنزل، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
لكنَّ الذي ذكرته الآية وأكثر من ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم هو سيدنا أبو بكر رضي الله عنه.
أولاً: الآية وثقت حديث الغار بآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي هذا مزيد خصوصية لأبي بكر أن يحكي القرآن كلاماً دار بين الحبيب وصدّيقه.
ثانياً: أن الآية نسبت الصدّيق إلى الصحبة، ووصفته بالصاحب:«إذ يقول لصاحبه لا تحزن» (1).
ثالثاً: قوله تعالى: {إِن اللَّهَ مَعَنَا} أي بالنصر والرعاية والحفظ والكلاءة. فأبو بكر ناله نصر الله ورعاية ربه وحفظ مولاه، وكلاءة العناية الإلهية بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار، وبنص كتاب الله تعالى: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ
(1) تفسير القرطبي جـ 8 صـ 133.
يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ (1) إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}.
رابعاً: قوله تعالى: {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ} الضمير في أصح القولين يعود على أبي بكر. قال ابن العربي: «وهو الأقوى؛ لأنه خاف على النبيّ صلى الله عليه وسلم من القوم؛ فأنزل الله سكينته عليه بتأمين النبي صلى الله عليه وسلم، فسكن جأشه، وذهب روعه وحصل الأمن .. » .
ومن فضل أبي بكر الذي ترشد إليه هذه الآية مسألة الخلافة التي انتقلت إليه لفضله، الذي أطبقت الأمة عليه، ولتزكية هذه الآية على الخصوص، فقد اجتمع المهاجرون يتشاورون بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: انطلقوا بنا إلى إخواننا من الأنصار ندخلهم معنا في هذا الأمر. فقالت الأنصار: منّا أمير ومنكم أمير. فقال عمر رضي الله عنه: مَن له مثل هذه الثلاث {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِن اللَّهَ مَعَنَا} مَن هما؟ قال: ثم بسط يده فبايعه وبايعه الناس بيعة حسنة جميلة (2).
(1) لا يتنافى حزن أبي بكر في الغار مع منزلته التي فاقت جميع الأصحاب، فليست من قبيل الجهل والنقص، وضعف القلب كما صوّره بعض أهل الجنوح. قال الإمام القرطبي: جـ 8 صـ 134 .. وأجاب علماؤنا عن ذلك بأن إضافة الحزن إليه ليس بنقص؛ كما لم ينقص إبراهيم حين قال عنه: {نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ} [هود: 70]، ولم ينقص موسى قوله:{فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (67) قُلْنَا لَا تَخَفْ} [طه: 67 ـ 68] وفي لوط: {لَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ} [العنكبوت: 33] فهؤلاء العظماء صلوات الله عليهم قد وُجدت عنهم التقيَّة نصاً، ولم يكن طعناً عليهم ووصفاً لهم بالنقص؛ وكذلك في أبي بكر. ثم هي عند الصدّيق احتمال، فإنه قال:(لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا). جواب ثان: إن حزن الصدّيق إنما كان خوفاً على النبي صلى الله عليه وسلم أن يصل إليه ضرر، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت معصوماً، وإنما نزل عليه {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67] بالمدينة».
(2)
نفس المرجع والجزء والصفحة.
قال الإمام القرطبي: » قلتُ: ولهذا قال بعض العلماء: في قوله تعالى: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} ما يدل على أن الخليفة بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه؛ لأن الخليفة لا أبداً إلا ثانياً. وسمعتُ شيخنا الإمام أبا العباس أحمد بن عمر يقول:
إنما استحق الصدّيق أن يقال له ثاني اثنين لقيامه بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم بالأمر؛ كقيام النبيّ صلى الله عليه وسلم به أولاً، وذلك أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما مات ارتدّت العرب كلها، ولم يبق الإسلام إلَّا بالمدينة ومكة وجُوَاثا (1)؛ فقام أبو بكر يدعو الناس إلى الإسلام ويقاتلهم على الدخول في الدين كما فعل النبيُّ صلى الله عليه وسلم فاستحق من هذه الجهة أن يقال في حقه {ثَانِيَ اثْنَيْنِ} (2).
وربما المشهد الأخير من حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعد كثيراً في اندفاع الأنصار إلى التنازل عن تقديم اسم أمير منهم ذلك أنه أغمي على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه، ثم أفاق، فقال: أحضرتِ الصلاة؟ قالوا: نعم، قال: مُرُوا بلالاً فليُؤَذّن، ومُرُوا أبا بكر فليُصَلِّ بالناس، ثم أغمي عليه، وتكرر الأمر بصلاة أبي بكر خمس مرات، ثم خرج متكأ على بريرة ورجل آخر، وصلَّى خلف أبي بكر، حتى قضى أبو بكر صلاته ثم إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قُبض (3).
إنّ قيمة الغار التاريخية تأتي من فضل من نزل فيه محتمياً وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد الإنس والجن، والأولين والآخرين، وأبو بكر الصاحب الأمين، والرفيق الأبدي في مكة والهجرة والمدينة، والمدفن والبرزخ والقيامة والبعث والجنة التي أعدّها الله للمتقين.
(1) موضع بالبحرين.
(2)
تفسير القرطبي جـ 8 صـ 134 - 135.
(3)
سنن ابن ماجه برقم 1234.