المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌سَرِف: يقع بعد مرّ الظهران، بعد الحاجز الثابت عند مدخل مكة - الحج من نظم الإمام العمريطي الشافعي في «نهاية التدريب في نظم غاية التدريب»

[محمد محيي الدين حمادة]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌شروط وجوب الحج

- ‌أركان الحج

- ‌الركن الأول من أركان الحج هو الإحرام

- ‌الركن الثاني الوقوف بعرفة

- ‌الركن الثالث: الحلق أو التقصير

- ‌الركن الرابع: السَّعي

- ‌الركن الخامس الطواف:

- ‌الركن السادس: ترتيب معظم الأركان

- ‌واجبات الإحرام

- ‌الواجب الأول: الإحرام من الميقات

- ‌الواجب الثاني: الرمي

- ‌الواجب الرابع: المبيت بمنى

- ‌الواجب الخامس: التحذير من الوقوع في محرمات الإحرام

- ‌الواجب السادس: طواف الوداع:

- ‌أبرز المستحبات في الحج

- ‌محرمات الإحرام

- ‌الفداء من اقتراف محظورات الإحرام

- ‌الدماء في الإحرام(أقسامها ـ خصوصيتها ـ ما يقوم مقامها)

- ‌دم التخيير والتقدير

- ‌دم التخيير والتعديل

- ‌شرب زمزمٍ ندبٌ

- ‌ملحق هام في أبرز مزارات مكة

- ‌ غار ثور

- ‌دار الندوة:

- ‌دار السيدة خديجة رضي الله عنها:

- ‌الأخشبان:

- ‌شِعبُ أبي طالب:

- ‌المحصَّب

- ‌مسجد الراية:

- ‌مسجد خالد بن الوليد:

- ‌مقبرة المعلاة:

- ‌سَرِف:

- ‌مسجد الفتح بالجموم:

- ‌غار حراء:

الفصل: ‌ ‌سَرِف: يقع بعد مرّ الظهران، بعد الحاجز الثابت عند مدخل مكة

‌سَرِف:

يقع بعد مرّ الظهران، بعد الحاجز الثابت عند مدخل مكة المعروف بحاجز النورانية، على يمين طريق الهجرة، وأنت قادم من مكة إلى المدينة.

شرف هذا الموقع يأتي من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى بن على أم المؤمنين ميمونة الهلالية، وبه توفيت، حيث دفنت رضي الله عنها في المكان الذي بنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقبرها هناك على الطريق واضح معروف.

‌مسجد الفتح بالجموم:

الجموم قاعدة وادي مرّ الظهران، وهي تقع على بعد 25 كم شمال مكة المكرمة على طريق المدينة المنورة، و 18 كم من مسجد التنعيم.

أرسل إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية سنة 6 هـ (1).

وفي سنة 8 هـ نزل بها النبيُّ صلى الله عليه وسلم قبل فتح مكة، ومعه عشرة آلاف من أصحابه، يعاونه عدد من رجال بني سُلَيم الذين يقيمون في الجموم، وبها أسلم سفيان بن حرب رضي الله عنه (2). وبها أسلم أبو سفيان بن حرب رضي الله عنه.

‌غار حراء:

يقع غار حراء شمال شرقيّ المسجد الحرام، في قمة جبل النور، الذي يقال له أيضاً نسبة إلى اسم الغار، جبل حراء.

ارتفاعه عن سفح الجبل نحو 281 متراً، وعن سطح البحر 621 متراً، وهو صعب المرتقى يستغرق الصعود إليه نحو ساعة من زمن.

(1) المرجع المذكور صـ 138.

(2)

صحيح البخاري برقم (4280).

ص: 185

الغار عبارة عن فجوة بابها نحو الشمال، يتوصل إليه بعد المرور من مدخل بين الحجرين يتسع بطول 60 سنتيمتراً، بينما طول الغار نحو 3 أمتار، أما عرضه فمتفاوت بين 1.30 سنتيمتراً في أقصى ما يصل إليه، في ارتفاع لا يحتاج 2 متراً، وبالتالي فلا يتسع لأكثر من شخصين يصليان أحدهما إمام والآخر مأموم، بينما نجد على اليمين مصطبة تتسع لشخص واحد يصلي جالساً (1).

كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يتعبَّد الله فيه قبل البعثة، حيث حُبِّبَ إليه الخلاء، حتى صار يتحنَّث فيه الليالي ذوات العدد، فيرجع إلى أهله يزور خديجة، ويتزوّد لرحلة أخرى، إلى أن جاء المَلَكُ جبريل في الغار لأول مرة في تاريخ بعثته، وجرى بينهما سؤال وجواب، فأصاب المصطفى صلى الله عليه وسلم من ذلك هلعٌ وذعرٌ شديد من هذا الذي ظهر له في قمة الجبل يسأله ويضمه ثم يرسله ثم يسأله، وهكذا.

فالقيمة الدينية للغار تأتي من أنه مكان أقام فيه سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم زماناً في فترات متقطعة لم تتوقف، ومن حيث إنّ الوحي جبريل بدأ أول ما بدأ في هذا الغار، وأنّ القرآن الكريم نزل أو ما نزل فيه أيضاً (2)، وأنه بهذا كله أحدث انعطافة قوية في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن بريد الوحي الإلهي جبريل منذ تلك اللحظة صار المؤنس لرسول الله صلى الله عليه وسلم والعاضد له بأمر الله صاعداً ونازلاً من السماء إلى الأرض، يتلو كتاب الله منجماً خلال ثلاثٍ وعشرين سنة بدأت بالغار في جبل النور، وانتهت بالوفاة في حجرة السيدة عائشة.

(1) هذه المعلومات مصدرها كتاب «تاريخ مكة المكرمة قديماً وحديثاً» د. محمد إلياس عبد الغني صـ 123 - 124.

(2)

في البخاري برقم (4924) عن جابر أن أول ما نزل من القرآن المدثر، وحمل العلماء ذلك على أن جابراً قال ذلك باجتهاد وليس هو من روايته، وقيل غير ذلك. انظر فتح الباري جـ 8 صـ 865.

ص: 186

روى البخاريُّ في صحيحه عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت (1):

كان أوّلُ ما بُدِئَ به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم (2) الرؤيا الصادقة في النوم (3)، فكان لا يرى رؤيا إلَّا جاءت مثل فَلَق (4) الصبح، ثم حُبِّبَ إليه الخلاء (5)، (6) فكان يلحقُ بغار حراءٍ فيتحنَّثُ فيه ـ قال: والتحنُّث: التعبُّد ـ الليالي ذواتِ العدد (7)، قبل أن يرجع إلى أهله (8)،

(1) قال الإمام ابن حجر العسقلاني: «قال النووي: هذا من مراسيل الصحابة؛ لأن عائشة لم تدرك هذه القصة فتكون سمعتها من النبي صلى الله عليه وسلم أو من صحابي» . [اهـ]. وتعقّبه من لم يفهم مراده فقال: إذا كان يجوز أنها سمعتها من النبي صلى الله عليه وسلم فكيف يجزم بأنها من المراسيل؟ !

والجواب أن مرسل الصحابي ما يرويه من الأمور التي لم يُدْرِك زمانها، بخلاف الأمور التي يدرك زمانها فإنها لا يقال إنها مرسلة، بل يحمل على أنه سمعها أو حضرها ولو لم يصرّح بذلك، ولا يختص هذا بمرسل الصحابي، بل مرسل التابعي إذا ذكر قصة لم يحضرها سميت مرسلة، ولو جاز في نفس الأمر أن يكون سمعها من الصحابي الذي وقعت له تلك القصة. وأما الأمور التي يدركها فيحمل على أنه سمعها أو حضرها لكن بشرط أن يكون سالماً من التدليس والله أعلم .. «. فتح الباري جـ 8 صـ 915.

(2)

هذا تصريح من السيدة عائشة بأن البعثة لم تبدأ من الغار، وإنما بالرؤيا الصالحة التي سبقت حادثة الغار، بل هناك تسليم الحجر عليه صلى الله عليه وسلم كان قبل ذلك أيضاً، لذلك قال في فتح الباري في الجزء والصفحة:«زاد في رواية عقيل كما تقدّم في بدء الوحي: «من الوحي» أي في أول المبتدآت من إيجاد الوحي الرؤيا، وأما مطلق ما يدل على نبوته فتقدمت له أشياء مثل تسليم الحجر كما ثبت في صحيح مسلم وغير ذلك» .. ثم قال عن رواية أخرى مرسلة:«أنه قال لخديجة بعد أن أقرأه جبريل {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ}: أرأيتُكِ الذي أحدّثك أني رأيته في المنام، فإنه جبريل استعلن» .

(3)

أي التي ليست ضغثاً ولا من تلبيس الشيطان.

(4)

في اللغة: فَلَقَ الشيء شقّه، من باب نصر وضرب، والفَلَق الصبح.

(5)

قال في فتح الباري جـ 8 صـ 916: «هذا ظاهر في أن الرؤيا الصادقة كانت قبل أن يحبّب إليه الخلاء .. » .

(6)

لخلاء المكان الخالي، ويطلق على الخَلْوة، وهو المراد هنا.

(7)

قال في فتح الباري: «وفي رواية ابن إسحاق أنه كان يعتكف شهر رمضان» .

(8)

أي خديجة وأولاده منها، فالزوجة تسمّى أهلاً، وقد ورد ذلك في حديث الإفك، ويحتمل أن يراد بذلك أقاربه أو أعم.

ص: 187

ويتزوَّد لذلك، ثم يرجع إلى خديجةَ، فيتزوَّدُ بمثلها (1)، حتى فَجِئَهُ الحقُّ وهو في غار حراء، فجاءه المَلَكُ (2) فقال: اقرأ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أنا بقارئٍ (3). قال: فأخذني فغطّني (4) حتى بلغ منّي الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلتُ: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطَّني الثانية حتى بلغ منّي الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلتُ: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطَّني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال:{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ عَمِلَتْ (5)} (5)[العلق: 1 - 5].

قالت عائشة رضي الله عنها:

«فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم تَرْجُفُ بوادرُهُ (6)، حتى دخل على خديجة فقال: زمّلوني، زمّلوني (7)، فزمّلوه حتى ذهب عنه الرَّوْعُ (8).

قال لخديجةَ: أيْ خديجةُ، ما لي لقد خَشِيْتُ على نفسي؟ فأخبرها الخبر.

(1) الضمير يعود على الليالي، أو للخلوة أو للعبادة أو للمرات السابقة.

(2)

وفي رواية: فجاءه الملك فيه أي في الغار. فتح الباري جـ 8 ص 917.

(3)

قال في فتح الباري: » وقع عند ابن إسحاق في مرسل عُبيد بن عمير أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: أتاني جبريل بنمط من ديباج فيه كتاب قال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ «.

(4)

وفي السيرة لابن إسحاق فغتّني، وهما بمعنى، والمراد غَمَّني، وكل ذلك من الخنق. انظر المرجع المذكور. أما الحكمة من ذلك فسأتعرض له بالشرح بإذن الله.

(5)

ما تبقى من السورة نزل بعد ذلك بزمن، ولم ينزل في الغار.

(6)

وفي رواية عند غير البخاري: » يرجفُ فؤاده «. انظر فتح الباري جـ 8 ص 919.

(7)

التزميل التلفيف؛ لأن العادة جرت بسكون الرعدة بالتلفيف، قال ذلك لشدة ما لحقه من هول الأمر.

(8)

هو بفتح الرّاء ومعناه الفزع. أما الذي يأتي بضم الرّاء فهو موضع الفزع في القلب.

ص: 188

قالت خديجة: كلا أبْشِرْ (1)، فوالله لا يُخْزِيكَ (2) الله أبداً، فوالله إنّك لتصلُ الرَّحِمَ، وتَصدُقُ الحديثَ، وتحملُ الكُلَّ، وتُكْسِبُ المعدومَ، وتَقْرِيْ الضيفَ، وتُعينُ على نوائب الحق.

فانطلَقت به خديجةُ حتى أتَتْ به ورقةَ بن نَوْفل، وهو ابنُ عَمِّ خديجة أخي أبيها، وكان امرءاً تنصَّرَ في الجاهلية، وكان يكتبُ الكتاب العربيَّ، ويكتبُ من الإنجيل بالعربية ما شاء الله أن يكتبَ، وكان شيخاً كبيراً قد عَمِيَ، فقالت خديجة: يا عَم، اسمع من ابن أخيك، قال ورقةُ: يا ابنَ أخي ماذا ترى؟ فأخبرهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم خبرَ ما رأى، فقال ورقةُ، هذا الناموس الذي أنزل على موسى (3)، ليتني فيها (4) جَذَعاً (5)، ليتني أكون حياً ـ ذكر حرفاً (6) ـ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟ قال ورقة: نعم، لم يأتِ رجلٌ بما جئتَ إلا أوْذيَ، وإنْ يُدْركني يومُكَ حياً أنْصُرْك نَصْرَاً مؤزَّراً.

ثم لم يَنْشَبْ ورقةُ أن تُوفّيَ وفتر الوحيُ فترة حتى حَزن رسول الله صلى الله عليه وسلم» (7).

(1) قال في فتح الباري جـ 8 صـ 919: «قوله (كلا أبشرْ) بهمزة قطع ويجوز الوصل، وأصل البشارة في الخبر. وفي مرسل عبيد بن عمير «فقالت: أبشر يا ابن عم، واثبُت، فوالذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكون نبيَّ هذه الأمة» .

(2)

الخزي الوقوع في بليّة.

(3)

قال في فتح الباري جـ 8 صـ 920» وقد تقدم في بدء الوحي «أنزل الله» ووقع في مرسل أبي ميسرة: «أبشِرْ فأنا أشهد أنك الذي بشّر به ابنُ مريم، وأنك على مثل ناموس موسى، وأنك نبيّ مرسل ستؤمر بالجهاد» وهذا أصرح ما جاء في إسلام ورقة، أخرجه ابن إسحاق .. ».

(4)

أي أيام الدعوة الإسلامية.

(5)

الجَذَع في الإنسان الشاب.

(6)

جاء هذا الحرف في رواية بدء الوحي (إذْ يخرجك قومك).

(7)

صحيح البخاري برقم (4953).

ص: 189

حادثة بدء الوحي في غار حراء هي من أهم الفصول التي ترتبط بعقيدة الإنسان المسلم؛ لأنها الأساس الذي يترتب على فهمه والإيمان به جميع الحقائق الإسلامية؛ لأنه ما من مسألة في هذا الدين تدخل في صلب العقيدة أو التشريع، من مصدر القرآن أو السنة إلَّا وهي آتية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بواسطة أمين الوحي الإلهي جبريل، ومن ثَمَّ يتمُّ تبليغها إلى الأمة.

لأجل هذا عمد من احترف غزوَ الإسلام إلى التشكيك في ظاهرة الوحي حتى يسهل عليهم نقض ما ينبني على أساسها من حقائق، ضمن تخيّلات جانحة لا توجد إلا في أوهام من ابتدعها بلا رصيد علمي، أو توثيق تاريخي فمن قائل إنّها عملية كشف تدريجي أثمرته ليالي التفكّر في حراء! ومن قائل: إنها شيء من الإلهام أو حديث النفس، أو الإشراق الروحي، أو التأملات ومن قائل غير ذلك. والنتيجة أن هناك تمحلاً عجيباً يريد صرف الأنظار إلى أيّ شيء باستثناء أن ذلك من قبيل الإخبار الإلهي بواسطة بريد أمين هو وحي السماء جبريل لماذا؟ لأنهم ببساطة منكرون للرسول والرسالة، محترفون لغزو أمتنا في أفكارها وعقيدتها، لا يروق لهم تلاحم الأمة اليوم على عقيدة الإيمان، وإنما يبهجهم أن تنفضّ الأمة عن كتابها وسنة نبيها، ضمن ردّة تسهّل عليهم قضمها وتغيير هويتها، والإجهاز على ما تبقى من روح فيها. لكن لا، فلتعلم الدنيا أن أمّة الإسلام قد يتأثر بعض أفرادها بسيل جارف من الأفكار الوافدة الهدّامة، لكن الأمة تبقى لا ترتدُّ، ولا تنهار فهي مستعصية على الذوبان. قال عليه الصلاة والسلام:«لا أخشى عليكم أن تعودوا بعدي كفاراً فإنّ الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم، ولكن أخشى عليكم الدنيا .. » .

ولما لهذا البحث من أهمية بالغة، فإني أُحيل الإجابة عليه من خلال الحديث السابق إلى أستاذنا الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي الذي يقول:

ص: 190

«ذلك أن حقيقة (الوحي) هي الفيصل الوحيد بين الإنسان الذي يفكّر من عنده، ويشرّع بواسطة رأيه وعقله، والإنسان الذي يبلّغ عن ربه دون أن يغيّر أو ينقص أو يزيد» .

«ومن أجل هذه الغاية، أخذ محترفوا الغزو الفكري، يحاولون تأويل ظاهرة الوحي، وتحريفها عما يرويه لنا المؤرخون، وتحدّث به صحاح السنة الشريفة .. » .

«ونحن حينما ننظر إلى مثل هذه التمحّلات العجيبة التي لا يرى العاقل مسوِّغاً لها إلا التهرّب من الإقرار بنبوّته عليه الصلاة والسلام، ندرك في جلاء ووضوح الحكمة الإلهية الباهرة من بدء نزول الوحي عليه صلى الله عليه وسلم بهذه الطريقة التي استعرضناها الآن في حديث الإمام البخاري.

لماذا رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل بعيني رأسه لأوّل مرة، وقد كان بالإمكان أن يكون الوحيُ من وراء حجاب؟

لماذا قذف الله في قلبه عليه الصلاة والسلام الرعبَ منه والحيرة في فهم حقيقته، وقد كان ظاهر محبة الله لرسوله وحفظه له يقتضي أن يلقي السكينة في قلبه، ويربط على فؤاده فلا يخاف ولا يرتعد؟

لماذا خشي على نفسه أن يكون هذا الذي تمثّل له في الغار آتياً من الجن، ولم يرجح على ذلك أن يكون ملكاً أميناً من عند الله؟

لماذا انفصل الوحي عنه بعد ذلك مدة طويلة، وجزع النبي صلى الله عليه وسلم بسبب ذلك جزعاً عظيماً حتى إنه كان يحاول ـ كما يروي الإمام البخاري ـ أن يتردى من شواهق الجبال؟

هذه أسئلة طبيعية بالنسبة للشكل الذي ابتدأ به الوحي، ولدى التفكير في

ص: 191

أجوبتها نجدها تنطوي على حكمة باهرة، ألا وهي أن يجد المفكر الحر فيها الحقيقة الناصعة الواقية عن الوقوع في شرك محترفي الغزو الفكري والتأثر بأخيلتهم المتكلفة الباطلة.

لقد فوجئ محمد عليه الصلاة والسلام وهو في غار حراء بجبريل أمامه يراه بعينه، وهو يقول له اقرأ، حتى يتبيَّن أن ظاهرة الوحي ليست أمراً ذاتياً داخلياً مردّه إلى حديث النفس المجرّد، وإنما هي استقبال وتلقٍّ لحقيقة خارجية لا علاقة لها بالنفس وداخل الذات.

وضَمُّ المَلَكِ إيّاه ثم إرساله ثلاث مرّات قائلاً في كل مرة: اقرأ، يعتبر تأكيداً لهذا التلقّي الخارجي ومبالغة في نفي ما قد يتصوّر، من أن الأمر لا يعدو كونه خيالاً داخلياً فقط.

ولقد داخله الخوف والرعب مما سمع ورأى، حتى إنه قطع خلوته في الغار وأسرع عائداً إلى البيت يرجف فؤاده، لكي يتضح لكل مفكّر عاقل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن متشوّفاً للرسالة التي سيُدعى إلى حملها وبثّها في العالم، وأن ظاهرة الوحي هذه لم تأتِ منسجمة أو متممة لشيء مما قد يتصوّره أو يخطر في باله، وإنما طرأتْ طروءاً مثيراً على حياته، وفوجئ بها دون أي توقّع سابق.

ولاشك أن هذا ليس شأن من يتدرج في التأمل والتفكير إلى أن تتكوّن في نفسه ـ بطريقة الكشف التدريجي المستمر ـ عقيدة يؤمن بالدعوة إليها! ..

ثم إنّ شيئاً من حالات الإلهام أو حديث النفس أو الإشراق الروحي أو التأملات العلوية، لا يستدعي الخوف والرعب وامتقاع اللون. وليس ثمة أي انسجام بين التدرج في التفكير والتأمل من ناحية، ومفاجأة الخوف والرعب من ناحية أخرى. وإلَّا لاقتضى ذلك أن يعيش عامة المفكرين والمتأملين نهباً لدفعات

ص: 192

من الرعب والخوف والمفاجئة المتلاحقة».

«أما انقطاع الوحي بعد ذلك، وتلبُّثه ستة أشهر أو أكثر، على الخلاف المعروف فيه، فينطوي على مثل المعجزة الإلهية الرائعة. إذ في ذلك أبلغ الردّ على ما يفسّر به محترفو الغزو الفكري الوحي النبوي من أنه الإشراق النفسي المنبعث لديه من طول التأمل والتكرار، وأنه أمرٌ داخلي منبعث من ذاته نفسها» .

«إن هذه الحالة التي مرّ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم تجعل مجرّد التفكير في كون الوحي إلهاماً نفسياً، ضرباً من الجنون، إذ من البداهة بمكان أن صاحب الإلهامات النفسية والتأملات الفكرية لا يمر إلهامه أو تأمّله بمثل هذه الأحوال.

إذن فإن حديث بدء الوحي على النحو الذي ورد في الحديث الثابت الصحيح، ينطوي على تهديم كل ما يحاول المشكّكون تخييله إلى الناس في أمر الوحي والنبوة التي أكرم الله بها محمداً عليه الصلاة والسلام.

وإذا تبيّن لك ذلك أدركت مدى الحكمة الإلهية العظيمة في أن تكون بداءة الوحي على النحو الذي أراده الله عز وجل» (1).

بهذه الكلمات النيّرة التي انساب بها حبر أستاذنا الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي ذَوْداً عن الأساس الذي ينبثق منه الإيمان بكل مبادئ الإسلام أصوله وفروعه، على خلفية ظاهرة الوحي التي بدأت في غار حراء، أختم فصول هذا الكتاب ولساني يلهج بحمد الله وشكره على توفيقي في البحث والتصنيف لما أمدتني العناية الإلهية بإبرازه من شرائع هذه الفريضة الشامخة شموخ الإسلام في كل حين.

(1)«فقه السيرة» ، فصل: بدء الوحي، لأستاذنا الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، مقتطفات صـ 97 - 100.

ص: 193

أتضرّع إليه سبحانه أن يرزقني حسن التمسك بآيات كتابه الجليل، وسنّة حبيبه المصطفى عليه الصلاة والسلام في كل جزئية من جزئيات الركن الخامس ما استطعت إلى ذلك سبيلاً. وأسأله سبحانه أن يغفر لي ذنبي، ويصفح عن زلاتي، وأن يتجاوز عن أيّ خطأ قد أكون تلبَّست به في هذا الكتاب، فالكمال لله وحده، والتوفيق والقبول محض فضله، وعذري أنّي عزوْتُ كل مسألة إلى مصدرها وأهلها في معظم ما دوّنته بين يدي القرّاء الكرام أمانة مني تلقيتها عن شيوخ ثقات، لا تفارقني بركة أنفاسهم ونصائحهم، لعلّ هذا وسلامة القصد يشفع لي في تقصيري، وصلى الله على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والحمدُ لله ربّ العالمين.

* * *

ص: 194