الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني صفاته، وأخلاقه
جرت العادة -غالبًا- على ذكر المؤرخين صفات العلماء الخلقية، بضم المعجمة، واللام؛ لأنها هي الميزان الذي يوزن به الإنسان، ويقاس به.
وقد عُرِف الإمام الكوراني بصفاته الحميدة، وأخلاقه المرضية، علمًا، وورعًا، وزهدًا، وعفة، ونزاهة، ودماثة أخلاق، وتواضعًا وسلامة صدر، وصراحة في الحق دون محاباة، أو مجاملة لأحد مهما كانت منزلته ومكانته، وإليك بعضًا من تلك الصفات:
1 -
عرض عليه السلطان محمد مراد خان منصب الوزارة في دولته، فاعتذر عن قبولها بما سبق ذكره.
2 -
لمّا ولاه السلطان محمد خان منصب قضاء عساكر الروم باشر الأمور بنفسه وأشرف على تنفيذها، ووضعها في مواضعها، دون الرجوع إلى السلطان، فدفع ذلك السلطان إلى عزله عن هذا المنصب بالطريقة التي سبق ذكرها.
3 -
لمّا كان قاضيًا في مدينة بروسا، وجاءه مرسوم من السلطان، وفيه مخالفة للوجه الشرعي، مزَّق المرسوم السلطاني، وأمر بضرب الخادم الذي حمله إليه، مما أدى إلى عزله وخروجه من الروم، كما تقدم.
4 -
كان يخاطب السلطان باسمه، ولا ينحني له، ولا يقبِّل يده، بل يصافحه مصافحة، وكان لا يأتي إلى السلطان يوم عيد، ولا غيره إلا إذا أرسل إليه ودعاه.
5 -
كان ينصح للسلطان محمد خان، ويقول له: إن مطعمك حرام، وملبسك حرام، فعليك بالاحتياط، واتفق في بعض الأيام أنه أكل مع السلطان محمد خان، فقال السلطان له: أنت أيها المولى أكلت -أيضًا- من الحرام، فقال الإمام شهاب الدين له: ما يليك من الطعام حرام، وما يلينى حلال، فحول السلطان الطعام. فأكل الكوراني منه، فقال السلطان له: أكلت من جانب الحرام، فقال شهاب الدين: نفد ما عندك من الحرام، وما عندي من الحلال، فلهذا حولت الطعام.
وأرسل إليه السلطان بايزيد خان الثاني (1) يوم عرفة يسأله المجيء إليه، وكان يوم مطر، فجاءه الخادم، وقال له: السلطان يسلم عليكم، ويلتمس منكم أن تشرفوه غدًا، فقال الكوراني: لا أذهب، واليوم يوم
(1) هو بايزيد خان بن محمد بن مراد بن محمد بن بايزيد، ولد سنة (855 هـ) وتولى السلطنة سنة (886 هـ)، وعظمت سلطنته، وافتتح عدة قلاع للنصارى، وخرج عليه أخوه جم، فانهزم من صاحب الترجمة لما وقع المصاف، وفر إلى بلاد النصارى، فأرسل إليه حلاقًا معه سم فما زال يتقرب إلى جم حتى اتصل به، وحلق له بسكين مسمومة، وهرب، فسرى السم، ومات جم من ذلك، وكان السطان بايزيد سلطانًا، مجاهدًا، مثاغرًا، مرابطًا، محبًّا لأهل العلم محسنًا إليهم، وتوفي سنة (918 هـ).
راجع: الشقائق النعمانية: ص/165، 226، والبدر الطالع: 1/ 161.
وحل أخاف أن يتوحل خُفّي، فذهب الخادم، فلم يلبث إلا أن جاء، وقال: سلم عليكم السلطان، وأذن لكم أن تنزلوا عن الدابة في موضع نزول السلطان، حتى لا يتوحّل خُفّكم، فذهب إليه بعد ذلك.
6 -
قيل له يومًا: إن الشيخ فلانًا يزور فلانًا، ولا يزورك. فقال العلامة الكوراني: أصاب لأن فلانًا - ويعنى المُزار- عالم عامل تجب زيارته، وأنا، وإن كنت عالمًا لكنى خالطت السلاطين، فلا تجوز زيارتي.
7 -
كان -رحمه الله تعالى- لا يحسد أحدًا من أقرانه إذا فضل عليه في المنصب، وإذا قيل له في ذلك كان يقول: المرء لا يرى عيوب نفسه، ولو لم يكن له فضل عليّ لما أعطاه الله تعالى ذلك المنصب.
8 -
قال الكوراني يومًا للسلطان محمد خان -بطريق الشكاية عنه-: إن الأمير تيمور خان (1) أرسل بريد المصلحة، وقال له: إن احتجت إلى فرس خذ فرسَ كلِّ مَن لقيته، وإن كان فرس ابني فلان، فتوجه البريد إلى
(1) هو تيمور بن طرغاى السلطان الأكبر الطاغية الأكبر الأعرج، كان ابتداء ملكه عند انقراض دولة بنى جنكيز خان، وتلاشت في جميع النواحى، ظهر هذا الطاغية بتركستان، وسمرقند، وتغلب على البلدان الإسلامية واحدة بعد الأخرى، فسفك الدماء، وهتك الأعراض وخرب البلدان، وسبى النساء والأطفال، وكان يقرب العلماء والصلحاء والشجعان والأشراف، وينزلهم منازلهم، ولكن من خالف أمره أدنى مخالفة استباح دمه، وقد هلك في سنة (807 هـ).
راجع: شذرات الذهب: 7/ 62 - 67، والبدر الطالع: 1/ 173 - 180، والضوء اللامع: 3/ 46 - 50.
ما أمر به، فلقى العلامة سعد الدين التفتازاني، وهو نازل في موضع، قاعد في خيمته، وأفراسه مربوطة قدامه، فأخذ البريد منها فرسًا، فأخبر العلامة سعد الدين بذلك، فضرب البريد ضربًا شديدًا، فغضب الأمير تيمور خان غضبًا شديدًا، ثم قال: لو كان ابنى فعل ذلك لقتلته، ولكنى كيف أقتل رجلًا ما دخلت في بلدة إلا وقد دخلها تصنيفه قبل دخول سيفى؟ ثم قال الكوراني للسلطان: إن تصانيفى تُقرأ الآن بمكة المكرمة، ولم يبلغ إليها سيفك. فقال السلطان محمد خان: نعم أيها المولى، الناس يكتبون تصانيفه، وأنت كتبت تصنيفك، وأرسلته إلى مكة المكرمة، فضحك الكوراني واستحسن هذا غاية الاستحسان.
9 -
كانت أوقاته مصروفة إلى الدرس والفتوى والتصنيف والعبادة، حكى بعض تلامذته أنه بات عنده ليلة، فلما صلى العشاء ابتدأ بقراءة القرآن من أوله، قال: وأنا نمت، ثم استيقظت، فإذا هو يقرأ، ثم نمت، فاستيقظت، فإذا هو يقرأ سورة الملك، فأتم القرآن عند طلوع الفجر، قال: سألت بعض خدامه عن ذلك، فقال: هذه عادة مستمرة له.
10 -
كان -رحمه الله تعالى- رجلًا مهيبًا طويلًا كبير اللحية، وكان يصبغها، وهذه صفته الخلقية، بفتح المعجمة وسكون اللام.
وقد ذكر هذه الصفات السابقة صاحب "الشقائق النعمانية"، ثم قال في نهايتها: ومناقبه كثيرة لا يتحمل ذكرها هذا المختصر (1).
(1) راجع: الشقائق النعمانية: ص/ 52 - 54، والبدر الطالع: 1/ 41، والفوائد البهية: ص/ 48.