المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

قوله تعالى (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره - الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور - جـ ٢

[حكمت بشير ياسين]

الفصل: قوله تعالى (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره

قوله تعالى (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون)

قال مسلم: حدثنا أبو كامل الجحدري وأبو معن زيد بن يزيد الرقاشي (واللفظ لأبي معن) قالا: حدثنا خالد بن الحارث. حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن الأسود بن العلاء، عن أبي سلمة، عن عائشة، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبد اللات والعزى". فقلت: يا رسول الله إن كنتُ لأظن حين أنزل الله: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) (9/التوبة/‌

‌33)

و (61/الصف/9) أن ذللك تاماً. قال: "إنه سيكون من ذلك ما شاء الله. ثم يبعث الله ريحا طيبة، فتوفي كل من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين أبائهم".

(الصحيح 4/2230 ح 2907 - ك الفتن وأشراط الساعة، ب لا تقوم الساعه حتى تعبد دوس ذا الخلصة) .

قال مسلم: حدثنا أبو الربيع العَتكي وقتيبة بن سعيد، كلاهما عن حمّاد بن زيد (واللفظ لقتيبة) : حدثنا حماد عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله زَوَى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ مُلكها ما زُوي لي منها، وأُعطيت الكنزين الأحمر والأبيض، وإنى سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة، وأن لا يُسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم. وإن ربي قال: يا محمد إني إذا قضيت قضاءً فإنه لا يُرد؛. وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم، يستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها -أو قال من بين أقطارها- حتى يكون بعضهم يُهلِك بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً".

(الصحيح 4/2215 ح 2889 - ك الفتن وأشراط الساعة، ب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض) .

ص: 444

قال البخاري: حدثني محمد بن الحكم، أخبرنا النضر، أخبرنا إسرائيل، أخبرنا سعد الطائي، أخبرنا مُحلٌّ بن خليفة، عن عدى بن حاتم قال: بينا أنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل، فقال:"يا عدي، هل رأيت الحيرة؟ "قلت: لم أرها، وقد أنبئتُ عنها. قال:"فإن طالتْ بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لاتخاف أحداً إلا الله -قلتُ فيما بيني وبين نفسي فأين دُعّار طيء الذين قد سعّروا البلاد؟ - ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى". قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: "كسرى بن هرمز. ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يُخرج ملءَ كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحداً يقبله منه، وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه وليس بينه وبينه ترجمان يترجم له، فيقولن: ألم أبعث إليك رسولاً فيُبلّغك؟ فيقول: بلى. فيقول: ألم أعطك مالاً وأفضل عليك؟ فيقول: بلى. فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم". قال عدي سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد شِق تمرة فبكلمة طيبة". قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، وكنتُ فيمن افتتَح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترونّ ما قال النبي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم:"يُخرج ملء كفه".

(الصحيح 6/706، 707 ح 3595 - ك المناقب، ب علامات النبوة في الإسلام) .

قال أحمد: ثنا أبو المغيرة قال: ثنا صفوان بن مسلم قال: حدثني سليم بن عامر، عن تميم الداري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام وذلاً يذل الله به الكفر". وكان تميم الدارى يقول: قد عرفت ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعز، ولقد أصاب من كان منهم كافرا الذل والصغار والجزية.

ص: 445

(المسند 4/103) ، وأخرجه أيضاً الطبراني (2/58 ح 1280)، وقال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح (مجمع الزوائد 6/14، 8/262) ، وأخرجه الحاكم (المستدرك 4/430-431) من طريق الحكم بن نافع عن صفوان به، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وتعقبهما الألباني أنه على شرط مسلم فقط وحكى عن عبد الغني المقدسي أنه قال: حديث حسن صحيح (تحذير الساجد ص 173-174) ، وله شاهد من حديث المقداد بن الأسود عند أحمد (6/4) ، وابن حبان (الإحسان 15/91-92 و93-94، ح 6699 و6701) ، والحاكم (4/430) وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وفيه من ليس من رجال الشيخين مع صحة إسناده وأورده الألباني في الصحيحة (ح /3) .

أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (ليظهره على الدين كله) قال: ليظهر الله نبيه على أمر الدين كله، فيعطيه إياه كله، ولا يخفى عليه منه شيء وكان المشركون واليهود يكرهون ذلك.

قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم)

أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي:

أما (الأحبار) فمن اليهود، وأما (الرهبان) فمن النصارى، وأما (سبيل الله) فمحمد صلى الله عليه وسلم.

قال البخاري: حدثنا الحَكم بن نافع، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد أن عبد الرحمن الأعرج حدثه أنه قال: حدثني أبو هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يكون كنز أحدكم يوم القيامة شجاعا أقرع".

(الصحيح 8/173 ك التفسير - سورة التوبة - ب (الآية) - ح 4659) .

قال البخاري: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جرير، عن حُصين، عن زيد بن وهب قال: مررتُ على أبي ذرّ بالربذة فقلت: ما أنزلك بهذه الأرض؟ قال: كنّا بالشام، فقرأت (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم) قال معاوية: ماهذه فينا، ماهذه إلا في أهل الكتاب.

قال: قلتُ: إنها لفينا وفيهم".

(الصحيح 8/173 ح 4660 -ك التفسير- سورة التوبة، ب الآية) .

ص: 446

قال مسلم: حدثني زهير بن حرب حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن الجريري، عن أبي العلاء، عن الأحنف بن قيس قال: قدمت المدينة، فبينا أنا في حلقة فيها ملأ من قريش إذ جاء رجل أخس الثياب أخس الجسد، أخس الوجه، فقام عليهم فقال: بشر الكانزين برضف يحمى عليه في نار جهنم، فيوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نفض كتفيه، ويوضع على نفض كتفيه حتى يخرج من حلمة ثدييه يتزلزل

الحديث.

(الصحيح ح 992 - ك الزكاة، ب في الكنازين للأموال

) ، وأخرجه البخاري أيضا من طريق الجريري به، (ح 1407 - ك الزكاة، ب ما أدي زكاته فليس بكنز) .

قال البخاري: حدثنا الحكم بن نافع، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد أنّ عبد الرحمن بن هرمز الأعرج حدثه أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"تأتي الإبل على صاحبها على خير ما كانت إذا هو لم يُعطِ فيها حقها، تطؤه بأخفافها، وتأتي الغنم على صاحبها على خير ما كانت إذا لم يُعط فيها حقها تطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها، قال: ومِن حقها أن تُحلب على الماء قال: ولا يأتي أحدكم يوم القيامة بشاة يحملها على رقبته لها يُعارْ فيقول: يا محمد، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد بلغت ولا يأتي ببعير يحمله على رقبته له رغاء فيقول: يا محمد، فأقول: لا أملك لك شيئاً، قد بلّغت".

(الصحيح 3/314 ح 1402 - ك الزكاة، ب إثم مانع الزكاة وقول الله تعالى (الآية) ، (وصحيح مسلم 2/684 ح 988 - ك الزكاة، ب إثم مانع الزكاة) .

قوله تعالى (يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون)

قال البخاري: وقال أحمد بن شبيب بن سعيد، حدثنا أبي، عن يونس، عن ابن شهاب، عن خالد بن أسلم قال: خرجنا مع عبد الله بن عمر فقال: هذا قبل أن تُنزل الزكاة، فلما أنزلت جعلها الله طهرا للأموال.

(الصحيح 8/175 ح 4661 -ك التفسير- سورة التوبة، ب الآية) .

ص: 447

قال مسلم: وحدثني سويد بن سعيد، حدثنا حفص (يعني ابن ميسرة الصنعاني) ، عن زيد بن أسلم، أن أبا صالح ذكوان أخبره، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما مِن صاحب ذهب ولا فضة، لا يُؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة، صُفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم فيُكوى بها جنبه وجبينة وظهره. كلّما بردت أعيدت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يُقضى بين العباد، فيُرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار". قيل: يا رسول الله فالإبل؟ قال: "ولا صاحب إبل لا يُؤدي منها حقها ومن حقها حلبها يوم وردها إلا إذا كان يوم القيامة بُطح لها بقاع قرقر أوفر ما كانت لا يفقد منها فصيلا واحداً تطؤه بأخفافها وتعضّه بأفواهها، كلما مر عليه أولاها رُدّ عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يُقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار". قيل: يا رسول الله فالبقر والغنم؟ قال: ولا صاحب بقر ولا غنم لا يُؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر لا يفقد منها شيئاً ليس فيها عقصاء ولا جلحاء ولا عضباء تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها، كلما مر عليه أولاها رُدّ عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يُقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار". قيل: يا رسول الله فالخيل؟ قال: "الخيل ثلاثة: هي لرجل وزر وهي لرجل سِتر وهي لرجل أجر؛ فأما التي هي له وزر، فرجل ربطها رياء وفخراً ونواء على أهل الإسلام، فهي له وزر، وأما التي هي له ستر، فرجل ربطها في سبيل الله ثم لم ينس حق الله في ظهورها ولا رقابها، فهي له ستر، وأما التي هي له أجر، فرجل ربطها في سبيل الله لأهل الإسلام في مرج وروضة، فما أكلت من ذلك المرج أو الروضة من شيء إلا كتب له عدد ما أكلت حسنات، وكتب له عدد أرواثها وأبوالها حسنات، ولا تقطع طِوَلها فاستنت شرفاً أو شرفين إلا كتب الله له عدد آثارها وأرواثها حسنات، ولا مر بها صاحبها على نهر فشربت منه ولا يُريد أن يسقيها إلا كتب الله له عدد ما شربت حسنات". قيل: يا رسول الله فالحمر؟ قال: ما أنزل عليّ في الحمر شيء إلا هذه الآية الفاذّة الجامعة: (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرّة شراً يره)(99/الزلزلة/الآية 7-8) .

(الصحيح 2/680-682 - ك الزكاة، ب إثم مانع الزكاة) .

ص: 448

قوله تعالى (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين)

انظر سورة البقرة آية (185) لبيان الشهر.

قال البخاري: حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد، عن ابن أبي بكرة، عن أبي بكرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم: ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان".

(الصحيح ح 4662 - ك التفسير، ب (إن عدة الشهور

) ، وأخرجه أيضاً مسلم من طريق أيوب به، (الصحيح ح 1679 - ك القسامة، ب تغليظ تحريم الدماء) .

أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم) في كلهن. ثم خص من ذلك أربعة أشهر فجعلهن حرما، وعظم حرماتهن، وجعل الذنب فيهن أعظم، والعمل الصالح والأجر أعظم.

أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي: (ذلك الدين القيم) يقول: المستقيم.

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: أما قوله (فلا تظلموا فيهن أنفسكم) فإن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزراً من الظلم فيما سواها، وإن كان الظلم علي كل حال عظيما، ولكن الله يعظم من أمره ما شاء.

أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي: (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة) أما (كافة) فجميع، وأمركم مجتمع.

أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (كافة) يقول: جميعاً.

ص: 449

قوله تعالى (إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين)

أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (إنما النسيء زيادة في الكفر) قال: النسيء: هو أن جنادة بن عوف بن أمية الكناني كان يوافي الموسم كل عام، وكان يكنى (أبا ثمامة) فينادي:"ألا إن أبا ثمامة لا يحاب ولا يعاب، ألا وإن صفر العام الأول العام حلال" فيحله الناس، فيحرم صفر عاما، ويحرم المحرم عاما، فذلك قوله تعالى (إنما النسيء زيادة في الكفر) إلى قوله (الكافرين) وقوله:(إنما النسيء زيادة في الكفر) يقول: يتركون المحرم عاما، وعاما يحرمونه. ا.هـ.

قال الطبري: وهذا التأويل من تأويل ابن عباس، يدل على صحة قراءة من قرأ (النسى) بترك الهمز وترك المد، وتوجيهه معنى الكلام إلى أنه "فَعْل" من قول القائل: نسيت الشيء أنساه. ومن قول الله (نسوا الله فنسيهم) سورة التوبة: 67. بمعنى: تركوا الله فتركهم.

أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (ليواطئوا) يشبهون.

قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة)

قال البخاري: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا يحيى، حدثنا سفيان قال: حدثني منصور، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الفتح:"لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا".

(الصحيح 6/45 ح 2825 - ك الجهاد والسير، ب وجوب النفير

) ، وأيضاً في (6/219 - ك الجهاد والسير، ب لا هجرة بعد الفتح) .

ص: 450

أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد: (مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض) أمروا بغزوة تبوك بعد الفتح، وبعد الطائف، وبعد حنين، أمروا بالنفير في الصيف، حين خرفت النخل، وطابت الثمار، واشتهوا الظلال، وشق عليهم المخرج.

قوله تعالى (فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل)

قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن إدريس. ح وحدثنا ابن نمير، حدثنا أبي ومحمد بن بِشر. ح وحدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا موسى بن أَعْين. ح وحدثني محمد بن رافع، حدثنا أبو أسامة، كلهم عن إسماعيل

ابن أبي خالد. ح وحدثني محمد بن حاتم (واللفظ له) ، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا إسماعيل حدثنا قيس، قال: سمعت مستورداً أخا بني فهر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه -وأشار يحيى بالسبابة- في اليمّ فلينظر بم ترجع؟ ".

(الصحيح 4/2193 ح 2858 - ك الجنة وصفة نعيمها وأهلها، ب فناء الدنيا

) .

قال مسلم: حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، حدثنا سليمان (يعني ابن بلال) ، عن جعفر، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ بالسوق داخلاً من بعض العالية، والناس كنفته، فمر بجدي أسَكَّ ميِّت، فتناوله فأخذ بأذنه ثم قال:"أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟ " فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال:"أتحبون أنه لكم؟ " قالوا: والله لو كان حيا، كان عيباً فيه، لأنه أسك، فكيف وهو ميت؟ فقال:"فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم".

(الصحيح 4/2272 ح 2957 - ك الزهد والرقائق) .

انظر حديث ابن ماجة عن ابن مسعود الآتي عند الآية (4) من سورة الضحى.

ص: 451

قوله تعالى (إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما

)

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قال: (إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما) استنفر الله المؤمنين في لهبان الحر في غزوة تبوك قبل الشام على ما يعلم الله من الجهد.

وتقدم عن الطبري بسنده الحسن عن أبي العالية: (أليما) موجعاً.

قوله تعالى (إلا نصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا

)

أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد: (إلا تنصروه) ذكر ما كان في أول شأنه حين بعثه يقول الله: فأنا فاعل ذلك به وناصره، كما نصرته إذ ذاك وهو ثاني اثنين.

قال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا حبّان، حدثنا همام، حدثنا ثابت، حدثنا أنس قال: حدثني أبو بكر رضي الله عنه قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار، فرأيتُ آثار المشركين، قلتُ: يا رسول الله، لو أن أحدهم رفع قدمه رآنا، قال:"ما ظنّك باثنين الله ثالثهما".

(الصحيح 8/176-177 ك التفسير - سورة التوبة، ب (الآية) ح 4663) ، (وصحيح مسلم 4/1854 ك فضائل الصحابة - ب من فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه) .

قال مسلم: حدثني سلمة بن شبيب، حدثنا الحسن بن أعين، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب يقول: جاء أبو بكر الصديق إلى أبي في منزله فاشترى منه رَحْلاً فقال لعازب: ابعث معي ابنك يحمله معي إلى منزلي. فقال لي أبي: احمله. فحملته. وخرج أبي معه ينتقد ثمنه، فقال له أبي: يا أبا بكر حدثني كيف صنعتما ليلة سريتَ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: نعم. أسرينا ليلتنا كلها حتى قام قائم الظهيرة وخلا الطريق فلا يمرّ فيه أحد حتى رُفعت لنا صخرة طويلة لها ظل لم تأت عليه الشمس بعد فنزلنا عندها فأتيت الصخرة فسوّيت بيدي مكاناً ينام فيه النبي صلى الله عليه وسلم في ظلها، ثم بسطتُ عليه فروة، ثم قلت:

ص: 452

نم يا رسول الله وأنا أنفض لك ما حولك. فنام. وخرجتُ أنفض ما حوله، فإذا أنا براعي غنم مُقبل بغنمه إلى الصخرة، يريد منها الذي أردنا، فلقيته فقلت: لمن أنت يا غلام؟ فقال: لرجل من أهل المدينة. قلتُ: أفي غنمك لبن؟ قال: نعم.

قلتُ: أفتحلب لي؟ قال: نعم. فأخذ شاة، فقلت له: انفض الضرع من الشعر والتراب والقذى (قال فرأيت البراء يضرب بيده على الأخرى ينفض) فحلب لي، في قعب معه، كثبة من لبن، قال: ومعي إداوة أرتوى فيها للنبي صلى الله عليه وسلم ليشرب منها ويتوضأ، قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، وكرهت أن أُوقظه من نومه، فوافقته استيقظ، فصببت على اللبن من الماء حتى برد أسفله، فقلت: يا رسول الله اشرب من هذا اللبن، قال: فشرب حتى رضيتُ، ثم قال:"ألم يأن للرحيل؟ " قلتُ: بلى. قال فارتحلنا بعد مازالت الشمس. واتبعنا سراقة بن مالك. قال: ونحن في جَلد من الأرض. فقلت: يا رسول الله أُتينا. فقال: "لا تحزن إن الله معنا". فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فارتطمت فرسه إلى بطنها. أُرى فقال: إني قد علمت أنكما قد دعوتما عليّ. فأدعوا لي، فالله لكما أن أرُد عنكما الطلب. فدعا الله، فنجى. فرجع لا يلقى أحداً إلا قال: قد كفيتكم ماههنا. فلا يلقى أحداً إلا ردّه. قال: ووفي لنا.

(الصحيح 4/2309 ح 2009 - ك الزهد والرقائق، ب في حديث الهجرة

) ، وأخرجه البخاري في (الصحيح ح 3615 - المناقب، علامات النبوة) .

وانظر حديث البخاري تحت الآية رقم 39 من سورة الأنفال.

قال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، قال ابن شهاب فأخبرني عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: لم أعقل أبويَّ قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار: بكرة وعشية، فلما ابتُلي المسلمون، خرج أبو بكر مهاجراً نحو أرض الحبشة، حتى بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة -وهو سيد القارة- فقال أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي فأريد أن أسيح

ص: 453

في الأرض وأعبد ربي، قال ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يَخرُج ولا يُخرَج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمِل الكَلّ، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فأنا لك جار. ارجع واعبد ربك ببلدك. فرجع، وأرتحل معه ابن الدغنة، فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يُخرج، أتخرجون رجلاً يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل ويقري الضيف، ويُعين على نوائب الحق؟ فلم تكذّب قريش بجوار ابن الدغنة، وقالوا لابن الدغنة: مرْ أبا بكر فليعبد ربه في داره، فليصل فيها وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا. فقال ذلك ابن الدغنة لأبى بكر، فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره. ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره وكان يصلى فيه ويقرأ القرآن فيتقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم وهم يعجبون منه وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلاً بكاء لا يملك عينيهِ إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدغنة، فقدِم عليهم، فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجداً بفناء داره فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فانْهَهُ، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبي إلا أن يعلن بذلك فسلْه أن يرد إليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك، ولسنا بمقرين لأبي بكر الاستعلان، قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر فقال: قد علمت الذي عاقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك وإما أن ترجع إلى ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له فقال أبو بكر: فإني أرُد إليك جِوارك، وأرضى بجوار الله عزل جل. والنبي صلى الله عليه وسلم يومئذ بمكة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين:"إني أريت دارَ هجرتكم ذات نخل بين لابتين". وهما الحرّتان. فهاجر من هاجر قِبَل المدينة، ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهزّ أبو بكر قِبَل المدينة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ص: 454

"على رسلك، فإنى أرجو أن يؤذن لي". فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال: "نعم". فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر -وهو الخبط- أربعة أشهر. قال ابن شهاب: قال عروة: قالت عائشة: فبينما نحن يوماً جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة قال قائل لأبى بكر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعا -في ساعة لم يكن يأتينا فيها- فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر.

قالت: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن، فأذن له، فدخل فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبى بكر:"أَخرِجْ مَن عندك". فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله، قال: فإني قد أذن لي في الخروج. فقال أبو بكر: الصحبة بأبي أنت يا رسول الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم". قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتيّ هاتين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بالثمن. قالت عائشة: فجهزّناهما أحثّ الجِهاز، وصنعنا لهما سُفرة في جِراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فبذلك سُميت ذات النطاق. قالت: ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل ثَور، فكَمنا فيه ثلاث ليال، يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثَقِف لَقِن، فيدلج من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمراً يُكتادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر مِنحة من غنم فيُريحها عليهما حين تذهب ساعة من العِشاء فيبيتان في رِسلٍ -وهو لَبنُ منحتهما ورضيفهما- حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغَلَس، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالى الثلاث. واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلاً من

بني الديل، وهو من بني عبد بن عدي هاديا خِرّيتا -والخريت: الماهر بالهداية- قد غمس حِلفا في آل العاص بن وائل السهمي، وهو على دين كفار قريش، فأمِناه، فدفعا اليهود راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صُبح ثلاث، وانطلق معهما عامر بن فهرة والدليل، فأخذ بهم طريق السواحل.

(الصحيح 7/271-273 ح 3905 - ك مناقب الأنصار، ب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة) .

ص: 455

قال البخاري: حدثني محمد، حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز ابن صهيب، حدثنا أنس بن مالك رضي الله عنه قال: أقبل نبيّ الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وهو مردف أبا بكر، وأبو بكر شيخ يُعرفَ، ونبي الله صلى الله عليه وسلم شاب لا يعرف، قال فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر مَن هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهدينى السبيل، قال فيحسب الحاسب أنه إنما يعني الطريق، وإنما يعني سبيل الخير. فالتفت أبو بكر فإذا هو بفارس قد لحِقهم، فقال: يا رسول الله، هذا فارس قد لحق بنا، فالتفت نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال:"اللهم اصرعْه". فصرعه الفرس، ثم قامت تحمحم، فقال: يا نبي الله مرني بما شئت. قال: فقف مكانك، لا تتركنّ أحداً يلحق بنا. قال: فكان أول النهار جاهداً على نبي الله صلى الله عليه وسلم، وكان آخر النهار مَسْلحة له. فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم جانب الحرّة، ثم بعث إلى الأنصار فجاءوا إلى نبيّ الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر فسلّموا عليهما وقالوا: اركبا آمنين مطاعين. فركب نبي الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وحفوا دونهما بالسلاح، فقيل في المدينة: جاء نبي الله، جاء نبي الله صلى الله عليه وسلم، فأشرفوا ينظرون ويقولون: جاء نبي الله. فأقبل يسير حتى نزل جانب دار أبي أيوب، فإنه ليحدّث أهله إذ سمع به عبد الله بن سلام وهو في نخل لأهله يخترف لهم، فعجِل أن يضع الذي يخترف لهم فيها، فجاء وهي معه، فسمع من نبي الله صلى الله عليه وسلم ثم رجع إلى أهله، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: أي بيوت أهلنا أقرب؟ فقال أبو أيوب: أنا يا نبي الله، هذه داري وهذا بابي. قال: فانطلق فهيء لنا مقيلاً. قال: قوما على بركة الله. فلما جاء نبي الله صلى الله عليه وسلم جاء عبد الله بن سلام فقال: أشهد أنك رسول الله، وأنك جئت بحق، وقد علمتْ يهودُ أني سيدهم وابن سيدهم وأعلمهم وابن أعلمهم، فادعُهم فاسألهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت، فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت قالوا فيَّ ماليس فيّ، فأرسل نبي الله صلى الله عليه وسلم فأقبلوا فدخلوا عليه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا معشر اليهود، ويلكم اتقوا الله، فو الله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني

ص: 456

رسول الله حقا، وأنى جئتكم بحق، فأسلموا. قالوا: ما نعلمه -قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم قالها ثلاث مرار- قال: فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ قالوا: ذاك سيدنا، وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا، قال: أفرأيتم إن أسلم؟ قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم. قال: أفرأيتم إن أسلم؟ قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم. قال: أفرأيتم إن أسلم؟ قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم. قال: يا ابن سلام أخرج عليهم، فخرج، فقال: يا معشر اليهود اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله، وأنه جاء بحق. فقالوا: كذبت، فأخرجهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(الصحيح 7/293-294 ح 3911 - ك مناقب الأنصار، ب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينه) .

قوله تعالى (فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلي وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم)

قال البخاري: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء رضي الله عنه قال: بينما رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ، وفرس له مربوط في الدار، فجعل ينفر، فخرج الرجل فنظر فلم ير شيئاً، وجعل ينفر، فلما أصبح ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال:"تلك السكينة تنزلت بالقرآن".

(الصحيح 8/451 ح 4839 - ك التفسير، ب (هو الذي أنزل السكينة) . وأخرجه البخاري (9/716 ح 3614 - ك المناقب، ب علامات النبوة في الإسلام) ، ومسلم (الصحيح 1/547 ح 795 - ك صلاة المسافرين، ب نزول السكينة لقراءة القرآن) كلاهما من طريق شعبة، عن أبي إسحاق به، وفيه أن القاريء كان يقرأ سورة الكهف.

اخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (وجعل كلمة الذين كفروا السفلي) وهى الشرك بالله (وكلمة الله هي العليا) وهى: لا إله إلا الله.

قوله تعالى (انفروا خِفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون)

قال الشيخ الشنقيطي: لا يخفى ما في هذه الآية من التشديد في الخروج إلى الجهاد علي كل حال، ولكنه تعالى بين رفع هذا التشديد بقوله (ليس على

ص: 457

الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج) الآية؛ فهي ناسخة لها.

قال البخاري: حدثنا إسماعيل، حدثني مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا يُخرجه إلا الجهاد في سبيله وتصديق كلماته بأن يُدخله الجنة، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة".

(الصحيح 13/450 ع 7457 - ك التوحيد، ب قوله تعالى (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين) .

وأخرجه مسلم في (الصحيح 3/1495 ح 1876 - ك الإمارة، ب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله) .

قال ابن حبان: أخبرنا أبو يعلى، حدثنا عبد الرحمن بن سلام الجمحي، حدثنا حمّاد بن سلمة، عن ثابت عن أنس أن أبا طلحة قرأ سورة براءة، فأتى على هذه الآية (انفروا خفافا وثقالا) فقال: ألا أرى ربّي يستنفرني شابا وشيخا، جهّزوني، فقال له بنوه: قد غزوتَ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قُبض، وغزوت مع أبي بكر حتى مات، وغزوت مع عمر فنحن نغزو عنك، فقال: جهّزوني، فجهّزوه وركب البحر، فمات، فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد سبعة أيام، فلم يتغيّر.

(الإحسان 16/152 - ك إخباره صلى الله عليه وسلم عن مناقب الصحابة) ، وأخرجه الحاكم في (المستدرك 3/353) من طريق ابن المبارك عن حماد بن سلمه به، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وسكت الذهبي. وأورده الهيثمي في (مجمع الزوائد 9/312-313) وعزاه إلى أبي يعلى والطبراني وقال: رجاله رجال الصحيح.

وانظر حديث البخاري أيضاً تحت الآية رقم (191) من سورة البقرة.

وانظر حديث أبي هريرة المتقدم عند الآية 216 من سورة البقرة.

أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد: (انفروا خفافا وثقالا) قال: شبابا وشيوخا، وأغنياء ومساكين.

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (خفافا وثقالا) قال: نِشاطا وغير نِشاط.

ص: 458

قوله تعالى (لو كان عرضاً قريباً وسفراً قاصداً لا تبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون)

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (لو كان عرضا قريبا) إلى قوله (لكاذبون) إنهم يستطيعون الخروج، ولكن كان تبطئة من عند أنفسهم والشيطان، وزهادة في الخير.

قوله تعالى (عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين)

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا) الآية، عاتبه كما تسمعون، ثم أنزل الله التي في (سورة النور) فرخص له أن يأذن لهم إن شاء فقال:(فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم) سورة النور: 26، فجعله الله رخصة في ذلك من ذلك.

قوله تعالى (لا يستئذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين إنما يستئذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون)

قال أبو داود: حدثنا أحمد بن ثابت المروزي، حدثني علي بن حسين، عن أبيه عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال:(لا يستئذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر) الآية، نسختها التي في النور (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله) إلى قوله (غفور رحيم) .

(السنن ح 2771 - ك الجهاد، ب في الإذن في القفول بعد النهي) ومن طريق أبي داوود وأخرجه البيهقي في (السنن الكبرى 9/173-174) وابن الجوزي في (نواسخ القرآن ص 367-368) ، وحسنه الألباني في صحيح أبي داوود (2/533، ح 249) .

ص: 459

أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله) ، فهذا تعيير للمنافقين حين استأذنوا في القعود عن الجهاد من غير عذر، وعذر الله المؤمنين فقال:(لم يذهبوا حتي يستأذنوه) سورة النور: 26.

قوله تعالى (لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين)

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (ولأوضعوا خلالكم) يقول: ولأوضعوا بينكم، خلالكم، بالفتنة.

أخرج آدم بسنده الصحيح عن مجاهد: (وفيكم سماعون) يحدثون أحاديثكم، عيون غير منافقين.

قوله تعالى (لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون)

قال ابن كثير: يقول تعالى محرضاً لنبيه عليه السلام على المنافقين (لقد ابتغوا

الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور) أي: لقد أعملوا فكرهم وأجالوا آراءهم في كيدك وكيد أصحابك وخذلان دينك وإحماله مدة طويلة، وذلك أول مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة؛ رمته العرب عن قوسٍ واحدة، وحاربته يهود المدينة ومنافقوها، فلما نصره الله يوم بدر وأعلى كلمته، قال عبد الله بن أبي وأصحابه: هذا أمر قد توجه. فدخلوا في الإسلام ظاهراً. ثم كلما أعز الله الإسلام وأهله غاظهم ذلك وساءهم.

قوله تعالى (ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا)

أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني) يقول: ائذن لي ولا تحرجني (ألا في الفتنة سقطوا) يعني: في الحرج سقطوا.

ص: 460

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتاده: (ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني) ولا تؤثمني، ألا في الإثم سقطوا.

قوله تعالى (إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون)

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (إن تصبك حسنة تسؤهم) إن كان فتح للمسلمين، كبر ذلك عليهم وساءهم.

أخرج آدم بسنده الصحيح عن مجاهد: (قد أخذنا أمرنا من قبل) حذرنا.

قوله تعالى (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون)

قال أحمد: ثنا هيثم قال: ثنا أبو الربيع، عن يونس، عن أبي إدريس، عن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لكل شيء حقيقة وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه".

(المسند 6/441-442) ، وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة وعزاه الهيثمي لأحمد والطبراني، وقال: رجاله ثقات (مجمع الزوائد 7/197) ، وصححه الألباني في (ظلال الجنة) ، وله شواهد (انظر الصحيحة 2439، والسنة ح 111 و245) .

وانظر سورة الحديد آية (23) ، قول ابن عباس وقتادة.

قال الترمذي: حدثنا أحمد بن محمد بن موسى، أخبرنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا ليث بن سعد وابن لهيعة، عن قيس بن الحجاج قال. ح وحدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، أخبرنا أبو الوليد، حدثنا ليث بن سعد، حدثني قيس بن الحجاج المعنى واحدٌ عن حَنَش الصنعاني عن ابن عباس قال: كنت خلْفَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً، فقال:"يا غلام إني أعلّمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسئل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله. واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأفلام وجفّت الصُحُف".

(السنن 4/667 ح 2516 - ك صفة القيامة، ب 59)، وأخرجه أحمد (المسند ح 2669) عن يونس عن ليث به. قال الترمذي: حسن صحيح وقال محقق المسند: إسناده صحيح. وقال الألباني: صحيح (صحيح الترمذي ح 2043) .

ص: 461

قوله تعالى (قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين)

انظر حديث البخاري عن أبي هريرة المتقدم عند الآية (216) من سورة البقرة، وعند الآية (41) من سورة التوبة، وهو حديث: "تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه إلا الجهاد في سبيله

بأن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة".

أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين) يقول: فتح أو شهادة، القتل فهي الشهادة والحياة والرزق، وإما يخزيكم بأيدينا.

قوله تعالى (فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون)

قال ابن كثير: يقول تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه: (فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم) كما قال تعالى (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى) سورة طه: 31.

وقال (أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون) سورة النور آية: 55، 56.

وانظر سورة المنافقون آية (4) .

قوله تعالى (لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلاً لّولّوا إليه وهم يجمحون)

أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (لو يجدون ملجأ)(الملجأ) الحرز في الجبال (والمغارات) الغيران في الجبال.

قوله: (أو مدخلا) و (المدخل) السرب.

قوله تعالى (ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون)

قال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا هشام، أخبرنا معمر، عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي سعيد قال: بينا النبي صلى الله عليه وسلم يقسم جاء عبد الله بن

ص: 462

ذي الخويصرة التميمي فقال: اعدِل يا رسول الله، فقال: ويلك، ومن يعدِل إذا لم أعدل؟ قال عمر بن الخطاب: دعني أضرب عنقه. قال: دعه فإنّ له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاته وصيامه مع صيامه، يمرُقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، يُنظر في قُذَذِه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر في نضيّه فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والندم. آيتهم رجلٌ إحدى يديه -أو قال ثدييه- مثل ثدي المرأة، أو قال: مثل البضْعة تَدَردَرُ يخرجون على حين فرقة من الناس.

قال أبو سعيد: أشهد سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم، وأشهد أن عليا قتلهم وأنا معه، جيء بالرجل عَلى النعت الذي نعته النبي صلى الله عليه وسلم. قال: فنزلت فيه (ومنهم من يلمزك في الصدقات) .

(الصحيح 12/303 ح 6933 - ك استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، ب من ترك قتال الخوارج

) .

قوله تعالى (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم)

قال البخاري: حدثنا معاذ بن فضالة، حدثنا هشام، عن يحيى، عن هلال بن أبي ميمونة، حدثنا عطاء بن يسار أنه سمع أبا سعيد الخدري رضي الله عنه يُحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس ذات يوم على المنبر وجلسنا حوله فقال:"إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يُفتح عميكم من زهرة الدنيا وزينتها". فقال رجل: يا رسول الله، أوَ يأتي الخيرُ بالشر؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم. فقيل له: ما شأنك تُكلّم النبي صلى الله عليه وسلم ولا يُكلمك؟ فرأينا أنه يُنزل عليه. قال: فمسح عنه الرُّحضاء فقال: "أين السائل؟ "-وكأنه حمِده- فقال: "إنه لا يأتي الخيرُ بالشر، وإن مما يُنبت الربيع يَقتل أو يُلمُّ، إلا آكلة الخضراء، أكلتْ حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت عين الشمس فثلطت وبالت ورتعت. وإن هذا المال خضرة حلوة، فنِعم صاحب

ص: 463

المسلم ما أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل - أو كما قال النبي (وإنه من يأخذه بغير حقّه كالذي يأكل ولا يشبع، ويكون شهيدا عليه يوم القيامة) .

(الصحيح 3/383-384 - ح 1465 - ك الزكاة، ب الصدقة على اليتامى) ، أخرجه مسلم في (الصحيح 2/728-729 ح 1052 - ك الزكاة، ب تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا) .

قال أبو داود: حدثنا عباد بن موسى الأنباري الختلي، ثنا إبراهيم -يعني ابن سعد- قال: أخبرني أبي، عن ريحان بن يزيد، عن عبد الله بن عَمْرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سويِّ".

(السنن 2/118 ح 1634 - ك الزكاة، ب من يعطي من الصدقة؟

) ، وأخرجه الترمذي (السنن 3/33 ح 652 - ك الزكاة، ب ما جاء من لا تحل له الصدقة) من طريق: أبي داود الطيالسي وعبد الرزاق. وأحمد (المسند ح 2036) من طريق وكيع، كلهم عن سفيان الثوري، عن سعد بن إبراهيم، عن ريحان بن يزيد به. قال الترمذي: حديث حسن، وأخرجه الحاكم من طريق إبراهيم بن سعد به وسكت عليه هو والذهبي (المستدرك 1/407) وقال الألباني: صحيح (صحيح الترمذي ح 527 - وصحيح الجامع ح 7128) ، وصححه أيضاً محقق المسند.

قال أبو داود: حدثنا مسدد، ثنا عيسى بن يونس، ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار، قال: أخبرني رجلان أنهما أتيا النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وهو يقسم الصدقة، فسألاه منها، فرفع فينا البصر وخفضه، فرآنا جلدين، فقال:"إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لِغَنِيٍّ ولا لقويٍّ مُكتسب".

(السنن 2/118 ح 1633 - ك الزكاة، ب من يعطى من الصدقة؟..) ، وأخرجه النسائي (السنن 5/99-100 - ك الزكاة، ب مسألة القوي المكتسب) ، وأحمد (المسند 4/224) كلاهما من طريق يحيى بن سعيد، عن هشام بن عروة به. قال ابن كثير: إسناد جيد قوي (التفسير 4/106) . قال ابن عبد الهادي في التنقيح (2/1522) وهو حديث إسناده صحيح، ورواته ثقات، قال الإمام أحمد: ما أجوده من حديث، هو أحسنها إسناداً وصححه الألباني أيضاً في (الإرواء 3/381 ح 876) .

انظر حديث مسلم عن أبي هريرة المتقدم عند الآية (273) من سورة البقرة.

قال الطبري بعد أن ساق عدة أقوال في المسكين: وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال: "الفقير" هو ذو الفقر والحاجة، ومع حاجته يتعفف عن مسألة الناس والتذلل لهم، في هذا الموضع و"المسكين" هو المحتاج المتذلل للناس بمسألتهم.

ص: 464

قال مسلم: حدثني عبد الله بن محمد بن أسماء الضبعي، حدثنا جويرية، عن مالك، عن الزهري؛ أن عبد الله بن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب حدثه أن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث حدثه قال: اجتمع ربيعة بن الحارث والعباس بن عبد المطلب فقالا: والله لو بعثنا هذين الغلامين (قالا لي وللفضل بن عباس) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلّماه، فأمّرهما على هذه الصدقات، فأدّيا ما يُؤدّي الناس، وأصابا مما يصيب الناس. قال: فبينما هما في ذلك جاء علي بن أبي طالب، فوقف عليهما، فذكرا له ذلك. فقال علي بن أبي طالب: لا تفعلا.

فوالله ما هو بفاعل. فانتحاه ربيعة بن الحارث فقال: والله ما تصنع هذا إلا نفاسةً منك علينا، فوالله لقد نلت صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فما نفسناه عليك. قال علي: أرسلوهما، فانطلقا. واضطجع علي. قال: فلما صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر سبقناه إلى الحُجرة، فقمنا عندها، حتى جاء فأخذ بآذاننا، ثم قال:"أخرجا ما تُصرِّران" ثم دخل ودخلنا عليه، وهو يومئذ عند زينب بنت جحش قال: فتواكلنا الكلام، ثم تكلم أحدنا فقال: يا رسول الله أنت أبرّ الناس، وأوصل الناس، وقد بلغنا النكاح، فجئنا لتُؤمِّرنا على بعض هذه الصدقات، فنؤدي إليك كما يُؤدي الناس، ونصيب كما يصيبون. قال: فسكت طويلاً حتى أردنا أن نُكلّمه، قال: وجعلت زينب تُلمع علينا من وراء الحجاب أن لا تُكلماه. قال: ثم قال: "إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس، ادعوا لي محمية (وكان على الخمس) ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب". قال: فجاءاه.

فقال لمحمية: "أنكح هذا الغلام ابنتك"(للفضل بن عباس) فأنكَحَه. وقال لنوفل بن الحارث: "أنكحْ هذا الغلام ابنتك"(لي) فأنكحني. وقال لمحمية: "أصدِقْ عنهما من الخُمُس كذا وكذا".

قال الزهري: ولم يُسمّه لي.

(الصحيح 2/752-753 ح 1072 - ك الزكاة، ب ترك استعمال آل النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة) .

ص: 465

أخرج عبد الرزاق عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لعامل عليها، أو رجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غاز في سبيل الله، أو مسكين تصدق عليه منها فأهدى منها لغني".

(المصنف: 4/109، ح 7151) ومن طريق عبد الرزاق أخرجه أحمد في مسنده (3/56) ، وأبو داود (ك الزكاة، ب من يجوز له أخذ الصدقة وهو غني، ح 3636) ، وابن ماجة (ك الزكاة، ب من تحل له الصدقة، ح 1841) ، وابن الجارود في (المنتقى ح 365) ، وابن خزيمة في (صحيحه ح 2374) ، والحاكم في المستدرك (1/407-408) ، وغيرهم، وقال الحاكم:(هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه لإرسال مالك بن أنس إياه عن زيد بن أسلم)، وأقره الذهبي على تصحيحه على شرطهما. قال الحافظ: وصحيحه جماعة (التلخيص الحبير 3/111) ، وصححه الألباني في إرواء الغليل (3/377، رقم 870) .

قال أبو داود: حدثنا محمد بن إبراهيم الأسباطي، ثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رافع ابن خديج، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "العامل على الصدقة بالحق كالغازي في سبيل الله حتى يرجع إلى بيته".

(السنن 3/132 ح 2936 - ك الخراج والإمارة والفيء، ب في السعاية على الصدقة) ، وأخرجه الترمذي (السنن 3/28 ح 645 - ك الزكاة، ب ما جاء في العامل على الصدقة بالحق) ، من طريق أحمد بن خالد. وابن ماجة (السنن 1/578 ح 1809 - ك الزكاة، ب ما جاء في عمال الصدقة) من طريق: عبدة بن سليمان، ومحمد بن فضيل، ويونس بن بكير، وأحمد (المسند 4/143) من طريق يعقوب عن أبيه، كلهم عن ابن إسحاق به. قال الترمذي: حسن صحيح. وصرح ابن إسحاق بالتحديث عند أحمد وأخرجه ابن خزيمة (4/51 ح 2334) والحاكم في المستدرك (1/406) كلاهما من طريق أحمد بن خالد الوهبي به، وقال حديث صحيح على شرط مسلم، وأقره الذهبي. وقال الألباني: صحيح (صحيح ابن ماجة ح 3996) .

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (والعاملين عليها) قال: جباتها، الذين يجمعونها ويسعون فيها.

ص: 466

قال البخاري: حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إني أُعطي قريشاً أتألّفهم، لأنهم حديث عهد بجاهلية".

(الصحيح 6/288 ح 3146 - ك فرض الخمس، ب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطى المؤلفة قلوبهم) .

وأخرجه مسلم في (الصحيح 2/735 ح 133 (1059) - ك الزكاة، ب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام) .

قال البخاري: حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن أبيه، عن أبي نُعم، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: بعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم بشيء، فقسمه بين أربعة وقال: أتألفهم. فقال رجل: ما عَدَلتَ، فقال: يخرج من ضئضئ هذا قوم يمرقون من الذين".

(الصحيح 8/181 ح 4667 - ك التفسير - سورة التوبة، في الآية) ، وأخرجه مسلم مطولا من طريق عبد الرحمن بن أبي أنعم عن أبي سعيد (الصحيح 2/7410 ح 1064 - ك الزكاة، ب ذكر الخوارج وصفاتهم) .

قال مسلم: وحدثني أبو الطاهر، أحمد بن عمرو بن سرحٍ، أخبرنا عبد الله ابن وهب، أخبرني يونس عن ابن شهاب قال: غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة الفتح، فتح مكة، تم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه من المسلمين، فاقتتلوا بحني، فنصر الله دينه والمسلمين، وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ صفوان بن أمية مائة من النعم، ثم مائة، ثم مائة.

قال ابن شهاب: حدثني سعيد بن المسيب؛ أن صفوان قال: والله لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إليّ، فما برح يعطني حتى إنه لأحب الناس إليّ.

(الصحيح 4/1806 ح 2313 - ك الفضائل، ب ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط فقال: لا) .

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: وأما (المؤلفة قلوبهم) فأناس من الأعراب ومن غيرهم، كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يتألفهم بالعطية كيما يؤمنوا.

انظر حديث الترمذي عن أبي هريرة الآتي عند الآية (32) من سورة النور.

ص: 467

قال الطبري: حدثني أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا معقل ابن عبيد الله قال، سألت الزهري عن قوله:(وفي الرقاب) قال: المكاتبون.

وانظر سورة البقرة آية (177) لبيان الرقاب.

قوله تعالى (والغارمين)

قال مسلم: حدثنا يحيى بن يحيى وقتيبة بن سعيد، كلاهما عن حماد بن زيد، قال يحيى: أخبرنا حماد بن زيد عن هارون بن رياب، حدثني كنانة بن نعيم العدوي عن قبيصة بن مخارق الهلالي قال: تحمّلت حمالة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله فيها، فقال:"أقم حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها". قال: ثم قال: "يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجلٍ تحمّل حمالةٌ فحلّت له المسألة حتى يُصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلّت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش (أو قال سِداداً من عيش) ، ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحِجا من قومه: لقد أصابت فلانا فاقة، فحلّت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش (أو قال سداداً من عيش) فما سواهنّ من المسألة يا قبيصة سُحتاً يأكلها صاحبها سُحتاً".

(الصحيح 2/722 ح 109) ك الزكاة، ب من تحل له المسألة) .

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: أما (الغارمون) فقوم غرّقتهم الديون في غير إملاق، ولا تبذير ولا فساد.

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (وابن السبيل) الضيف، جعل له فيها حق.

وانظر سورة البقرة آية (177) لبيان ابن السبيل.

ص: 468

قوله تعالى (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم)

قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن العباس مولى بني هاشم، حدثنا محمد بن عمرو زنيج، حدثنا سلمة، حدثني محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان نبتل بن الحارث يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجلس اليهود فيسمع منه، ثم ينقل حديثه إلى المنافقين، فأنزل الله فيه:(ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن) .

وأخرجه الطبري بهذا الإسناد عن ابن إسحاق من قوله. وإسناد ابن أبي حاتم هذا حسن، تقدم الكلام عيه عند الآية (113) من سورة آل عمران وتقدم في المقدمة.

أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن) يسمع من كل أحد.

أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين) يعني: يؤمن بالله ويصدق المؤمنين.

قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم) صرح تعالى في هذه الآية الكريمة، بأن من يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم له العذاب الأليم. وذكر في (الأحزاب) أنه ملعون في الدنيا والآخرة، وأن له العذاب المهين، وذلك في قوله:(إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا) .

قوله تعالى (ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فإن له نار جهنم خالداً فيها ذلك الخزي العظيم)

انظر سورة المجادلة آية (5) .

قوله تعالى (يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون)

قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة) إلى قوله: (ما تحذرون) صرح في هذه الآية الكريمة بأن المنافقين يحذرون أن ينزل الله سورة تفضحهم وتبين ما تنطوي عليه ضمائرهم من الخبث. ثم بين أنه

ص: 469

مخرج ما كانوا يحذرونه، وذكر في موضع آخر أنه فاعل ذلك، وهو قوله تعالى (أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم) إلى قوله:(ولتعرفنهم في لحن القول) ، وبين في موضع آخر شدة خوفهم، وهو قوله:(يحسبون كل صيحة عليهم) .

أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد: (يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة) قال يقولون القول بينهم، ثم يقولون: عسى الله أن لا يفشي سرنا علينا.

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قال: كانت تسمى هذه السورة: (الفاضحة) فاضحة المنافقين.

قوله تعالى (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون)

قال الطبري: حدثنا علي بن داود قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنا الليث قال، حدثني هشام بن سعيد، عن زيد بن أسلم: أن رجلاً من المنافقين قال لعوف بن مالك في غزوة تبوك: ما لقرائنا هؤلاء، أرغبنا بطوناً وأكذبنا ألسنة، وأجبننا عند اللقاء؟ فقال له عوف: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهب عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه، قال زيد: قال عبد الله بن عمر: فنظرت إليه متعلقاً بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم تنكبه الحجارة، يقول:"إنما كنا نخوض ونلعب". فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم: "أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون"؟ ما يزيده.

(التفسير 14/333 ح 16911، وأخرجه أيضاً ح 16912) ، وابن أبي حاتم (التفسير - التوبة/65 ح 1307) كلاهما من يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن هشام بن سعد به. وصحح إسناده محمود شاكر في حاشية الطبري. وقال مقبل الوادعي: رجاله رجال الصحيح إلا هشام ابن سعد فلم يخرج له مسلم إلا في الشواهد كما في الميزان (الصحيح المسند من أسباب النزول ص78) وله شاهد من حديث كعب بن مالك، أخرجه ابن أبي حاتم (التفسير ح 1306) من طريق عبد الرحمن ابن كعب، عن أبيه قال محققه: إسناده حسن) .

ص: 470

قوله تعالى (المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون)

انظر سورة البقرة آية (10-14-205) ، وسورة النساء آية (145) .

أخرج آدم بسنده الصحيح عن مجاهد في قول الله: (ويقبضون أيديهم) قال: لا يبسطونها بنفقة في حق.

أخرج الطبري بسنده الحسن قتادة قوله: (نسوا الله فنسيهم) نسوا من الخير، ولم ينسوا من الشر.

قوله تعالى (كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالاً وأولاداً فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا

)

قال الطبري: حدثنا محمد بن الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن:(فاستمتعوا بخلاقهم) قال بدينهم.

وسنده صحيح.

قال البخاري: حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا غسان قال: حدثني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لتتبعنّ سَننَ من كان قبلكم شبراً بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو سلكوا جُحر ضبّ لسلكتموه". قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال:"فمن".

(الصحيح 6/571 ح 3456 - ك أحاديث الأنبياء، ب ما ذكر عن بني إسرائيل) ، وأخرجه مسلم الصحيح 4/2054 ح 2669 - ك العلم، ب اتباع سنن اليهود والنصارى) .

قوله تعالى (ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون)

أخرج الطبري بسنده الصحيح عن قتادة: (والمؤتفكات) قال: قوم لوط، انقلبت بهم أرضهم فجعل عاليها سافلها.

ص: 471

قوله تعالى (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم)

قال البخاري: حدثنا أبو نعيم، حدثنا زكريا، عن عامر قال: سمعته يقول: سمعت النعمان بن بشير يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى عُضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى".

(الصحيح 10/452 ح 6011 - ك الأدب، ب رحمة الناس والبهائم) ، وأخرجه مسلم (الصحيح 4/1999 ح 2586 - ك البر والصلة، ب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم) .

وانظر حديث البخاري عن أبي موسى الآتي عند الآية (29) من سورة الفتح.

وانظر حديث أحمد عن جرير المتقدم تحت الآية (72) من سورة الأنفال.

أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (ويقيمون الصلاة) قال: الصلوات الخمس.

قوله تعالى (وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار)

قال البخاري: حدثنا عبد الله بن مسلمة، حدثنا عبد العزيز، عن أبيه، عن سهل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن أهل الجنة ليتراءون الغرف في الجنة كما تتراءون الكوكب في السماء".

(الصحيح 11/424 ح 6555 - ك الرقاق، ب صفة الجنة والنار) ، وأخرجه مسلم (الصحيح 4/2177 ح 2831 - ك الجنة وصفة نعيمها، ب ترائي أهل الجنة الغرف

) .

قال أحمد: ثنا عبد الرزاق، أنا معمر عن يحيى بن أبي كثير، عن ابن معانق أو أبي معانق، عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن في الجنة

ص: 472

غرفة يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها أعدها الله لمن أطعم الطعام وألان الكلام وتابع الصيام وصلى والناس نيام".

(المسند 5/343)، وأخرجه ابن حبان (الإحسان 2/262 ح 509) من طريق عباس بن عبد العظيم عن عبد الرزاق به. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن معانق ووثقه ابن حبان (مجمع الزوائد 10/420)، وأخرجه الحاكم (المستدرك 1/321) من طريق أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو به. وعزاه الهيثمي للطبراني في الكبير وقال: رجاله ثقات (مجمع الزاوئد 2/254) . وأشار إليه ابن كثير وقال عن إسناده: جيد حسن (التفسير 4/117) ، وأخرجه الحاكم في المستدرك (1/808 و321) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً، وقال الحاكم في الموضع الأول: حديث صحيح على شرط الشيخين. وقال في الموضع الثاني: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في كليهما) . وقال المنذري في الترغيب (1/424) : رواه الطبراني في الكبير بإسناد حسن. وحسن الألباني كلا من الحديثين في موضع من صحيح الترغيب (ح 938 و939) وصححهما في موضع آخر (ح 613 و614) .

انظر حديث مسلم عن أبي سعيد المتقدم عند الآية 95-96 من سورة النساء.

وانظر حديث مسلم عن أبي هريرة المتقدم عند الآية 21 من السورة نفسها.

انظر حديث ابن أبي حاتم عن أبي هريرة المتقدم عند الآية (133) من سورة آل عمران وهو حديث: وصف بناء الجنة، وقوله صلى الله عليه وسلم: "لبنة من فضة ولبنة من ذهب

".

قال الطبري: حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى قالا: حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان وشعبة، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله، في قوله:(جنات عدن) قال: بطنان الجنة، قال ابن بشار في حديثه، فقلت: ما بطنانها؟ وقال ابن المثنى في حديثه، فقلت للأعمش: ما بطنان الجنة؟ قال: وسطها.

قوله تعالى (ورضوان من الله أكبر)

انظر حديث البخاري ومسلم عن أبي سعيد المتقدم تحت الآية رقم (15) من سورة آل عمران.

ص: 473

قوله تعالى (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم)

أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم) فأمره الله بجهاد الكفار بالسيف، والمنافقين باللسان، وأذهب الرفق عنهم.

قوله تعالى (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله)

انظر حديث الحاكم عن ابن عباس الآتي عند الآية 18 من سورة المجادلة.

قال الشيخ الشنقيطي: صرح في هذه الآية الكريمة: أن المنافقين ما وجدوا شيئاً ينقمونه أي: يعيبونه وينتقدونه إلا أن الله تفضل عليهم فأغناهم بما فتح الله على نبيه صلى الله عليه وسلم من الخير والبركة. والمعنى أنه لا يوجد شيء يحتمل أن يعاب أو ينتقم بوجه من الوجوه، والآية كقوله:(وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد) . وقوله (وما تنقمون منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا) . وقوله (الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله) .

قوله تعالى (ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون)

انظر سورة آل عمران آية (180) ، وسورة النساء آية (37) .

قال البخاري: حدثنا سليمان أبو الربيع قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر قال: حدثنا نافع بن مالك بن أبي عامر أبو سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان".

(الصحيح 1/111 ح 33 - ك الإيمان، ب علامة المنافق) ، وأخرجه مسلم في (الصحيح 1/78-79 ح 59 - ك الإيمان، ب بيان خصال المنافق)، وزاد في بعض رواياته:"وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم".

ص: 474