الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الدفعة في وجه ضرب القرعة
تأليف محمد بن علي الشوكاني
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين، وآله الطاهرين وبعد:
فإنه لما وقف سيدي العلامة فخر الدين عبد الله بن عيسى بن محمد بن الحسين (1) - عافاه الله وكثر فوائده- على جوابي على رسالته الذي سميته " اللمعة في الاعتداد بإدراك الركعة من الجمعة " أرسل ببحث سماه ضرب القرعة في شرطية خطبة الجمعة فمن أحب تحقيق الحق، فمن أحب تحقيق الحق، والوقوف على ما يجب اعتماده، فلينظر أولا في رسالته التي سماها إشراق الطلعة (2) ثم في جوابي عليها، ففي النظر في الأصل، والجواب ما يرفع الحجاب ويوضح الحق، وأنا أتكلم هاهنا على أبحاث من كلامه في رسالته الأخيرة، وقد تقدم مني جواب عليها، وأرسلته إليه وهو الأم، ولم يعد منه ما يفيد الموافقة ولا المخالفة، وطال الأمد، فطلب مني بعض العلماء إيضاح ما يصلح لتعقب ذلك البحث، فكتب هاهنا ما ينجلي عند إعادة النظر في تلك الرسالة مع تناسي ما كتبته في الجواب الباقي لدى المجاب عليه عافاه الله.
فأقول: قال - كثر الله فوائده -: البحث الأول إن ذكر المسائل العلمية إلخ.
أقول: لا يشك عارف في انقسام الباعث على ذكر المسائل العلمية إلى ما ذكره من مجرد الإرشاد، أو المناظرة، لكن الشأن هاهنا في كلامه في رسالته المتقدمة من أي القسمين هو، إن كان من الإرشاد إلى الحق كما زعمه فهل الباعث له هذا الإرشاد كونه قد صح عنده شيء من ذلك؟ بل ليس عنده إلا مجرد أن فلانا قال فيها بكذا، واستدل بكذا، من دون أن يعلم أن ذلك حق أو باطل، بل لا مقصد له إلا حكاية القول وقائله
(1) تقدمت ترجمته في الرسالة (87)
(2)
الرسالة رقم (87).
ودليله كما يفعله المقلدون، وإن كان الباعث له في الأمر الأول فما معنى الاعتذار في هذه الرسالة بقوله في البحث الثاني إنه نقلها عن فلان وفلان، وأن الكتاب موجود، إلى آخر ما قاله هنالك، فإن هذا إنما هو صنيع من ليس له إلا الحكاية والتقليد، ولا ريب أنه لا يطلب منه إلا تصحيح النقل ثم إن دليله الذي دعى الناس إليه [1أ] فإن لم يجد في رسالته تلك إلا الكلام على دليل المخالف له، والاقتصار بعد ذلك على رؤية منقطعة، وأخرى ضعيفة، ينتهيان إلى رجلين من الصحابة، ولا حجة في ذلك لأمرين: الأول عدم صحة السند (1) لو كان قائل ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكيف والقائل له غيره.
الأمر الثاني أنه قد تقرر أن الحجة الشرعية التي ثبتت بها التكاليف العامة والخاصة للعباد لا تكون بقول فرد من أفراد الصحابة ولا الأفراد ما لم يكن ذلك إجماعا (2)
(1) قال الشوكاني في إرشاد الفحول ص (242): من حديث هو ما اتصل إسناده بنقل عدل ضابط من غير شذوذ ولا علة فادحة فما يكن متصلا ليس بصحيح، ولا تقوم به الحجة، ومن ذلك المرسل وهو أن يترك التابعي الواسطة بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا اصطلاح محور أهل الحديث.
ثم قال ص 247: ولا تقوم الحجة بالحديث المنقطع وهو الذي سقط من رواته واحد ممن دون الصحابة، ولا بالمعضل وهو الذي سقط من رواته اثنان، ولا بما سقط من رواته أكثر من اثنين لجواز أن يكون الساقط أو الساقطان أو الساقطون أو بعضهم غير ثقات.
وانظر قواعد التحديث للقاسمي ص 130.
وقال الشيخ عبد الله سراج الدين في المنظومة البيقونية ص 100: والمعضل ما سقط من إسناده اثنان فصاعدا بشرط التوالي كقول مالك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال ابن عمر، والمعضل أسوأ حالا من المنقطع، وذلك للجهل بحال من حذف من الرواة، وإنما يكون أسوأ حالا من المنقطع إذا كان الانقطاع في موضع واحد، أما إذا كان في موضعين فإنه يساوي المعضل في سوء الحال.
وانظر الكفاية ص 81 - 82.
(2)
انظر المستصفى (2/ 294)، البحر المحيط (4/ 436)، الكوكب المنير (2/ 210).
والبحث مدون في الأصول، معروف مشهور، فكيف نصب نفسه - كثر الله فوائده - إلى دعاء الناس إلى حال يقوم به حجة على فرد من أفرادهم! وأثبت بما لا يقوم الحجة شرائط لم يأذن الله بها في كتابه، ولا نطق بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم! فهل هذا شأن المرشدين إلى مسائل الدين من العلماء المجتهدين؟. وإن قال: الباعث له هو الأمر الآخر، فكيف استجاز أن يدعو الناس إلى ما لا يعلم أنه من أقسام الحق، أو من الباطل، وهل هذا صنع الدعاة إلى الله، وإلى شريعته، مع أنه بأبى عليه أن يكون هذا الباعث أمور:
الأول: تكلمه على دليل المخالف، بزيادة على ما تكلم به القاضي زيد ومن معه، كما صرح بذلك، وأوضح مواضع نقله.
الثاني: إيراده لما ظنه دليلا من منقطعات أقوال بعض الصحابة. الثالث: أن هذه الرسالة قد اشتملت على ما لم يكن في شرح القاضي زيد من استدلال، ودفع، وترجيح.
والرابع: أنه عنون رسالته (1) تلك بعنوان، وسماها باسم، فإن كان ناقلا كما قال، فما معنى هذا العنوان، وما مفاد هذه التسمية؟ فإن ذلك يكتفي أن هذه الرسالة مؤلفة له في هذه المسألة، ولو كان المراد مجرد النقل عن القاضيزيد كان يغني عن ذلك أن يقول قال فلان في الكتاب الفلاني ما لفظه كذا، ثم يقول عقيب نقل المراد انتهى بلفظه كما يفعله من يريد النقل عن الغير، وأما إذا الباعث له ليس مجرد الإرشاد [1ب]، بل مجرد يدعي شرطا لشيء أو شطرا له ثم يعنون بحثه بالكلام على دليل المخالف، وبعد التدبر لهذه التقديرات يتضح للناظر في هذه المباحث ما اشتمل عليه البحث الأول من هذه الرسالة التي نحن بصدد الكلام عليها.
(1) أي " إشراق الطلعة في عدم الاعتداد بإدراك ركعة من الجمعة ". الرسالة رقم (87).
قال - كثر الله فوائده - البحث الثاني: أنها لم تهمل في تلك المسألة المسالك المعتبرة إلخ.
أقول: ظاهر كلامه، بل صريحه أنه لم تهمل المسالك المعتبرة في رسالته، ولا أهملها أحد من المصنفين، وهذه الكلية غريبة جدا من مثله في فضله ونبله، ولكني لا أهمل المسالك المعتبرة فيما أحرره الآن على كلامه هذا في عدم إهماله للمسالك المعتبرة، فأقول: هو - كثر الله فوائده - قد قام هنا في مقام المنع، فإن كلامه هذا في قوة منع الإهمال، والذي يتوجه من جهة مدعي الإهمال هو الاستدلال على وجه الإهمال يف الكل والبعض، لأن كلامه هنا إن كان من عموم السلب فنقضه يتم بوجود الإهمال في فرد من أفراد كتب الاستدلال، أو في رسالته هذه، وإن كان من باب سلب العموم فلا يضرنا ولا ينفعه، لأني لم أقل بثبوت الإهمال من كل أحد، بل قلت: إنه كثيرا ما يقع الإهمال ويكفيه، ويكفينا، ويكفي الناظر في هذه المناظرة أن يمعن النظر في رسالته - عافاه الله - التي سماها " إشراق الطلعة " فإن وجد قد استدل في مقام المنع، ومنع في مقام الاستدلال فذلك هو الذي أردنا الإرشاد لا التنبه له والتحذير من الوقوع فيه، وأما كتب الاستدلال فقد أجادها بتقييد زعمه من عدم الإهمال فيها بما يعلمه، فإن هذا الأمر ظاهر مكشوف لا يخفى على مثله، ولكنه ربما ذهل عند تحرير هذه الأحرف عن ذلك، أو تذاهل لدفع ما ورد على كلامه على أي صفة كان الدفع، وها أنا أقول له، أو للناظر في هذه المناظرة: عليك بكتاب من كتب الفقه التي يتعرض مصنفوها للاستدلال على أي مذهب كان، فأمعن النظر في مقدار كراسة منه، فإن وجت ما ذكرناه فذلك يكفينا مؤنة النقل، وإن لم تجد هذا في غالب [2أ] تلك المؤلفات فتعال حتى أملي عليك من ذلك ما تطمئن به نفسك، وتقر به عينك. وها نحن نقرب لك المسافة، ونطلعك على الحقيقة.
فنقول: قال - كثر الله فوائده - في أوائل رسالته التي سماها " إشراق الطلعة "(1) ما
(1) الرسالة رقم (87).
لفظه فإقول: قال القاضي زيد (1): مسألة: وإن أدرك شيئا من الخطبة نحو أن يدرك منها قدر آية أتمها جمعة، وإن لم يدرك من الخطبة شيئا لم يصح منه الجمعة، ويصلي أربعا، ويبني على ما أدركه مع الإمام، ثم ذكر بعد ذلك أن الخطبة بمثابة ركعتين، وأنها شرط. فاعلم أنه هنا قد ذكر خمس مسائل: الأولى: عدم صحة الجمعة، والثانية يصلي أربعا، والثالثة يبني على ما أدركه، والرابعة أن الخطبة مقام ركعتين. والخامسة أنها شرط، فهذه خمس مسائل يكفي المانع من ثبوتها أو بعضها أن يقوم مقام المنع (2)، وعلى من ادعى ثبوتها الاستدلال عليها بدليل يوجب نقل المانع من مقام المنع، فما باله ههنا ترك ذلك كله وقال: فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " ما أدركت فصل "(3) فإن هذا تعرض للكلام على ذليل المخالف قبل الاستدلال على إثبات الدعوى، وقيل تزلزل قدم المانع عن مقام المنع، وليس هذا الموافق للمسالك المعتبرة في قواعد المناظرة عند من له أدنى فهم، بل المسالك المعتبرة ههنا أن يقرر ثبوت تلك المسأئل ببرهان تقوم به الحجة على المخالف، لا بمجرد تشفيع دعوى بدعوى، فإذا جاء به على هذه الصفة كفاه، فإن تسليم المخالف لدليل المدعي يكفي، فإن جاء ذلك المخالف بما هو سند للمنع كان على المدعي أن يتكلم عليه حتي يبطله، فتكون الدائرة له، أو يعجز عنه فتكون الدائرة عليه. وأما مجرد تعداد خمس مسائل [2ب] لم تربط بدليل قط، وقلب المناظرة بالكلام على دليل المانع، وغضب منصب المنع، فهذا ليس من المسالك المعتبرة في ورد ولا صدر، ولا هو من مباحث على الجدل (4) في قبيل ولا بير، يعرف هذا من
(1) في " الأزهار "(1/ 612 - السيل الجرار).
(2)
انظر الرد الشوكاني في الرسالة رقم (88).
(3)
تقدم تخريجه مرارا.
(4)
الجدل في اللغة: اللدد في الخصومة والقدرة عليها جادله فهو جدل ككنف - مجدل - كمنير - ومجدال كمحراب، وجدلت الحبل أجدله جدلا: كفتلته أفتله فتلا أي فتلته فتلا محكما، والجدالة: الأوض. يقال: طعنه فجدله: أي رماه في الأرض - " أساس البلاغة "(1/ 111)، " مقاييس اللغة "(1).
الجدل في اصطلاح الفقهاء: فتل الخصم أي رده بالكلام (عن قصده) أي ما يقصده من نفي أو إثبات من حكم لطلب صحة قوله أي قول القائل له، (إبطال) قول غيره.
انظر: " الفقيه والمتفقه "(1/ 229).
واعلم أن المناظرة والمجادلة والمحاورة والمناقشة والمباحثة ألفاظ مترادفة وقد توجد بعض الفروق بينها عند علماء البحث، فيرى بعضهم أن الجدل يراد منه إلزام الخصم ومغالبته. والمناظرة تردد الكلام بين شخصين، يقصد كل واحد منهما تصحيح قوله وإبطال قول صاحبه، مع رغبة كل منهما في ظهور الحق والمحاورة هي المراجعة فالكلام ومنه التحاور.
انظر: " مناهج الجدل "(ص25)، " الكافية في الجدل "(ص19).
ومن آداب المناظرة والجدال: ينبغي للمجادل أن يقدم على جداله تقوى الله تعالى لقوله سبحانه: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)[التغابن: 16].
ويخلص النية في جداله، بأن يبتغي به وجه الله تعالى. وليكن قصده في نظره إيضاح الحق وتثبيته دون المغالبة للخصم. أن يبني أمره على النصيحة لدين الله، وللذي يجادله لأنه أخوه في الدين مع أن النصيحة واجبة لجميع المسلمين. وليرغب إلى الله في توفيقه لطلب الحق فإنه تعالى يقول:(وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)[العنكبوت: 69].
ينبغي أن لا يكون معجبا بكلامه، مفتونا بجداله فإن الإعجاب ضد الصواب ومنه تقع العصبية رأس كل بلية. وهناك آداب كثيرة ذكرها الخطيب البغدادي في " الفقيه والمتفقه "(2/ 8 - 62).
وإليك بعض الآداب المتعلقة بالسؤال والجواب: ينبغي أن يوجز السائل في سؤاله ويحرر كلامه ويقلل ألفاظه ويجمع فيها معاني مسألته، فإن ذلك يدل على حسن معرفته. يلزم المجيب أن يسد بالجواب موضع السؤال، ولا يتعدى مكانه ويجعل المثل كالممثل به، ويختصر في غير تقصير وإن احتاج إلى البيان بالشرح أطال من غير هذر، ولا تكدير، ويقابل باللفظ المعنى حتى لا يكون غير ناقص عن تمامه، ولا فاضل عن جملته. والسؤال على أربعة أضراب: السؤال عن المذهب، بأن يقول السائل: ما تقول في كذا؟ السؤال عن الدليل، بأن يقول السائل، ما دليلك عليه؟ ج - السؤال عن وجه الدليل فيبينه المسئول. د - السؤال على سبيل الاعتراض، والطعن فيه فيجيب المسؤول عنه ويبين بطلان اعتراضه وصحة ما ذكره من وجه دليله. فإن ذلك يختلف باختلاف الدليل: فإن كان دليله من القرآن كان الاعتراض عليه من ثلاثة أوجه: أن ينازعه في كونه محكما، ويدعي أنه منسوخ. أن ينازعه في مقتضى لفظه. ج - أن يعارضه بغيره فيحتاج أن يجيب عنه بما يدل على أنه لا يعارضه، أو يرجح دليله على ما عارضه به. وإن كان دليله من السنة فالاعتراض عليه من خمسة أو جه: أن يطالبه بإسناد حديثه. أن يقدح في إسناده وذلك من وجوه: أن يكون الراوي غير عدل. أن يكون مجهولا. أن يكون الحديث مرسلا. ج - الاعتراض على المتن من وجوه: - أن يكون المتن جوابا عن سؤال، والسؤال مستقل بنفسه فيدعي المخالف قصره على السؤال. - أن يكون الجواب غير مستقل بنفسه ويكون مقصورا على السؤال ويكون السؤال عن فعل خاص يحتمل موضع الخلاف وغيره، فيلزم السائل المسؤول التوقف فيه حتى يقوم الدليل على المراد به. د - الاعتراض الرابع وهو دعوى النسخ. هـ- الاعتراض الخامس وهو معارضة الخبر بخبر غيره. فإن كان دليله الإجماع فإن الاعتراض عليه من ثلاثة أوجه: أن يطالب بظهور القول لكل مجتهد من الصحابة. أن يبين ظهور خلاف بعض الصحابة. أن يعترض على قول المجمعين، إن لم يكونوا صرحوا بالحكم بمثل ما يعترض على لفظ السنة. وإذا كان دليله الذي احتج به القياس، فإن الاعتراض عليه من وجوه: أن يكون مخالفا لنص القرآن، أو نص السنة، أو الإجماع. وإذا كان كذلك فإنه قياس غير صحيح. أن تكون العلة منضوية لما لا يثبت بالقياس. إنكار العلة في الأصل وفي الفرع. أن يعارض النطق بالنطق.
وانظر مزيد تفصيل في " الفقيه والمتفقه "(2/ 80 - 90)، " مناهج الجدا "(ص54، 57)، " الكوكب المنير "(4/ 634 - 830).
يعرف ذلك العلم معرفة بالكنه، أو بالوجه، فهذا المثال يكفي الناظر في هذه المناظرة، فإنه فاتحة رسالة المناظر - كثر الله فوائده -. فإن كان قد ساق هذا المساق من عند نفسه، وباختيارة فقد بطل عليه ما ادعاه من كلية عدم الإهمال في رسالته، وإن كان ناقلا فقط، وهذا السياق سياق المنقول عنه فقد بطل عليه ما ادعاه من الكلية في جانب عدم إهمال المصنفين لذلك، فكيف لم يقنع بنفي الإهمال عن رسالته، حتى نفاه عن جميع المصنفين في سابقي الدهر ولا حقه! مع أنه يعلم ويعلم كل أحد أن علم المناظرة علم اصطلاح حدث بعد انقراض بعض علماء المسلمين المصنفين، ولم يعلمه من المصنفين الموجودين بعد إلا القليل النادر، ومعلوم أن من لم يعلم بعلم العلوم لا يتمكن من استعمال قواعده كما ينبغي، ويراعي مسالكه كما يجب.
فإن قال: إن كلامه الذي ذكره في هذه الرسالة التي نحن بصدد عليها لم يكن
من باب عموم السلب، بل هو من باب سلب العموم كما قدمنا الإشارة إليه عاد عليه ما قد قدمنا الأمر بأنه لا ينفعه ولا يضرنا، وإن قال: إن تلك القصة التي تكلم بها هي قضية مهملة، وهي في قوة الجزئية، فهو أيضًا كلام لا ينفعه ولا يضرنا، لأنا لم نقل تكليف الإهمال، بل قلنا بوجوده كثيرا في المصنفات، ولعل قائلا يقول ههنا: إذا قد قررت حدوث هذا العلم، فما للناس به حاجة. فأقول: لم أتكلم ههنا على حاجة الناس إليه، ولا على عدمها، بل تكلمت على قول صاحب الرسالة - عافاه الله - أنه لم يهمل المسالك المعتبرة في هذا العلم، لا هو ولا غيره من المصنفين. وأما ما ذكره من أنه يتوجه على المستدل ثلاثة أمور: إما النقض، أو النقض، أو المناقضة، أو المعارضة، فهذا كلام صحيح، ولكن بعد أن يكون المستدل مستدلا بدليل يقبله المانع. وأما قبل [3أ] استدلال المستدل، وقبل انتقال المانع عن مركز المنع، فلا يتوجه شيء من ذلك، بل يكفي المانع القيام في ذلك المركز الذي هو منصبه، وهو المنع، فهذا الكلام - عافاه الله - خارج عن البحث الذي وقعت المؤاخذة به عليه.
قال - كثر الله فوائده -: البحث الثالث. قال المجيب. .. إلخ.
أقول: ما ذكره من نقل كلام من أوجب الدليل على النافي من أهل الأصول خروج من البحث بالمرة، ودفع لما نحن بصدده بالصدد، فإنا بصدد الكلام على ما ذكره أهل علم المناظرة، وعلى ما ادعاه من سلوكه في مسالكهم المعتبرة، وهم قد قرروا هذا وحرروه، وهو موجود في مؤلفاتهم، معلوم عند من يعرفها، مشهور عند أهلها. وقد قيد كلامي بقيد أوضح من الشمس، ونقله المجيب في كلامه الذي في هذه الرسالة التي نحن بصدد الكلام على ما فيها.
فقلت: وهذه الجملة معلومة عند أهل النظر، لا يختلفون في شيء من تفاصيلها، فبعد قولي عند أهل النظر كيف يتوجه له الاعتراض بما اعتراض! وقد رجع - كثر الله فوائده - إلى هذا في آخر كلامه، وجعل ذلك أحد شقي الترديد، ولا وجه للترديد بعد ذلك التصريح. وليعلم - أدام الله فوائده - أني لا أريد بالمانع مانعا معينا، وبالمستدل
مستدلا معينا، بل إذا لم يثبت برهان المسألة من أي مستدل كان، بدليل مقبول كان الحق عدم ثبوتها، لأن ما لم يرد به الشرع موردا صحيحا، ولا قضى به العقل قضاء مقبولا لا يحل تكليف عباد الله به، ولا يلزمهم قبوله، ومن زعم من أهل الأصول أن نافي ما هذا شأنه محتاج إلى الاستدلال بدليل على نفيه، وإلا لزمه العمل به، وإن مل يثبت بدليل فكلامه خارج عن الحق، مائل عن الصواب خروجا وميلا يعرف كل دوي الألباب؛ فإن هذا مع فساده في نفسه مستلزم فسادا كثيرا، وتكليفا ثقيلا، فإنا لو فرضنا أن مدعيا يدعي وجوب صلاة سادسة معلوم أنه لا يجد في الشرع والعقل دليلا يدل على ذلك، فإن كان عجزه عن الاستدلال يريح العباد من هذا التكليف فهو الذي أردنا بأن المانع إلا بالاستدلال، فإن كان يكفي هذا الاستدلال وجود دليل الإثبات بعد الإستقراء والتتبع، وكان هذا مرادهم، فالخطب أيسر على أن هذا هو عائد إلى المنع [3ب]، فصاحبه مانع لا مستدل، وإن كان لا يكفي إلا إبراز دليل مستقل غير عدم وجود الدليل، فيالله هذه المقالة ما أبعدها عن الحق! وما فيها من إثبات أحكام الشرع، أو العقل بمجرد دعوى المبطلين! وليتفضل - كثر الله فوائده - بإيضاح دليل نفي الصلاة السادسة على فرض وجود مدع يدعيها على هذا الوجه، حق يتبين له أنه يعجز عن الدليل إلا إذا كان راجعا إلى مركز لمنع كما أسلفنا.
قال - كثر الله فوائده -: البحث الرابع في تقرير الخطبة، الخطبة بمثابة ركعتين إلخ.
أقول: اعلم أن هذا البحث هو بيت القصيد، ومحل النشيد، فإن أصل الدعوى التي بنيت عليها تلك القناطر في الرسالة لمسماة " إشراق الطلعة " (1) وفي جوابي عليها المسمى:" اللمعة في الاعتداد بإدراك الركعة من الجمعة "(2) وفي الجواب من صاحب
(1) الرسالة رقم (87).
(2)
الرسالة رقم (88).
الرسالة - كثر الله فوائده - المسمى " ضرب القرعة في شرطية خطبة الجمعة "(1) وفي هذه الوريقات التي نحن بصددها الآن هو كون الخطبة جزءا من صلاة الجمعة، وأنه إذا لم يحصل السماع لها فقد فات شطر الصلاة، فلا يعتد الجمعة من لم يدركها، فاسمع الآن ما يملى عليك من رد ما استدل به في هذا البحث، حتى نعلم أن تلك المقالة مبنية على غير أساس.
فنقول: أما قوله: وهو مبني على مقدمات، ألأولى: أن الحقائق الشرعية واقعة إلخ فهذا مسلم، ولكنه حجة عليه لا له، وبيانه أن الحقائق الشرعية ثابتة واقعة، وأن من جملة ما نقله الشارع من معناه اللغوي الصلاة، فجعلها حقيقة شرعية في ذات الأذكار والأركان، وجعل تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم. فأخرج أحمد (2)، وأبو داود (3)، وابن ماجه (4)، والترمذي (5)، وقال: هو أصح شيء في الباب من حديث علي ابن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم "، فإن وصلاة الجمعة هي صلاة من جملة الصلوات تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم، فإن كان صاحب الرسالة - كثر الله فوائده - يسلم أن صلاة الجمعة من جملة الصلوات، وأن الحقيقة ما ذكرناه منقولا عن الشارع صلى الله عليه وآله وسلم فهذه المقدمة التي ذكرها حجة عليه لا له كما قدمناه، فإن كان يزعم أن الصلاة الجمعة حقيقة شرعية تختص بها، وأن تحريمها ليس هو التكبير كما نص عليه الشارع صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الحديث، ونقله أهل الشرع عنه بأن تحريمها
(1) الرسالة رقم (89).
(2)
الرسالة رقم (89).
(3)
في " المسند "(1/ 123، 129).
(4)
في " السنن " رقم (618).
(5)
في " السنن " رقم (275).
هو الشرع في الخطبة فلياتنا بدليل يدل على ذلك، لا بما هو خارج عن محل النزاع، أو بما هو حجة عليه لا له كما ذكره في هذه المقدمات. فإنا نقول له: نعم، الحقائق الشرعية واقعة، فكان ماذا؟ ثم نقول له في المقدمة [4أ] الثانية: إن الماهيات تكون وضعية كما ذكرت، فهل يأتينا بوضع منقول عن الشارع أن صلاة الجمعة ليست كسائر الصلوات، وليس تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم، بل تحريمها الشروع في الخطبة، فإن كنت تجد إلى هذا سبيلا فلتأتنا به، فإنا لا نحتاج في قبوله إلى تقرير ثبوت الماهيات الوضعية؛ إذ تقريرها وتسليم ثبوتها من دون برهان على محل النزاع لا يضرنا ولا ينفعك، بل ينفعنا ويضرك كما قد قدمنا، فإن في الاستدلال لقولنا بعين هاتين المقدمتين اللتين أوردتهما أن الحقائق الشرعية ثابتة، وأن الماهية الوضعية موجودة، فإن كنت تزعم أن الشارع جعل الخطبة التي هي خارجة عن الماهيات الشرعية شطرا للصلاة، وجزءا منها، فنحن نمنع ذلك، ثم لو أردنا أن نننتقل عن مركز المنع إلى مركز الاستدلال لم يعجزنا أن نقول بعد تقرير ثبوت الحقائق الشرعية، وتقرير ثبوت الماهية الوضعية، وتقرير النقل عن الشارع أن الصلاة تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم وتقرير أن صلاة الجمعة صلاة من الصلوات أن ما قبل تحريمها وما بعد تحليلها غير داخل فيها، ولا جزء من أجزائها.
وأما ما ذكره في المقدمة الثالثة من أن أجزاء الماهية قد تكون مختلفة، فنقول: نعم، وهكذا محل النزاع، فإن الأجزاء الأذكار والأركان، وهما مختلفان ولكن هذا لا ينفعك ولا يضرنا، فإن كنت تزعم أن شيئا من الخارجات عن تحريمها وتحليلها داخل فيها فلا يثبت هذا الزعم إلا بدليل يدل عليه، ولا بمجرد ما ذكرته منت ثبوت الحقائق الشرعية، والماهيات الوضعية، وأنها قد تكون مختلفة، ولا بما ذكرته في المقدمة الرابعة من أن الحقائق الشرعية تنصرف أحكام الشارع عليها إلى الماهيات التي اعتبره، فإنا نقول بموجب هذا الكلام، ولا نزاع بيننا وبينك فيه أصلا، بل إذا حكم الشارع على صلاة من الصلوات بحكم، كان هذا الحكم ثابتا لتلك الصلاة، مثلا يكون قوله - صلى الله
عليه وآله وسلم -: " من أدرك ركعة من صلاة الجمعة فليضف إليها أخرى "(1). وقد تمت صلاته حكما ثابتا لصلاة الجمعة التي هي الأذكار والأركان الكائنة ما بين تحريمها وتحليلها.
وهكذا ما ذكره في المقدمة الخامسة من أنه إذا انعدم جزء من أجزاء الماهية انعدمت، فإنا نقول بموجب هذا أو نسلمه، ولكن محل النزاع بيننا وبينك في [4ب] جواز ذلك الجزء، فإن كان بيدك برهان فهاته، وإلا فالتطويل فيها لا طائل تحته، لا يأتي بفائدة إلا قطعية الأوقات، وتسويد الطروس (2) بما هو تحصيل للحاصل، وبيان للبين، وإيضاح للواضح. وهكذا ما ذكره في المقدمة السادسة من أن معرفة الحقائق الشرعية يكون بقول أو فعل، فإن مسلم إذا كان ذلك الفعل أو القول يدلان على أن ذلك الأمر جزء من الأجزاء، داخل في الأركان والأذكار التي بين التحريم والتحليل. وأما مجرد صدور قول أو فعل من الشارع يدل على أنه يفعل قبل الصلاة كذا أو بعدها كذا، فليس هذا دليلا على محل النزاع، ومجرد الملازمة لشيء مثل الصلاة أو بعدها يدل على أنه جزء أجزائها لكان الوضوء، والآذان، والإقامة جزءا من أجزاء الصلاة الداخلة فيها، بل هذه الأمور [. ....
…
] (3) الأمر الخطبة، لأنه ايضا مع الفعل والملازمة أقوال يزيدها تأكيدا وثبوتا، بل ثبت ما يدل على أن الوضوء شطر الإيمان (4)،
(1) تقدم تخريجه.
(2)
أي القراطيس التي بكتب عليها.
(3)
كلمات غير واضحة في لمخطوط.
(4)
يشير إلى الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه رقم (223) وأحمد (5، 343، 344) والترمذي رقم (3517) والنسائي (5/ 5 - 6) من حديث عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الطهور شطر الايمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السموات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها ". وهو حديث صحيح.
وأن الإيمان هو الصلاة، فهل يجعل هذه الأمور أجزاء للصلاة؟ إن قال نعم ارتكب ما هو خارق للإجماع، ومخالف للمعلوم من ضرور ة الدين، وإن قال لا فما الفرق مع كون ما ذكرناه اكد مما ذكره؟ فإنه لو تيسر له ما يفيد أن الخطبة شطر الصلاة كما ورد في الوضوء لصال به وجال وقال، وقال: وهكذا يلزم أن تكون الأذكار المشروعة عقيب الصلاة منها، لأن الشارع أرشد إليها ولازمها، واللازم في هذه الأمور باطل بالإجماع، فالملزوم مثله. وإذا تقرر لك ما أبرز، عرفت عدم وجود الدليل وجود على ما ادعاه، وعلمت اندفاع ما أورده في هذه المقدمات، أهنا حجة عليه لا له، فليس في المقام بيد القائلين مما قاله غير ما قد حرره، فإن كان نصب مثل هذه الأمور في مقابلة ما أوردناه في رسالتنا المسماة بـ " اللمعة "(1) من الأدلة الواردة من تلك الوجوه الثابتة من تلك الطرق، بعد دعاء إلى الحق، أو صناعة من الجدل المستعمل على قوانينه المعتبرة كما زعمه صاحب الرسالة - عافاه الله -، فقد فوضنا الناظر في هذه المناظر، وألقينا إليه بمقاليدها، وإن يكن ذلك من أي القسمين، ولا صح أندراجه في أحد الفنين علم ورودها أوردنا في تلك الرسالة. قال - كثر الله فوائده [5أ]-: البحث الخامس إلخ.
أقول: ما ذكره من أن القضاء بأمر جديد لا بدليل الأصل لا ينفعه ولا يضرنا؛ فإنه لم يثبت سبب القضاء، وهو انعدام الشطر أو الشرط، حتى يرد ما أورده، وإذا لم يثبت فليس الدليل على القائل بالصحة، وعدم الاختلال بعد وجود الماهية التي اعتبرها الشارع. ثم لو فرضنا أن الدليل على مدعي الصحة، عدم القضاء لكان ما ذكرناه في تلك الرسالة كافيا مثل الأحاديث المتواترة أن من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها ومثل ما ورد في خصوص صلاة الجمعة لو لم يكن منها إلا قوله:" من أدرك ركعة من الجمعة فليضف إليها أخرى "(2) وقد تمت صلاته، فإن هذا من التصريح بالمطلوب مالا يحتاج إلى زيادة بيان فكيف!.
(1) الرسالة رقم (88).
(2)
تقدم تخريجه.
قال - كثر الله فوائده -: إن دعوى سقوط القضاء ههنا دعوى مجردة عن الدليل.
قال - كثر الله فوائده -: البحث السادس أن إقامة الصلاة بخطبة لا خلاف في صحتها إلخ.
أقول: مثل هذا الكلام قد استعمله بعض أهل العلم في استدلالاتهم (1)، وهو مدفوع بما هو مبين في مواضعه، وعلى تسليم أن هذا الأمر الذي وقع فيه الخلاف جزءا من أجزاء الصلاة، وليس الأمر كذلك، بل هو محل النزاع، فالاستدلال بهذا الدليل مصادرة، وأيضا يلزم ما قدمنا ذكره من أن الصلاة تبطل بعدم الآذان، أو الإقامة قبلها، أو الأذكار بعدها، لأنه قد وقع الإجماع على أن صلاة من أذن وأقام وجاء بالأذكار المشروعة بعد الصلاة صحيحة، وأيضا قد وجد الدليل ههنا، وهو أحاديث: من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها (2). وصلاة الجمعة من جملة الصلوات، ويؤيد ذلك الأحاديث الواردة في خصوص صلاة الجمعة بما تفيد هذا المعنى.
وقد أوضحنا هذا في الرسالة الأولى المسماة: " اللمعة "(3) فأي دليل يفيد ما تفيده هذه الأدلة من اعتداد من أدرك ركعة من صلاة الجمعة بها، وأنه قد أدرك الصلاة بإدراكها. وبالجملة فقد أوضحنا في الرسالة المذكورة ما يقو م الحجة ببعضه فلا نعيده، بل نحيل الناظر في هذا عليها، وعلى الأصل الذي هي جواب عنه، فإنه إذا أخلص النظر
(1) قال الشوكاني في " السيل الجرار "(1/ 603): قد ثبت ثبوتا متواترا يفيد القطع بأن النبي صلى الله عليه وسلم ما ترك الخطبة في صلاة الجمعة قط.
فالجمعة التي شرعها الله سبحانه هي صلاة الركعتين مع الخطبة قبلها وقد أمر الله سبحانه في كتابه العزيز بالسعي إلى ذكر الله والخطبة من ذكر الله إذا لم تكن هي المرادة بالذكر فالخطبة فريضة.
وأما كونها شرطا من شروط الجمعة فلا.
(2)
تقدم تخريجه وهو حديث صحيح.
(3)
الرسالة رقم (88).
وتدبر (1) البحث لم يحتج إلى هذه الأبحاث المذكورة ههنا، ولا إلى ما هي جواب عنه، وإنما احتجنا إلى تحرير هذه الأبحاث لبيان ما في جواب الجواب من المقال. والله يهدي إلى صواب الصواب، ويرشد الجميع إلى الحق الذي يرضاه آمين، اللهم آمين. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
بلغ مقابلة على الأصل بعون الله، والحمد لله رب العالمين.
(1) واعلم أن القلب على الخصم - المناظر - والمعارضة والنقض كل ذلك صحيح في النظر قال سبحانه وتعالى حاكيا عن قول المنافقين: (لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا)[آل عمران: 168]، فأجابهم بما أقلبه عليهم في أنفسهم، وإن جعلته نقضا صح، وإن جعلته معارضة أيضًا صح. فقال تعالى:(فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)[آل عمران: 168] والسكوت عن الجواب للعجز من أقسام الانقطاع قال سبحانه وتعالى: (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ)[البقرة: 258].
وأقسام الانقطاع من وجوه أحدها ما تقدم:
2 -
أن يعلل ولا يجدي.
3 -
أن ينقض ببعض كلامه بعضا.
4 -
أن يؤدي كلامه إلى المحال.
5 -
أن ينتقل من دليل إلى دليل.
6 -
أن يسأل عن الشيء فيجيب عن غيره.
7 -
أن يجحد الضرورات ويدفع المشاهدات ويستعمل المكابرة والبهت في المناظرة.
لذلك ينبغي لمن لزمته الحجة، ووضحت له الدلالة، أن ينقاد لها ويصير إلى موجباتها، لأن المقصود من النظر والجدل طلب الحق واتباع تكاليف الشرع، وقد قال سبحانه وتعالى:(الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ)[الزمر: 18].
انظر: " الفقيه والمتفقه "(2/ 112).