الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تحرير الدلائل على مقدار ما يجوز بين الإمام والمؤتم من الارتفاع والانخفاض والبعد والحائل
تأليف محمد بن علي الشوكاني.
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
وصف المخطوط:
1 -
عنوان الرسالة: (تحرير الدلائل على مقدار ما يجوز بين الإمام والمؤتم من الارتفاع والانخفاض والحائل).
2 -
موضوع الرسالة: من فقه الصلاة.
3 -
أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم وبه الإعانة. والحمد لله وحده، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله، وبعد؛ فإنه سألني مولاي العلامة إبراهيم بن محمد بن إسحاق لا برح في حماية الملك. ..
4 -
آخر الرسالة: حرره المجيب الحقير محمد بن علي الشوكاني غفر الله له في النصف الأولى من ليلة الاثنين المسفرة إنشاء الله عن اليوم الخامس والعشرين من شهر صفر سنة أربع عشرة ومائتين وألف سنة (1214ه) 5 - عدد صفحات الرسالة: 15 صفحة + صفحة العنوان.
6 -
عدد الأسطر في الصفحة: 18 - 19 صفحة.
7 -
عدد الكلمات في السطر: 10 كلمات.
8 -
نوع الخط: خط نسخي جيد.
9 -
الرسالة من المجلد الثاني من (الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني).
بسم الله الرحمن الرحيم وبه الإعانة
الحمد لله وحده، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله. وبعد:
فإنه سألني مولاي العلامة: إبراهيم بن محمد بن إسحاق (1) - لا برح في حماية الملك الخلاق - عن الدليل على ما وقع في كلام أهل المذهب الشريف في الأزهار (2) حيث قال مؤلفه: الإمام عليه السلام ما لفظه: "ولا يضر قدر ارتفاعا ونخفاضا وبعدا وحائلا ولا فوقها في المسجد، وفي ارتفاع المؤتم الإمام فيها". هذا معنى السؤال.
(1) إبراهيم بن محمد بن إسحاق بن المهدي أحمد بن الحسن بن الإمام القاسم بن محمد. ولد سنة 1140 ه. قال الشوكاني في ترجمته رقم (14): وكثيرا ما تفد علي منه سؤالات أجيب عنها في رسائل كما يحكي ذلك مجموع رسائلي.
مات رحمه الله 1241 ه.
انظر: "البدر الطالع" رقم (14) و"نيل الوطر"(1).
(2)
مع "السيل الجرار"(1).
والجواب - بمعونة الملك الوهاب - ينحصر في ثلاثة أبحاث:
البحث الأول: في تحرير عبارة مختصر "الأزهار"، وبيان المراد منها، وإيراد كلام من تكلم عليها.
والبحث الثاني: في حكاية المذاهب في حكاية المسألة.
والبحث الثالث: في تحرير الأدلة على ما اشتملت عليه من الأطراف، وبيان ما فيها.
أما البحث الأول (1):
فاعلم أن كلام "الأزهار" قد اشتمل على مسائل.
المسألة الأولى:
أنه لا يضر ارتفاع المؤتم عن إمامه فوق مقدار القامة في المسجد.
المسألة الثانية:
أنه لا يضر ارتفاعه أيضًا قدر القامة في غير المسجد.
المسألة الثالثة:
أنه لا يضر انخفاض المؤتم عن إمامه فوق القامة في المسجد.
المسألة الرابعة:
أنه لا يضر انخفاض المؤتم عن إمامه مقدار القامة [1أ] في غير المسجد. المسألة الخامسة: أنه لا يضر بعد المؤتم عن إمامه فوق القامة في غير المسجد.
المسألة السادسة:
أنه لا يضر قدر القامة بعدا منه عن إمامه في غير المسجد.
المسألة السلبعة:
أنه لا يضر ارتفاع المؤتم عن إمامه فوق القامة في غير المسجد أيضا.
(1) انظره في "السيل الجرار"(1) و"ضوء النهار "(2»).
المسألة الثامنة:
أنه لايضر انخفاض الإإمام عن المؤتم فوق القامة في المسجد.
المسألة التاسعة:
أنه لايضر انخفاض الإمام عن المؤتم قدر القامة في غير المسجد.
المسألة العاشرة:
أنه لايضر بعد الإمام عن المؤتم فوق القامة في المسجد.
المسألة الحادية عشرة:
أنه لايضر بعد الإمام ةعن المؤتم قدر القامة في غير المسجد.
المسألة الثانية عشرة:
أنه لا يضر كون بين الإمام والمأموم حائلا فوق القامة في المسجد، بشرط أن لا يكون ذلك في الاصطفاف.
المسألة الثالثة عشرة:
أنه لا يضر كون بينه وبين المؤتم حائلا قدر القامة بذلك الشرط.
المسألة الرابعة عشرة، والمسألة الخامسة عشرة:
أنه لا يضر الحائل بالشرط المذكور في حق المؤتم عن إمامه فوق القامة في المسجد، وقدرها فيه.
المسألة السادسة عشرة:
أنه يعفى عن ارتفاع الإمام عن المؤتم قدر القامة في المسجد.
المسألة السابعة عشرة:
أنه لا يعفى عن ارتفاعه عن المؤتم زيادة على قدر القامة في المسجد.
المسألة الثامنة عشرة:
أنه يعفى عن ارتفاع الإمام عن المؤتم قدر القامة في غير المسجد.
المسألة التاسعة عشرة:
أنه لا يعفى عن ارتفاع الإمام [1ب] فوق القامة عن المؤتم في غير المسجد، فذلك اللفظ في الأزهار (1)، فلا بد من إيضاح ما فيه من المسائل حتى يتضح بعد ذلك الاستدلال عليها، مع أن ما في "الأزهار" يدل على ست عشرة مسألة أخرى، بفحوى خطابه، وأنه لا يضر دون القامة ارتفاعا، ولا انخفاضا، ولا بعدا، ولا حائلا، لا من الإمام، ولا من المؤتم من غير فرق بين المسجد وغيره.
ووجه كونها ست عشرة أن الارتفاع والانخفاض والبعد والحائل يعفى عن دون القامة فيها من المؤتم، فهذه أربع مسائل، ويعفى عن دون القامة فيها من الإمام، وهذه أربع أخرى، وهذه الحالات يتحصل من العفو عنها في المسجد ثماني مسائل، فكانت جملة ما تحصل بفحوى الخطاب ست عشرة مسألة منضمة إلى المسائل المتقدمة، وهي تسع عشرة، تكون جميع المسائل التي تستفاد من لفظ "الأزهار" المسئول عنه خمسا وثلاثين مسألة. إذا تقرر هذا فاعلم أنه قد استشكل جماعة من المتأخرين بعض ما في هذه العبارة المسئول عنها.
فقال الجلال في ضوء. ...........................................
(1)"الأزهار في فقه الائمة الأطهار" تأليف: الإمام المهدي أحمد بن يحى المرتضى الحسنى.
وهو مختصر من كتاب تنصيص التذكرة الفاخرة في فقه العترة الطاهرة " للفقيه الحسن بن محمد المذحجي، ونقل ابن مفتاح أن مسائل الأزهار منطوقها ومفوهمها تسعة وعشرون ألف مسألة وقد تهافت عليه علماء الزيدية بالدراسة والشرح والحاشية والتعليق.
"مؤلفاته الزيدية "(1 رقم 276).
وللمحقق كتاب بعنوان "أدلة الأبرار لمتن الأزهار في فقه الائمة الأطهار " أعاننا الله على نشره.
النهار (1) بعد أن بين وجه الضمير في قوله: وفي ارتفاع المؤتم لا الإمام فيهما بأن ضمير التثنية يرجع إلى المسجد وغيره، ما لفظه: وفي العبارة قلق [2أ] وانغلاق، لأن جزء مرجع ضمير التثنية في فيهما هو ارتفاع المؤتم، فيصير المعنى لارتفاع الإمام في ارتفاع الإمام. انتهى.
وأقول: يمكن أن يقال إن المرجع هو المسجد المذكور صريحا، وغير المسجد المذكور ضمنا، فإن الكلام في قوة: ولا يضر قدر القامة ارتفاعا وانخفاضا وبعدا وحائلا في المسجد وغيره، ولا فوق القامة في المسجد إلا ارتفاع الإمام، فإنه لا يعفى في المسجد وغيره. وهذا هو مراد صاحب "الأزهار"(2). ولهذا فسر مرجع الضمير في البحث بذلك، وليس جزء المرجع الضمير ما فهمه الجلال (3) من ارتفاع المؤتم، فإن ما يلزم في ذلك من الفساد كاف في صرف إرادة صاحب الأزهار عنه.
ومن جملة ما وقع الاعتراض عليه في عبارة الأزهار قوله: وحائلا حتى قال بعض المتأخرين: أنه راجع إلى البعد المذكور قبله.
وأقول: لا ريب أن أحد اللفظين مغن عن الآخر، ولا سيما بعد تقييد الحائل بغير الحائل في الاصطفاف كما تقدمت الأشارة إليه، وكما صرح به في شروح الأزهار.
وقد قيد الحائل في شرح ابن مفتاح بأن يكون في التأخر دون الاصطفاف، ولا وجه لتقييده بذلك؛ فإن الحيلولة كما تكون في التأخر تكون في غيرها، وكذلك البعد كما يكون في التأخر يكون في غيره من الجهات الأربع، وإن كانت صورة تقدم المؤتم على الإمام، وصورة الحيلولة بينهما في الا صطفاف مبطلة كما في أول الفصل الذي في الأزهار
(1)(2 «).
(2)
تقدم في تعليقة سابقة.
(3)
في "ضوء النهار"(2»).
من ذلك البحث. وقد حاول جماعة ضبط ما في عبارة الأزهار، واختصارها فقال في هامش الهادية: وضابطه أن قدر القامة أي الأربعة لا يفسد لا في المسجد ولا في غيره، وما فوقه إن كان في غير المسجد أفسد لها في ارتفاع [2ب] المؤتم. انتهي.
ولا يخفى عليك أن هذا الضابط هو مثل حروف الأزهار مرتين أو أكثر مع أنه لم يذكر فيه الأربعة التي هي الارتفاع، والانخفاض، والبعد، والحائل كما في الأزهار، إنما قال من أي الأربعة، وهي محتاجة إلي التفسير. ولو صرح بها ما تم الضابط إلى في مثل ما في الأزهار من الحروف بزيادة على ما تقدم. وقال الجلال في ضوء النهار مصوبا لعبارة الأزهار بما هو أخص وأسلم عنده ما لفظه: ولو قال يفسد ببعد في غير المسجد فوق القامة إلي ارتفاعا للمؤتم لكان أقل وأدل. انتهى.
ولا يخفى عليك أن كلامك هذا ليس فيه إلا الحكم بأن البعد فوق القامة في غير المسجد يكون مفسدا لارتفاع المؤتم، وليس فيه جواز قدر القامة، وفوقها في المسجد، فليس في عبارته ما يفيده الحصر حتى يستفاد منها كون غير ما حصره غير مفسد.
ثم لو سلمنا أن مفهوم عبارته دتل على ذلك فغايته أن الارتفاع قدر القامة وفوقها في المسجد لا يكون مفسدا، فمن أين الفساد كما في مخالفة الأمر، فإنما ليست بمقتضية الفساد، بل المقتضى للفساد دليل خاص، وهو ما يؤثر عدمه في العدم، كالشرط أو ما كان جزءا للماهيه كالركن، ومع هذا فقد عبر عن الارتفاع والانخفاض والحائل والبعد بلفظ البعد، وهو وإن كان كل ذلك يصدق عليه البعد لغة لكن لا يخفى أنه لا يتبادر الارتفاع والانخفاض من لفظ البعد، لكون العرب قد وضعت هذا الاسم الخاص. والإيضاح في المصنفات مع التطويل [3أ] أولى من الأبهام مع الاختصار.
وقد جاء مؤلف الأثمار بعبارة أخص من عبارة الحلال، وأسلم من الخلل فقال ما
لفظه: " ولا يضر بعد مطلقا غالبا " قال ابن برهان (1) في شرحه: "أي لا يضر المؤتم بعد عن الإمام مطلقا " معناه سواء كان بعد مسافة، أو بعد ارتفاع، أو انخفاض، أو لحائل، وسواء كان في مسجد أو عيره، فلا تفسد صلاة المؤتم في أي ذلك إذا كان يعرف ما يفعله الإمام ولو بمعلم. قوله غالبا احتراز من أن يبعد المؤتم عن الإمام بأي تلك الأمور فوق القامة في غير المسجد أو في، وكان البعد بارتفاع الإمام فوق القامة، فإن صلاة المؤتم تفسد بذلك.
قال: وهذه النسخة يعني نسخة الأثمار هي الأخيرة المعتمده، وهي مع إختصارها جماعة مانعة. انتهى.
ولا يخفى أنه يرد عليه في التعبير بلفظ البعد عن الأربعة الأحوال ما ورد على الجلال، وأيضا التعبير بلفظ غالبا لا يفهم منه المراد؛ إذ ليس معناها ألا أن عدم الضرر في غالب الأحوال دون نادرها، وهذا النادر لا يدرى ما هو من نفس هذه العبارة، بل يحتاج إلى معرفته من موضع أخر، وهو إختصار مخل من حيث الأبهام، ثم إن الشارح فسر الاحتراز بلفظ غالبا بقوله: احتراز من أن يبعد المؤتم عن الإمام بأي تلك الأمور فوق القامة، في غير المسجد أو فيه بارتفاع الإمام فوق القامة. انتهى.
وظاهر هذا أن ارتفاع المؤتم فوق القامة في غير المسجد يضر وليس كذلك، كما يفيده قوله في الأزهار "في ارتفاع المؤتم وقد تقد فإن كان [3ب] تركه لذلك لدخوله في الإطلاق المتقدم فيقدح فيه تعميم الشارح لصورة الاحتراز كما سمعت، ثم أيضًا ليس ما احترز عنه ب: "غالبا " هو نادر بل هي صور متعدده، وكونها دون صور ما قبله بقليل لايوجب أن تكون نادرة، ويمكن أن يقال: إن معناه لغة أن
(1) وهو "شرح الإثمار في فقه الأئمة الأطهار ". تأليف: القاضي محمد بن يحيى برهان الصعيدي.
شرح مبسوط ذكر في الأدلة والخلاف، وهو في أربع مجلدات لعله المسمى:"تفتيح القلوب والأبصار ".
تكون ما هي قيد له غالبغ، وتكون ما أخرجته بمفهومها مغلوبا، وإن لم يكن نادرا، وهذا موافق لمعناها لغة، وإن خالف استعمالها اصطلاحا. ثم أيضًا غاية ما في عبارة الأثمار أنه لا يضر البعد الشامل للأحوال الأربعه، ولا ملازمة بين الضرر والفساد الذي هو المراد لصاحب الأزهار، لأن ترك الواجب يضر لكونه يفوت صاحبه المدح؛ إذ الواجب ما يمدح فاعله، ويزم تركه، بل ترك المسنون والمندوب يضر لكونه قد فات ثوبه. فالعبارة لا تفيد الفساد الذي هو المقصود في البحث فليمعن الناظر النظر فيما خطر على البال من هذه المناقشات لصاحب ضوء النهار (1)، وصاحب الأثمار (2). (3)
وأم البحث الثاني المتضن لحكاية أقوال العلماء في مسألة السؤال:
(1) تقدم ذكره.
(2)
تقدم ذكره.
(3)
في هامش المخطوط ما نصه: "أما المناقشة ففيها نظر من وجوه:
الأولى: أن عبارة الجلال لا يرد عليه شيء مما ذكر، لأن ما يستفاد في متن الأزهار بالمفهوم هو كالمنطوق على ما قد عرف من قاعدته، من أول الكتاب إلى آخره، فما معنى المناقشة بإنهاء العبارة لا تدل إلا على طريقة المفهوم.
الوجه الثاني: أن التعبير بالفساد هو مراد صاحب الأزهار بقوله: ولا يضر، ولذا تضمنت عبارته شرح قول الأزهار ولا يضر، أي لا يفسد.
الوجه الثالث: أن التعبير بلفظ البعد يعني غناء ظاهرا، إذ المتون يراعي فيها الا ختصار.
الوجه الرابع: ما ناقش به عبارة صاحب الأثمار في قوله: غالبا لا مسلمه له أنه مخالف لمعناها اصطلاحا، لأنه نادر، وكونه صور متعدده لا يخرجها التعدد عن كونها نادرا فقوله غالبا في محله ومحيزه.
الوجه الخامس: المناقشة لصاحب الأثمار بعدم الملازمة بين الضرر والفساد الذي هو مراد صاحب الأزهار بغير وأرده، لأن حل العبارة واختصارها لا يجب فيه تغير كل لفظ فيها، ولفظ الضرر هو في عبارة الأزهار، فلا وجه لتخصيص المناقشة بذلك على صاحب الأثمار. 1 ه.
فأعلم أنه لما كان لحكاية الأقوال دخل في مسألة السؤال إذ عليها ينبني الاستدلال تعرضنا لها باختصار، وجملتها سته.
المذهب الأول:
التفصيل المتقدم في الأزهار على تلك الصفة السابقة في تعداد المسائل، وهو الذي صححه السيدان الإمامان: المؤيد بالله وأبو طالب للمذهب، وعليه أقتصر المتأخرون من أئمة المذهب الشريف [4أ]، وبه أخذوا (1). المذهب الثاني:
ظاهر قول الهادي عليه السلام في المنتخب (2) وهو قول أبي العباس، أنه فرق بين ارتفاع المؤتم والإمام إذا كان فوق القامة لآن ذلك مما تبطل به الصلاة على المؤتم.
المذهب الثالث:
لأبي حنيفة أنها لا تبطل في الوجهين وتكره (3).
المذهب الرابع:
للشافعي (4) أنه يعفى عن مسافة ثلثمائة زراع "والزائد مبطل. واختلف اصحابه في وجه ذلك، فقال ابن شريح: وجهه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى صلاة الخوف بالطائفة الأولى ركعة، ثم مضت إلى وجه العدو، وهي في الصلاة لتحرس من النبل، ومبلغ النبل في العادة ثلاثمائة زراع. وقال ابن الصباغ، وابن الوكيل (5) بل
(1) انظر "البحر الزخار"(1 - 334).
(2)
تأليف الهادي يحيى بن الحسين الهاشمي اليمني. جمعه تلميذه محمد بن سليمان الكوفي، وعلى هذا الكتاب اعتماد الهادويين من الزيديه في الفقه.
انظر: "مؤلفات الزيديه"(3 رقم 3026).
(3)
انظر "المحلى"(4 - 85).
(4)
ذكره ابن قدامة في "المغني"(3).
(5)
ذكره النووي في "المجموع"(4).
لعرف الناس وعادتهم في استقرائهم لذلك المقدار دون ما زاد عليه. قال المهذب (1): وفي كون ذلك تحديدا أو تقريبا وجهان (2)، وقد دفعه الإمام المهدي في البحر (3) بأن الطائفة لم تمض في صلاة الخوف مصلية.
ويجاب عنه أنه ثبت في رواية صحيحه أنها مضت كذلك، وليس فيها التعليل المذكور بالحراسه من النبل، فلا يتم الاستدلال.
المذهب الخامس:
للأمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة أن البعد لا يضر ما دام المؤتمون يسمعون قراءة الإمام، وبه قال عطاء (4)، وبعضهم قيد قول عطاء بالبعد في الارتفاع فقط، فيكون مذهبا سادسا.
وأما البحث الثالث فهو في الأدلة على هذه المذاهب، فنقول: استدلال الإمام المهدي في البحر (5) لما ذهب إليه أهل المذهب فقال: مسألة: ولا يضر بعد المؤتم في المسجد، ولا الحائل ولا فوق القامة، مهما [4ب] علم حال الإمام إجماعا، ولا ارتفاعه كا فعل أبي هريرة إلا بحذاء رأس الإمام أو متقدما. ولا يضر قدر القامة في غير المسجد أجماعا المذهب وما زاد أفسد، إذ أصل البعد التحريم [في المفروض](6)، ولا دليل على ما تعد القامة. انتهى.
(1)(1).
(2)
أحدهما أنه تحديد، فلو زاد على ذلك زرع لم يجزه.
الثاني: أنه تقريب فإنه زاد على ثلاثة أزرع جاز. وهو الوجه الأصح.
وانظر: "المهذب"(1) و"المجموع"(4).
(3)
(1).
(4)
ذكره النووي في "المجموع"(3).
(5)
(1).
(6)
كذا في المخطوط وفي "البحر الزخار "[للإجماع في المفروض].
وكلامه هذا قد اشتمل على حجج:
الحجة الأولى:
استدلاله على جواز بعد المؤتم وجواز الحائل بينه وبين الإمام في المسجد ولو فوق القامة، إلى حد يمكن معه العلم بحال الإمام بالإجماع.
الحجة الثانية:
الاستدلال على جواز ارتفاع المؤتم في المسجد ولو فوق القامة في المسجد، يكون مشابها لفعل أبي هريرة الذي أشار إليه (1)، وهو ماأخرجه البخاري (2) تعليقا، وسعيد بن منصور في سننه (3) والشافعي (4)، البيهقي (5)، عن أبي هريرة:، أنه صلى على ظهر المسجد بصلاة الإمام ".
وروى سعيد بن منصور (6) مثله عن أنس أنه كان يجمع في دار أبي رافع عن يمين المسجد في غرفة قدر قامة منها، لها باب مشرف على المسجد البصرة، فكان يظاتم بالإمام.
الحجة الثالثة:
(1) عزاه إليه الحافظ في"الفتح"(1).
(2)
في صحيحه رقم (1). باب رقم (18)"الصلاة في السطوح والمنبر ".
(3)
عزاه إليه الجاحظ في "الفتح"(1).
(4)
كما في معرفة "السنن" والآثار " (2 رقم 1515).
(5)
في "السنن" رقم (3).
(6)
عزاه إليه الحافظ في "الفتح"رقم (1).
وقد أخرجه البيهقي في "السنن"(3) والشافعي كما في ترتيب المسند (1 - 108 رقم 317).
عن صالح بن إبراهيم قال رأيت أنس بن مالك صلى الجمعة في بيوت حميد بن عبد الرحمن فصلى صلاة الإمام في المسجد وبين بيوت حميد والمسجد: الطريق.
من الحجج التي أحتج بها الإمام المهدي (1) في كلامه السالف أنه لايضر قدر القامة في غير المسجد إجماعا. الحجة الرابعة:
أنه أحتج للمذهب على أنه إذا زاد على قدر القامة أفسد في غير المسجد، بأن أصل البعد التحريم في المفرط، ولا دليل على ما زاد على القامة، فيكون مفسدا. واحتج للفرق بين جواز ارتفاع المؤتم فوق القامة دون الإمام بما معناه أنه إذا ارتفع الإمام فوق القامة المؤتمون غير متوجهين إليه، بخلاف ما إذا كان المرتفع المؤتمين فإنهم متجهون إلى الإمام، ولو كثر ارتفاعهم. هذا خلاصة احتج به للمذهب، وهو خلاصة ما احتج به [5أ] سائر أهل المذهب من المتقدمين والمتأخرين.
وقد اعترض الجلال في ضوء النهار (2) وما احتج به الإمام المهدي (3) للمذهب من أن أصل البعد التحريم، فقال ما لفظه: واحنج المصنف بالإجماع على منع البعد المفرط وبعدم الدليل على جواز ما فوق القامة. وهو تهافت لأن المجمع على منعه هو غير ما جوازوه، وهذا إنما يصح تعليل الاعتراض به لو كان الإمام المهدي معللا لمنع ما جوازوه من فوق القامة بلإجماع على المنع منه، وهو لم يعلل بذلك، ولا ادعاه، بل قال: إن البعد المفرط أصله أنه مجمع على تحريم. وقال: لا دليلا على ما زاد على القامة، فأي معنى لقول الجلال معللا للاعتراض بأن المجمع على منعه هو غير ما جوازوه،
(1) في "البحر الزخار"(1).
(2)
في "ضوء النهار"(1 «).
(3)
في "البحر الزخار"(1).
فإن الإمام المهدي يقول بموجب هذا الكلام، ويعتف بأن المجمع على منعه هو غير ماجوزوه، إذا لو كان المجمع على منعه هو ما جوزوه لكان الإجماع على منع ما جوزوه كافيا للإمام المهدي في الرد عليهم مغنيا له عن قوله: ولا دليل على ما زاد على القامة. فالحاصل أن تعليل الاعتراض عليه بذلك لا يتم بعد صدور الاحتجاج على من جوز فوق القامة، فإنه ممنوع بلإجماع، وهو لم يحتج عليهم بذلك، إنما احتج عليه بعدم الدليل فيما دون البعد المفرط، وبالإجماع على المنع في المفرط، ولم يقل قائل بجواز البعد المفرط؛ إذا لو قال به قائل لم يكن ثم إجماع [5ب] إن كان القائل من أهل عصر المجمعين، وإن كان بعد عصرهم كان مخالفا للإجماع، لكونه قائلا بجواز ما منع الإجماع، فينظر في ضوء النهار إن كان لفظه هو اللفظ الذي نقلناه عنه سابقا كما رأيناه في النسخة التي حضرت وقت تحرير البحث.
نعم، يمكن مناقشة الإمام المهدي في قوله (1): ولا دليل على ما زاد على القامة فيكون مفسدا بأن يقال: الأصل الجواز، وعدم الفساد كما أشار إليه الجلال، فلا يحتاج القائل به إلى دليل، بل هو قائم مقام المنع، متمسك بالبراءة الأصلية. والدليل على مدعي عدم الجواز والفساد. ولعله يقول: إن الأصل تساوي الإمام والمؤتم في الموقف، من دون ارتفاع، ولا انخفاض، ولا حائل، ولا بعد. وقد نقل عن هذا الأصل الإجماع الدال على جواز قدر القامة كما سبق، فيكون ما زاد عليه باقيا على أصل المنع، فالدليل على مدعي جوازه هذا غاية ما يمكن في تقريره كلامه، ويمكن أن يقلب عليه هذا الاستدلال فيقال: الأصل جواز الائتمام بالإمام على صفة، وفي كل حال، ومن ادعى التقييد بالتساوي في الموقف فهو مدع لتقييد الاقتداء بحالة خاصة، ووضع معين فعليه الدليل من غير فرق بين قد القامة وفوقه، وها نحن نذكر الأن ما يمكن الاستدلال به على كثير من التفاصيل المتقدمة في تلك المذاهب نافيا وإثباتا، ثم بذكر ما تقضيه القواعد
(1) في "البحر الزخار"(1).
الأصولية، والمسالك الاجتهادية، ونبيين ما هو الراجح من الأقوال بمعونة ذي الجلال.
البحث الثالث: فنقول: أخرج أبو داود (1) عن همام أن حزيفة أم الناس بالمدائن على دكان فأخذ مسعود بقميصه فجبذه فلما فرغ من صلاته قال: ألم تعلم [6أ] أنهم كانوا ينهون عن ذلك؟ قال: بلى، قد ذكرت حين يديتني (2)، أي: مدت يدك إلي قميصي وجبذته إليك. وأخرجه أيضًا ابن خزيمة (3)، وابن حبان (4)، والحاكم (5) وصححوه.
وفي رواية للحاكم (6) التصريح برفعه، ورواه أبو داود (7) من وجه آخر وفيه أن الإمام
(1) في "السنن" رقم (597).
(2)
في هامش المخطوط مانصه: يديتني بالياء المثناه التحتيه لا بالميم (*)، واشتقاقه من اليد الجارحة طاهر، وعليه قال الأسدي: المعروف بقاع الدهماء:
يديت إلى ابن حساس بن وهب
…
بأسفل ذي الجذاة يد الكريم (**)
وإن كان هذا من اليد التي هي النعمة فهو يلاقي حقيقتها التي هي الجارحة في جميع تصرفها وتفسيرها مددت يدك إلى قميصي صريح أنها بالياء، وأن الميم تصحيف. والله أعلم.
(*): وثبت أيضًا مديتني، ولعل كانت الحاشية لم تبن عليه.
(*): عزاه ابن منظور في "لسان العرب"(15) قال بعض بني أسد. وهو من شواهد "لسان العرب".
قال الجوهري في "الصحاح"(6): ويديت الرجل: أصبت يده، فهو ميدي فإن أردت أنك اتخذت عند يدا قلت: أيديت عنده يدا فأنا مود إليه ويديت لغة - ثم ذكرت الشاهد المتقدم دون غيره -.
(3)
في صحيحه رقم (1523).
(4)
في صحيحه رقم (2143).
(5)
في "المستدرك"(1) وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. قلت وأخرجه: الشافعي في مسنده (1 - 138) والبغوي رقم (831) والبهقي (3) وابن الجارود رقم (313) وابن أبي شيبة (2). وهو حديث صحيح.
(6)
في "المستدرك"(1).
(7)
في "السنن" رقم (598). وهو حديث حسن لغيره.
كان عمار بن ياسر، والذي يبذه حزيفة، وهو مرفوع، ولكن فيه مجهول والأول أقوى كما قال الحافظ (1). وأخرج الدارقطني (2) من حديث ابن مسعود قال: نها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقوم الإمام فوق شيء والناس خلفه، يعني أسفل منه.
وقد أورده الحافظ في التلخيص (3)، ولم يتكلم عليه. ولا يخفى أن قول أبي مسعود في الحديث الأول أنهم كانوا ينهون عن ذلك، وقد بينه حديثه الآخر أن الذي نها عن ذلك هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكذلك بينته رواية الحاكم التي أشرنا إليها، ومعنى النهي حقيقة التحريم المرادف للفساد كما هو المذهب الحق في الأصول (4)، فيكون ارتفاع الإمام على المؤتم ممنوعا من غير فرق بين قدر القامة ودونها وفوقها، وسواء كان في المسجد، أو في غيره ولكنه قد ثبت في الصحيحين (5) وغيرهما (6) من حديث سهل
(1) في "التلخيص"(2).
(2)
في "السنن" رقم (2).
(3)
في"التلخيص"(2).
(4)
انظر"الكوكب المنير"(1)، "تيسير التحرير"(2). و (1 - 475).
(5)
أخرجه البخاري في صحيحه رقم (377)[وأطرافه: (448، 917، 2094، 2569)] ومسلم رقم (544).
(6)
كأحمد (5) وأبو داود رقم (1080) والنسائي (2) وابن ماجه رقم (1416).
قال القرطبي في "المفهم"(2) استدل أحمد بن حنبل بصلاة النبي على المنبر، على جواز صلاة الإمام على موضع أرفع من موضع المأموم، ومالك يمنع ذلك في الارتفاع الكثير دون اليسير، وعلل المنع: بخوف الكبر على الإمام، واعتزر بعض أصحابه عن الحديث: بأن النبي- صلى الله عليه وسلم معصوم عن الكبر ومنهم من علله، بأن ارتفاع المنبي كان يسير.
وقال النووي في "شرحه لصحيح مسلم"(5 - 34): قالوا العلماء كان المنبر الكريم كما صرح مسلم في روايته رقم (44) فنزل النبي صلى الله عليه وسلم بخطوتين إلى أصل المنبر ثم سجد في جنبه ففيه فوائد منها:
استحباب اتخاذ المنبر. استحباب قول الخطيب ونحوه على مرتفع كمنبر أوغيره. جواز الفعل اليسير في الصلاة فإن الخطوتين لا تبطل بهما الصلاة ولكن الأولى تركه إلا لحاجة فإن كان لحاجة فلا كراهة فيه كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وفيه أن الفعل الكثير كالخطوات وغيرها إذا تفرق لا تبطل لأن النزول عن المنبر والصعود تكرر وجملته كثيرة ولكن أفراده المتفرقه كل واحد منها قليل. وفيه جواز صلاة الإمام على موضع أعلى من موضع المأمومين ولكنه يكره ارتفاع الإمام على المأموم وارتفاع المأموم على الإمام لغير حاجة فإن كان لحاجة بأن أراد تعليمهم أفعال الصلاة لم يكره بل يستحب لهذا الحديث، وكذا إن أراد المأموم إعلام المأمومين بصلاة الإمام واحتاج إلى الارتفاع وفيه تعليم الغمام المأمومين أفعال الصلاة وأنه لا يقدح ذلك في صلاته وليس ذلك من باب التشريك في العبادة بل هو كرفع صوته بالتكبير ليسمعهم. قال الحافظ في "الفتح" (1): والغرض من إيراد هذا الحديث في هذا الباب - رقم 18 - الصلاة في السطوح والمنبر والخشب: جواز الصلاة على المنبر. جواز اختلاف موقف الإمام والمأموم في العلو والسفل وصرح المصنف في حكايته عن شيخه علي بن المديني عن أحمد بن حنبل، ولا بن دقيق العيد في ذلك بحث. فإنه قال: من أراده أن يستدل به على جواز الارتفاع من غير قصد التعليم لم يستقم، لأن اللفظ لا يتناوله. ولا نفراد الأصل بوصف معتبر تقتضي المناسبة اعتباره فلا بد منه. وفيه دليل على جواز العمل اليسير في الصلاة. ..
بن سعد أن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم جلس على المنبر في اول يوم وضع، فكبر وهو عليه راكع، ثم نزل القهقري، فسجد وسجد الناس معه، ثم عاد حتى فرغ، فلما انصرف: أيها الناس فعلت هذا لتأتموا بي، ولتعلموا صلاتي ".
فمن أهل العلم من جعل ارتفاع الإمام على المؤتم مكروها فقط، مستدلا بهذا الحديث الصحيح، ومنهم من استدل به على جواز الارتفاع (1) اليسير، ومنهم من رجحه على
(1) انظر التعليقة السابقة.
الأحاديث السابقة بكونه في الصحيحين (1)، وفي الكل عند نظر، لأن الترجيح على فرض التعارض، ولا تعارض لوجوه:
الوجه الأول:
أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد علل ذلك [6ب] بالتعليم، فغايته أنه يجوز الارتفاع لمن أراد تعليم المؤتمين (2).
الوجه الثاني:
أنه مجرد فعل، وهو لا ينتهض لمعارضة القول.
الوجه الثالث:
أنه قد تقرر في الأصول أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أمرنا بشيء، أو نهانا عن شيء، وفعل ما يخالف أمره نهيه، فإن ظهر في الفعل دليل التأسي (3) به كان ناسخا على فرض تأخره عن الأمر والنهي، وإن لم يظهر دليل التأسي، فإن كان الأمر والنهي شاملين له كان الفعل مختصا به، غير معارض للأمر أو النهي، أو سائر الأقوال، ولم يظهر في هذا الفعل دليل التأسي به، فلا يكون ناسخا، وعلى فرض أن قوله: إنما فعلت إيرادت التعليم فغايته الاختصاص بتلك الحالة كما قدمناه
الوجه الرابع:
أنه لم ينقل إلينا تأخر صلاته على المنبر، حتى يكون الكلام فيه كما قاله القائل، بل ما وقع من الصحابة بعد موته صلى الله عليه وآله وسلم يدل على أن المتأخر هو النهي، فتكرر بمجموع ما ذكرناه أنه لا معارضة بين النهي عن ارتفاع الإمام، وبين فعله صلى الله عليه وآله وسلم على جميع التقادير. فالظاهر أن ارتفاع الإمام لغير
(1) رضي- تقدم تخريجه.
(2)
انظر "فتح الباري"(1).
(3)
انظر تفصيل ذلك في "الكوكب المنير"(2 - 209). " تيسير التحرير"(3).
قصد التعليم ممنوع (1)، ومن ادعى جوازه فعليه الدليل (2) من غير فرق بين القليل والكثير. وأما ارتفاع المؤتم فلم يأت ما يدل على منعه فيكون الأصل معا من قال بجوازه من غير فرق بين القامة ودونها وفوقها، والمسجد وغيره. ومن زعم خواز قدر معين دون ما زاد عليه فعليه الدليل. ويؤيد هذا الجواز ما تقدم من فعل أبي هريرة، وأنس بمحضر الصحابة من دون إنكار.
وما ذكرنا من عدم جواز ارتفاع الإمام (3) يستلزم عدم جواز انخفاض المؤتم، لأن انخفاضه لا يكون إلا إذا كان الإمام مرتفعا [7أ]، وإلا لم يسم انخفاضا، وكذلك ما ذكرناه من جواز ارتفاع المؤتم يستلزم جواز انخفاض الإمام، لأن ارتفاع المؤتم لا يكون إلا إذا كان الإمام منخفضا، وإلا لا يسم ارتفاعا وقد دخل تحت هذا الدليل عدة مسائل مما تقد، وهي ارتفاع الإمام في المسجد، وارتفاعه في غير المسجد قدر القامة ودونها وفوقها، ونخفاضه في المسجد، وانخفاضه في غير المسجد قدر القامة ودونها وفوقها، وارتفاع المؤتم وانخفاضه كذلك. وأما البعد من الإمام عن المؤتم والعكس، وهما متلازمان؛ لأن بعد احدهما من الآخر يستلزم بعد الأخر عنه. وقد قدمنا أن الحائل هو بعد تقيضه بما سلف داخل تحت البعد. فاعلم أن الأصل الجواز لما قدمنا، من غير فرق بين قدر القامة ودونها وفوقها، وفي المسجد وخارجه، ومن زعم التقييد بمقدار معين أو بمكان معين فعليه الدليل، ولم يأت دليل يدل على تقييد ذلك بشيء.
وأما ما تقدم من حكاية الإجماع على منع البعد المفرط فذلك إنما هو حيث لا يدرك
(1) انظر "الفتح"(1) وقد تقدم. "صحيح مسلم شرح النووي"(5 - 34) وقد تقدم.
(2)
قال الشوكاني في "السيل"(1): لا يضر قدر القامة ولا فوقها لا في المسجد ولا غيره من غير فرق بين الارتفاع والا نخفاض والبعد والحائل. ومن زعم أن شيئا من ذلك تفسد به الصلاة. وانظر: "المحلي"(4).
(3)
أنظر" المغني"(3).
المؤتم أفعال الإمام كما تقد عن عطاء، والمنصور. ولا ريب أن من كان من البعد بحيث لا يدرك أفعال إمامه (1)، ولا ينقلها إليه ناقل لا يتمكن من الائتمام والاقتداء بالإمام، فلا يتم صلاة الجماعة لذلك، وما دون هذا البعد، وهو حيث يكون مع بعده يدرك أفعال إمامه ويمكنه الاقتداء به، فلا وجه لمنعه ومن يزعم المنع في صورة من الصور لم يقبل منه ذلك، إلا بدليا وكما أنه لا وجه لقول من قال بالفرق بين المسجد وغيره لا وجه أيضًا لقول الشافعي في التقدير بثاثمائة زراع (2)، فإن ذلك إنما نشأ من ظنه أن ذهاب الطائفة الأولى [7ب] مصلية في صلاة الخوف (3) لقصد الحارسة على النبل،
(1) انظر "المجموع"(3).
(2)
انظر"المغني"(3).
(3)
قال النووي في "المجموع "(3): وقدر الشافعي بثلا ثمائة زراع لأنه قريب في العادة، هذا اختيار منه للصحيح.
وقول الجمهور أن هذا التقدير مأخوذ من العرف لأن من صلاة الخوف.؟
قال بن تيميه في " مجموع"(23): وأما صلاة المأموم خلف الإمام: خارج المسجد أو في المسجد وبينهما حائل فإن كانت الصفوف متصله جاز باتفاق الائمة.
وإن كان بينهما طريق، أو نهر تجري فيه السفن، ففيه قولان معروفان، هما روايتان عن أحمد: أحدهما: المنع كا قول أبي حنيفة. الثاني: الجواز كا قول الشافعي. وأما إذا كان بينهما حائل يمنع الرؤيه، والاستطراق، ففيها عدة أقوال في مذهب أحمد وغيره. قيل يجوز، وقيل: لا يجوز، وقيل: يجوز في المسجد دون غيره، وقيل: يجوز مع الحاجة. ولا يجوز بدون الحاجة.
ولا ريب أن ذلك جائز مع الحاجة مطلقا: مثل أن تكون أبواب المسجد مغلقة، أو تكون المقصورة التي فيه الإمام مغلقة أو نحو ذلك.
وقال النووي في "المجموع"(4):
1 -
يشترط أن لا تطول المسافة بين الإمام والمأمومين إذا صلوا في غير المسجد، وبه قال جماهير العلماء.
2 -
لو حال بينهما طريق صح الاقتداء عندنا وعند مالك والأكثرين.
3 -
لو صلى في دار أو نحوها بصلاة الإمام في المسجد وحال بينهمها حائل لم يصح عندنا وبه قال أحمد. 4 - يشترط لصحة الاقتداء علم المأموم بانتقالات الإمام، سواء صليا في المسجد أو في غيره أو أحدهما فيه والآخر في غيره وهذا مجمع عليه.
* قال ابن حزم في" المحلي"(4): وجائز للإمام أن يصلي في ما كان ارفع من مكان جميع المأمومين وفي أخفض منه، سواء في كل ذلك العامة والأكثر والأقل فإن أمكنه السجود فحسب وإلا فإذا أراد السجود فلينزل حتي يسجد حيث يقدر، ثم يرجع إلى مكانه.
* وقال الشوكاني في "السيل"(1) في هذا الحديث - حديث النهي تقدم تخريجه - دليل على منع الإمام من الارتفاع عن المؤتم، ولكن هذا النهي يحمل على التنزيه لحديث صلاته صلى الله عليه وسلم على المنبي كما في الصحيحين وغيرهما - تقدم - ومن قال إنه صلى الله عليه وسلم فعل حال لتعليم كما وقع في آخر الحديث فلا يفيده ذلك لأنه لا يجوز له في حال التعليم إلا ما هو جائز في غيره ولا يصح القول باختصاص ذلك بالنبي صلى الله عليه وسلم.
وانظر: "فتح الباري"(1). و"إكمال المعلم بفوائد مسلم"(2).
وذلك مجرد تخمين، ولا دليل عليه في الرواية فلا حجة في محض الرأي، وأما استدلال من استدل بما في الصحيحين (1) وغيرهما (2) من حديث سهل بن سعد وغيره أنه كان بين مصلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين الجدار ممر الشاة فليس في هذا من الدلالة شيء لأن الكلام في البعد الكائن بين الإمام والمؤتم، لا في البعد الكائن بين الإمام والجدار الذي أمامه، على أنه لو ورد مثل هذا في المقدار الذي بين الإمام والمأموم لم يكن دليلا على منع ما ذاد عليه، لن غايته جواز هذا المقدار من البعد، وهو لا ينفي جواز ما زاد عليه بلا شك ولا شبهة.
ومن تدبر ما أسلفناه عرف الدليل نافيا وإثباتا على جميع ما قدمنا تحريره من المسائل التي اشتملت عليها مسألة السؤال الواردة من السائل - كثر الله فوائده -.
(1) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (496) وطرفه (7334) ومسلم في صحيحه رقم (508).
(2)
كأبي داواد رقم (696) وهو حديث ضعيف.
حرره المجيب الحقير محمد بن علي الشوكاني - غفر الله له - في النصف الأول من ليلة الاثنين المسفرة إن شاء الله عن اليوم الخامس والعشرين من شهر صفر سنة أربع عشرة ومائتين وألف، سنة 1214.
وكان الفراغ من رقم النسخة المبارك يوم الجمعة خامس عشر من رمضان المكرم سنة 1215. بكلم خادم آل محمد غفر الله له ولوالديه، ولمن دعى لهما بالغفران آمين اللهم آمين والصلاو والسلام الدائمان على سيدنا محمد وآله.