المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الصلاة على من عليه دين - الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني - جـ ٦

[الشوكاني]

فهرس الكتاب

- ‌بحث في الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم

- ‌جواب سؤالات وردت من بعض العلماء

- ‌جواب سؤالات وصلت من كوكبان

- ‌بحث في جواب سؤالات تتعلق بالصلاة

- ‌رفع الأساس لفوائد حديث ابن عباس

- ‌تحرير الدلائل على مقدار ما يجوز بين الإمام والمؤتم من الارتفاع والانخفاض والبعد والحائل

- ‌بحث في كثرة الجماعات في مسجد واحد

- ‌جواب عن الذكر في المسجد

- ‌سؤال: هل يجوز قراءة كتب الحديث كالأمهات في المساجد مع استماع الدين لا فطنة لهم؟ وجواب الشوكاني عليه

- ‌إشراق الطلعة في عدم الاعتداد بإدراك ركعة من الجمعة

- ‌اللمعة في الاعتداد بإدراك الركعة من الجمعة

- ‌ضرب القرعة في شرطية خطبة الجمعة

- ‌الدفعة في وجه ضرب القرعة

- ‌بحث في الكسوف

- ‌جواب على سؤال ورد من بعض أهل العلم يتضمن ثلاثة أبحاث:1 -بحث في المحاريب2 -بحث في الاستبراء3 -بحث في العمل بالرقومات

- ‌الصلاة على من عليه دين

- ‌شرح الصدور في تحريم رفع القبور

- ‌جواب سؤالات وردت من تهامة

- ‌سؤال عن لحوق ثواب القراءة المهداة من الأحياء إلى الأموات

- ‌إفادة السائل في العشر المسائل

الفصل: ‌الصلاة على من عليه دين

‌الصلاة على من عليه دين

تأليف محمد بن علي الشوكاني

حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق

أبو مصعب

ص: 3051

وصف المخطوط:

1 -

عنوان الرسالة: (الصلاة على من عليه دين).

2 -

موضوع الرسالة: فقه الصلاة.

3 -

أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. وبعد: فأنه سأل الأخ القاضي العلامة البارع.

4 -

آخر الرسالة:.

كل ذلك معلوم كما لا يخفى، وإلى هنا انتهى الجواب وفيه كفاية، والله ولي التوفيق. كتبه المجيب محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما.

5 -

نوع الخط: خط نسخي جيد.

6 -

الناسخ: محمد بن علي الشوكاني.

7 -

عدد الصفحات: (10) صفحات.

8 -

عدد الأسطر في الصفحة: 30 سطرا ما عدا الصفحة الأخيرة (5) أسطر.

9 -

عدد الكلمات في الصفحة: 12 كلمة.

10 -

الرسالة من المجلد الثالث من (الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني).

ملحوظة: نقص صفحتين من صورة المخطوط. والله أعلم.

ص: 3053

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وآله وصحبه أجمعين، وبعد:

فإن سأل الأخ القاضي العلامة البارع المعنن المتقن، فرد أرباب الذكاء وقريع أبناء الفهم وجيه الإسلام العلامة عبد الرحمن بن يحيى الآنسي (1) - كثر الله فوائده - سؤالا يحق الجواب عليه، ويتوجيه العناية إليه، فقال: - لا زال محروسا بالعناية من ذي الجلال - ما هذا نصه. حديث: كان إذا أتي بجنازة سأل: هل على صاحبها دين؟ فإن قيل لا. صلى عليها، وإن قيل: نعم لم يصل عليها وقال: صلوا على صاحبكم " الحديث، لا كلام في التشديد في الدين بهذا الحديث وبحديث: إنه يغفر للشهيد ما عداه. والمسؤول فيه عن طرفين:

الطرف الأول: وفيه أسئلة:

(الأول): ما حكم الحديث نفسه؟ ومن خرجه من الحفاظ؟.

(الثاني): هل هو منسوخ على قلة النسخ في الشريعة حتى حصره السيد ابن الوزير (2) في مائة حكم إلا واحد ا عد المجمع عليه منها ثلاثين حكما إلا واحدا، وسبعين حكما مختلف فيها لترددها بين النسخ والتخصيص والمعارضة؟ ولم أره ذكر هذا الحديث

(1) عبد الرحمن بن يحيى الآنسي ثم الصنعاني ولد في شهر ذي العقدة سنة 1168.

أخذ علم العربية والفقه والحديث وأكب على المطالعة واستفاد بصافي ذهنه الوقاد ووافي فكره النقاد علوما جمة.

قال الشوكاني في ترجمته لـ عبد الرحمن بن يحيى رقم (334) فقال وكتب إلي رسالة مشتملة على عشرة أسئلة أجبت عليها برسالة سميتها (طيب النشر في جواب المسائل العشر).

توفي (سنة 1250 هـ).

انظر " البدر الطالع " رقم (334)، " نبل الوطر "(2/ 43 - 44).

(2)

ذكره ابن الوزير في " الروض الباسم "(1/ 201 - 203).

ص: 3057

وعهدته في النقل على كتاب الاعتبار في ناسخ الحديث ومنسوخه للحافظ المعتبط شأنا أبي بكر الحازمي (1).

قال السيد (2): وهو أصح وأجمع ما في الباب، أعني كتاب الاعتبار (3)، وقد طالعته استقصاء فلم أر أنا فيه هذا الحديث.

(الثالث): إن قلنا: هو منسوخ بحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال بعد فتح خيبر، والبحرين، واليمن، إيعاب العرب في الإسلام وسوقها صدقاتها " من ترك دينا فعلي قضاؤه وماله لورثته أو كما قال " (4): ففيه أسئلة (5):

الأول: وهو الرابع من الطرف الأول ما حكمه في نفسه ومن خرجه من الأئمة؟.

الثاني: وهو الخامس من الطرف الأول هل هذا التحمل خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم أم متعد إلى من بعده من خلفائه؟.

الثالث: وهو السادس من الطرف الأول؟ إن قلنا هو عام فهل تسقط التبعة عن المدين وتلحق السلطان؟.

السابع من الطرف الأول إذا كان حديث الامتناع من الصلاة على المديون ثابتا غير منسوخ هل يختص بالنبي صلى الله عليه وسلم أم يعم ويخرج حمله قوله: صلوا على صاحبكم مخرج

(1) هو الإمام أبو بكر محمد بن موسى بن عثمان الحازمي الهمداني (ت 584 هـ) وله ست وثلاثون سنة.

(2)

أي ابن الوزير في " الروض الباسم "(1/ 205): وأحسن كتاب صنف في ناسخ الحديث ومنسوخه كتاب " الاعتبار " للحافظ الحازمي وهو مبسوط كثير الفوائد وليس يخرج منه إلا منسوخ القرآن الكريم، وكثير منه معلوم ضرورة لا يحتاج إلى ذكر مثل: نسخ شرب الخمر، واستقبال بيت المقدس ونحو ذلك.

(3)

مطبوع في مجلد واحد.

انظر: " سير أعلام النبلاء "(21/ 167).

(4)

أي ابن الوزير.

(5)

انظر الإجابة.

ص: 3058

التهديد مثلها في لا أشهد على جور، أشهد غيري عند من يوجب المساواة في الزائد على الفريضة.

الثامن: ثم لم يشفع إلى رب المال بحطه عن هذا بحطه عن هذا المقهور بالموت وهو الشفيع العريض الجاه دنيا وآخرة عند الخالق وخلقه.

التاسع: هل يخص الامتناع عن الصلاة بمن لم يترك قضاء دينه أم يعم على ظاهره؟ ويكون موته مديونا مقتضيا تاما لعدم الصلاة عليه مطلقا.

العاشر: حديث من ادان ما لم ينو قضاءه لقي الله سارقا، ومن ادان ما ينوي قضاءه أداه الله [1] عنه " أو كما قال. وفي معناه أحاديث لكنها في تيسير قضاء دينه له نفسه في الدينا لا في الآخرة. فما حكم هذا الحديث؟ ومن أخرجه منهم؟.

الحادي عشر: كيف الجمع بينه وبين حديث الامتناع من الصلاة؟.

الطرف الثاني هل تمتنع الصلاة على الظالم الناس يأخد أموالهم تجبرا على نظيره، وتهاونا فهي حالقة بقياس الأولى؟ أو يقال: الأصل مبني على سبب، ولا قياس في الأسباب، أفيدونا بما عندكم من غير نظر إلى اختلال في السؤال من عدم حسن سياق، أو ضعف تركيب، أو سوء ترتيب. انتهى السؤال.

وأقول - مستعينا بالله عز وجل مجيبا على قوله: وفيه أسئلة:

الأول: ما حكم الحديث نفسه، ومن خرجه من الحفاظ؟ إن الحديث صحيح أخرجه أحمد (1)، والبخاري (2)، والنسائي (3) من حديث سلمة بن الأكوع. قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتي بجنازة فقالوا: يارسول الله، صل عليها، قال: هل ترك شيئا؟ قالوا: لا. فقال: هل عليه دين؟ قالوا: ثلاثة دنانير، قال: صلوا على

(1) في المسند (4/ 47).

(2)

صحيحه رقم (2289) و (2295).

(3)

في السنن (4). وهو حديث صحيح.

ص: 3059

صاحبكم. فقال أبو قتادة: صل عليه يا رسول الله، وعلي دينه، فصلى عليه.

وأخرجه أيضًا أحمد (1)، وأبو داود (2)، والترمذي (3)، والنسائي (4) وابن ماجه (5). فقال أبو قتادة وصححه الترمذي (6). قال الترمذي والنسائي وابن ماجه. فقال أبو قتادة: أنا أتكفل به.

وأخرج أحمد (7)، وأبو داود (8)، والنسائي (9)، وابن حبان (10) والدارقطني (11)، والحاكم (12) عن جابر قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يصلي على رجل مات عليه دين، فأتي بميت فسأل: أعليه دين؟ قالوا: نعم ديناران. قال: صلوا على صاحبكم، فقال أبو قتادة: هما علي يا رسول الله، فلما فتح الله على رسوله قال: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه؛ فمن ترك دينا فعلي، ومن ترك مالا فلورثته ".

وأخرج الدارقطني (13)،. .............................................

(1) المسند (5/ 297، 302، 304).

(2)

لم أجده.

(3)

في " السنن " رقم (1069).

(4)

في " السنن "(4/ 65) و (7/ 317).

(5)

في " السنن " رقم (2407) وهو حديث صحيح.

(6)

في " السنن "(4/ 180).

(7)

في المسند (3/ 269).

(8)

في " السنن " رقم (3343).

(9)

في السنن (4/ 65).

(10)

في صحيحه (رقم 1162 - موراد).

(11)

في السنن (3/ 79 رقم 293).

(12)

في المستدرك للحاكم (2/ 58) وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. وهو حديث صحيح.

(13)

في السنن (3/ 78 رقم 292).

ص: 3060

والبيهقي (1) عن أبي سعيد قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فلما وضعت قال صلى الله عليه وسلم: هل على صاحبكم من دين؟ قالوا: نعم. درهمان. قال: صلوا على صاحبكم. قال علي رضي الله عنه يا رسول الله، هما علي، وأنا لهما ضامن، فقام يصلي، ثم أقبل على علي فقال: جزاك الله عن الإسلام خيرا، وفك رهنك كما فككت رهان أخيك. ما من مسلم فك وقان أخيه إلا فك الله رهانه يوم القيامة، فقال بعضهم: هذا لعلي خاصة أم للمسلمين عامة؟ فقال بل للمسلمين عامة. وفي إسناده مقال.

وأخرج أحمد (2)، وأبو داود (3)، والنسائي (4)، والدارقطني (5)، وصححه ابن حبان (6)، والحاكم (7) من حديث جابر: قال: توفي رجل فغسلناه، كفناه ثم أتينا به النبي صلى الله عليه وسلم فقلنا نصلي عليه، فخطا خطوة، ثم قال: أعليه دين؟ فقلنا: ديناران، فانصرف فتحملهما أبو قتادة: الديناران علي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد أوفي الله حق الغريم، وبرمنه الميت. قال نعم، فصلى عليه، ثم قال بعد ذلك بيوم: ما فعل الديناران؟ قال: إنما مات أمس قال: فعاد إليه من الغد فقال: قد قضيتها فقال النبي- صلى الله عليه وسلم الآن بردت عليه جلده. فقد بين بهذا الجواب ما سأل عنه السائل - عافاه الله -.

من قال الحديث ومن أخرجه [2] وأنه قد ورد من هذه الطرق التي تقوم الحجة

(1) في السنن (6/ 73). بسند ضعيف.

(2)

في المسند (3/ 269).

(3)

في " السنن " رقم (3343).

(4)

في السنن (4/ 65).

(5)

في السنن (3/ 79 رقم 293).

(6)

في صحيحه (رقم 1162 - موارد).

(7)

في المستدرك (2/ 58). وهو حديث صحيح.

ص: 3061

ببعضها.

وأما قوله الثاني هل هو منسوخ؟ إلخ. فأقول: نعم هو منسوخ بأحاديث منها: حديث أبي هريرة عند البخاري (1) ومسلم (2) وغيرهما (3) أنه صلى الله عليه وسلم قال في خطبته: " من خلف مالا أو حقا فلورثته، ومن خلف كلا أو دينا فكله إلى. ودينه علي ".

وفي لفظ للبخاري (4) وغيره من حديثه: " ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة، اقرؤوا إن شئتم: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) (5) فأيما مؤمن مات وترك مالا فليرثه عصبته من كانوا، ومن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه ". وأخرج أحمد (6)، وأبو يعلى (7) من حديث أنس:" من ترك مالا فلأهله، ومن ترك دينا فعلى الله وعلى رسوله ".

وأخرج ابن ماجه (8) من حديث عائشة: " من حمل من أمتي دينا فجهد في قضائه، فمات قبل أن يقضيه فأنا وليه ".

وأخرج ابن سعيد (9) من حديث جابر يرفعه: " أحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم،

(1) في صحيحه رقم (5371 و2298 و2398 و4781 و2399 و6745 و6763 و6731).

(2)

في صحيحه رقم (14، 15، 16، 17/ 1619).

(3)

كالترمذي رقم (1070) والنسائي (4/ 66). وهو حديث صحيح.

(4)

في صحيحه رقم (478).

(5)

[الأحزاب: 6].

(6)

في المسند (3/ 215).

(7)

في مسنده (7 رقم 1588/ 4343).

وأورده الهيثمي في المجمع (4/ 227) وقال: " رواه أحمد وأبو يعلى وفيه أعين البصري ذكره ابن أبي حاتم ولم يجرحه ولم يوثقه، وبقية رجاله الصحيح. وهو حديث صحيح لغيره.

(8)

لم أعثر عليه؟!.

(9)

في " الطبقات "(1/ 2 / 98) ط: التحرير.

ص: 3062

وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة. من مات فترك مالا فلأهله، ومن ترك دينا أو ضياعا فإلي وعلي ".

وفي حديث آخر أخرجه مسلم (1)، والنسائي (2)، وابن ماجه (3) وفي الباب أحاديث، فيما ذكرناه ما يعني، وقد ثبت التصريح في بعض هذه الأحاديث، بأنه قال هذه المقالة بعد أن كان يمتنع من الصلاة على المديون، فلما فتح الله عليه البلاد، وكثر الأموال صلى على من كان مديونا، وقضى عنه دينه. ومن ذلك حديث أبي قتادة (4) المتقدم في جواب السؤال الأول، فإنه قال فيه بعد أن ذكر أمتناعه من الصلاة على من عليه دين: فلما فتح الله على رسوله (5) إلى آخر ما قاله. وهذا يدل على النسخ أبين دلالة (6)، ويفيده أوضح مفاد، ومن لم يذكره ممن صنف في الناسخ والمنسوخ فهو مما يستدرك به عليه، فقد ذكروا أحاديث وجعلوها من قبيل الناسخ والمنسوخ،

(1) في صحيحه رقم (867).

(2)

في " السنن "(3/ 188).

(3)

في " السنن " رقم (45).

قلت: وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه رقم (1785) والبيهقي (3/ 213، 214) وأبو يعلى في مسنده رقم (346/ 2111).

وهو حديث صحيح.

(4)

تقدم تخريجه وهو حديث صحيح.

(5)

انظر " زاد المعاد "(1/ 485) و" فتح الباري "(12/ 10).

وأخرجه البخاري في صحيحه رقم (5317) ومسلم رقم (1619) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين، فيسأل: هل ترك لدينه فصلا؟ فإن حدث أنه ترك وفاء صلى، وإلا قال للمسلمين: صلوا على صاحبكم. فلما فتح الله عليه الفتوح قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن توفي من المؤمنين فترك دينا فعلي قضاؤه ومن ترك مالا فلورثته ".

(6)

انظر: " رسوخ الأحبار في منسوخ الأخبار "(ص 326 - 327). للجعبري. تحقيق د. حسن محمد مقبولي الأهدل.

ص: 3063

وليس فيها ما يقارب هذا التصريح، بل قد يعولون في النسخ في مواضع كثيرة على مجرد القرائن الواهية، وقد يجعلون مجرد تأخر العام نسخا مع ما في ذلك من الخلاف المعروف في الأصول. وقد يختلط عليهم النسخ بالتخصيص، وقد يضطرب عليهم البحث فيجعلون كثيرا من المباحث التي يمكن فيها الجمع بوجه من وجوهه من باب الناسخ والمنسوخ، فكيف يغفلون عن مثل هذا الذي وقع التصريح فيه بما يدل على الناسخ دلالة أوضح من شمس النهار!.

قوله الأول، وهو الرابع من الطرف الأول: ما حكمه في نفسه ومن خرجه من الأئمة؟. أقول: قد أوضحنا في البحث الذي قبل هذا من خرجه من الأئمة، وأنه ثابت في الصحيحين (1) وغيرهما من تلك الطرق.

قوله: هل هذا التحمل خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم أم متعد إلى من بعده خلفائه؟. أقول: قد قدمنا أنه صلى الله عليه وسلم إنما قال تلك المقالة للعلة المتقدم ذكرها، وهي قوله: فلما فتح الله على رسوله إلخ (2).

وهذا يدل [3] دلالة ظاهرة أن ذلك التحمل إنما هو لمصير أموال الله إليه صلى الله عليه وسلم.

ومعلوم أنها قد صارت إلى من بعده من خلفائه (3) ومن بعدهم كما صارت إليه، بل صار إليهم أكثر مما صار إليه، فإن الله سبحانه لم يفتح غالب البلاد إلا بعد موته، فهم متحملون لديون المديونين يقضونها نم أموال الله سبحانه، يصرفون منها في هذا المصرف كما يصرفون إلى غيره من المصارف منهما وجد بأيديهم من أموال الله عز وجل ما يمكن ذلك منه. إما كلا أو بعضا لا يجوز لهم الإخلال به بحال من الأحوال.

(1) تقدم تخريجه.

(2)

ذكر ذلك ابن حجر في " الفتح "(12/ 10).

(3)

قال الحافظ في " الفتح "(12/ 10) وهل كان ذلك من خصائصه أو يجب على ولاة الأمر بعده؟ والراجح للاستمرار، لكن وجوب الوفاء إنما هو من مال المصالح.

ص: 3064

فهذه شريعة ثابتة غير منسوخة. وقد احتجوا لأنفسهم فأخذوا ما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فعليهم أن يلزموا أنفسهم (1) بما التزمه رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن قالوا: هذا خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم فنقول: وقوله - سبحانه -: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً)(2) الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ونحو هذه الآية مما يكثر تعداده من الآيات

(1) قال الحافظ في " الفتح "(4): أن أبا بكر لما قام مقام النبي صلى الله عليه وسلم تكفل بما كان عليه من واجب أو تطوع، فلما التزم ذلك لزمه أن يوفي ما عليه من دين أو عدة، كان صلى الله عليه وسلم يجب الوفاء بالوعد فنفد أبو بكر ذلك.

وقال النووي في شرحه لصحيح مسلم (11/ 60 - 61): قيل إنه صلى الله عليه وسلم كان يقضيه من مال مصالح المسلمين وقيل من خاص مال نفسه وقيل كان هذا القضاء واجبا عليه صلى الله عليه وسلم وقيل تبرع منه.

وقال القرطبي في " المفهم "(4/ 575): وقال بعض أهل العلم: بل يجب على الإمام أن يقضي من بيت المال دين الفقراء اقتداء بالنبي- صلى الله عليه وسلم فإنه قد صرح بوجوب ذلك عليه. حيث قال: " فعلي قضاؤه " ولأن الميت الذي عليه الدين يخاف أن يعذب في قبره على ذلك الدين كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث دعي ليصلي على ميت، فأخبر: أن عليه دينا لم يترك وفاء فقال: " صلوا على صاحبكم " فقال أبو قتادة: صل عليه يا رسول الله! وعلي دينه فصلي عليه، ثم قال له:" قم فأده عنه " فلما أدى عنه قال صلى الله عليه وسلم: " الأن حين بردت عليه جلدته " تقدم تخريجه. وكما على الإمام أن يسد رمقه ويراعي مصلحته الدنيوية كان أحرى، وأولى أن يسعى فيما يرفع عنه العذاب الأخروي. و (المولى): الذي يتولى أمور الرجل بالإصلاح والمعونة على الخبر، والنصر على الأعداء، وسد الفاقات ورفع الحاجات.

(2)

[التوبة: 103].

قال ابن كثير في تفسيره (4/ 207): أمر الله تعالى رسول صلى الله عليه وسلم بأن يأخذ من أموالهم صدقة يطهرهم ويزكيهم بها، وهذا عام وإن أعاد بعضهم الضمير في " أموالهم " إلى الذين اعترفا بذنوبهم وخلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، ولهذا اعتقد بعض مانعي الزكاة من أحياء العرب أن دفع الزكاة إلى الأمام لا يكون وإنما كان هذا خاصا برسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذا احتجوا بقوله:(خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ) وقد رد عليهم هذا التأويل والفهم الفاسد الصديق أبو بكر وسائر الصحابة، وقاتلوهم حتى أدوا الزكاة إلى الخليفة. كما كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قال الصديق والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأقاتلنهم على منعه. أخرجه البخاري في صحيحه رقم (7284 و7285).

ص: 3065

القرآنية، وفي السنة المطهرة الكثير من ذلك نحو قوله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه أحمد (1)، وابن ماجه (2)، وسعيد بن منصور (3)، والبيهقي (4) من طرق:" أنا وراث من لا وارث له أعقل عنه وأرثه "، وهم لا يقولون: إن ميراث من لا وراث له مختص برسول الله صلى الله عليه وسلم.

والحاصل أنه يقال لمن لم يتحمل بما تحمله رسول الله صلى الله عليه وسلم من ديون المديونين، زاعما أن ذلك خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم اترك قبض الصدقات ونحوها من أموال الله، واترك قبض ميراث من لا وارث له، وسيوجد الله من عباده من يقضي ديون المديونين من أموال الله - سبحانه -، على أنه قد ورد ما يدل على حل النزاع بخصوصه، وهو ما أخرجه الطبراني (5) من حديث سلمان بنحو حديث أبي هريرة المتقدم. وزاد فيه:" ومن ترك دينا فعلي وعلى الولاة من بعدي من بيت مال المسلمين " وهذا الحديث وإن كان في إسناده عبد الله بن سعيد الأنصاري، وهو ضعيف لكنه يشد من عضده ما أخرجه ابن حبان في ثقاته (6) من حديث أبي أما أبي أمامة بنحوه

(1) في " المسند "(4/ 31، 133).

(2)

في " السنن " رقم (2738).

(3)

في " السنن " رقم (172).

(4)

في " السنن الكبرى "(6).

قلت: وأخرجه أبو داود رقم (2899) والحاكم (4/ 344) وقال صحيح على شرط الشيخين رتعقبه الذهبي بأن علي بن طلحة أحد رجاله، وقال أحمد: له أشياء منكرات ولم يخرجه البخاري.

وخلاصة القول أن الحديث حسن.

(5)

في " المعجم الكبير "(6/ 240 رقم 6103).

وأورده الهيثمي في " المجمع "(5/ 332) وقال: فيه عبد الغفور أبو الصباح وهو متروك.

(6)

عزاه إليه ابن حجر في " الفتح "(3/ 48).

ص: 3066

وعلى كل حال فليس التعويل على هذا، بل التعويل على ما قدمنا مما لا محيص لولاة الأمر في هذه الأمة منه.

قوله: إن قلنا هو عام فهل تسقط التبعة عن المديون، وتلحق السلطان؟. أقول: إنه لا بد في هذا من تفصيل يدل عليه ما سنذكره من الأدلة، فيقال: لا يخلو هذا المديون إما أن يكون له مال أو لا، وعلى الثاني إما أن يكون في حال حياته مهتما بقضائه مريدا له، ولم يمنعه منه إلا عدم وجوده له وإعوازه عليه أولا. فهذه ثلاث مسائل (1).

الأولى: من وله مال.

الثانية: من مات ولا مال له، وكان مهتما في حال حياته بقضاء مريدا له عازما عليه، ولم يتمكن منه، ولا تيسر له.

الثالثة: من لا مال له ولم يكن مهتما بقضائه مع تمكنه من القضاء في حال حياته، ولو بالسعي في وجوه المكاسب، وإتعاب نفسه في أسباب التحصيل.

أما المسألة الأولى وهي: من مات وله مال يمكن القضاء منه [4]، وثم سلطان للمسلمين، بيده أموال الله على وجه يتمكن به من قضاء دين ذلك المديون منها كلا أو بعضا، فقد دل قوله- صلى الله عليه وسلم في الأحاديث المتقدمة:" من خلف مالا أو حقا فلورثته، ومن خلف كلا أو دينا فكله إلي ودينه علي "(2) أن السلطان قد صار مكلفا بقضاء دين هذا المديون الذي مات وترك مالا، وأن ذنب الترك عليه. خطاب الله - سبحانه - متوجه إليه، وعقوبته نازله عليه. ولا ينافي هذا قوله في حديث سلمة بن الأكوع المتقدم أن النبي- صلى الله عليه وسلم قال:" هل ترك شيئا؟ قالوا: لا. فقال: هل عليه دين؟ قالوا: ثلاثة دنانير، قال: صلوا على صاحبكم " لأن النبي- صلى الله عليه وسلم إنما امتنع من الصلاة على المديون الذي لا مال له قبل أن يفتح الله عليه، لكونه لم يترك وفاء لدينه، ثم لما فتح الله

(1) انظر " فتح الباري "(4/ 467).

(2)

تقدم تخرجه.

ص: 3067

عليه قال: " من خلف مالا أو حقا فلورثته "؛ فجعل ديون المديونين إليه وعليه، من غير فرق بين من ترك مالا ومن لم يترك مالا. وأما هذا المديون الذي ترك مالا، فإن فرط في قضائه حال حياته، وتساهل مع تمكنه من ذلك وقدرته عليه فلا شك ولا ريب أنه مخاطب بذلك، معاقب عليه. وعليه يحمل حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه ". أخرجه أحمد (1)، وابن ماجه (2)، والترمذي (3) وحسنه، ورجال أسناده ثقات إلا عمر ابن أبي سلمة فهو صدوق يخطئ، فلا يخرج حديثه عن كونه حسنا بذلك.

وأما إذا كان غير متمكن من القضاء، ولا قادر عليه بأن يحول بينه وبين ماله حائل من غضب عاضب، أو حجر من حاكم، أو نحو ذلك مع اهتمامه بالقضاء وكونه راغبا إليه، فهذا لا خطاب عليه من جهة الله - سبحانه -، بل الخطاب على السلطان، وعلى من حال بين هذا المديون وبين ماله في حال حياته بغير موجب شرعي يقتضي تلك الحيلولة، لأنه قد صار بعدم تمكنه من القضاء في حكم من لا مال له.

وقد أخرج الطبراني (4) عن أبي أمامة مرفوعا: " من دان بدين في نفسه وفاؤه، ومات تجاوز الله عنه، وأرضى غريمه بما شاء، ومن دان بدينٍ، وليس في نفسه وفاؤه ومات اقتضى الله لغريمه يوم القيامة ".

(1) في " المسند "(2/ 440)، (2/ 475).

(2)

في السنن رقم (2413).

(3)

في " السنن " رقم (1078) ورقم (1079) وقال حديث رقم (1079) حسن وهو أصح من حديث رقم (1078). وهو حديث صحيح.

(4)

في " الكبير "(8/ 290 رقم 7949). وأورده الهيثمي في " المجمع "(4) وقال: رواه الطبراني وفيه جعفر بن الزبير وهو كذاب.

وأخرجه الحاكم (2/ 23) وتعقبه الذهبي فقال: بشر بن نمير متروك.

ص: 3068

وأخرج (1) أيضًا من حديث ابن عمر: " الدين دينان. فمن مات وهو ينوي قضاءه فأنا وليه، ومن مات ولا ينوي قضاءه فذلك الذي يؤخذ من حسناته ليس يومئذ دينار ولا درهم ".

وأخرج (2) أيضًا من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر بلفظ: " يؤتى بصاحب الدين يوم القيامة فيقول الله: فيم أتلفت أموال الناس؟ فيقول: يارب إنك تعلم أنه أتى على إما حرق وأما غرق، فيقول: فإني سأقضي عنك اليوم، فيقضي عنه ".

وأخرج أحمد (3) وأبو نعيم في الحلية (4)، والبزار (5)، والطبراني (6) بلفظ:" ويدعى بصاحب الدين يوم القيامة حتى يقف بين يدي الله فيقول: يا بن آدم، فيم أخذت هذا الدين، وفيم ضعيت حقوق الناس؟ فيقول: يارب إنك تعلم [5] أني أخذته فلم آكل ولم أشرب ولم أضيع ذلك، ولكن أتي علي إما حرق، وإما سرق، وإما وضيفة، فيقول الله: صدق عبدي، وأنا أحق من قضى عنه، فيدعو الله بشيء فيضعه في كفة ميزانه فترجح حسناته على سيئاته، فيدخل الجنة بفضل رحمته ".

وأخرج البخاري (7) وغيره (8) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من أخذ أموال الناس يريد أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله ".

(1) الطبراني كما عزاه إليه الهيثمي في " المجمع "(4/ 132) وقال: رواه الطبراني في " الكبير "، فيه محمد ابن عبد الرحمن بن البيلماني وهو حديث ضعيف.

وأخرجه ابن ماجه في " السنن " رقم (2414) وهو حديث صحيح.

(2)

الطبراني كما أورده الهيثمي في " المجمع "(4/ 133) وقال رواه أحمد والبزار والطبراني في " الكبير " وفيه صدقة الدقيقي، وثفه مسلم بن إبراهيم وضعفه جماعة.

(3)

في " المسند "(1) بسند ضعيف.

(4)

في الحلية (4/ 141).

(5)

في مسنده (2 - 115 رقم 1332 - كشف).

(6)

الطبراني كما أورده الهيثمي في " المجمع "(4/ 133) وقال رواه أحمد والبزار والطبراني في " الكبير " وفيه صدقة الدقيقي، وثفه مسلم بن إبراهيم وضعفه جماعة.

(7)

في صحيحه رقم (2387).

(8)

كابن ماجه في " السنن " رقم (2411).

ص: 3069

وأخرج ابن ماجه (1)، وابن حبان (2)، والحاكم (3) من حديث ميمونة بلفظ: ما من مسلم يدان دينا يعلم الله أنه يريد أداءه إلا أدى الله عنه في الدنيا والآخرة ".

والاحاديث في هذا الباب كثيرة فيندرج تحتها من مات وله مال، وهوغير متمكن من القضاء منه إلا الحيلولة بينه وبين ماله في حال حياته.

وأما المسألة الثالثة، وهي من لا مال له، ولم يكن مهتما بقضائه، ولم يتمكن منه، ولا تيسر له فهو داخل تحت هذه الأحاديث دخولا أوليا، فلا يخاطب بذلك الدين، بل يقضيه الله عنه. وأما المسألة الثالثة، وهي من لا مال له، ولم يكن مهتما يقضائه مع تمكنه من القضاء حال حياته. فهذا غير داخل تحت هذه الأحاديث فلا يؤدى عنه، بل يخاطبه ويعاقبه بالتفريط بها في القضاء، وعدم الاهتمام به فقط. وأما نفس الدين فالخطاب فيه من الله، والعقاب عليه هو على سلطان المسلمين المتمكن من القضاء منها.

ولكن ههنا دقيقة، وهي أن هذا المديون الذي لم يترك مالا، ولم يهتم بالقضاء مع تمكنه منه إن كان ذلك المال الذي استدانه تلف عليه في غير سرق ولا معصية، أو بأمر لا يقدر على دفعه فلا يبعد أن لا يخاطبه الله على تفريطه بعد الاهتمام بالقضاء مع تمكنه منه كما يشير إليه بعض ما تقدم من الأحاديث.

وههنا مسألة رابعة، وهي من كان لا مال له يتمكن من القضاء منه، ولا كان قادرا

(1) في " السنن " رقم (2408).

(2)

في صحيحه رقم (5041) وهو حديث حسن.

(3)

في " المستدرك "(2).

وهو حديث صحيح دون قوله " في الدنيا والآخرة ".

انظر: " الصحيحة "(1029).

ص: 3070

على القضاء بوجه من الوجوه، ولكنه لم يهتم بالقضاء بحال من الأحوال، فهذا لا شك أن الخطاب في دينه على السلطان. وأما هو فإن أتلف ذلك المال الذي استدانه في غير سرف ولا معصية، فإذا لم يقض عنه السلطان قضى الله عنه، ولا خطاب عنه إلا بترك اهتمامه بالقضاء فقط، لعدم تمكنه من القضاء. ويحتمل أن لا يخاطب بذلك لما تقدم.

واعلم أن العادم الذي ليس بقادر على القضاء هو من لا يجد مالا أصلا إلا ما يستر عورته وعورة من يعول، وما يكنه ويكنهم، ويسد فاقته وفقتهم، وأما من كان له عقار، أو دار، أو عروض فالخطاب عليه بالقضاء منها، متضيق أشد تضيق ومتحتم أبلغ تحتم، فإن زعم والحال هذا أنه مهتم بالقضاء، مريد له، وحريص عليه فهو كاذب على نفسه، مروح لها بالأباطيل، معلل لها بالعلل الزائفة، مطمع له بالشبه الداحضة عند الله، مخادع لها لاخدع التي لا تسمن ولا تغني من جوع [6](1).

ما ورد من الأدلة الكثيرة في إيجاب قضاء الدين، وأنه لا حق للوارث في التركة حتى يقضى. وليس كلامنا هذا إلا في تعلق خطاب الله - سبحانه - هل يكون بالسلطان الذي لم يقض دين المديون، أو بالمديون؟ وقد قدمنا إيضاحه بما لا مزيد عليه. قوله: حديث " من ادان ما لم ينو قضائه.

" (2)، ومن أخرجه منهم (3)؟.

أقول: قد قدمنا ما ورد من الأحاديث في هذا المعنى، ومن أخرجها، ويغني عن ذلك كله الحديث الثابت في صحيح البخاري (4) وغيره (5) بلفظ: " من أخذ أموال الناس

(1) نقص صفحتين من صورة المخطوط.

(2)

تقدم تخريجه وهو حديث ضعيف.

(3)

الطبراني في " الكبير "(8/ 290 رقم 7949).

والحاكم في " المستدرك "(2). وقد تقدم.

(4)

في صحيحه رقم (2387).

(5)

كابن ماجه رقم (2411).

ص: 3071

يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله ".

قوله الحادي عشر: كيف الجمع بينه وبين حديث الامتناع من الصلاة؟. أقول: لا منافاة بين كون الله يقضي دينه لا هتمامه بالقضاء، وعدم إنفاقه في سرف ولا معصية، وبين الامتناع من الصلاة عليه، فإن الامتناع هو لحق صاحب الدين الثابت على المديون في الدنيا، المتعلق ببدنه وماله. ومع هذا فقد قدمنا أن هذا الحكم قد نسخ، ومل يبق وجه للامتناع من الصلاة على مديون قط لما قررناه سابقا.

قوله: الطرف الثاين: هل تمتنع الصلاة على الظالم الناس بأخذ أموالهم تجبرا. .. إلخ؟ أقول: لو لم ينسخ هذا الحكم، أعني الامتناع من الصلاة على المديون لكان هذا أحق بالامتناع من الصلاة عليه من المديون، لكنه قد نسخ الامتناع من الصلاة على المديون فلا وجه للامتناع من الصلاة على هذا، ولا على سائر العصاة إلا ما يتخيله بعض الجامدين على التقليد من أنه لا يصلى على فاسق، وليس على ذلك آثارة من علم، ولا يصح الاستدلال لمن قال: إنه لا يصلى على قاسق بأي وجه فسق بامتناع من الصلاة على المديون لوجهين:

الأول: أنه منسوخ كما سبق.

الثاني: أنه لو كان ثابتا ولم يكن منسوخا فليس فيه أنه لا يصلى على المديون. فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " صلوا على صاحبكم " فدل على أنه يصلى عليه ويتحتم على غير النبي- صلى الله عليه وسلم ومن قام مقامه من خلفاء الرشد، وأئمة العدل أن يصلي على المديون، وأنه كسائر المسلمين في وجوب الصلاة عليه، هكذا سائر العصاة (1) من المسلمين؛ فإنهم

(1) قال ابن قدامة في " المغني "(3/ 508): ويصلى على سائر المسلمين من أهل الكبائر والمرجوم في الزنا وغيرهم.

قال أحمد: من استقبل قبلتنا، وصلى بصلاتنا، نصلى عليه وندفنه ويصلى على ولد الزنا والزانية، والذي يقاد منه في القصاص، أو يقتل في حد، وسئل عمن لا يعطي زكاة ماله، فقال: يصلى عليه ما يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الصلاة على أحد، إلا قاتل نفسه والغال وهذا قول عطاء والنخعي والشافعي وأصحاب الرأي إلا أن أبا حنيفة قال: لا يصلى على البغاة ولا المحاربين لأنهم باينوا أهل الإسلام، وأشبهوا أهل دار الحرب.

وقال ابن حزم في " المحلى "(5/ 169) ويصلى على كل مسلم بر، أو فاجر، مقتول في حد أو في حرابة أو في بغي، ويصلي عليهم الإمام وغيره وكذلك على المبتدع ما لم يبلغ الكفر، وعلى من قتل نفسه، وعلى من قتل غيره ولو أنه شر من على ظهر الأرض إذا مات مسلما لعموم أمر النبي- صلى الله عليه وسلم يقوله:" صلوا على صاحبكم " والمسلم صاحب لنا، قال تعالى:(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)[الحجرات: 10] وقال تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)[التوبة: 71] فمن منع من الصلاة على مسلم فقد قال قولا عظيما، وإن الفاسق لأحوج إلى دعاء إخوانه المؤمنين من الفاضل المرحوم. وقد قال بعض المخالفين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصل على ماعز. قلنا: نعم، ولم نقل إن فرضا على الإمام أن يصلي على من رجم، إنما قلنا: له أن يصلي عليه كسائر الموتى، وله أن يترك كسائر الموتى، ولا فرق وقد أمرهم عليه السلام بالصلاة عليه ولم يخص بذلك من لم يرجمه ممن رجمه.

ص: 3072

من جملتهم، وهم أحق بالصلاة عليهم من المطيعين، لأنهم المحتاجون إلى الشفاعة إلى الله من عباده بالصلاة عليهم. ولم يرد ما يمنع من هذا لا من شرع، ولا من عقل. والمسلمون وإن تفاوتت أقدامهم في العمل بأحكام الإسلام فقد جمعتهم كلمة الإسلام [7]، وشملتهم دعوته، فلكل واحد منهم ما لسائر المسلمين، وعليه ما عليهم، وحساب العاصي منهم على الله عز وجل إن شاء غفر له، وقبل شفاعة الشفعاء فيه، وإن شاء عذبه. لا يسال عم يفعل وهم يسألون، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وإنما الذي نهى الله - سبحانه - عن الصلاة عليه هو الكافر والمنافق (1) كل ذلك معلوم كما لا يخفى. وإلى هنا انتهى الجواب، وفيه كفاية، والله ولي التوفيق.

كتبه المجيب: محمد بن علي الشوكاني - غفر الله لهما -.

(1) يشير إلى قوله تعالى: (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ)[التوبة: 84].

ص: 3073