الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
2 -
ان يكون الدَّيْن ثابتاً في ذمّة الراهن للمرتهن: كثمن مبيع بعدما أبرم البيع ولو قبل تسليم المبيع، أو نفقة زوجة عن زمن مضى، أو مال اقترضه الراهن وقبضه أو قبل قبضه، ونحو ذلك، فيصحّ الرهن.
وإنما صحّ الرهن في هذه الحالات لأن الحق قد ثبت، فصارت الحاجة داعية لأخذ الوثيقة به، فصار الرهن ضماناً للدَّيْن، فجاز أخذه به.
وكذلك يصحّ الرهن لو وقع مع العقد الموجب للدَّيْن، كما لو قال: بِعْني هذا الثوب بمائة إلى شهر، وأرهنك بها هذه الساعة، فقال البائع: قبلت، أو بعتك وارتهنت، أو قال: أقرضني ألفاً الى سنة، وأرهنك بها هذه السجادة، فقال: قبلت، أو أقرضتك وارتهنت، لأن الحاجة تدعو الى ذلك، فلو لم يعقد ذلك ويشترطه مع ثبوت الدَّيْن ربما لم يتمكن من إلزام المشتري أو المقترض بعقد الرهن بعد ثبوت الدَّيْن، فيفوت حقه في التوثّق من دَيْنه.
أما إذا حصل عقد الرهن قبل ثبوت الحق أو العقد الذي يوجبه فإنه لا يصحّ، كما لو ارتهنت الزوجة متاعاً مقابل ما سيثبت لها من نفقة في ايام مقبلة، او ارتهن شيئاً بما سيقرضه إياه، أو بثمن ما سيشتريه منه، فإن الرهن في هذه الحالات لا يصحّ ولا ينعقد.
وذلك لأن الرهن وثيقة بالحق فلا تقدم على ثبوته، وتابع فلا يسبقه، كالشهادة فلا تقدّم قبل ثبوت المشهود عليه ولا تسبقه.
3 -
أن يكون الدَّيْن معلوماً للعاقِدَيْن قدراً وصفة: فلو ثبت أن للمرتهن دَيْناً في ذمة الراهن، لكنه يجهل ما هو: أليرات سورية ام غير ذلك؟ أو يجهل قدرها، أهي الف ام الفان؟ فارتهنه شيئاً بها، فإن الرهن لا يصح، سواء أعلم العاقد الثاني قدرها وصفتها أم لا. وذلك لتعذّر استيفاء هذا الدَّيْن المجهول من ثمن العين المرهونة إذا بيعت عند عدم الوفاء.
لزوم عقد الرهن:
إذا وجدت أركان عقد الرهن بشروطها فقد انعقد صحيحاً، ولكن هل لزم العقد؟ بمعنى أنه ليس للراهن أن يرجع عنه، ويلزمه دفع العين المرهونة للمرتهن،
ام لا يزال له الخيار في ذلك، ان شاء دفع وان شاء رجع؟
والجواب: أن عقد الرهن عقد جائز قبل القبض، وأن القبض من تمامه، وشرط لا يلزم إلا به، فما دامت العين المرهونة بيد الراهن كان له الرجوع عن رهنها، فإذا دفعها للمرتهن، وقبضها المرتهن قبضاً صحيحا لزم العقد، وصار من حق المرتهن احتباسه، وليس للراهن واسترداد العين المرهونة إلا برضاه.
ودليل ذلك:
قوله تعالى: "وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كتابا فرهان مقبوضة". فالفاء المقرونة بكلمة رهان هي جواب للشرط "وإن كنتم" وجزاء له، ومثل هذه الصيغة من صيغ الأمر، فهو أمر إذن بالرهان التي وصفت بأنها "مقبوضة" والأمر بالشئ الموصوف بصفة يقتضي أن يكون ذلك الوصف من تمامه وشرطاً فيه، لأن المشروع بصفة لا يوجد إلا إذا وُجدت تلك الصفة، فدلّ ذلك على أن عقد الرهن لم يتم إذا لم يحصل القبض، فإذا حصل القبض تمّ، وإذا تمّ فقد لزم.
وكذلك: لو كان الرهن يلزم بدون قبض لم يكن لقوله: "مقبوضة" أية فائدة، وكلام الشارع يُصان عن اللغو وعدم الفائدة، فكان لابدّ من إعتبار هذا الوصف الذي قيِّدت به الرهان ليلزم العقد.
وأيضاً: عقد الرهن فيه معنى التبرّع من جهة الراهن - كما مرّ معنا عند الكلام عن شروط العاقِدَيْن - لأنه لا يستوجب على المرتهن بمقابلة حبس العين شيئا، وعقد التبرّع لا يُجبر عليه القائم به، فلو كان الرهن يلزم بمجرد انعقاده لكان مجبراً على إمضائه، ولذا لابدّ من إمضائه باختياره، وذلك يكون بالإقباض منه والقبض من المرتهن، فإذا حصل إمضاء العقد باختياره صار ملزماً به، وامتنع عليه الرجوع عنه.