الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الثاني
المساقاة والمزارعة والمخابرة
المسَاقَاة
تعريفها:
هي - في اللغة - مأخوذة من السَّقْي.
وشرعا: هي ان يتعاقد صاحب الشجر مع غيره، على ان يقوم بإصلاحه وتعهده وما يحتاج إليه من عمل، ويأخذ جزءا معينا مما يخرج منه من ثمر.
وسميت مساقاة: لأن هذا العمل يحتاج الى السقي بالماء ونضحه ونقله أكثر من غيره، فهو أكثر الأعمال مشقة على العامل، وأنفعها للمتعاقد من اجله وهو الشجر.
وتسمى معاملة، وتسميتها مساقاة أولى، لما ذكر.
مشروعيتها:
المساقاة مشروعة وجائزة، وقد دل على مشروعيتها:
1 -
السنّة: ومن ذلك ما رواه عبدالله بن عمر رضى الله عنهما: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر او زرع، وفي رواية: عامل اهل خيبر .. (اخرجه البخاري: المزارعة، باب: المزارعة بالشطر ونحوه، رقم: 2203، ومسلم: المساقاة، باب: المساقاة والمعاملة بجزء من الثمر والزرع، رقم: 1551).
2 -
إجماع الصحابة رضى الله عنهم، فقد استمروا على ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم خلافة ابي بكر وعمر رضى الله عنهما، ولم ينكر ذلك احد منهم. (انظر البخاري ومسلم الموضع المذكور قبل).
حكمة مشروعيتها:
إن الحكمة من مشروعية المساقاة هي تلبية الحاجة الداعية الى ذلك، والتيسير على الناس في تحقيق مصالحهم المشتركة من غير ضرر ولا ضرار، فقد يكون للرجل الأرض والشجر ولا قدرة له على تعهدها والانتفاع بها، ويكون غيره لا ارض له ولا شجر، ولديه القدرة البدنية والخبرة العملية لإصلاح الشجر واستثماره. وفي استئجار من يقوم بالعمل احتمال ضرر بالغ بالمالك، فقد يهمل الأجير العمل، فلا يخرج شئ من الثمر، او يخرج قليل منه لا يقابل الأجر الذي غرمه المالك، وربما غرمه فور التعاقد على العمل. فبهذا العقد ينشط العامل ويندفع للعمل، فربما كان الثمر كثيرا، فينتفع هو مقابل جهده، وينتفع المالك من ثمرة ملكه دون ان يقع عليه ضرر، فتتحقق مصلحة الطرفين، بل مصلحة المجتمع بالانتفاع برزق الله عز وجل، الذي يكون ثمرة الكسب والعمل والبذل، مع الصدق والأمانة والحفظ.
أركانها:
للمساقاة أركان ستة: مالك، وعامل، وصيغة، ومورد، وعمل، وثمر، ولكل منها شروط، وسنبينها مع شروطها بعون الله تعالى.
1 -
المالك:
ويشترط فيه أن يكون كامل الأهلية، إن قام بالتعاقد لنفسه، فإن كان المالك غير اهل للتعاقد - كالصبي والمجنون والمحجور عليه لسفه - ودعت الحاجة والمصلحة الى هذا التعاقد، قام بالتعاقد من له ولاية على المالك، او من له ولاية على المِلْك كأن كان المالك غير معين - كمال بيت المال والوقف - قام بذلك ناظر الوقف والحاكم او نائبه.
2 -
العامل:
ويشترط فيه ما يشترط في المالك من الأهلية، فلا تصح اذا كان صبيا او مجنونا.
3 -
الصيغة:
لابد في المساقاة من ايجاب وقبول، فالإيجاب قد يكون بلفظ صريح: كأن يقول ساقيتك على هذا النخيل - مثلا - بكذا من الثمرة، وبلفظ الكناية: كقوله
سلمت اليك هذا الشجر لتتعهده بكذا، او اعمل على هذا الشجر بكذا، ونحو ذلك من الألفاظ التي يتعارفها الناس في هذا التعاقد، فإذا قبل العامل بلفظ يدل على رضاه بما اوجبه المالك صحت المساقاة.
ولا تنعقد بلفظ الإجارة على الأصح، فلو قال: استأجرتك لتقوم بتعهدها بكذا من ثمرتها، لم تنعقد مساقاة، لأن لفظ الإجارة صريح في عقد آخر، ولم تنعقد إجارة لجهالة الأجرة في هذه الحالة.
ولا بد لصحة الانعقاد من القبول على ما ذكرنا، وان يكون لفظا متصلا بالإيجاب عرفا، وتقوم الإشارة والكتابة من الأخرس مقام اللفظ.
4 -
موردها:
أي ما ترد عليه صيغة المساقاة، وما يصح ان يحصل التعاقد على اصلاحه وتعهده من الشجر، وهو شجر النخيل والعنب.
وذلك لأن النص قد ورد في النخيل صراحة، فقد جاء في رواية من حديث ابن عمر رضى الله عنهما:"دفع الى اهل خيبر نخلها وارضها .. ".
وقيس شجر العنب على النخيل لأنه في معناه، لأن ثمر كل منهما تجب فيه الزكاة باتفاق الفقهاء، ويتأتي فيه الخرص - أي تقدير ما يكون في رطبه من يابس - ولكل منهما رطب ويابس يدخر ويقتات به، فالنخيل يؤكل ثمره رُطبا ويصير تمرا، وشجر العنب يؤكل ثمره عنبا كما يصبح زبيبا.
واختار بعض أئمة المذهب ومرجحيه صحة ورودها على جميع الاشجار المثمرة، قياسا على النخيل والعنب، ولعموم قوله "من ثمر .. ".
ولعل هذا الذي اختاره هو الأرجح والأوفق لحكمة التشريع، من رعاية المصالح والتيسير على الناس، ولاسيما في هذه الأزمان التي كثر فيها تنوع الاشجار المثمرة، فصارت الحاجة ملحة لصحة المساقاة في كل شجر، ولعل سبب ورود النص على النخيل انه كان الأكثر والغالب في بلاد العرب ولاسيما الحجاز، وخصوصا خيبر، يدل على هذا اختلاف روايات الحديث، وان الأكثر منها لم يذكر فيه النخيل، والله تعالى اعلم.
وصحتها في كل الأشجار المثمرة هو قول الشافعي رحمه الله تعالى القديم، ومذهب اكثر الفقهاء غير الشافعية
5 -
العمل:
وهو ما يقوم به العامل من جهد لرعاية الشجر واصلاحه.
وعلى العامل ان يقوم بكل عمل يحتاج اليه لصلاح الثمر واستزادته، مما يتكرر كل سنة:
- فعليه السقي وما يتعلق به: من اصلاح طرق الماء، وفتح رأس الساقية وسدها عند السقي، وتنقية مجرى الماء من طين وعشب ونحوه، واصلاح الحفر حول اصول الشجر ليستقر فيها الماء.
- وعليه تلقيح الأشجار ونحوه.
- وكذلك إزالة قضبان مضرّة وتنحية اعشاب وحشائش قد تؤثر على الشجر.
- وعليه - ايضا - تعريش ما جرت العادة بتعريشه من الأشجار في تلك البقاع، ووضع حشائش ونحوها على الثمار لصيانتها من الشمس، حسب العادة والحاجة.
- والأصح أن عليه حفظ الثمر وصيانته من السرّاق، وكذلك عليه حفظه من الحشرات بالرش بالمبيدات ونحو ذلك، كما ان عليه قطعه وتجفيفه إن كان مما يجفف، كثمر النخيل والعنب والتين.
فإن عجز عن بعض هذه الأعمال - لكثرة الشجر مثلا او كبر البستان - استعان عليها، وكانت نفقتها عليه.
وليس عليه ان يقوم بأي عمل يقصد به حفظ الشجر، ولا يتكرر كل سنة.
فليس عليه بناء حيطان، ولا حفر نهر جديد او بئر، ولا نصب باب، ولا ادوات حراثة، ولا ما يستخرج به الماء كمحرّك، ونحو ذلك، بل ذلك كله ونفقاته على المالك.
ولو شرط المالك على العامل القيام بما ليس عليه لم تصحّ المساقاة، وكذلك لو شرط العامل على المالك القيام بما هو من واجب العامل.
ويشترط في صحة المساقاة:
- ان ينفرد العامل بالعمل وباليد، أي في التخلية بينه وبين المعقود عليه وان يسلم اليه، ليتمكن من العمل متى شاء. فلو شرط بقاء البستان في يد المالك، او اشتراكهما في اليد لم تصح المساقاة، ولو شرط المالك وجود اجير له، ليقوم عنه بما يترتب عليه ويخصه من اعمال، صحّ.
- كما يشترط معرفة قدر العمل إجمالا، وذلك بذكر مدة تثمر فيها الأشجار المعقود عليها غالبا وتبقى صالحة للاستغلال.
فلا تصحّ مطلقة عن المدة، أو مقيدة بزمن لا تثمر فيه تلك الأشجار غالباً، لخلوّها عن العوض بالنسبة للعامل، ولا مقّيدة بزمن لا تبقي فيه الأشجار صالحة للأستغلال.
ولا يصح توقيتها بإدراك الثمر على الأصح، لجهالة المدة، لأن إدراكه قد يتقدم وقد يتأخر.
6 -
الثمرة:
أي ثمرة الأشجار التي ورد عقد المساقاة على تعهدها، ويشترط في هذا:
1 -
أن تكون مختصّة بهما، أي المالك والعامل، فلا يجوز ان يشترط جزء منها لغيرهما، فلو شرط شئ من ذلك فسد عقد المساقاة.
2 -
ان يشتركا في الثمر، فلو شرط ان كون الثمر كله لواحد منهما كانت مساقاة فاسدة.
3 -
ان يكون نصيب كل منهما معلوما بالجزئية، كربع وثلث ونصف ونحو ذلك، فلو قال: على ان الثمر بيننا، كان مناصفة، فلو شرط لواحد منهما نصيب معين - كألف صاع مثلا، أو الف رطل من الثمرة - لم يصح، لأنه ربما ما أثمرت ذلك، او لم تثمر غيره، فيخلو العاقد الثاني عن العوض، ومثل هذا لو شرط لواحد منهما قدر معين من النقد.
ويثبت حق العامل في الثمرة بظهورها، فإذا اطلعت قبل انقضاء المدة - أي ظهر اول حملها ولو لم يظهر تماما - ثبت حقه فيها.