الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نتصور أن «الادغام» كان اكثر شيوعا في لهجات القبائل النازحة الى العراق.
ولعل ذلك هو الذي جعل قراء «الكوفة، والبصرة، والشام» اكثر نقلا للادغام من قراء «مكة، والمدينة» .
نظرا لان البيئة الحجازية كانت بيئة استقرار، وبيئة حضارة نسبيا فيها يميل الناس الى التأني في النطق، والى تحقيق الاصوات وعدم الخلط بينها.
- والله اعلم-
ظاهرة تخفيف الهمز
الهمز من أصعب الحروف في النطق، وذلك لبعد مخرجها اذ تخرج من اقصى الحلق، كما اجتمع فيها صفتان من صفات القوة: وهما: الجهر، والشدة.
والهمزة صوت صامت حنجري انفجاري، وهو يحدث بأن تسد الفتحة الموجودة بين الوترين الصوتيين وذلك بانطباق الوترين انطباقا تاما فلا يسمح للهواء بالنفاذ من الحنجرة: يضغط الهواء فيما دون الحنجرة ثم ينفرج الوتران فينفذ الهواء من بينهما فجأة محدثا صوتا انفجاريا (1).
لذلك فقد عمدت بعض القبائل العربية الى تخفيف النطق بالهمز.
فمن الحقائق العامة ان الهمز كان خاصة من الخصائص البدوية التي اشتهرت بها قبائل وسط الجزيرة العربية وشرقيها: «تميم» وما جاورها.
وان تخفيف الهمز كان خاصة حضرية امتازت بها لهجة القبائل في شمال الجزيرة وغربيها.
وقد ورد النص في كلام «ابي زيد الانصاري» ت 215 هـ ان «اهل الحجاز، وهذيل، واهل مكة، والمدينة المنورة لا ينبرون» (2).
(1) انظر: اللهجات العربية في القراءات القرآنية ص 95.
(2)
انظر: لسان العرب ج 1 ص 22.
وقد نسب عدد من العلماء الاوائل ظاهرة تخفيف الهمز الى «الحجازيين» . ولكن ينبغي ان لا نأخذ هذا الحكم مأخذ الصحة المطلقة لاعتبارين:
الاول: ان الاخبار تدل على ان بعض «الحجازيين» كانوا يحققون الهمز.
الثاني: ان تخفيف الهمز لم يكن مقصورا على منطقة دون اخرى وانما كان فاشيا في كثير من المناطق العربية وان تفاوتت صوره ودرجاته (1).
واذا كانت القبائل البدوية التي تميل الى السرعة في النطق، وتسلك ايسر السبل الى هذه السرعة فان تحقيق الهمز كان في لسان الخاصة التي تخفف من عيب هذه السرعة، أي ان الناطق البدوي تعود النبر في موضع الهمز، وهي عادة املتها ضرورة انتظام الايقاع النطقي، كما حكمتها ضرورة الابانة عما يريده من نطقه لمجموعة من المقاطع المتتابعة السريعة الانطلاق على لسانه، فموقع النبر في نطقه كان دائما ابرز المقاطع وهو ما كان يمنحه كل اهتمامه وضغطه.
اما القبائل الحضرية فعلى العكس من ذلك، اذ كانت متأنية في النطق، متئدة في ادائها او إذا لم تكن بها حاجة الى التماس المزيد من مظاهر الاناة، فأهملت همز كلماتها، أعني المبالغة في النبر واستعاضت عن ذلك بوسيلة اخرى كالتسهيل، والابدال، والاسقاط (2).
وبالتتبع وجدت الوسائل التي سلكها العرب لتخفيف الهمز ما يلي: النقل- والابدال- والتسهيل- والحذف.
وقد وردت القراءات القرآنية الصحيحة بكل ذلك:
فالنقل يجوز عند القراء اذا كانت الهمزة متحركة بعد ساكن صحيح، فاذا اريد تخفيفها فانها تحذف بعد نقل حركتها الى الساكن الذي قبلها سواء كانت حركتها فتحة: نحو «قرآن- قد افلح» او كسرة نحو: «من
(1) من اصول اللهجات العربية في السودان ص 34.
(2)
انظر: مخطوطة الوقف والوصل في اللغة العربية ص 120.
استبرق» او ضمه نحو: «قل أوحى» .
وذلك لقصد التخفيف، ومظهر الصوتيات هنا اننا حذفنا من الكلمة مقطعا صوتيا كما اننا حذفنا صوت الهمزة.
اما الابدال: فان الهمزة الساكنة تقع بعد فتح نحو: «الهدى ائتنا» او كسر نحو: «الذي ائتمن» او ضم نحو: «يقول ائذن لي» ففي هذه الاحوال الثلاثة يجوز عند القراء ابدال الهمزة حرف مد من جنس حركة الحرف الذي قبلها: فاذا كان فتحا تبدل الفا، واذا كان كسرا تبدل ياء، واذا كان ضما تبدل واوا.
وذلك كي يكون الحرف المبدل مجانسا للحركة التي قبله. ومظهر الصوتيات هنا هو اننا احلنا صوت حرف محل الهمزة، فاذا كانت الهمزة مفتوحة فقد احللنا صوت الالف، واذا كانت مكسورة فقد احللنا صوت الياء، واذا كانت مضمومة فقد احللنا صوت الواو.
اما التسهيل والحذف: فان الهمزتين من كلمتين تكونان متفقتين في الحركة سواء كانتا مفتوحتين نحو: «جاء أحدكم» او مكسورتين نحو:
«هؤلاء ان كنتم» او مضمومتين نحو: «اولياء اولئك» وقد اختلف القراء في تخفيف احدى الهمزتين على النحو التالي:
1 -
بعضهم قال بحذف احدى الهمزتين في الاقسام الثلاثة، ومظهر الصوتيات هنا هو اننا حذفنا من الكلمة مقطعا صوتيا.
ب- وبعضهم قال بتسهيل احدى الهمزتين «بين بين» في الاقسام الثلاثة، ومظهر الصوتيات هنا هو ان صوت الهمزة المسهلة يختلف عن صوت الهمزة المحققة، وبيان ذلك ان الهمزة المسهلة تعتبر حرفا فرعيا، فاذا
كانت مفتوحة تسهل بين الهمزة والالف، واذا كانت مكسورة تسهل بين الهمزة والياء، واذا كانت مضمومة تسهل بين الهمز والواو.
ج- وبعضهم يبدل الهمزة الثانية حرف مد في الاقسام الثلاثة، ومظهر الصوتيات هنا هو اننا احللنا صوتا مغلقا محل صوت مفتوح.