المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

124 - قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ - المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة - جـ ٢

[خالد المزيني]

فهرس الكتاب

- ‌سورة هود

- ‌(5)

- ‌(114)

- ‌سورة الرعد

- ‌(13)

- ‌(43)

- ‌سورة إبراهيم

- ‌(27)

- ‌سورة الحجر

- ‌(24)

- ‌سورة النحل

- ‌(126)

- ‌سورة الإسراء

- ‌(56)

- ‌(57)

- ‌(59)

- ‌(80)

- ‌(85)

- ‌(110)

- ‌سورة الكهف

- ‌(28)

- ‌(109)

- ‌سورة مريم

- ‌(64)

- ‌(77)

- ‌(78)

- ‌(79)

- ‌(80)

- ‌سورة الحج

- ‌11

- ‌(19)

- ‌(39)

- ‌سورة المؤمنون

- ‌(76)

- ‌سورة النور

- ‌3

- ‌(6)

- ‌(7)

- ‌(8)

- ‌(9)

- ‌(11)

- ‌(22)

- ‌(33)

- ‌(58)

- ‌سورة الفرقان

- ‌(68)

- ‌(69)

- ‌(70)

- ‌سورة القصص

- ‌(56)

- ‌سورة العنكبوت

- ‌(8)

- ‌(51)

- ‌سورة الروم

- ‌1

- ‌3

- ‌(2)

- ‌(4)

- ‌(5)

- ‌سورة لقمان

- ‌(6)

- ‌13

- ‌(14)

- ‌(15)

- ‌سورة الأحزاب

- ‌(4)

- ‌(5)

- ‌(23)

- ‌(28)

- ‌(29)

- ‌(35)

- ‌(37)

- ‌(40)

- ‌(50)

- ‌(51)

- ‌(53)

- ‌(69)

- ‌سورة يس

- ‌(12)

- ‌سورة (ص)

- ‌1

- ‌سورة الزمر

- ‌(53)

- ‌(67)

- ‌سورة فصلت

- ‌(22)

- ‌(23)

- ‌(24)

- ‌سورة الشورى

- ‌(23)

- ‌سورة الزخرف

- ‌(57)

- ‌سورة الدخان

- ‌(10)

- ‌سورة الأحقاف

- ‌(10)

- ‌سورة الفتح

- ‌1

- ‌(18)

- ‌(24)

- ‌سورة الحجرات

- ‌1

- ‌(2)

- ‌(4)

- ‌6

- ‌(7)

- ‌(8)

- ‌(9)

- ‌(11)

- ‌(17)

- ‌سورة القمر

- ‌1

- ‌(2)

- ‌(48)

- ‌(49)

- ‌سورة الواقعة

- ‌(39)

- ‌(40)

- ‌(75)

- ‌(76)

- ‌(77)

- ‌(78)

- ‌(79)

- ‌(80)

- ‌(81)

- ‌(82)

- ‌سورة الحديد

- ‌(16)

- ‌(27)

- ‌(28)

- ‌(29)

- ‌سورة المجادلة

- ‌1

- ‌2

- ‌(3)

- ‌(4)

- ‌(8)

- ‌(13)

- ‌17

- ‌(14)

- ‌(15)

- ‌(16)

- ‌(18)

- ‌سورة الحشر

- ‌(5)

- ‌(9)

- ‌سورة الممتحنة

- ‌1

- ‌(8)

- ‌(10)

- ‌(11)

- ‌سورة الصف

- ‌1

- ‌2

- ‌(3)

- ‌(14)

- ‌سورة الجمعة

- ‌(11)

- ‌سورة المنافقون

- ‌1

- ‌سورة التغابن

- ‌(14)

- ‌سورة التحريم

- ‌1

- ‌(5)

- ‌سورة الجن

- ‌1

- ‌سورة المدثر

- ‌1

- ‌سورة القيامة

- ‌(16)

- ‌سورة النازعات

- ‌(42)

- ‌سورة عبس

- ‌1

- ‌(2)

- ‌سورة المطففين

- ‌1

- ‌سورة الضحى

- ‌1

- ‌(2)

- ‌(3)

- ‌سورة العلق

- ‌6

- ‌سورة القدر

- ‌1

- ‌(2)

- ‌(3)

- ‌سورة الكوثر

- ‌1

- ‌(2)

- ‌(3)

- ‌سورة المسد

- ‌1

- ‌(2)

- ‌سورة الإخلاص

- ‌2

- ‌(1)

- ‌(3)

- ‌(4)

- ‌الخاتمة

الفصل: 124 - قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ

124 -

قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ‌

(6)

وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ‌

(7)

وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ ‌

(8)

وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ‌

(9)

* سَبَبُ النُّزُولِ:

1 -

(أ) أخرج البخاري وأحمد والدارمي ومسلم وأبو داود والنَّسَائِي وابن ماجه عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن عويمراً العجلانيَّ جاء إلى عاصم بن عدي الأنصاري فقال له: يا عاصم، أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً أيقتله فتقتلونه، أم كيف يفعل؟ سل لي يا عاصم عن ذلك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فسأل عاصم عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فكره رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها، حتى كبر على عاصم ما سمع من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فلما رجع عاصمٌ إلى أهله، جاءه عويمر فقال: يا عاصم، ماذا قال لك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؟ فقال عاصم: لم تأتني بخير، قد كره رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم المسألة التي سألته عنها، قال عويمر: واللَّه لا أَنتهي حتى أسأله عنها، فأقبل عويمر حتى أتى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وسط الناس، فقال: يا رسول اللَّه أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً، أيقتله فتقتلونه، أم كيف يفعل؟ فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:(قد أنزل اللَّه فيك وفي صاحبتك فاذهب فَأُتِ بها) قال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فلما فرغا قال عويمر: كذبت عليها يا رسول اللَّه إن أمسكتها، فطلقها ثلاثاً قبل أن يأمره رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.

ص: 719

قال ابن شهاب: فكانت تلك سنةَ المتلاعنين.

(ب) وفي لفظ للبخاري: فقال عويمر: واللَّه لآتينَّ النبي صلى الله عليه وسلم فجاء وقد أنزل الله تعالى القرآن خلف عاصم، فقال له:(قد أنزل الله فيكم قرآناً).

2 -

أخرج البخاري ومسلم والنَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنه قال: ذُكر التلاعن عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال عاصم بن عدي في ذلك قولاً، ثم انصرف فأتاه رجل من قومه يشكو إليه أنه قد وجد مع امرأته رجلاً، فقال عاصم: مما ابتليتُ بهذا إلا لقولي، فذهب به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بالذي وجد عليه امرأته، وكان ذلك الرجل مصفرًّا، قليل اللحم، سَبْطَ الشعر، وكان الذي ادعى عليه أنه وجده عند أهله خَدْلاً آدم كثير اللحم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:(اللهم بيِّن) فجاءت شبيها بالرجل الذي ذكر زوجها أنه وجده، فلاعن النبي صلى الله عليه وسلم بينهما.

قال رجل لابن عبَّاسٍ في المجلس: هي التي قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لو رجمتُ أحدًا بغير بينة رجمتُ هذه) فقال: لا تلك امرأة كانت تظهر في الإسلام السوء.

ص: 720

3 -

(أ) أخرج مسلم وأحمد والدارمي والترمذي والنَّسَائِي عن عبد اللَّه بن عمر رضي الله عنهما أنه سئل عن المتلاعنين أيفرق بينهما؟ قال: سبحان اللَّه. نعم إن أول من سأل عن ذلك فلان بن فلان. قال: يا رسول اللَّه أرأيت أن لو وجد أحدنا امرأته على فاحشة كيف يصنع؟ إن تكلم تكلم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك. قال: فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجبه. فلما كان بعد ذلك أتاه فقال: إن الذي سألتك عنه قد ابتليتُ به. فأنزل اللَّه عز وجل هؤلاء الآيات في سورة النور: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ) فتلاهن عليه ووعظه وذكَّره وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، قال: لا والذي بعثك بالحق ما كذبتُ عليها، ثم دعاها فوعظها وذكرها وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة. قالت: لا والذي بعثك بالحق إنه لكاذب فبدأ بالرجل فشهد أربع شهادات باللَّه إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة اللَّه عليه إن كان من الكاذبين. ثم ثنى بالمرأة فشهدت أربع شهادات باللَّه إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب اللَّه عليها إن كان من الصادقين. ثم فرق بينهما.

(ب) وفي رواية للبخاري ومسلم عنه رضي الله عنه قال: فرّق النبي صلى الله عليه وسلم بين أخويْ بني العجلان وقال: (اللَّه يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب) فأبيا، فقال:(اللَّه يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب). فأبيا فقال: (اللَّه يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب) فأبيا، ففرق بينهما.

4 -

أخرج مسلم وأحمد وأبو داود وابن ماجه عن عبد اللَّه بحن مسعود رضي الله عنه قال: إنا ليلة الجمعة في المسجد. إذ جاء رجل من الأنصار

ص: 721

فقال: لو أن رجلاً وجد مع امرأته رجلاً فتكلم جلدتموه، أو قتل قتلتموه، وإن سكت سكت على غيظ، والله لأسألن عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كان من الغد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله. فقال: لو أن رجلاً وجد مع امرأته رجلاً فتكلم جلدتموه، أو قتل قتلتموه، أو سكت سكت على غيظ. فقال:(اللهم افتح) وجعل يدعو. فنزلت آية اللعان: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ) هذه الآيات - فابتلي به ذلك الرجل من بين الناس - فجاء هو وامرأته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاعنا فشهد الرجل أربع شهادات باللَّه إنه لمن الصادقين، ثم لعن الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. فذهبت لتلعن. فقال لها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:(مه) فأبت فلعنت. فلما أدبرا قال: (لعلها أن تجيء به أسود جعداً) فجاءت به أسود جعداً.

5 -

أخرج مسلم والنَّسَائِي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: إن هلال بن أُمية قذف امرأته بشريك بن سحماء، وكان أخا البراء بن مالك لأمه. وكان أول رجل لاعن في الإسلام. قال: فلاعنها فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: (أبصروها فإن جاءت به أبيض سبطاً قضيء العينين فهو لهلال بن أُمية وإن جاءت به أكحل جعداً حمش الساقين فهو لشريك بن سحماء) قال: فأُنبئتُ

ص: 722

أنها جاءت به أكحل، جعداً، حمش الساقين.

ولفظ النَّسَائِي: إذ نزلت عليه آية اللعان: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ).

6 -

أخرج البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما أن هلال بن أُمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (البينة أو حد في ظهرك) فقال: يا رسول اللَّه، إذا رأى أحدنا على امرأته رجلاً ينطلق يلتمس البينة، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول:(البينة وإلا حد في ظهرك) فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق فلينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد فنزل جبريل وأنزل عليه: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ) فقرأ حتى بلغ (إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ) فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليها، فجاء هلال فشهد، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:(إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب) ثم قامت فشهدت فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا: إنها موجبة.

ص: 723

قال ابن عبَّاسٍ: فتلكأت ونكصت، حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:(أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين، سابغ الإليتين، خدلج الساقين، فهو لشريك بن سحماء) فجاءت به كذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:(لولا ما مضى من كتاب اللَّه لكان لي ولها شأن).

ص: 724

* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:

هكذا جاء في سبب نزول هذه الآيات. وقد أورد جمهور المفسرين هذه الأحاديث أو بعضها على اختلاف بينهم منهم الطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية، والقرطبي وابن كثير، وابن عاشور.

قال ابن عطية: (والمشهور أن نازلة هلال قبل وأنها سبب الآية، وقيل نازلة عويمر قبل وهو الذي وسط إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عاصم بن عدي) اهـ.

قال القرطبي: (قال الطبري: يستنكر قوله في الحديث هلال بن أُمية وإنما القاذف عويمر بن زيد بن الجد بن العجلاني رماها بشريك بن السحماء والسحماء أمه، قيل لها ذلك لسوادها وهو ابن عبدة بن الجد بن العجلاني، كذلك كان يقول أهل الأخبار

وذكر كلامًا إلى أن قال: قال الكلبي: والأظهر أن الذي وجد مع امرأته شريكًا عويمر العجلاني لكثرة ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لاعنَ بين العجلاني وامرأته، واتفقوا على أن هذا الزاني هو شريك بن عبدة وأمه السحماء، وكان عويمر وخولة بنت قيس وشريك بني عم عاصم) اهـ.

وقال ابن عاشور: لما ذكر قصة عويمر: (فكانت هذه الآية مبدأ شرع الحكم في رمي الأزواج نساءهم بالزنى. واختلط صاحب القصة على بعض الرواة فسموه هلال ابن أُمية الواقفي. وزيدَ في القصة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (البينة وإلا حد في ظهرك) والصواب أن سبب نزول الآية قصة عويمر العجلاني وكانت هذه الحادثة في شعبان سنة تسع عقب القفول من غزوة تبوك، والتحقيق أنهما قصتان حدثتا في وقت واحد أو متقارب) اهـ.

وبعد نقل أقوال بعض المفسرين سأنقل ما وقفت عليه من أقوال المحدثين:

ص: 726

قال ابن بطال: (قال أْبو عبد الله بن أبي صفرة: الصحيح أن القاذف لزوجته عويمر وهلال بن أمية خطأ. وقد روى القاسم عن ابن عبَّاسٍ أن العجلاني قذف امرأته، كما روى ابن عمر وسهل بن سعد وأظنه غلط من هشام بن حسان. ومما يدل على أنها قصة واحدة توقف النبي صلى الله عليه وسلم فيها حتى أنزل اللَّه فيها الآية، ولو أنهما قضيتان لم يتوقف عن الحكم فيها، ولحكم في الثانية بما أنزل اللَّه في الأولى) اهـ

وقد نقل البيهقي بإسناده إلى الشافعي أنه قال: (وقد قذف العجلاني امرأته بابن عمه، وابن عمه شريك بن السحماء).

ثم قال: هكذا ذكره الشافعي في الإملاء أن القاذف كان العجلاني وهو عويمر العجلاني المذكور في حديث سهل بن سعد الساعدي، والذي رُمي به شريك بن السحماء وهو المذكور في حديث عكرمة عن ابن عبَّاسٍ وفي حديث أنس بن مالك وبمعناه نقل المزني في المختصر، فذهب بعض مشايخنا إلى أن هذا غلط، فإن القاذف بشريك بن سحماء هو هلال بن أُمية، وكذلك رواه عكرمة عن ابن عبَّاسٍ أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء، أما عويمر العجلاني فإنه لم يسم من رمى امرأته به.

كذلك رواه سهل بن سعد الساعدي وعبد اللَّه بن عمر دون اسم المرمي به غير أن في رواية سهل ما دلّ على أنه رماها برجل بعينه لأنه قال في حديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن جاءت به لنعت كذا فلا أراه إلا قد صدق عليها، فلولا أنه كان مسمى بعينه لما جعل شبه الولد به علاقة لصدقه إلا أنه لم ينقله سهل.

وهذا الذي ذهب إليه هذا القائل محتمل غير أن الشافعي رحمه الله لم ينفرد بهذا القول وتبع فيما قال من رواية من رواه كذلك وهي رواية المغيرة بن عبد الرحمن وابن أبي الزناد عن أبي الزناد عن القاسم بن محمد عن ابن عبَّاسٍ أنه سمع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لاعنَ بين العجلاني وامرأته وكانت حاملاً وكان الذي رميت به ابن السحماء. ثم فكر كلامًا حتى قال:

والذي يغلب على ظني أن الذي رواه ابن عبَّاسٍ وابن عمر وسهل بن

ص: 727

سعد وأنس بن مالك وغيرهم في حديث المتلاعين خبر عن قصة واحدة لاتفاق من فكر منهم نزول الآية، على أن الآية نزلت نميما رواه من قصة المتلاعنين، ونزولها يكون مرة واحدة لاتفاقهم على أنه رماها وهي حامل، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن جاءت به على نعت كذا فهو كذا، وقلَّ ما يتفق جميع ذلك في قصتين مختلفتين إلا أن عكرمة خالف القاسم بن محمد عن ابن عبَّاسٍ ثم سهلاً وابن عمر في تسميته القاذف بهلال بن أُمية.

وخالف هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أنس سهلاً وابن عمر، ثم رواية القاسم عن ابن عبَّاسٍ فيها.

وإذا صرنا إلى الترجيح فرواة حديث ابن عمر وسهل بن سعد أحفظ وأوثق ومع روايتهم روايةُ القاسم بن محمد عن ابن عبَّاسٍ التي جمع فيها بين تسميته الرامي والمرمي به فالاعتماد على روايتهم في اسم القاذف.

وعلى رواية عكرمة وهشام بن حسان في اسم المرمي به.

ثم على رواية القاسم بن محمد عن ابن عبَّاسٍ في اسمهما جميعًا، وقول الشافعي في الإملاء صحيح على ما ذكرناه واللَّه أعلم) اهـ بتصرف.

وقال ابن العربي: (السابعة وهو عويمر وقد روى ما قدمنا هلال بن أمية قال الناس هو وهم من هشام بن حسان، وعليه دار الحديث لابن عبَّاسٍ بذلك وحديث أنس وقد رواه القاسم عن ابن عبَّاسٍ كما رواه الناس فيهن فيه الصواب) اهـ.

وقال القاضي عياض: (جاء في هذه الأحاديث هلال بن أمية وهو خطأ، والصحيح أنه عويمر) اهـ.

وقال القرطبي: ((قوله: أول من سأل عن ذلك فلان بن فلان) هو - والله أعلم - عويمر العجلاني المتقدم الذكر) اهـ

وقال في موضع آخر: (وقوله في هلال بن أُمية إنه كان أول من لاعنَ في

ص: 728

الإسلام، هذا يقتضي أن آية اللعان نزلت بسبب هلال بن أُمية، وكذلك ذكره البخاري، وهو مخالف لما تقدم: أنها نزلت بسبب عويمر العجلاني. وهذا يحتمل أن تكون القضيتان متقاربتي الزمان فنزلت بسببهما معاً. ويحتمل أن تكون الآية أُنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم مرتين. أي كرر نزولها عليه - وهذه الاحتمالات - وإن بعدت - فهي أولى من أن يطرَّق الوهم للرواة الأئمة الحفاظ) اهـ باختصار يسير.

وقال النووي: (واختلف العلماء في نزول آية اللعات هل هو بسبب عويمر العجلاني أم بسبب هلال بن أمية فقال بعضهم. بسبب عويمر العجلاني واستدل بقوله صلى الله عليه وسلم قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك، وقال جمهور العلماء: سبب نزولها قصة هلال بن أُمية واستدلوا بالحديث الذي ذكره مسلم في قصة هلال قال وكان أول رجل لاعن في الإسلام، قال الماوردي من أصحابنا في كتابه الحاوي: قال الأكثرون قصة هلال بن أمية أسبق من قصة العجلاني قال والنقل فيهما مشتبه ومختلف وقال ابن الصباغ من أصحابنا في كتابه الشامل: قصة هلال تبين أن الآية نزلت فيه أولاً قال وأما قوله صلى الله عليه وسلم لعويمر إن اللَّه قد أنزل فيك وفي صاحبتك فمعناه ما نزل في قصة هلال لأن ذلك حكم عام لجميع الناس.

قلت: ويحتمل أنها نزلت فيهما جميعاً فلعلهما سألا في وقتين متقاربين فنزلت الآية فيهما وسبق هلال باللعان فيصدق أنها نزلت في ذا وفي ذاك وأن هلالاً أول من لاعنَ واللَّه أعلم) اهـ

وقد تكرر كلام ابن حجر في عدة مواضع فقال مرة: (ولا مانع أن تتعدد القصص ويتحد النزول).

وقال أيضاً: (ويحتمل أن النزول سبق بسب هلال، فلما جاء عويمر ولم يكن علم بما وقع لهلال أعلمه النبي صلى الله عليه وسلم بالحكم، ولهذا قال في قصة هلال (فنزل جبريل) وفي قصة عويمر (قد أنزل اللَّه فيك) فيؤول قوله قد أنزل اللَّه فيك أي وفيمن كان مثلك).

ص: 729

وقال مرة: (ولا مانع أن يروي ابن عاس القصتين معًا، ويؤيد التعدد اختلاف السياقين وخلو أحدهما عما وقع في الآخر، وما وقع بين القصتين من المغايرة) اهـ.

وقال أيضاً: (وقد قدمت اختلاف أهل العلم في الراجح من ذلك وبينت كيفية الجمع بينهما بأن يكون هلال سأل أولاً، ثم سأل عويمر فنزلت في شأنهما معا، وظهر لي الآن احتمال أن يكون عاصم سأل قبل النزول ثم جاء هلال بعده فنزلت عند سؤاله فجاء عويمر في المرة الثانية التي قال فيها: (إن الذي سألك عنه قد ابتليت به) فوجد الآية نزلت في شأن هلال فأعلمه صلى الله عليه وسلم بأنها نزلت فيه، يعني أنها نزلت في كل من وقع له ذلك لأن ذلك لا يختص بهلال) اهـ.

وقال أيضاً: (ولا يمتنع أن يتهم شريك بن سحماء بالمرأتين معاً) اهـ

وبعد استقراء أقوال المفسرين والمحدثين في المسألة تبين اقتصارها على أربعة أقوال:

الأول: أن الآية نزلت بسبب عويمر العجلاني، واختار هذا الكلبي والشافعي والطبري وأبو عبد اللَّه بن أبي صفرة وابن بطال والبيهقي وابن العربي والقاضي عياض وأبو العباس القرطبي، والنووي احتمالاً، وكذا ابن عاشور.

وحجتهم ما يلي:

1 -

كثرة ما روي أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لاعنَ بين العجلاني وامرأته وهو ما يصدق على عويمر دون هلال بن آمية.

2 -

توقف النبي صلى الله عليه وسلم عن الحكم فيها حتى أنزل الله فيها الآية ولو أنهما قضيتان لم يتوقف عن الحكم فيها، ولحكم في الثانية بما أنزل اللَّه في الأولى.

3 -

أن الأحاديث خبر عن قصة واحدة لاتفاقهم على ذكر نزول الآية، والنزول يكون مرة واحدة واتفاقهم على أنه رماها وهي حامل وأن

ص: 730

النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن جاءت به على نعت كذا فهو كذا وقلَّ أن يتفق جميع ذلك في قصتين مختلفتين.

4 -

أن حديث سهل وإن لم يُسمِّ فيه المقذوف فإنه كان معروفاً بعينه ولهذا ذكر أوصافه.

5 -

أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعويمر: (قد أنزل اللَّه فيك وفي صاحبتك).

6 -

أنه قد روى المغيرة بن عبد الرحمن وابن أبي الزناد عن أبي الزناد عن القاسم بن محمد عن ابن عبَّاسٍ قال: لاعنَ بين العجلاني وامرأته وكان الذي رميت به ابن السحماء.

7 -

أن عكرمة وهشاماً قد خالفا القاسم بن محمد وسهلاً وابن عمر في تسميتهما القاذف بهلال بن أُمية، ثم إن رواة حديث ابن عمر وسهل بن سعد أحفظ وأوثق ومع روايتهم رواية القاسم عن ابن عبَّاسٍ.

8 -

أن هشام بن حسان قد غلط في الحديث ووهم.

9 -

أن أهل الأخبار كانوا يقولون: إن القضية في عويمر العجلاني.

القول الثاني: أن الآية نزلت بسبب هلال بن أمية واختار هذا الماوردي وعزاه إلى الأكثرين وابن الصباغ، ونسبه النووي إلى جمهور العلماء ومال إليه بعض الشافعية وذكره ابن حجر احتمالاً.

وحجتهم ما يلي:

1 -

لما روى البخاري عن عكرمة عن ابن عبَّاسٍ، ومسلم عن هشام عن ابن سيرين عن أنس.

2 -

أن المقذوف في قصة هلال قد سمي بخلاف قصة عويمر.

3 -

لما روي مسلم في قصة هلال (وكان أول رجل لاعنَ في الإسلام).

4 -

أنه جاء في قصة هلال (فنزل جبريل).

القول الثالث: أن تكون القصتان وقعتا في وقت واحد أو متقارب فسألا فنزلت الآية فيهما معاً، واختاره ابن حجر وابن عاشور، وذكره القرطبي والنووي احتمالاً.

والحجة فيه: اختلاف السياقين وخلو أحدهما مما وقع في الآخر، وما وقع بين القصتين من المغايرة.

ص: 731

القول الرابع: أن تكون الآية أُنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم مرتين. وذكر هذا أبو العباس القرطبي احتمالاً.

وليس لهذا القول حجة إلا الخوف من توهيم الرواة.

وهذان القولان الثالث والرابع متلازمان يؤولان إلى تعدد الواقعة لأن تكرر النزول نتيجة لتكرر الحدث.

وقبل مناقشة هذه الأقوال يحسن عقد مقارنة بين صفات القاذفين وأخرى بين صفات المقذوفين فلعل نتيجة المقارنة تجيب على الكثير من الأسئلة التي تدور في الذهن. ثم المقارنة بين صفات القاذف والمقذوف.

وقد قمت بجمع الأوصاف الخِلقية من مصادر السنة التي روت القصة برواياتها المختلفة، وسأشرح الألفاظ الغريبة منها وإن كان قد تقدم شرحها لما في ذلك من الإيضاح والبيان.

دلت الروايات على أن صفة القاذف في قصة عويمر العجلاني ما يلي:

1 -

عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: وإن جاءت به أحمر قصيراً كأنه وَحَرَة فلا أُراها إلا قد صدقت وكذب عليها.

ب - عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: وكان ذلك الرجل مصفرًا، قليل

ص: 732

اللحم، سبط الشعر.

جـ - عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: وكان زوجها حمش الساقين والذراعين، أصهب الشعرة.

فاجتمع من هذه الأحاديث الأوصاف التالية: أحمر، قصيراً، وَحَرَة، مصفراً، قليل اللحم، سبط الشعر، حمش الساقين والذراعين، أصهب الشعرة.

دلت الروايات على أن صفة القاذف في قصة هلال بن أُمية ما يلي:

1 -

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: أبصروها فإن جاءت به أبيض سبطاً قضيء العينين فهو لهلال بن أمية.

ب - عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: إن جاءت به أُصيهب، أُريصح، أُثيبج، حمش الساقين فهو لهلال.

ص: 733

فاجتمع من هذين الحديثين الأوصاف التالية: أبيض، سبْطاً، قضيء العينين، أُصيهب، أُريصح، أُثيبج، حمش الساقين.

وهنا يحسن أيضاً النظر في صفات القاذفين ليتبين هل بينها توافق أو تعارض؟.

1 -

أما اللون: فقد جاء فيه أبيض، أحمر، مصفراً.

2 -

أما حال الشعر: فإنه سبط.

3 -

أما لون الشعر: فأشقر.

4 -

أما العينان: فإنه قضيء العينين.

5 -

أما الإليتان: فإنه أُريصح.

6 -

أما الساقان: فإنه حمش الساقين.

7 -

أما القامة: فإنه قصير.

8 -

أما اللحم: فإنه قليل اللحم.

9 -

أما حال ما بين الكتفين والكاهل فإنه أُثيبج.

10 -

أما الحجم: فإنه كالوحرة صغير الحجم.

ولونه الأبيض لا يعارض الأحمر لأن الأحمر يراد به الأبيض أحياناً، والصفرة لا تعارض البياض، ومن المشاهد أن لون الإنسان يتبدل ويتشكل بحسب ما يعتريه من العوارض الحياتية كالمرض، والهزال، والحزن، ونحو ذلك.

ويمكن أن يُقال أيضاً إن وصفه بالصفرة ليس وصفاً نبوياً سالماً من الخطأ بل هو وصف ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما حيث قال: وكان ذلك الرجل مصفرّاً.

وربما رآه ابن عبَّاسٍ كذلك بعدما نزلت به تلك المصيبة فيكون الاصفرار عارضاً بسبب الحزن، وحينئذٍ يلغى الوصف إن كان يعارض وصف النبي صلى الله عليه وسلم ويظل وصف النبي صلى الله عليه وسلم إياه بالحمرة والبياض أصلاً.

أما سائر الأوصاف فليس فيها اختلاف أو تناقض بل هي مكملة لبعضها. واللَّه أعلم.

دلت الروايات على أن صفة المقذوف في قصة عويمر العجلاني ما يلي:

ص: 734

(أ) عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (انظروا فإن جاءت به أسحم، أدعج العينين، عظيم الإليتين، خدلج الساقين فلا أحسب عويمراً إلا قد صدق عليها) فجاءت به على النعت الذي نعت به رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من تصديق عويمر، فكان بعد ينسب إلى أمه.

(ب) عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: (وإن جاءت به أسود أعين، ذا إليتين فلا أُراه إلا قد صدق عليها) فجاءت به على المكروه من ذلك.

(جـ) عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: وكان الدي وجد عند أهله آدم، خدلاً، كثير اللحم، جعداً، قططاً. فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:(اللهم بيِّن) فوضعت شبيهاً بالرجل الذي ذكر زوجها أنه وجد عندها.

(د) عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: فولدت غلامًا أسود، أجلى،

ص: 735

جعداً، عبل الذراعين.

دلت الروايات على أن صفة المقذوف في قصة هلال بن أمية ما يلي:

(أ) - عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أبصروهها فإن جاءت به أكحل العينين، سابغ الإليتين، خدلج الساقين فهو لشريك بن سحماء) فجاءت به كذلك.

(ب) - عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وإن جاءت به أكحل جعداً، حمش الساقين فهو لشريك بن سحماء) فأُنبئت أنها جاءت به أكحل جعداً، حمش الساقين.

(جـ) - عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: (فإن جاءت به أورق، جعداً، جمالياً، خدلج الساقين، سابغ الإليتين فهو للذي رميت به فجاءت به أورق، جعداً، جماليا، خدلج الساقين سابغ الإليتين) والقاذف هنا هلال فيكون المقذوف شريكاً.

ص: 736

د - عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وإن جاءت به آدم، جعدا، ربعاً، حمش الساقين، فهو لشريك بن سحماء) فجاءت به آدم، جعداً.

هـ - عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لعلها أن تجيء به أسود، جعداً) فجاءت به أسود، جعدًا.

وهنا يحسن النظر في صفات المقذوفين ليتبين ما بينها من التوافق والتعارض.

1 -

أما اللون: فقد جاء فيه أسحم، أسود، آدم، أورق.

2 -

أما حال الشعر: فقد جاء فيه جعدًا، قططاً.

3 -

أما العينان: فإنه أكحل العينين، أدعج العينين، أعين.

4 -

أما الذراعان: فإنه عبْل الذراعين.

5 -

أما الإليتان: عظيم الإليتين، ذا إليتين، سابغ الإليتين.

6 -

أما الساقان: فإنه خدلج الساقين، خدل، حمش الساقين.

7 -

أما الطول: فإنه ربْع.

8 -

أما اللحم: فإنه كثير اللحم.

9 -

أما الحجم: فإنه جماليٌّ.

10 -

أما كثافة الشعر: فإنه أجلى.

وبناءً على تلك الأوصاف المتقدمة فلونه الأسود والأسحم معناهما واحد، والآدم والأورق معناهما السمرة، والسمرة لا تنافي السواد لأنها سواد خفيف. وقد وصف كل واحد منهما بأنه آدم وأسود.

ص: 737

أما الشعر: فالجعودة لا تنافي القطط لأنه أشد الجعودة أو أحسنها. وقد وصف كل واحد منهما بأنه جعد الشعر.

أما العينان: فالأدعج لا ينافي الأكحل فهما دائران على سواب في العين وغيرها كالجفن. والأعين، وإن كان ليس بمعناهما، لكنه لا يخالفهما بل يجتمع معهما.

أما الساقان: فقد تقدم أن وصفهما بالحموشة وهم، ولعل مما يؤكد هذا أن الحموشة لا تتفق مع كثرة اللحم، وعظم الإليتين، وضخامة الأعضاء لأن العادة أن السمن والضخامة يشمل البدن كله، كما أن النحافة والنحول كذلك.

أما بقية الأوصاف فليس بينها تعارض بل هي مكملة لبعضها. واللَّه أعلم.

وإذا أردنا أن نعقد مقارنة بين خلاصة أوصاف القاذف والمقذوف تبين الآتي:

* * * [القاذف] * * * * * * * [المقذوف]

1 -

أبيض اللون - * * * * * أسود

2 -

سبط الشعر - * * * * * جعد قطط

3 -

قضيء العينين * * * * * أدعج العينين

4 -

خفيف لحم الإليتين * * عظيمهما

5 -

حمش الساقين * * * * خدلج الساقين

6 -

قصير القامة * * * * * ربْع في طوله

7 -

قليل اللحم * * * * * كثير اللحم

8 -

صغير الحجم كالوحرة * * * كبير الحجم كالجمل

وقبل الوصول إلى نتيجة بحث التعدد سأذكر بعض الاحتمالات في المقذوف والقاذف فأقول: الأوصاف المذكورة في المقذوف متفقة ومتطابقة تماما وإذا كان الأمر كذلك فلا بد من حالين اثنين لا ثالث لهما:

ص: 738

الأولى: أن تكون هذه الأوصاف لموصوفين اثنين، يحمل كل واحد منهما نفس الأوصاف التي يحملها الآخر، ثم يقع أحد الرجلين على امرأة عويمر والآخر على امرأة هلال في زمن متقارب جداً، ثم تحملان ثم تضعان ذكرين، وهذان الذكران يشبهان هذين المقذوفين الشبه الذي ذكرنا، والوصف الذي سردنا، ونتيجة هذا أربعةٌ متشابهون.

وهذا الاحتمال بعيد جداً، حتى إن مجرد تصوره كافٍ في اطراحه.

الثانية: أن تكون هذه الأوصاف لموصوف واحد وعلى هذا يرد احتمالان:

الأول: أن يقع الفعل منه بالمرأتين جميعاً في زمن متقارب ثم يذهب الزوجان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبراه الخبر، ثم يقع لعان المرأتين ثم تلدان ذكرين، كلٌّ منهما يشبه المقذوف هذا من البعيد أيضاً وإن كان أقرب من الأول.

ومن العجيب أن الحافظ ابن حجر قال: (ولا يمتنع أن يتهم شريك بن سحماء بالمرأتين معاً). ونتيجة ذلك ثلاثة يتطابقون في الشبه.

الثاني: أن يقع الفعل منه بامرأة واحدة فتحمل منه وتنجب ذكراً يشبهه وهذا ممكن وواقع وليس بغريب ولا بعيد.

وإذا كان المقذوف واحداً فمن يكون؟

فالجواب: أنه شريك بن سحماء لأمرين:

الأول: أن كل الروايات التي تسمي لا تذكر إلا شريك بن سحماء باسمه.

الثاني: أن كل الروايات التي لم تُسمِّ المقذوف ذكرت أوصافاً تطابق أوصاف شريك بن سحماء.

بقي سؤال أخير هنا وهو هل وقع الفعل من شريك بامرأة واحدة أو اثنتين؟

ص: 739

والجواب: يحدد هذا حال القاذف هل هو واحد أو متعدد؟ وسيأتي إن شاء اللَّه.

أما القاذف فالأوصاف المذكورة فيه متفقة ومتكاملة وإذا كان الأمر كذلك فلا بد من حالين اثنين لا ثالث لهما:

الأولى: أن تكون هذه الأوصاف لموصوفين اثنين وعلى هذا يرد احتمالان:

الأول: أن يحمل كل واحد منهما نفس الصفات التي يحملها الآخر، ثم يقع الفعل من زوجتيهما في زمن متقارب جداً ثم تحملان ثم تضعان ذكرين وهذان الذكران يشبهان المقذوف وهذا الاحتمال بعيد ومتكلف.

الثاني: أن يحمل كل واحد من القاذفين بعض الصفات الواردة، ثم يقع الفعل من زوجتيهما في زمن متقارب جداً ثم تحملان وتضعان ذكرين يشبهان المقذوف وهذا لا يمكن لسببين:

1 -

إنه من البعيد أن تكون صفات القاذفين بمجموعهما تقابل صفات المقذوف تماماً، كما هو حاصل معنا حيث تقابلت الصفات تماماً.

ب - أن المقابلة بين القاذف والمقذوف كما أرادها النبي صلى الله عليه وسلم لا تتحقق من كل وجه، لأن القاذف ناقص الصفات، والمقذوف كامل الصفات فالناقص لا يقابل الكامل إلا في بعضها.

الثانية: أن تكون هذه الأوصاف لموصوف واحد قذف أهله بفاحشة الزنى، وهذا هو الصحيح لا ريب أنه ليس ثمَّ إلا قاذف واحد.

وبناءً على ما تقدم يتبين جواب السؤال السابق هل وقع الفعل من شريك بامرأة واحدة أو اثنتين؟

فيقال: بل بامرأة واحدة فقط.

وحينئذٍ يرد السؤال الأخير من هو القاذف؟

والجواب: أنه قد تبين فيما تقدم من دراسة حديثي أنس بن مالك وابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما والنظر في طرقهما أن ذكر هلال بن أمية وامرأته رضي الله عنهما خطأ، وأن الصواب في قضية اللعان التي وقعت في عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن

ص: 740

القاذف فيها عويمر العجلاني وأن المقذوف فيها شريك ابن سحماء العجلاني وأنه لم يقع معها قضية أخرى، وتفصيل ذلك في موضعه من الحاشية.

ولعل مناقشة الأقوال الأربعة تكشف المزيد من الأدلة لهذه النتيجة.

وسأبدأ بالقول الرابع: وهو أن الآية أُنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم مرتين.

وهذا القول ضعيف إذ قد تبين مما تقدم أن القصة واحدة فلماذا تنزل الآية مرتين، وإذا كان قائله قد جعله احتمالاً بعيداً ألجأه إليه الخوف من توهيم الرواة فكيف يقبله غيره؟.

أما القول الثالث: وهو أن تكون القصتان وقعتا في وقت واحد أو متقارب فسألا فنزلت الآية فيهما، واحتجاجهم باختلاف السياقين.

فالجواب: أنه قد تقرر أن القصة واحدة لم تتكرر، واختلاف السياقين ليس دليلاً على اختلاف القصة. وإذا كان قد وقع من الرواة خطأً إقحامُ هلال وزوجه في قضية ليس لهما فيها ناقة ولا جمل مع عِظَم ذلك فوقوع الأقل من باب أولى.

أما القول الثاني: وهو أن الآية نزلت بسبب هلال بن أمية فالجواب عن أدلتهم بما يلي:

1 -

حديث ابن عبَّاسٍ عند البخاري، وأنس عند مسلم قد تقدم جوابه.

2 -

أن المقذوف في قصة هلال قد سمي بخلاف قصة عويمر فهذا حق، لكن المقذوف في قصة عويمر قد وُصِف وصفاً يعرف به بعينه، وربما كان الوصف أبلغ؛ لأن الاشتراك في الأسماء أكثر من الاشتراك في الأوصاف، ولهذا لما اشتركا في الأوصاف قلنا هي لرجل واحد.

3 -

أن قول أنس: (وكان أول رجل لاعنَ في الإسلام) لا حجة فيه لأنه مقابل بغيره وذلك في حديث ابن عمر: (إن أول من سأل عن ذلك فلان بن فلان) وجاء في حديثه (فرق رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بين أخوي بني العجلان) وهو ما يصدق على عويمر دون هلال لأنه واقفي وليس عجلانياً.

4 -

أنه جاء في قصة هلال: (فنزل جبريل) وهذا لا حجة فيه لأنه مقابلٌ بمثله وأكثر منه ومن ذلك: (قد أنزل اللَّه فيك وفي صاحبتك) وفيه (قد أنزل اللَّه فيكم قرآناً) وفي حديث ابن عمر: (فأنزل الله عز وجل هؤلاء الآيات في

ص: 741

سورة النور (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ) وهذه الألفاظ ليس لأحد أن يحتج بها لأن بعضها من أقوال الصحابة، والمنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من هذا واحد لا يتعدد.

أما القول الأول: فقد ذكروا عددًا من الحجج على قولهم إنها في عويمر وأعتقد أن جميع ما ذكر هو الصحيح باستثناء قولهم: إن أهل الأخبار كانوا يقولون إن القضية في عويمر العجلاني فإني لم أجد من قال هذا من الأخباريين.

أما قولهم: إنه قد روى المغيرة بن عبد الرحمن وابن أبي الزناد عن أبي الزناد عن القاسم بن محمد عن ابن عبَّاسٍ فسأذكر هذا الحديث لأهميته إذ اجتمع فيه ذكر القاذف والمقذوف تصريحاً. فعن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لاعنَ بين العجلاني وامرأته، قال: وكانت حبلى، فقال: والله ما قربتُها منذ عَفَرْنا. - قال: والعَفْرُ: أن يُسقى النخل بعد أن يترك من السقي، بعد الإبَار بشهرين - قال: وكان زوجها حمش الساقين والذراعين، أصهب الشعرة، وكان الذي رميت به ابن السحماء، قال: فولدت غلامًا أسود، أجلى، جعداً، عبل الذراعين، قال: فقال ابن شداد بن الهاد لابن عبَّاسٍ: أهي المرأة التي قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: (لو كنت راجماً بغير بينة لرجمتها)؟ قال: لا تلك امرأة كانت قد أعلنت في الإسلام.

وبهذا يتبين أن أصح الأقوال وأسعدها بصحيح المنقول وصريح المعقول هو القول الأول وأن القصة نزلت بسبب عويمر العجلانى حين قذف امرأته بالزنى مع شريك بن سحماء العجلاني.

* النتيجة:

أن سبب نزول آيات اللعان أن عويمراً العجلاني قذف امرأته بشريك بن سحماء وذلك لصحة الأحاديث في ذلك وخلوها من معارض راجح والله أعلم.

ص: 742