الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثامن
عن الاحتلال العسكري وسلوك أهم ضباط الجيش الفرنسي
لقد أسكن عدد كبير من الجنرالات والكولونالات وغيرهم خارج المدينة. فكانوا يتسابقون لاختيار أجمل الحدائق، والمساكن الأكثر ملاءمة، ينتصبون فيها سادة لا ينازعهم منازع. وكانوا يقطعون الأشجار أو يقلمونها حسب رغبتهم، ولم يعد المالكون قادرون على الدخول إلى ممتلكاتهم، ولم ينفق فرنك واحد لإصلاح أبسط الأمور، وإنما كانت المصاريف تخصص لاقتلاع الأشجار أو للتخريب.
وفيما يخصني، فإن الجنرال هـ .... قد استحوذ على جناني، على غير علم مني، وطرد خدمي وعنبدما علمت بذلك أرسلت ولدي إلى المارشال بورمون ليطالب بالحماية التي تعهد بشرف الأمة، أنه يقدمها لنا. ولما لم يتمكن ولدي من رؤية المارشال توجه إلى الجنرال تولوزان، فأعطاه هذا العسكري الممتاز، حينا، أمرا بترحيل الجنرال هـ
…
الذي كان قد سكن داري المعدة للإستجمام. وعندما قدم له ولدي الأمر، غضب ثم قطعه وقال:
لقد احتللنا الجزائر، وأصبحنا سادتها بلا منازع، كل ما فيها ملكنا، وليس من حق السيد تولوزان أن يبعث لي بمثل هذه الأوامر. ولما وصلتني إجابة هذا الضابط سارعت إليه لعلي أجد فيه إنسانا متحضرا ومتسما بالاعتدال والعواطف الفرنسية النبيلة، وقلت له إن ولدي كان مخطئا عندما اشتكى عليه، وأنه يجب أن يعذر شابا صغيرا، وإنني جد مسرور باستقبال ضيف كريم مثلك لأنني متيقن من أنه سيحمي الدار من نهب الجنود. وفي الحين فتحت جميع الخزائن لكي لا تكسر ووضعت تحت تصرفه أغلى ما فيما من أثاث وحلي وزرابي وأوان خزفية، (عدد هذه الأواني كان يزيد عن 500 قطعة). وكذلك طقم خزفي لتناول الشاي اشتريته من باريس بثلاثمائة فرنك، ومجموعة من أدوات الطبخ كلها من الخزف، والخزف المزخرف وجرار مملوءة بالزيت والزبدة وغير ذلك من المؤن الكثيرة التي تعودنا أن نعدها في البادية.
ومن ثمة، فقد وضعت تحت تصرفه دارا كاملة، مجهزة بكل ما يحتاج إليه بما في ذلك أدوات الزينة. كما أنني تركت له بعض البغال، وشاتا للاعتناء بها. وبالتالي لم يكن هناك قائد أسعد منه في هذا الميدان. ومع ذلك، فإنه تقبل كل ذلك باعتزاز ولم يوجه لي حتى عبارة شكر، كما لو كنت قد قدمت متاعا هو له. وفي نظري، لقد كان من الواجب عليه أن يتصرف بطريقة أكثر تأدبا ولباقة وأن يبرهن على أنه يعرف كيف يقدر المواقف، وأن أصله يتناسب مع مرتبته.
إن هذا الجنرال لم يمتنع عن شيء مما قدمته له، واستعمل بسعة كل ما وجد، وعندما شارك في حملة المدية مع الجنرال كلوزيل، أخذ اثتين من بغالي، نفقا، من التعب أو الجوع، بعد رجوعهما من الرحلة مباشرة.
لقد كان من الضروري القيام بمثل تلك المجاملة لأنني كنت مجبرا على ذلك. وإذا بدا لي أن أزور جناني، فإنني أمنع، أو يطلب مني أن أحضر أمرا من الجنرال ليسمح لي بالدخول، ومع ذلك، فقد كانوا يعلمون أنني أنا المالك الحقيقي.
وعندما غادر الجنرال هـ .... مسكني أخذ معه كل ما أعجبه، وما كان يمكن أن يحمل حتى أواني الخزف المزخرف، مدعيا بأن كل تلك الأشياء إنما سرقها مترجمه. وبالإضافة إلى ذلك أخذ صندوقي الأسلحة اللذين سبق أن تكلمت عنهما. أن ديار المدينة التي سكنها الأجناد لم تعد صالحة للسكن.
لقد علمت من أناس مطلعينا أن الشخصيات التي سكنت القصبة (مقر الداي) قد حفرت كل الأراضي آملة أن تعثر على الكنوز المخفية. كما أن بعض الأسوار قد هدمت لنفس الغرض.
ومن جهة أخرى أجبر الخواص على الرحيل عن مساكنهم لكي تحتل عسكريا، وقد غلب اليأس على هؤلاء السكان فهاجروا عن طريق البر أو البحر. يا لها من أساليب تلك التي استعملها رجال السلطة الذين كان يجب عليهم، على الأقل، أن يدفعوا أجرا للمالكين تعويضا لحرمانهم من ممتلكاتهم.
وبعد أن تمركز، أرسل الجنرال بورمون إلى باي وهران يطلب منه أن يستسلم لفرنسا. ووفقا لرغبة قائد الجنرالات، استجاب هذا الباي للأوامر وأعلن ولاءه للفرنسيين ولذلك كلف بالبقاء في وهران إلى أن يحين الأوان، وأن يحصن المدينة، ضد سكان المناطق الداخلية، من الإيالة، ويحفظ الأمن إلى أن ترسل له الجيوش. وباستسلامه لفرنسا، قطع الباي كل علاقة ودية مع القبائل وتخلى عن صلاته القديمة. وللاحتفاظ بالمنصب، كان عليه أن ينفق
من أمواله الخاصة على جيش من الأتراك. إن هذا الرجل، قلت في السابق، مسن ومسالم، لا يرغب إلا في الراحة. ولذلك استجاب لإرادة الجنرال الفرنسي، ولم يعد ينتظر إلا تنفيذ الوعود التي ضربت له والتي تتعلق باحترامه واحترام كل ما كان يملك. وحسب العدالة، لقد كان يجب أن يجازى هذا الباي وأن تدفع مصاريفه لأنه حكم وهران لحساب الفرنسيين منذ استسلامه إلى أن غادرها، أي مدة سبعة أشهر. وقبل أن يحتل الفرنسيون تلك المدينة وردت وفود متعددة إلى إحدى الشخصيات، وإنني أعرف كما يعرف الجميع أن هذه السخصية أرسلت بدورها، مرات متعددة، بعض البواخر إلى وهران تحمل رجالا من حاشيتها، وكان هؤلاء الرجال يشترطون على هذا الباي كثيرا من التضحيات التي لم يحدت أن رفضها في يوم من الأيام. سأقص في مكان آخر مغامرات هذا الباي مع الجنرال كلوزيل.
عندها علمنا بالتغيير الهام الذي حدث في النظام الملكي الفرنسي ; فرحنا بالحادث أشد الفرح، وقد ابتهجنا خاصة للظروف التي أدت إلى وقوعه. واعتقدنا بدورنا أننا سنستفيد من ثمار تلك الحرية. لقد كان أملنا وطيدا في العاهل الجديد، لويس فليب (1) الذي كان ينبغي أن تحفظه تجربته ومآسيه من كل ضعف، والذي كان يجمع في نفس الوقت جميع الصفات الضرورية لقيادة أمة عملت على تعيينه ليكون رئيسها وحاميها، إنه رجل يجمع بين الشجاعة
(1) ولد لويس فليب الأول في باريس يوم 6 أكتوبر 1773، في نفس السنة التي ولد فيها حمدان، وتوفي يوم 26 أوت سنة 1850. بايعته ثورة جوليت ملكا يوم 9 أوت 1830. ولكن ثورة 1848 ستقضي على ملكه وتعلن الجمهورية الثانية يوم 24 فيفري. أما لويس، فإنه فر بجلده إلى انكلترا حيث قضى العامين الباقيين من حياته.
اشتهر لويس فليب بالجبن والنفاق حتى مع أعز أصدقائه.
والإحساس، ولقد شوهد في ميدان المعركة يظهر كل عطف الأبوة والزوج الصالح. وكما يقول الشاعر:(لا يعرف الحب إلا من كان عاشقا).
فالفرنسيون، إذن، لم يكن في استطاعتهم أن يختاروا أحسن منه. ومن جهتنا كنا نقول: ليس هذا هو العاهل الذي يسمح بأن يخضع الجزائريون لنظام تعسفي، ليس هو الذي سيأمر بفصل الزوج عن زوجته وأطفاله، ولا بأن تؤخذ أملاكنا وكل ما لنا من موارد).
في سنة 1820، كنت في باريس، وتشرفت برأية الدوق دورليان (2) يتأبط ذراع الدوقة زوجته وهو محاط بكامل أفراد أسرته. كنا لا نسمع عنه إلا الخير، وكان الحفل كله مديحا وتبركا. لقد كان هو الطيبة نفسها، ومثال الإحساس الرقيق، والحلم المشخص، لقد كان الدوق دورليان هو أفضل رجال القرن.
عندما علمت بالحادث السعيد الذي جاء بتعيينه قلت لنفسي: (إن الفرنسيين سعداء، إنهم سيتمتعون بالحرية). وطمأنت جميع الأصدقاء مؤكدا لهم إن هذا الأمير كان كثير الاعتدال، عادلا وأهلا لأن يحب، وعليه يجب أن نهنىء أنفسنا بحكومته. ولكن مع الأسف لقد طال صبرنا وخاب أملنا.
وأخيرا رفع العلم المثلث واستبدل المارشال بورمون بالجنرال كلوزيل.
وكان أول أعماله، لطمأنة سكان الجزائر، هو إلغاء ما يسمى بالمحكمة الحنفية وإقرار محكمة الإسرائيليين. وكسابقه، لم يحط نفسه إلا باليهود الذين لا يستحون ولا يترددون أمام أي شيء. إن لنفوذهم ودهائهم الماكر دورا
(2) هو نفس لويس فليب قبل أن يتولى الملك.
كبيرا في تسيير بلدي المسكين: اغتصاب الأملاك وسفك الدماء، والنهب والجرائم .. تلكم هي الأعمال التي تتم في الجزائر، يا له من دستور، ويا لها من قوانين لا إنسانية تتعارض مع نظم المساواة والسلام،؛ يا له من ميثاق هذا الذي يسير شؤوننا!
إن النفي والاغتصاب يكونان منه المادة 57. وينبغي أن نعتبر أنفسنا سعداء إذا لم تضف مادة أخرى تقضي بإبادة الشعب الجزائري. وإذا كان مكتوبا (لاستعمل عبارة السيد الجنرال كلوزيل) فإنه يجب أن نستسلم للأمر الواقع، ولكن من سيكون جلادنا!
إن إلغاء هذه المحكمة كما ذكرت؛ خطأ لا يغتفر؛ وهو مناف لترتيبات قوانيننا. وهناك مادة من معاهدة الاستسلام تنص على حصانة تلك القوانين. وعليه، فإن إلغاء هذه المحكمة يتناقض مع مبادىء المعاهدة المبرمة بين الجزائر وفرنسا. فبمقتضى أي حق وأي قانون قام السيد كلوزيل بإلغاء هذه المحكمة؟
أليعارض الأمة العثمانية؟ وبما أنه لا توجد أية عداوة بين فرنسا والإمبراطورية العثمانية فلماذا تحتقر قوانينها ويستهان بنظمها؟ وبهذه المناسبة أورد بعض الفقرات من قرار 22 أكتوبر 1830.
المادة الأولى: ترفع جميع دعاوى المسلمين، في الميدانين المدني والجنائي إلى القاضي العربي، ينظر فيها بكل حرية وبدون استئناف، وفقا للقوانين وللعرف السائد في البلاد. وفي حالة ما إذا كان القاضي العربي (المالكي) في حاجة إلى مساعدة المفتي أو القاضي التركي (الحنفي) فإن هذا الأخير لا يكون له إلا صوت استشاري، لأن القرار من اختصاص القاضي العربي وحده. المادة الثانية: ترفع جميع دعاوى الإسرائيليين، في الميدانين المدني
والجنائي، إلى محكمة تتكون من ثلاثة رباينة تنظر فيها بكل حرية وبدون استئناف، وفقا للعرف والتقاليد الإسرائيلية، الخ
…
وهكذا، إذن، نرى من خلال ما تقدم أن المحكمة الحنفية التي يسيرها قاض تركي قد ألغيت على الرغم من الاحتفاظ بالمحكمة الإسرائيلية. إن هذه التدابير الظالمة من شأنها أن تخلق كثيرا من الغموض في قوانين البلاد.