المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الرابعسكان السهول: طبائعهم وعاداتهم - المرآة

[حمدان خوجة]

فهرس الكتاب

- ‌المرآة

- ‌تصدير

- ‌مقدمة

- ‌لمحة تاريخية وإحصائية حول إيالة الجزائر

- ‌الفصل الأولالبدو وأصلهم

- ‌الفصل الثانيطبائع البربر وعاداتهم

- ‌الفصل الثالثطبائع وعادات البربر (تابع)

- ‌الفصل الرابعسكان السهول: طبائعهم وعاداتهم

- ‌الفصل الخامسالمتيجة: طبائع سكانها وعاداتهم

- ‌الفصل السادسعن سكان الجهة الغربية

- ‌الفصل السابعالجزائر

- ‌الفصل الثامنحكومة الأتراك: تنظيمها وأصلها

- ‌الفصل العاشرحول الداي وحكومته ومختلف العادات

- ‌الفصل الحادي عشرتحديد رسوم الأرض وطريقة جمع الضرائب

- ‌الفصل الثاني عشرعن انحطاط حكومة الأتراك وسقوطها

- ‌الفصل الثالث عشرعن داخل الإيالة، وبعض الملاحظاتحول حسين باشا آخر دايات الجزائر

- ‌الكتاب الثاني

- ‌الفصل الأولالحرب وأسبابها

- ‌الفصل الثانيقصة وصول الجيش إلى سيدي فرج

- ‌اتفاقية بين قائد جنرالات الجيش الفرنسي وسمو داي الجزائر:

- ‌الفصل الثالثعن تفاصيل دخول المارشال بورمون إلى الجزائر

- ‌الفصل الرابععن الاحتلال العسكري

- ‌الفصل الخامسعن البيانات منذ أن وقع الغزو الفرنسي

- ‌الفصل السادسعن إدارة المارشال بورمون

- ‌الفصل السابععن أحداث الترسانة والاحتلال العسكري

- ‌الفصل الثامنعن الاحتلال العسكري وسلوك أهم ضباط الجيش الفرنسي

- ‌الفصل التاسععن مصطفى بومزراق، وباي التيطري

- ‌الفصل العاشرتابع لإدارة الجنرال كلوزيل، وحملاته ضذ المدية والبليدة نسخة المعاهدات

- ‌الفصل الحادي عشرعن الأوقاف، والتغييرات التي تعرضت لهاتلك المؤسسات والمحاكم التي تنظر في شؤونهاأثناء ولاية الجنرال كلوزيل

- ‌الفصل الثاني عشرتفسيرات حول ممتلكات الأوربيين في الجزائر

الفصل: ‌الفصل الرابعسكان السهول: طبائعهم وعاداتهم

‌الفصل الرابع

سكان السهول: طبائعهم وعاداتهم

ينقسم سكان الاماكن المنخفضة أو السهول إلى قسمين: أهل الصحراء الرملية وأهل التل ساكني الجبال الصغيرة القليلة الإرتفاع. والجميع من أصل عربي ويتكلمون اللغة العربية كما ذكرنا ذلك في الفصل الأول. مهنتهم كلها فلاحة، ومسكنهم تحت الخيام المصنوعة من الوبر، ليس لهم مكان مستقر، ينزلون حيث يجدون المرعى لماشيتهم ونظرا للأهمية التي يولونها للزراعة ولما يريدونه من حماية لغللهم وضمان لأملاكهم، فإنهم يدفعون طواعية ضريبة لرئيس الإيالة. ولا يوجد بين هؤلاء الأهالي الرحل مرابطون غير أن أصول دينهم هي نفس أصول دين القبائل، وكما هو الشأن بالنسبة للآخرين فإن لديهم تعصبا ليس من التعقل العمل على استئصاله.

يتدثر الرجال بحائك شائع في أوروبا تربط نهايته إلى الرأس بجبل من وبر يقارب شكله شكل العمامة: ويلبسون تحته نوعا من القمصان يسمونه القندورة كنا تكلمنا عنها في الفصل الخاص بالقبائل، إلا ان هناك فارق في نوع القماش فه قطني بدلا من أن يكون صوفيا وتستعمل الأغلبية منهم أحذية متينة

ص: 31

تصنع في القرى ويحمل الأغنياء منديلا من القطن أو من الحرير بحسب الطاقة، يربطونه في الحائك لكي لا يضيع.

وتلتف النساء أيضا في نوع من الحائك يصنع من قماش القطن صيفا ومن الصوف شتاء ويتمنطقن بأحزمة ملونة مصنوعة من الصوف أو من الوبر الجيد خبزهم من القمح والشعير أو من الشعير وحده ولا يكون أبدا من القمح الصافي وذلك راجع إما للمناخ وإما لقناعتهم، وعلى الرغم من وفرة القمح لديهم، فإنهم يستهلكون الشعير بكثرة. والزيت نادر عندهم ولذلك تحضر المأكولات بالزبدة التي تملح للاحتفاظ بها طويلا.

في الصباح لا يخرج أحدهم من بيته قبل ان يفطر بخبز الشعير والزبدة.

ويستخدم الأغنياء أو الملاكون في هذه المناطق، العمال والأجراء (لا يمكن مقارنة ثروات هذا البلد بثروات أوروبا). وقد جرت العادة أنهم عندما يشغلون أو يسخرون واحدا من هؤلاء، يدفعون عنه ديونه، ان كانت عليه ديون، أو يقدمون له مسبقات تساعده على سد حاجاته، وهم بذلك كأنما يبيتون نية في أن يشدوه اليهم، ويسكن هذا الرجل عند المالك صحبة زوجته وأطفاله على النحو الذي سنذكره مفصلا في ما يلي:

يعطي المالك، صاحب المزرعة أو المؤسسة، لهذا العامل بقرة أو بقرتين حسب إمكانياته أو حسب الاتفاقيات المبرمة بينهما. ويتعهد الأخير بتسليم الأول أرطالا معينة من الزبدة (الرطل في هذا البلد أكبر من الرطل الأوروبي، إنه يساوي 28 أوقية)(1) وهكذا، فان هذا الرجل

(1) المقصود هنا هـ الرطل الكبير الذي يساوي بالغرامات 921،5.

ص: 32

يجمع الزبدة ويلمها إلى صاحبه في نهاية كل فصل. ومن الفلاحين من يستعمل، أحيانا، الزبدة التي يجمعونها ثم لا يتمكنون من تسليم الكمية الموعودة أو المتفق عليها: وعليه يضطرون إلى تجديد الإلتزامات أو إلى الإستدانة، وهناك من يوفي بالعهد ويستفيد في بعض الأحيان.

يعيش هؤلاء المالكون عيشة معتدلة ومنتظمة، لا يأكلون اللحم إلا في بعض أيام الأسبوع أو في أيام السوق، وفي هذه الأسواق تجتمع القبائل المختلفة لتبيع سلعها ومواشيها. للوصول إليها يمشي المرء ساعتين أو ثلاث ساعات: وان من عادات البلاد ان تتنقل الأسر من بعيد إما لتبيع وإما لتشتري بضاعة أو سلعا مختلفة وتنقل الصوف والزبدة والعسل على البغال، وكذلك تحمل الحيوانات المخصصة للجزائريين. وعلى الرغم من أن صاحب المزرعة يملك الكباش والخرفان والعجول، فانه لا يذبح منها إلا عندما يؤمه ضيف جديد. وهؤلاء السكان هم، ربما، أكرم من القبائل، ومأكولاتهم المبجلة هي الكسكسي والحليب.

الأراضي شديدة الخصب بحيث ان ارتفاع سنابل القمح والشعير يزيد في بعض الأحيان عن قامة رجل. وفي أثناء الحصاد تهمل السنابل القصيرة، ويترك في الحقول كثير من التبن والحبوب ترعاها الماشية فيما بعد، ولذلك فإن الحيوانات تكون دائما سمينة والحليب جيدا وكثيرا.

وفيما يتعلق بوصف خيامهم، لقد سبق ان قلنا أنها من الوبر، وهو قماش مضلع بالأحمر أو بالألوان الأخرى. وتأخذ هذه الخيام شكلها المكور أو المثبت بواسطة أوتاد من الخشب وتقاس ثروة المالك باتساع هذه

ص: 33

الخيام وبعدد الأوتاد التي تشدها (أنطر رسم مختلف أشكال هذه الخيام آخر الكتاب)(2).

تحاط الخيمة بحجارة توضع عليها الأواني والذخائر اليومية ، ويخصص جزء منها للمطبخ، وفيه توجد الطناجر والقدور وهي من الطين ولكن الصحون والملاعق خشبية وكذلك الأوعية التي تحفظ السمن والعسل الذي يودع في الأجلاف. وفي المطبخ أيضا تربى الدواجن. ويستعمل الجزء الآخر من الخيمة لاستقبال الضيوف وللاجتماعات الودية. ومن داخل الخيمة كنت أسمع حركة وخوار العجول والبقر وكذلك غثاء الخرفان، والنساء هن اللاتي يحلبن الماشية ويعتنين بصغارها، كما أنهن راعيات، بينما تقوم الكلاب بحراسة القطعان، وعندما يقترب الأسد تحس الكلاب بذلك فتنبح ويكون نباحها هذا بمثابة تنبيه وإنذار، فيستيقظ الأهالي ويطرد الأسد بواسطة التهديد فقط، ومن خاف منه وقع ضحية. أما الخيل والبغال فانها تربط أمام الخيمة مدة ثلاثة فصول، وفي الشتاء، عندما يكثر البرد والجليد توضع على ظهورها أغطية من الصوف.

هؤلاء السكان يحبون الخيل حبا جنونيا. ولا يفكرون إلا في مضاعفة أعدادما، وهم يفرفون بين أنواعها ويحفظونها بعناية. وتستعمل السلالات الوضيعة للحصول على البغال، وهناك سلالات تخصص للحرث، ولكن أحسن الأنواع، أي الجياد، فإنها للسباق وللحرب ولا تباع إلا نادرا، وفي هذه المناطق يسمى تجمع عدد من الخيام (دوارا).

(2) لم يرد هذا الرسم في الترجمة الفرنسية، ولعل هذه العبارة دليل على أن الأصل العربي قد ضاع.

ص: 34

وهكذا، كما رأينا، فإن المالكين أو أصحاب المزارع يستخدمون العمال والرعاة الخ

وليس لهؤلاء أرض، ولا أموال ولا مواشي، وإنما تعطى لهم التسبيقات حسب حاجاتهم. ويسكنون بأزواجهم وأولادهم عند الملاك. ويقوم كل واحد بما يقدر عليه من العمل وكثيرا ما يتزوج بعضهم بأكثر من امرأة ليستعين بهن في أشغاله، ولأن من الصعب على امرأة أن تحصل على عيشها ان لم يكن الى جانبها زوج. والأسرة بأكملها تعاون صاحب الضيعة على زرع الأراضي وانجاز جميع الأشغال اليدوية. يعطي المالك أو صاحب الضيعة للعامل خمس الغلة مقابل أتعابه والمجهودات المادية التي يقوم بها أفراد أسرته. وإذا لم يكفه ذلك، فانه يستقرض الحبوب من قمح وشعير.

وقبل تسليم الخمس لهؤلاء العمال، وذلك عادة أثناء جمع المحاصيل، فان فائدة الدوار يخصم كل ما عليهم من ديون وتسبيقات، ولا يعطى لهم إلا ما تبقى. وعلى أثر التقسيم يذهب العامل إلى السوق لبيع محصولاته. وبما أن الغلل تجمع في نفس الوقت تقريبا، فإن الحبوب تكون رخيصة في فترة معينة من العام، بينما تكون الأسعار ثابتة عندما يقوم الأغنياء بتمويل الأسواق. ويرى هؤلاء السكان الرحل أن من الضرورة الملحة أن يكتسب المرء حصانا وبندقية وسيفا. والذي لا يملك هذه الأشياء يكون محتقرا ومنبوذا، لأنه، كما يقولون، لا يقدم أي ضمان سواء للقيام بواجباته أو الدفاع عن المجموعة. يوجد قائد بالنسبة لعدد من الدواوير، ويعين من طرف الباي أو من طرف آغا الناحية التي ينتمي اليها، وتنحصر اختصاصاته في جمع الضرائب والسهر على تنفيذ القوانين وتبليغ تدابير حكومته.

ص: 35

ومن بين مالكي هذه الدواوير أو رؤساء العائلات، هناك من يبدو ثريا. ولقد دعيت، شخصيا لتناول الطعام عند أحد هؤلاء الملاكين فقدم لي (ابريقا) من الفضة لأغسل يدي قبل الأكل، على الطريقة الشرقية، وأحضر الوجبة في صحون من الخزف الصيني.

وكما ذكرنا سابقا، فإن النساء اللاتي يكلفن بالحلب، يذهبن كذلك لجلب الماء وقطع الحطب لإشعال النار. وفي الأماكن التي يوجد فيها الحطب بقلة، كما هو الشأن في نواحي قسنطينة، فإن الأهالي يستعملون محروقات من نوع آخر، مكونة من خليط العشب وخثي البقر المجفف. والنساء هن اللاتي ينسجن الخيام، والحياك والبرانس، وهن اللاتي يمخضن، ويتبعن طريق الحصادين لجمع السنابل كما أنهن يتولين طحن الحب، وعجن الدقيق، والقيام بكل ما هو منزلي على العموم، ولذلك نرى هؤلاء النساء اللاتي لا يتوقفن عن الإشتغال، نراهن قذرات لا يعتنين بهندامهن، الأمر الذي يجعلهن عرضة للحمى ولغيرها من الأمراض الناتجة عن كثرة ما يلاقين من أتعاب. وعلاجهن عبارة عن نباتات معروفة بنجاعتها لأن السكان هنا لا يعرفون مبادىء التطيب. وبالنسبة اليهم، فالطبيعة وحدها هي التي تصنع المعجزات، ومن العادة أنهم، في مثل هذه الحالات، يلجؤون إلى الحمية (3).

أما فيما يخص حيواناتهم فإنهم يعرفون علم البيطرة كما هو معروف في أوروبا.

وتوجد لديهم طريقة للاحتفاط بالحبوب سنوات متعددة دون أن يلحقها

(3) وذلك عملا بقول الرسول عليه السلام: المعدة بيت الدائ والحمية رأس الشفاء (أو كما قال).

ص: 36

ضرر، وذلك بأن يضعوها في مطامير بعيدة عن الهواء والرطوبة. وانك لتجد عندهم، بدون مغالات، قمحا مخزونا منذ أكثر صمن خمس عشرة سنة، واني لمتأكد من هذه الحقيقة المعروفة في افريقيا معرفة جيدة. ولكننا نلاحظ عند الطحن أن دقيق هذه الحبوب التي تخزن طويلا لا يحتفظ بنفس البياض الذي يتسم به القمح الجديد، كما يكون له طعم لا يطيقه جميع الناس، ويحبه هؤلاء السكان حبا جما، ويقدمونه للضيوف كشيء نادر مثلما تقدم، في أوروبا، الخمر المعتقة أثناء وجبات الغذاء. ويدعى هذا النوع من القمح (المطمورة)، وتختار لخزنه، أماكن مجهولة تهيأ بدقة حتى أن الأعداء يمشون فوقها عندما يغزون المنطقة ولا يكشفوننها إلا إذا دلهم على ذلك أحد الخونة. ويوجد بين هؤلاء السكان فرسان ممتازون يتسمرون بكثير من الشجاعة والمهارة، عندما يركب الواحد منهم لا يتردد في محاربة عشرين أو ثلاثين شخصا، وله القدرة على رد هجوماتهم، وهم معروفون ببسالتهم وبعزة النفس، وجعل أبناؤهم على هذه الأخلاق، فلا يرضون بفعل أدنى دنيئة، ولا أعتقد أن هناك من يستطيع إنكار هذه الحقيقة. ومن الفرسان من يمد يده إلى الأرض، أثناء الركض، فيلتقط حجرا أو شيئا آخر دون أن يغادر صهوة جواده.

أما سكان الصحراء البعيدة، فإنني لم أزرهم شخصيا، وما أقوله عنهم إنما هو رواية عن أشخاص موثوق بهم.

وتنحصر ملكيات هؤلاء السكان في الجمال والبقر والخيل، وليس لاعلاهم درجة قطعان من الغنم ولا من المعز، لأن هذه الحيوانات تعرقل

ص: 37

فرارهم عندما تهاجمهم قبيلة من القبائل العدوة، وفي كثير من الأحيان يضطرون إلى تركها.

وهم يحبون خيلهم حبا شديدا، ويجعلونها في مكانة خاصة إلى درجة أنهم يقدمون لها حليب النوق.

عدد هؤلاء السكان كبير، وأصلهم عربي كما تقدم، والقيادة فيهم يتورثها الابن من الأب. ويزعمون أن هؤلاء القادة ينحدرون عن النبي داوود. ويتصرف كل قائد في حوالي عشرة آلاف خيمة لا تبقى في مكان واحد أكثر من شهر. وأهم ما يتغدى به هؤلاء الأهالي التمر وحليب النوق، ويقدمون منتوجاتهم للسكان المزارعين مقابل الشعير والقمح وكذلك القماش الذي يصنعون منه لباسهم والمناديل الحريرية التي تستعملها نساؤهم. ويحملون على ظهور الجمال الصوف والسمن الخ

ويعتبر صوفهم من أجود الأنواع وهو يشبه المرينوس الى حد كبير. جمالهم شبيهة بالمتوحشة لا تروض إلا بصعوبة، ولا تستعمل في الأشغال كما يفعل ذلك سكان التل.

ويوجد لدى هؤلاء السكان نوع من أجود أنواع الخيل، وهم بالطبع، أكثر نشاطا، وقوة من السكان المزارعين الذين ذكرناهم أعلاه، ونستطيع القول بأن الرجل منهم يساوي عشرة من الآخرين.

وتعيين مشايخ الصحراء من اختصاصات باي قسنطينة، وعندما يقلدهم زمام الحكم يهدي إليهم معطفا مدبجا بالخيوط الذهبية. ويضع تحت تصرف الشيخ الواحد عشرين خيمة من الجنود الأتراك وأعلاما وجوقة موسيقى عسكرية، ويكون هذا الشيخ كالملك بالنسبة لسكان الصحراء، الذين تبذل جميع الوسائل الممكنة لجلبهم إلى قسنطينة، فيدعون للتنقل إليها أيام السوق

ص: 38

يبدلون فيها منتوجاتهم خدمة لمصالح هذه العاصمة، ولذلك نجد مدينة قسنطينة التي ما كانت تبلغ هذه المكانة لولا هذه المنافع، نجدها مزدهرة تتمتع بكل ما تدره التجارة المركزة فيها، إلا أن هناك بعض المشايخ، الذين لا تسمح لهم كبرياؤهم بالخضوع لسلطة الباي، يفضلون الذهاب لأسواق أخرى في الجهة الغربية مثل التيطري وغيرها من المدن. وبفضل تنقلاتهم اليومية، يفيدون مقاطعة باي التيطري دون أن يخضعرا لأي واجب من الواجبات، ولأجل هذه المنافع يهتم البايات كثير الاهتمام بالتحالف، عن طريق المصاهرة، مع رؤساء هؤلاء السكان الرحل الأباة. إن الحاج أحمد (4)، ياي قسنطينة الحالي، ابن أخت أحد كبار رؤساء هؤلاء العرب، ويدعى الذوادي بن قانة.

وقد كان الباي ابراهيم (5) الذي سلم عنابة للفرنسيين، بايا في قسنطينة أيام الأتراك وفي ذلك العهد صاهر أحد أفراد عائلة الشيخ فرحات (6)، وهو من قواد الصحراء.

(4) هو الحاج أحمد بن محمد الشريف وحفيد الباي أحمد القلي. أما أمه فهي الحاجة وفية من أسرة ابن قانه الصحراوية. ولمزيد من المعلومات حول هذه الشخصية الجزائرية الفذة راجع مذكرات الباي أحمد التي ترجمناها عن الفرنسية.

(5)

عزله حسين داي سنة 1821 نتيجة تصرفاته اللامسؤولة والجدير بالذكر أن هذا الباي هو الذي كاد للحاج أحمد، خليفته آنذاك، وأقنع الداي بضرورة إبعاده عن قسنطينة فنفاه إلى المدية فالبليدة.

(6)

هو فرحات بن سعيد من أسرة بو عكاز. عينه إبرهيم باي شيخا للعرب بعد أن أجبر ابن قانه على التخلي، وهو شخصية فريدة يبحث عن المسؤولية فقط. ولكنه كان شجاعا وطموحا. يقول عنه الباي أحمد في مذكراته: إنه رجل بارود، لا يهاب المنية. حاربني مدة سبع سنوات، فكان يساوي وحده مائة فارس.

ص: 39

وعندما غزا الفرنسيون الجزائر، استلى مصطفى بومزراق (7)، باي التيطري، على المدية الواقعة غربي مدينة الجزائر، وأعلن نفسه باشا، وارتأى إبراهيم باي، الذي كنا نتكلم عنه والذي تحالف مع مصطفى المذكور، أن ينصب نفسه، بمساعدة صهره الشيخ فرحات، بايا على قسنطينة مكان الحاج أحمد، وأن يستولي على المدينة وعلى ثروات هذا الأمير (كان يجهل أن هذه ثروات قسنطينة وأنها نقلت إلى الصحراء). وقد كان يأمل أنه يجد في كنوز الحاج أحمد ما يكفيه للقيام بمحاربة الفرنسيين، واعتقد الشيخ فرحات، بهذه المناسبة، أن من حقه أن يبذل كل ما في وسعه، ظنا منه أن مسألة المدية تكون لها نتائج مرضية.

وفي الوقت الذي فشلت فيه مخططات باي التيطري، كانت المعركة قائمة بين الحاج أحمد والشيخ فرحات الذي منعته عزة النفس من التراجع على الرغم من أن جيشه كان في وضع سيء، وعندما انتصر عليه الحاج أحمد استولى على ثرواته وأتباعه وعلى كل ما ينتسب إليه، ولكن الحاج أحمد المنتصر كان رحيما وكريما، فأعاد النساء والأطفال إلى خيماتهم وأرجع للشيخ جميع ثرواته كما هي العادة عند البواسل، ثم أحضر لهم الخيل وما عداها من الحيوانات الضرورية لنقل أمتعتهم، وعندما يحل السلم تنطفىء الضغائن ويسود الإحسان، وفي جميع الحالات تجب حماية النساء واحترامهن، ولا تكون

(7) المزراق هو الرمح. وقد حكم بومزراق بايلك التيطري من سنة 1819 إلى سنة 1830، كان شجاعا ونشيطا في جميع أعماله. شارك في معركة سطاولي، غير أن القبائل ثارت عليه بعد سقوط مدينة الجزائر ونهبت أملاكه، فاضطر إلى طلب الأمان من الجنرال كلوزيل ثم غادر الجزائر وتوجه إلى الإسكندرية.

ص: 40

الحرب إلا بين الرجال. وبعد أن أعادهن لرئيسهن ولأبائهن، وجه الحاج أحمد لفرحات رسالة يؤمنه فيها من كل خوف، ويقدم له الأمان، ويدعوه إلى زيارته. بيد أن هذا القائد، الذي أخزته الهزيمة، رفض التنقل شخصيا ولكنه ظل، من ذلك الحين، يراسل باي قسنطينة، فشرح له الأسباب التي أدت إلى الحرب، وبعث له الرسائل التي تكون علاقاته مع الدوق ((دوروفيغو))، وأحاطه علما بجميع الاتصالات التي يقوم بها يهود الجزائر، كما أحاطه علما بالجواب الذي أخص به الدوق والذي يقول فيه أنه لا يستطيع قبول عروضه، وأن شرفه ومركزه الاجتماعي بين الرؤساء الآخرين، يفرضان عليه عدم مساعدة أي كان ضد وطنه، وبالتالي فإنه ليس من طبعه أن يخون مواطنيه وبلاده.

وقد أطلعني الحاج أحمد على أسرار كل هذه المراسلات، وبهذا الصدد قال لي: كيف أن الفرنسيين الذين اشتهروا بالفكر الثاقب وبحدة الذكاء يظهرون العكس في مثل هذه الظروف؟ كيف يثقون ثقة عمياء في يهود مناورين، وفي ذلك المدعو ابن قارة علي الذي عين خليفة في المنطقة الشرقية والذي لم يتمكن من شغل هذا المنصب أكثر من ثلاثة أيام؟ ان هذا السلوك قدبين للعرب أن الفرنسيين يثقون بأناس لا أهلية لهم ولا كفاءة، وينقص من قيمتهم في نظر هؤلاء العرب أنفسهم وفي نظر سكان الصحراء. وزيادة على ذلك، فإن هؤلاء السكان بعيدون بطبعهم عن جميع الأوربيين ودلك بسبب الاختلاف الموجود في اللغة، واللباس، والطبائع، ثم إن أفكارهم التعصبية تعد من أهم الحواجز التي تمنع كل تقارب ولذلك، كما قال الحاج أحمد، فإنه ليس للفرنسيين أن يأملوا في أن يساعدهم هؤلاء الأهالي على أن يصبحوا سادة عليهم وعلى البلاد. وعلاوة على ذلك، أضاف الحاج أحمد، فإن إدارة

ص: 41

الفرنسيين والأساليب التي استعملوها حتى الآن لم توضع للإغراء. وفي الصفحات المقبلة، عندما أتكلم عن رحلاتي إلى قسنطينة، ومحادثاتي مع باي هذه المقاطعة، سأذكر بعض الملاحطات القيمة التي أبداها الحاج أحمد. ويحق لي أن أذكر بأنني كنت كلما قدم الحاج أحمد حججا، أبذل كل ما في وسعي لإقناعه بالتخلي عن الفكرة التي تكونت لديه، ولقد أردت أن أفهمه بأن ليس للحكومة الفرنسية سوى نوايا حسنة، وأن الآمال التي قام بها بعض القادة والتي يعتبرها ناقصة وتستحق العقاب إنما نصفها مبالغ فيه، والربع لم يؤول تأويلا صحيحا، والباقي، الذي تدينه الأمة الفرنسية، لم تأمر به حكومتها.

ان وصول رسل الشيخ فرحات الذوادي كان سببا في الحادث المفجع الذي وقع لقبيلة العوفية (8). ولقد قدم السيد بيشون (9)، في كتابه، تفصيلا عن تلك الفضيحة التي ستكون صفحة سوداء في تاريخ الشعوب والتي لا يصدق الكثير أنها وقعت في القرن التاسع عشر، عهد الحرية والحضارة الأوربية. منذ ذلك الوقت، أخذ الشيخ فرحات حذره، وصار باي قسنطينة يحترس من الفرنسيين، وكذلك الأمر بالنسبة لجميع القادة الآخرين وللسكان بأكملهم.

إنهم يعتقدون أن عدل الفرنسيين ظاهري فقط. وأن كل قبيلة تحتمي بهم

(8) قبيلة كانت تسكن ناحية الحراش. نظم الدوق دوروقكو حملة ضدها فباغتها ليلة السابع من شهر أفريل 1832 فقتل جميع أفرادها العزل باستثناء بعض الأطفال والنساء. وتذكر المصادر أن البارون بيشون قد حاول أن يمنع تلك المذبحة ولكنه لم يفلح (انظر بيشون، وبيلي في الحوليات الجزائرية، الجزء الأول، الكتاب العاشر).

(9)

ديبلوماسي فرنسي، ولد سنة 1771 في مدينة نانت وتوفي في باريس سنة 1850. كان أول معتمد مدني في الجزائر بعد الاحتلال، ولم يغادر البلاد إلا سنة 1832. له مؤلفات كثيرة أهمها: (الجزائر في عهد الاحتلال الفرنسي) نشر سنة 1833 أي في نفس السنة التي نشر فيها المرآة باللغة الفرنسية.

ص: 42

وتبدي الإخلاص لقضيتهم تلقى مصير العوفية. هل ان الفرنسيين لا يودون التقرب منا إلا لإبادتنا ونهبنا، كما فعلوا ذلك بالنسبة لتلك القبيلة الضعيفة؟

ان الفائدة التي يمكن انهم حصلوا عليها نتيجة نهبهم إياها لضئيلة جدا، إذا قارناها بالخزي والعار اللذين أصابا المتسببين في هذه النكبات.

والذي يدهشني في هذه الواقعة، ويخجلني عندما أتكلم عن هذه الأحداث هو أن السيد بيشون قد عرض قبلي، في كتاب، وبكيفية صادقة هذه الأحداث، ولم تتخذ الحكومة الفرنسية أدنى الإجراءات للتنديد بهذه الأعمال التي لا تليق بمقامها وبكرامتها. ولقد كان من حقها أن تبرهن على أن مشاعرها تتعارض مع هذا النوع من التصرفات، ومن واجبها، كما فعلت ذلك بمناسبة الاستيلاء بالقوة على الصوف، أن تشجب بشدة وبواسطة تصريح وقوع مثل هذه الكوارث التي يتسبب فيها أعوانها. وأخيرا، كان عليها أن تعوض للسكان القلائل الذين سلموا من المذبحة ما أتلف من أملاكهم، وأن تمنع بيع الغنائم المغتصبة. لقد تم هذا البيع في باب عزون، ومن جملة ما رأينا أساور ما تزال مشدودة إلى زنود مقطوعة وقرطا دامية. وعلى العكس فإن جميع الأعمال التعسفية كانت تشجع وانطمست مبادىء العدالة كلها في أذهان الحكام. وبهذه التصرفات، سوف تستحيل الإقامة في هذه القارة بالنسبة للفرنسيين الذين سيفقدون إلى الأبد جميع الامتيازات التي يكونون قد اكتسبوها.

وهكذا نظمت حملة عسكرية ضد البليدة التي كانت بين أيدي الفرنسيين وفي حمايتهم، وعلى غرار ما وقع في العوفية، فإن سكانها نهبوا وذبحوا. وهذه المدينة المعرضة، دائما، لهجومات المفسدين المقيمين في الجبال المحيطة

ص: 43

بها. ليس فيها أي حصن ولا يمكن لها أن تقاوم طويلا. وإنني لأذكر هذا الحادث وأترك الحكم فيه للأجيال المقبلة.

لقد خضع سكان البليدة للفرسيين على رغم أنف جيرانهم سكان الجبل، ثم أن الفرنسيين تركوهم فريسة للأحقاد، يموتون دون أن يقدموا لهم وسيلة للدفاع عن أنفسهم.

وكل هذه الأعمال التخريبية الهدامة معروفة ويزداد انتشارها من يوم لآخر في كامل أنحاء الإيالة.

ان هذا البلد، كأنه سلسلة في إحساسه بالخير والشر، يكفي أن تمس حلقة واحدة لتقوم الباقية برد الفعل. وهكذا، فإن الانطباعات التي تنتح عن تصرفات الحكام تسري حينا وإلى كل مكان، لكن، مع الأسف، فإن جزءا من الإنسانية وحده هو الذي يرزح تحت عبء كل ما يمكن تصوره من الشرور.

ولكي أعود إلى وصف الخيم، فعلى الرغم من أنني لم أتجول في هذه الدوارير التابعة للشيخ الشهم الكبير الذوادي ابن قانه، خال الحاج أحمد، باي قسنطينة، أستطيع القول بأنها رحبة ومقامة بأناقة وأبهة. وعلى كل مدخل تجد الخيل الجميلة مربوطة. ولقد سألت عن عدد الفرسان الذين يمكن تجنيدهم عند أول إشارة، وكان الجواب أن الشيخ ابن قانه يستطيع الاعتماد على عشرة آلاف فارس. ولا أعتقد أن في هذا العدد مبالغة، لأن مجموع الخيم يزيد عن العشرة آلاف وإذا فرضنا أن كل خيمة يمكن لها أن تجهز فارسا واحدا وجدنا بكل سهولة العدد المطلوب، أما أنا، فإني أعتقد أنه بالإمكان، عند الحاجة، مضاعفة العدد، وذلك نظرا لكثرة ما يملكه هؤلاء السكان من

ص: 44

الخيل ولكثرة شغفهم بركوبها وبخوض الحروب. وهناك، أيضا، مشايخ كثيرون يعرفهم ابن قانه ويسكنون هذه المناطق.

وها هي الآن بعض التفصيلات عن الصحراء. إنها باب وموطن للرمال، نرى فيها من حين لآخر جبلا شامخا ثم يزول في لمح البصر لأنه من رمل وليس من أجسام صلبة. إن الرياح تصنع الجبال وتهدمها كما شاءت، وتصنع السهول والأكوام. ومن المستحيل شق طريق تضمن الذهاب من نقطة والإياب إليها، إننا لا نجد فيها شجرة ولا حجرة ولا أنهار ولا أودية، ولا أية علامة لمعرفة الاتجاه. غير أن سكان هذه الناحية يتمتعون بموهبة خاصة تقودهم في الأسفار، إنهم يهتدون بكواكب النهار ونجوم الليل، ويكشفون المياه بسهولة عجيبة، وفي بعض الأحيان فإن هذه الينابيع تكون مغطاة بقدم وقدمين من الرمل، ولكن ذلك لا يمنع من الوصول إليها وهذه ملكة اختصوا بها دون غيرهم.

يوجد في وسط الصحراء بعض المدن مثل بسكرة، ميزاب، لغواط وغيرهما

مقامة على الأنهار أو على الينابيع، وتخضع لإدارة مشايخ الصحراء الذين يتقاضون نوعا من الغرامة مقابل حمايتهم لأهالي هذه المدن.

وسكان الصحراء لا يعرفون البذلة الأوربية، ما عدا أولائك الذين يذهبون إلى المدن الساحلية مثل مدينة الجزائر وغيرها.

ويوجد في هذه المناطق عدد كبير من الحيوانات السامة مثل الثعابين والعقارب، وهي خطيرة جدا، ولا أستطيع ذكر أنواع الحذر التي يتدرع بها السكان لحماية أنفسهم، لأن هذه الحيوانات تختبىء في الرمال، وهناك أيضا، الأفاعي بأحجام مختلفة، ونوع آخر قصير ونحيل ينطلق نحو الأفراد

ص: 45

وكأنه السهم، وبمجرد ما تتصل هذه الزواحف بالجسم تطلق النار ثم تقتل نفسها بعد أن تميت الشخص الملدوغ، ويقال كذلك أنها تترك أثرا في قطعة الحديد أو الفولاذ التي تصطدم بها. فمثلا ان ركاب الخيل في هذه المناطق عريض ومحقق لتجد الرجل فيه مكانها، وعندما يلمسه هذا الحيوان، فإنه يترك فيه علامة.

ولن أنتهي من هذا الفصل دون التذكير بأن هذه المنطقة الواقعة في داخل البلاد هي مصدر ثروات الإيالة وأساس كيانها السياسي، وأنها تشكل بمفردها أكبر جزء تعتمد الإيالة كل الاعتماد عل سكانه. - وهنا أصل إلى تفاصيل أقل أهمية على الرغم من أن بعض مشاهير الكتاب أرادوا أن يظهروا بأن المناطق الساحلية أهم وأغنى، وسأبين في الفصل القادم مدى خطأ زعمهم، وأبرهن، بكيفية منطقية وهندسية، على أنهم ارتكبوا أغلاطا فادحة عندما تكلموا عن أشياء لا يعرفونها إلا معرفة سطحية. وأن إقناع ذوي المنطق السليم والرأي الصائب لا يتم أبدا بواسطة الجمل المنمقة، والمحيط لا يمكن أن ينشأ فوق مونتمارنر كما أن القصور في اسبانيا ستظل خرافات، وعلى الرغم من كل ما قد تفوهت به تلك الشخصية التي هي بلا شك أقرب إلى أن تكون رجل سيف منها إلى أن تكون رجل قلم، عل الرغم من ذلك وعلى الرغم من أني من مواليد المشرق، فإنني سأقف ضد حقوق غير مشروعة وأحارب الآرام الخاطئة بواسطة حجج لا تقبل المنازعة.

ص: 46