المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الصرصري والبرعي والبوصيري: - المرشد إلى فهم أشعار العرب - جـ ٥

[عبد الله الطيب المجذوب]

فهرس الكتاب

- ‌مدح الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌أطوار المدحة النبوية وبعض أمرها:

- ‌أما طور الدعوة فقد كانت قصيدة المدح النبوي فيه جزءًا لا يتجزأ من الشعر العرب

- ‌طور السياسةهذا هو الطور الثاني من أطوار المدحة النبوية

- ‌الطور الثالثوهو طور التعبد الممهد

- ‌طور النضج:

- ‌الصرصري والبرعي والبوصيري:

- ‌وأعلم أيها القارئ الكريم أن من علامات نفس الشاعر ودلائله أشياء نذكر منها فيما يلي إن شاء الله:

- ‌أولًا: التسلسل:

- ‌ثانيًا: التدرج

- ‌ثالثا: تداعي المعاني

- ‌رابعا: المقابلة

- ‌خامسًا: التخلص:

- ‌سادسًا: المخاطبة:

- ‌سابعًا: الاقتضاب:

- ‌الاقتضاب عند المحدثين:

- ‌فصل فيما يقع من تشابه أشكال القصائد

- ‌فصل ملحق بما يقع من تشابه أشكال القصائد

- ‌أسلوب المقالة: تمهيد: أولاً:

- ‌أسلوب المقالة: أوائله، ثانيًا

- ‌المقالة والقصيدة عند شوقي وحافظ ومن بعد قليلاً

- ‌الضرب الأول:«رومنسية» الدفاع عن القديم

- ‌الضرب الثاني:الرومنسية المسيحية العربية

- ‌الضرب الثالث:«رومنسية» الافندي

- ‌الضرب الرابع وهو رومنسية الفقير المفقود

الفصل: ‌الصرصري والبرعي والبوصيري:

‌الصرصري والبرعي والبوصيري:

أحسب أن هذا ترتيبهم إن شبهناهم تشبيهًا لا نريد به حقيقة المماثلة ولكن نريد به نحوًا من التقريب بثلاثة المولدين الكبار، أبي تمام وأبي عبادة وأبي الطيب. أشبههم بأبي تمام الصرصري. وأشبههم بأبي عبادة البرعي، وأشبههم بأبي الطيب البوصيري، وهو المقدم المجمع على تقديمه وتفضيله، والبرعي أشهر من الصرصري والذاكرون بالمديح النبوي أكثر لقصائده إنشادًا. وقد كان الصرصري من رجال السابع الهجري في نصفه الأول قتل ببلدته صرصر سنة سقوط بغداد. قتله التتار شهيدًا رحمه الله. وكان البوصيري من رجال نفس القرن ولد سنة 608 هـ مات في آخره سنة 696 هـ. وكان البرعي من رجال الثامن والتاسع كما في البدر الطالع وأشار إليه شارح القاموس في مادة برع ولم يذكر تأريخ مولده أو وفاته وذكر وفاته صاحب البدر الطالع أنها سنة 803 هـ وذكرها الزركلي في أعلامه عند عبد الرحيم بن أحمد بن علي البرعي ولكن ذكر أن الذي بأيدي الناس هو ديوانه الصغير وكنت أصبت تأريخ مولده ووفاته من الأستاذ المجمعي المفضال الشيخ محمد علي عقبات. من علماء مدينة صنعاء ثم ند عني موضع القصاصة وذكر الشيخ النبهاني رحمه الله أنه من رجالات القرن الخامس ولا أحسبه صحيحًا لوضوح ما في البدر الطالع وقوته.

للصرصري مقصورة نظم فيها عقيدته، وهي ما كان قائمًا عليه إجماع أهل السنة وأحسب أن اللقاني في جوهرته المشهورة وغيره من معروفي أصحاب المتون المنظومة في العقائد لم يخلوا من استفادة بها ونظمها أمتن من نظمهم بلا ريب كقوله:

ومعجزات الأنبياء كلها

ثابتة كيد موسى والعصا

ثم كرامات الولي ما بها

ريب ولو قيل على الماء مشى

وأفضل العالم ممن آمنوا

في كل عصر وزمان قد خلا

أمتك الزهراء خير أمة

وخيرها القرن الذي بك اقتدى

وخير هذا القرن كل سابق

وخيرهم أربعة هم الفرا

من «كل الصيد في جوف الفرا» .

وكل من كان ببدر حاضرًا

لوقعة ففضله لا يرتقي

وبيعة الرضوان من يشهدها

فهو عظيم الفضل محروس الحمى

والكف عما كان بينهم به

أدين لا أقبل من واش وشي

وإن أزواجك كلهن في الجنة

يفضلن على شمس الضحى

ص: 88

ثم أخذ في نظم ما يدين به من الشرع مما كان عليه أشهر قول أهل السنة.

والصوم والصلاة والزكاة والعمرة

والحج وبيع وشرا

والنصب والخمر وكل مسكر

وكل مزمار وتحريم الزنا

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

والعرف وتحريم الربا

والسمع والطاعة للأمير في الجور

وفي العدل وحرب من بغى

شرع صحيح ثابت يبقى إلى

أن ينقض العلم وينقضي المدى

فهذه عقيدتي نظمتها

أجعلها عندك ذخرًا يرتجى

يعرضها يوم الخميس ملك

عليك يا جابر كسر قد هفا

في المطبوعة الخميس بالخاء المعجمة وما أرى إلا أنه الحميس بالحاء المهملة وهو يوم القيامة لما فيه من الحر والعرق.

فاسأل لي الرحمن أن يميتني

غير مغير إذا الوقت انقضى

فقد مات -إن شاء الله- شهيدًا رحمه الله.

عساه أن يغفر لي خطيئتي

بفضله ذو الملكوت والغنى

حتى تكون لي بهذا شاهدًا

عند الذي يعلم سري ويرى

صلى عليك الله ذو الجلال ما

هبت مع الأسحار أنفاس الصبا

لاحظ الفرق بين طريقة الصرصري في ذكر هبوب الصبا وما مر من ارتياح ونشوة للطبيعة في كلام ابن الخطيب. ألا ترى هنا أن الصرصري أشد اهتمامًا بأن هبوب الصبا في الأسحار وازن بين هذا وبين قول ابن الخطيب مثلًا:

عليك صلاة الله ما ذر شارق

وما راق من وجه الصباح نسيمه

وقوله:

صلى عليك الله ما حيا الحيا

روض الربى وترنمت أطياره

وقوله:

عليك صلاة الله ما طيب الفضا

عليك مطيل بالثناء مطيب

وما أفتر قد للغصون مرنح

وما أفتر ثغر للبروق شنيب

ص: 89

وأول المقصورة استهلال عذب حسن الانسياب وهو قوله:

ما بين قرب وبعاد وقلى

وبين ليت ولعل وعسى

ضاع زماني ووهت شبيبتي

وصوح المخضر منها وذوي

واها لأيام شباب ما لها

من أوبة بعد الشباب ترتجى

لكنها تمضي وتبقى حسرة

تثبت ما بين الضلوع والحشى

من لم يكن في غرة الدهر له

عزم كغرب السيف حين ينتضى

فقلما ينجب في آخره

أين البطيء والمغذ في السري

لو قد كان جاء بجواب الشرط (من لم يكن) في عجز البيت لأشبه مذهب ابن دريد في المقصورة، ولكنه بجعله الجواب في بيت تال قد باين ذلك المذهب، وهذا أدل على سماحة طبعه وأنه لم ينصب من نفسه مجاريًا لابن دريد وإن يكن قد أخذ ببحره ورويه.

يا ويح عبد ذهبت أوقاته

مستغرقات في جهالات الهوى

يسعى إلى الآثام جذلان وقد

أحصى عليه الكاتبان ما سعى

ثم سلك الصرصري من بعد سبيلا من الوعظ أصاب فيها من النظر إلى ذكر الحساب واليوم الآخر. ونظم معاني القرآن والحديث عسر ومزلة أقدام، وقد تعلم كيف تكلف أبو تمام وقارب شفا الإساءة حيث قال:

ثانيه في كبد السماء ولم يكن

لاثنين ثانيا إذ هما في الغار

أصاب الصرصري رحمه الله شأوا بعيدًا من الإجادة في بعض ما تناوله في هذا المجال. مثلًا ما جاء من صفته للنبي صلى الله عليه وسلم إذ قام بلواء الحمد للشفاعة:

ما لي مجير ذلك اليوم سوى

محمد خير الأنام المجتبى

أول من ينشق عنه قبره

وما عليه من سبيل للبلى

يزفه سبعون ألف ملك

وهو على البراق ساطع السنا

وهذه الصورة مأخوذة من قصة الإسراء والمعراج.

بيده اللواء تحت ظله

آدم والأشراف من أهل البهى

وهو شفيع الناس يوم العرق الطاغي

وفيه كل وجه قد عنا

جمع هنا بين معاني الحديث والقرآن- قال تعالى: {وعنت الوجوه للحي القيوم} .

وضوعفت سبعين ضعفًا شمسه

حرًا وقدر الميل جرمها دنا

واشتد فيه غضب الله على

من صد بغيًا وتعدى وطغى

ص: 90

يوم يقول الأنبياء كلهم

نفسي إلا الهاشمي المرتضى

يقول وهو صادق أنا لها

في موقف فيه الخليل قد خشي

خشي بوزن سعى على لغة طيء في باب فرح وسمع الناقص.

يجيز من كان مصدقًا به

على صراط مزلق من اعتدى

أعد للعاصين من أمته

شفاعة تنقذ من حر لظى

ومد حوضًا قدر شهر عرضه

ينقع غلة الصدى عذبًا روى

أكوابه من ذهب وفضة

مثل النجوم عددًا ومجتلى

أنقى بياضًا من صريح لبن

ومن مصفى عسل أحلى جنى

يرده الشعث الرؤوس أولا

ورد عنه كل فاجر غوى

فهذا كما ترى نفس حلو الانسياب، سهل الديباجة، جميل طريقة القصص.

ومن جياد شعر الصرصري رحمه الله رائيته التي جعل أولها تشبيبًا بالكعبة المشرفة، وأعطاها صورة المحبوبة الحسناء التي يوافي طيفها فيهيج دوافع الشوق. وقد أخذ أصل المعنى من قوة علاقة الدار بالمحبوبة في قديمات قصائد العرب، وأخذ معنى خلع صورة الإنسان على الدار من طريقة أبي تمام فمزج جميع ذلك وولد منه ما صار هو إليه من المعاني الحسان، لا أشك أن محيي الدين بن عربي أخذ تغزله بالكعبة من ههنا، لأن شعر الصرصري رحمه الله كان ذا سيرورة مشهورًا. وتغزل ابن العربي الذي جاء به في الفتوحات ليس بجيد حقًا، وكان النظم أغلب على طريقته نظمًا قليل الماء:

ونعود بعد إلى ذكر رائية الصرصري، قال رحمه الله ورضى عنه:

حيتك ألسنة الحيا من دار

وكستك حلتها يد الأزهار

هذا المطلع كما ترى طنان رنان، فيه روح من طنانة أبي تمام:

الحق أبلج والسيوف عواري

وقد سبقت منا الإشارة إلى أن في الصرصري رحمه الله أنفاسًا حبيبية.

وتعطرت نفحات تربك كلما

فض النسيم لطيمة الأسحار

فهذه الاستعارة حبيبية المعدن.

فلأنت معهدي القديم ومألفي

وبك انقضت محمودة أوطاري

لله ما أبقى الأحبة مودعًا

بثراك للمشتاق من آثار

لأصرحن اليوم فيك بلوعة

كلفت بماء في الطلول ونار

ما كنت بدعًا في الصبابة والأسى

حتى أواري زفرتي وأواري

ص: 91

ما الحب إلا لوعة تلج الحشا

أو مدمع جار لفرقة جار

ومصونة حوت البهاء ستورها

سمراء يطرب وصفها سماري

تأمل أصناف الجناس التي مرت- ثم تأنيث الكعبة ههنا وجعلها عقيلة مصونة معشوقة:

عربية الأنساب قام بحسنها

عذرى وطاب عليه خلع عذاري

جعله الحسن عذرًا فيه كالإشارة إلى قول امرأة العزيز: «فذلكن الذي لمتني فيه» لما قلن لها: «حاش لله ما هذا بشرًا إن هذا إلا ملك كريم» ثم أخذ بعد في ذكر الطيف:

زارت على بعد المسافة بعدما

هوت النجوم ولات حين مزار

يشير هنا إلى قول جرير:

طرقتك صائدة القلوب وليس ذا

وقت الزيارة فأرجعي بسلام

وأراد جرير أن عليه أن يصلي الفجر ويواصل السير فهذا سبب طرده الخيال، إذ هو طرد للنوم. ويروى أن السيدة سكينة بنت الحسين بن علي رضي الله عنهم أجمعين أخذت عليه، وما أحسب أنه غاب عنها مراده، ولكنها لعلها أخذت عليه بعض مذاهبه في المدح والهجاء.

أو اخترع الخبر بعض الحذاق.

زارت على بعد المسافة بعدما

هوت النجوم ولات حين مزار

إني طوت شقق الفلا وديارها

بحمى الحجاز وبالعراق دياري

أهلًا بطيف زائر أهدى لنا

ريا ممنعة الحمى معطار

دل ببيته هذا أنه لم يطرد الخيال، فجرى قوله «ولات حين مزار» مجرى الدلالة على الوقت.

جادت بوصل وانثنت ومحبها

عاري المعاطف من ملابس عار

فهذه قرينة مانعة من أن تكون المتغزل فيها امرأة- على أنه ليس في وصال الطيف من عار. ولا يخفى بعد مكان الجناس.

هل وقفة للركب في عرصاتها

وله جوار في أعز جوار

فأقبل الحصباء منها مطفئا

جمر الغضى مني برمي جمار

فهذا يكشف أن المتغزل بها هي الكعبة.

فهناك لا حجر ولا عار على

ذي الحجر في التقبيل للأحجار

ص: 92

ذو الحجر أي ذو اللب.

أم عائد مني بأجدر تربة

بالقصد في أكناف خير جدار

ربع به غرر العلا مبذولة

للمشتري والأري للمشتار

الأري هو العسل ومشتاره جانيه والتربة عنى بها قبره صلى الله عليه وسلم.

وبه يبين للقلوب حقائق الأسرار

بدر لم يشن بسرار

ومن ههنا أخذ في مدح الرسول عليه الصلاة والسلام:

هو أحمد المختار أحمد مرسل

قتال كل معاند ختار

ندب إذا بث الجياد مغيرة

علقت بحبل للثبات مغار

بيمينه في الحرب حتف الممترى

وحياتها في السلم للممتار

هكذا وعندي أن ههنا خطئًا من الناسخ وأن الصواب: وحيا بها أي وبها حيا أي غيث في زمن السلم لطالب جدواها ممتارًا، لأن الغيث يتبعه الخصب والميرة.

غمر الندى جلاء أغمار الورى

متكفل بهداية الأغمار

جعل المهيمن في مسامع خصمه

وقرًا وزان صحابه بوقار

وهو المظل بالغمائم من أذى الـ

أسفار والمنعوت في الأسفار

يعني أسفار أهل الكتاب.

وبه تنشر حين سار مهاجراً

للغار ذكر فاق نشر الغار

وانهل إكرامًا له صوب الحيا

والقطر محتبس عن الأقطار

فضل البرية كلها ورسا به

طود العلا في هاشم ونزار

وما أرى إلا أنه عنى بنزار العرب أجمعين.

والمدح هنا خالص لا يشوبه تباه بشيء من عرض الدنيا أو التفات إليه، وهذه مزية مداح الرسول صلى الله عليه وسلم الذين انصرفوا بفنهم كله إلى مدحه عليه الصلاة والسلام، لا يشوبونه بغيره، ووازن بين ما ههنا وما مر بك من كلام الزمخشري وابن الخطيب والأبيوردي والفيروزآبادي مثلًا.

يا هاديًا شد الإله بدينه

أزرى وشد على العفاف إزاري

يا من به إن عذت من سنة حمى

أو زار في سنة محا أوزاري

يا من حباء يديه محلول الحبى

لحبا يسار أو لفك إسار

لو لم يكن مدحيك من عددي لما

أضحى شعاري صنعة الأشعار

ص: 93

وازن بين هذا وبين قول ابن جابر في المقصورة.

أنا الفتى لا يطبيني مطمع

فأبذل الوجه لنيل يرتجى

وقوله:

لولا اشتياقي لديار كرمت

لبعدها يرثى لنا من قد رثى

ومدح من أرجو بأمداحي له

إصلاح ما قد عاث مني وعثى

لم أجعل الشعر لنفسي خلة

ولم يجش فكري به ولا غثا

يا ضيعة الألباب في دهر غدا

فيه فتيت المسك يعلوه الخثى

فإن ههنا خشونة مع جانب تعزز شخصي ذاتي، وازن بين هذا وبين شعور النشوة والفرح النفسي بما حباه الله هذه الهبة حتى جعلها لنفسه صنعة وشعارًا إذ مدح النبي صلى الله عليه وسلم من عدده للدنيا والآخرة.

لو لم يكن مدحيك من عددي لما

أضحى شعاري صنعة الأشعار

نشر الثناء عليك أطيب نفحة

من مسك دارين تفوح بداري

أرى أن الثناء فاعل لنشر وهو فعل وأطيب مفعول به وأصله صفة لمحذوف ونفحة تمييز أي نشر ثنائي عليك نفحة طيبة أطيب من مسك دارين، فهي بداري فائحة. ومن جعل «نشر» مصدرًا والثناء مضاف إليه وأطيب خبر المبتدأ جاز ذلك وأحوج إلى تأويل النشر بمؤنث وليس في جودة ما ذكرنا، ورنة ما ذكرنا أجود إن شاء الله.

ملأ المهيمن مذ قصدتك مادحًا

بيساره يمناي ثم يساري

تأمل هذا الشكر والحديث بنعمة المولى وصدقه وأريحيته.

ونفى بجاهك يا أعز وسائلي

قتر الهوى عني مع الإقتار

فتخذت سنتك المنيرة حجة

ومحجة تهدي لخير منار

وغدوت محروس الحمى من ضيقة الإعسار

عند تواتر الأسعار

كأنما أطل على هذا البيت ظل من أبي تمام وذلك قوله:

وتباشروا كتباشر الحرمين في

قحم السنين بأرخص الأسعار

وكأن الصرصري يتعمد نوعًا من الإلماع بالإشارة إلى هذا البيت، لأن هؤلاء تباشروا بالخليفة وابنه الواثق والصرصري بشراه وتباشره بهذا الشعار النبوي الذي نفعه وحماه وتتبع قتر ذنبه فمحاه.

حسبي رجاء أنني من أمة

بك أصبحت موضوعة الآصار

أنت الزعيم لها وأنت سفيرها

إن أقبلت من أطول الأسفار

ص: 94

وذلك ما بين المحشر والممات.

ويزيد فيك رجاء قلبي قوةً

أن صار بي نسب إلي الأنصار

هذا المعنى حاوله من بعد لسان الدين بن الخطيب على لسان سلطانه ولم يجيء به سهلًا جيدًا كما ههنا.

قوم حللت بدارهم فتدرعوا

ببدارهم لرضاك ثوب فخار

فاسأل إلهك لي بعشر محرم

جبرًا لقلب واجف الأعشار

وشهادتي حق قبيل شهادة

فيها الوفاق لأهلك الأطهار

إذ قد استشهد منهم من قد استشهد في أول الإسلام ومن بعد، كسيدنا حمزة وعبيدة وجعفر وزيد بن حارثة وعلي والحسين وزيد ويحيى رضي الله عنهم أجمعين. وقد أجيبت دعوته. وحسن أولئك رفيقا.

جئنا بهذه القصيدة كاملة لم نحذف منها شيئًا ليرى القارئ الكريم كيف أنفاس هذا النمط الروحي الخالص.

وقد كان في الصرصري وصاحبيه طول نفس، وقديمًا قال أبو الطيب في ممدوحه الذي هو على مجده من سائر أفراد الملوك:

وقد وجدت مجال القول ذا سعة

فإن وجدت لسانًا قائلًا فقل

وقد سبقهم من صناعة أبي تمام والبحتري ما مهد لطول النفس عندهم، وكان أبو الطيب أميل إلى الإيجاز وبذلك تبريزه. وقد سبقهم أكثر من هذين أسلوب تطويل ابن الرومي الذي كان يتأتى إليه بتشقيق المعاني وتفريعها. غير أنه كان يهمل جانب تجويد اللفظ والإيقاع كما قدمنا.

وفي مادة السيرة النبوية من خبر الجهاد والصبر أيام قبل الهجرة وبعدها والمعراج وما كان فيه من الأسرار والتجلي وكشف الحجب مجال خصب للقصص وإطالة النفس من غير ما حاجة إلى التشقيق المعنوي والاحتيال إلى تفريعه. فأتاحت طبيعة هذه الخصوبة في مادة السيرة إمكان الجمع بين متانة الأسر وجزالة اللفظ مع انسياب السرد ولا يخلو صدر القصيدة مع ما جبلت عليه بنيتها من إيثار الإيجاز من اتساع لطول النفس متى تهيأت أسبابه ومن أجل ذلك طالت المعلقات وبعض قصائد الأوائل كجرير والفرزدق. إلا أن الإيجاز كما تقدم هو القاعدة الأولى في بيان الشعر وبلاغته. وأحسب أنه من أجل هذا قال صاحب العمدة في باب اللفظ والمعنى: «والفلسفة وجر الأخبار باب آخر غير الشعر، فإن وقع فيه شيء منهما فبقدر، ولا يجب أن يجعلا

ص: 95

نصب العين فيكون متكئًا واستراحة، وإنما الشعر ما أطرب وهز النفوس، وحرك الطباع فهذا هو باب الشعر الذي وضع له وبنى عليه لا ما سواه» أ. هـ والعجب لابن رشيق مع هذا كاد يميل إلى تقديم ابن الرومي على أبي تمام في باب الغوص على المعاني. هذا، ولمادح الرسول صلى الله عليه وسلم عذر واسع إذ السيرة كلها لذي الإيمان مطربة، وليس شأن المديح فيها كشأن المديح لمن يكون من ملوك هذه الدنيا الفانية «متاع قليل ولهم عذاب أليم» .

من جياد الصرصري ذوات الطول رائيته

ذكر العقيق فهاجه تذكاره

صب عن الأحباب شط مزاره

وأول القصيدة تغزل بالديار الحجازية كنى به عن البيت الحرام والقبر الشريف والحج والزيارة ومشاهد الحرمين ثم خلص إلى ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فوصف خلقه وخلقه ومولده وما صاحبه من الإرهاصات ووصف تقواه وسكينته ونبونه وشريعته وما خصه الله به من التشريف والمعجزة وما جاء في الكتب من قبل من التبشير بمقدمه ثم ختم بما كنى عنه في البداية فصرح به في النهاية من نية قلبه أن تجوز به ناقة كوماء إلى حيث الرباع المقدسة ذات الهدى والسناء، ويبدو أن نظم هذه الرائية قد كان قبل نظمه التي قبلها إذ يذكر في تلك يسارًا ويذكر في هذه عسرة يرجو أن يمن الله عليه بعدها بميسرة.

أما النسيب فقوله:

ذكر العقيق فهاجه تذكاره

صب عن الأحباب شط مزاره

وهفت إلى سلع نوازع قلبه

فتضرمت بين الجوانح ناره

هذه الديار بناحية المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام.

كلف برامة ما تألق بارق

من نحوها إلا بدا إضماره

يشتاق واديها ولولا حبها

لم يصبه واد زهت أزهاره

شغفًا بمن سلك الفؤاد بأسره

وبوده أن لا يفك إساره

لولا هواه لما ثنى أعطافه

بأن الحجاز ورنده وعراره

والضمير هنا للنبي صلى الله عليه وسلم والذات المحمدية.

يا من ثوى بين الجوانح والحشا

مني وإن بعدت على دياره

عطفًا على قلب بحبك هائم

إن لم تصله تصدعت أعشاره

وارحم كئيبًا فيك يقضى نحبه

أسفًا عليك وما انقضت أوطاره

ص: 96

لا يستفيق من الغرام وكلما

حجبوك عنه تهتكت أستاره

ما اعتاض عن سمر الحمى ظلًا ولا

طابت بغير حديثكم أسماره

والسمر بفتح السين وضم الميم من شجر الحجاز وبنواحي مكة وكانت بيعة الرضوان تحت سمرة.

هل عائد زمن تضوع نشره

أرجا ورقت بالرضا أسحاره

هذا البيت يدل على أنه حج من قبل ويريد العودة. وذكر الأسحار كما مر بالقارئ الكريم من قبل مما يتكرر عند الصرصري، وإنما خص الأسحار لمكان صلاة الفجر ولمجافاة أهل الصلاح خاصة للنوم في ساعات السحر المباركة. قال تعالى:{الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار} . وللأسحار في الحرمين بركة وأسرار.

في مربع بقباب سلع مونق

بالأنس تهتف بالمنى أطياره

فاق البسيطة عزة ومهابة

فسما وعز من البرية جاره

ومن هنا تخلص إلى المديح النبوي في يسر حسن التدفق والانسياب:

يحمي النزيل وكيف لا يحمي وقد

حفت بجاه المصطفى أقطاره

أضحى ثرى عرصاته مذ حلها

يشفي من الداء العضال غباره

سبحان من جمع المحاسن كلها

فيه فتم بهاؤه وفخاره

محاسن المنظر ومحاسن المخبر.

جبلت على التشريف طينته فما

نشأت على غير العلى أطواره

وصفت خلائقه وطهر صدره

فزكا وطاب أديمه ونجاره

فذكر هنا كرم العنصر وشرف النسب ثم أخذ في قصة المولد وفي صفة الرسول صلى الله عليه وسلم فاستقام له ذلك على ما بدأ به من حسن تخير اللفظ وسلامة رنين الإيقاع:

حملته آمنة الحصان فلم تجد

ثقلًا إلى أن حان منه بداره

ورأت قصور الشام حين تشعشعت

أنواره وتباشرت حضاره

وضعته مختونا وأهوى ساجدًا

وكساه حسنًا باهرًا مختاره

لا بالطويل ولا القصير وإن مشى

بين الطوال علتهم أنواره

هذا البيت جيد، وذلك أنه كان صلى الله عليه وسلم مربوعًا، فكان يطول الطوال ببهاء الشخصية وقوة حضورها وبهجة نورها.

ص: 97

وإذا تكلل كالجمان جبينه

عرقًا لأمر عظمت أسراره

فأريجه أذكى وأطيب مخبرا

من ريح مسك فضه عطاره

وإذا بدا في حلة يمينة

قد زان دائر طوقها إزراره

فالشمس بعد الصحو مشرقة السنا

والبدر في فلك الكمال مداره

ثم انتقل إلى صفة خلقه السني عليه الصلاة والسلام:

متقلدًا بالسيف ليس مباليًا

بمن التقى عزت به أنصاره

حلل السكينة والثبات لباسه

والبر والإخلاص فيه شعاره

وذلك أن الشعار هو ما يباشر الجسد من الثياب، وهذا من شريف المعاني أن يكون الثبات والسكينة هو الحلة الظاهرة والإخلاص والبر هو الكساء الباطن.

وضميره التقوى وأوتي حكمة

فازداد منها عقله ووقاره

والصدق منه والوفاء طبيعة

والعفو والصفح الجميل دثاره

والعدل سيرته وحق شرعه

وسبيله نهج الهدى ومناره

وشريعة الإسلام ملته وبالـ

حق المبين إلى الورى إظهاره

ومن هنا أخذ في مدح الإسلام وقصة أول ظهوره على الشرك وما كان بجزيرة العرب من أديان.

ختم النبوة فهو درة تاجها

وطراز حلتها الثمين عياره

أبقى لسنته طريقًا واضحًا

رحبًا سواء ليله ونهاره

أعلم أصلحك الله أن سواء تفيد التسوية فإذا جاءت بعدها الهمزة كانت المعادلة بأم وإن لم تجيء الهمزة جيء بالعطف بالواو. ولا تصلح أو ههنا لأنها للتخيير لا للمعادلة ولا للجمع. قال تعالى: {سواء علينا أجزعنا أم صبرنا} . وقال تعالى: {سواء العاكف فيه والباد} . وقال تعالى: {سواء محياهم ومماتهم} . ومن الأخطاء الشائعة الآن جعل أو في مثل هذا الموضع.

يمحو سنا الشمس الكسوف وينقص الـ

قمر المحاق ويعتريه سراره

وشموس شرعة دينه محروسة

من حادث يمحو الضياء غباره

نهج الصواب بجده وبجده

بعد الدثور تجددت آثاره

تكرار الدال والجيم هنا فيه نظر إلى طريقة القدماء كذي الرمة وزهير كما فيه نظر إلى طريقة أبي تمام.

ص: 98

واستعلن الحق المبين بنوره

بجبال فاران وقر قراره

جبال فاران هي جبال مكة بدليل أن أسفار التوراة تزعم أن إسماعيل ترك هو وأمه هاجر يجولان في صحراء فاران (انظر سفر التكوين 21/ 21 - وسكن في برية فاران وأخذت له أمه زوجة من أرض مصر). والذي عندنا أن الماء الذي أصابته هاجر بجناح الملك هو ماء زمزم فتكون فاران هي أرض مكة وتزوج إسماعيل من جرهم ولا يستبعد أن تكون جرهم قد كانت مثل قريش تتاجر إلى مصر والشام والحبشة. وعند أهل الكتاب أن فاران بناحية سيناء، ولو كانت بناحية سيناء لم يكن أمر إسماعيل ليكون على بعد من سارة وابنها، وقد أرادت سارة إبراهيم على أن يبعد إسماعيل حتى لا يشارك ابنها في الميراث.

وجلا ظلام الحرتين ضياؤه

وبه سما نور وأشرق غاره

عنى بالحرتين المدينة.

فخرت به خير القبائل هاشم

وحوى به المجد الأثيل نزاره

قد يدخل في معني نزار العرب كلهم ولا يبعد أنه نظر هنا إلى قول ابن الرومي:

كم من أب قد علا بابن ذرا شرف

كما على برسول الله عدنان

واجعل بيت ابن الرومي هذا من ضمن ما مهد لمجيء القصيدة النبوية لتخلف قصيدة المدح وما إليها. ثم أخذ الصرصري في ذكر الجهاد وما تبعه من ظهور شمس الدين على الدين كله ولو كره المشركون:

زهرت نجوم السعد في بدر به

وتبلجت يوم الرضى أقماره

وشموسه في فتح مكة أشرقت

فانجاب عن وجه العلاء قتاره

القتار بفتح القاف عنى بها القتر بالتحريك أي الغبار وظاهر كلام الأخفش في القوافي يفيد أن ذلك مما كانت تفعله العرب وعند سيبويه أن الإشباع في الضم والكسر وقال الآخر:

خذا بطن هرشى أو كلاها فإنه

كلا جانبي هرشى لهن طريق

ص: 99

ثم انتشى الأمام الصرصري إلى مدح سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم فقال:

سعدت به أولاده ونساؤه

وصحابه وزكت به أصهاره

وسمت به غلمانه وإماؤه

وجواده وبعيره وحماره

ولعل مكان الحمار أن ينكره السمع، على أن السياق مستقيم به، ولعله مما يسوغها ما يلابسها من روح السذاجة وقصد الاستيعاب. ويعتذر للصرصري بأنه مع الإطالة قد يقع في القصيدة أن يختل موضع البيت والأبيات ولا يقدح ذلك في جودة القصيدة كلها. وقد أخذوا على المتنبي قوله:

إني على شغفي بما في خمرها

لأعف عما في سراويلاتها

ولم يمنع ذلك من استجادة هذه التائية وعدها أبو منصور من إحسانه وجاء بقوله:

ذكر الأنام لنا فكان قصيدة

كنت البديع الفرد من أبياتها

فقال إن هذا هو البديع الفرد من أبيات القصيدة.

وحوى الفخار سريره وفراشه

وخيامه وقبابه وجداره

وتضوعت أردان بردته به

طيبًا وطاب رداؤه وإزاره

شهد الكتاب الموسوي بفضله

وتحققت وتيقنت أحباره

وقد كان احتدام الحروب الصليبية مما شحذ أذهان المسلمين إلى النظر في مقالات أهل الكتاب ونقد ما ذهب إليه ذاهبوهم من باطل التأويل وبيان مكان البشارة فيما جاء من مقالات أنبياء بني إسرائيل وكتبهم. من ذلك بشارة موسى عليه السلام به، وحملها أهل الكتاب على أن المبشر به هو عيسى عليه السلام، وذلك صنعوه بتأويل بعيد.

وقد تناول هذا البحث جماعة من المحققين.

هو شاهد متوكل ومبشر

هو منذر متيقن إنذاره

أضحى للأميين حرزًا مانعًا

وضعت به عن وقته آصاره

عن وقته أي عن أمته إذ هي التي آمنت به حين جاء وقت رسالته.

ص: 100

بالشام دولته ومكة ربة الـ

حرمات مولده وطيبة داره

علم اليهود الحق ثمت أنكروا

حسدًا فأفسد علمهم إنكاره

هذا البيت جيد بالغ، إذ أن العلم إنما يصح ببيان الحقائق، فمتى كتمت أو غيرت وجد الهوى السبيل إلى الرأي وهو آفته.

تبًا لمن علم اليقين وصده

لما استبان له الصواب نفاره

نفاره أي نفوره.

وكذاك في إنجيل عيسى وصفه

في كل عصر تجتلى أخباره

عجبًا لذي لب رآه وكيف لا

ينبت عنه لوقته زناره

كان النصارى يشدون الزنار وهو سير يجعلونه حزامًا يشدون به أوساطهم أي عجبًا لهم لماذا يستمرون على كفرهم ولا يطرحون هذا الزي إلى زي المسلمين.

والبعير وشده إلى البيت الحرام من شعار المسلمين- قال أبو الطيب يذكر الروم وجهاد صاحبه سيف الدولة:

فكلما حلمت عذراء عندهم

فإنما حلمت بالسبي والجمل

وترك الصرصري حث النصارى على ترك دينهم وعجبه من ذلك وأقبل على ما يرجوه لنفسه من سبيل النجاة:

وعذافر حرف أمون ترتمي

مرحًا كهيق هاجه ذعاره

قد يبدو أول الأمر هذا الانتقال بعيدًا مفاجئًا. ولكن متأمله يجد عند التأمل ما يجمعه بما تقدمه من قوة الصلة من طريق تداعي المعاني على حسب الوجه الذي قدمنا ذكره. ثم لعل القارئ الكريم يرى كما نرى أنه حين جعل هذا المادح البارع مقدمة قصيده نسيبًا وشوقًا إلى الذات الشريفة، ثم أناله الله كريم الوصال حينها حاز شهود كمال الذات المحمدية أخذ في المديح الصرف حتى خلص إلى ذكر أهل الكتاب وعنادهم، ثم بعد ذلك سلك سبيل الشعراء إذ يتبعون معاني النسيب الارتحال إما إلى المحبوب وإما عنه، وهنا الرحلة إلى ديار المحبوب كما لا يخفى، إلى البيت الحرام وإلى حرم المدينة الشريف.

وعذافر حرف أمون ترتمي

مرحًا كھيق هاجه ذعاره (1)

كوماء يرفعها السراب كأنها

فلك على بحر طمي تياره

(1) عذافر أراد عذافرة وهي الناقة القوية وكذلك الحرف والأمون المأمونة العثار والهيق الظليم والذعار بضم الذال وتشديد العين المخوفون جمع ذاعر.

ص: 101

يطوي بها شعب الفلاة مشمر

كالسيف للغمرات سن غراره

شهم إذا رام الخطير من العلا

لم يثنه عما يروم خطاره

هذا الفخر في هذا الموضع حسن، لأنه هنا لا يطلب شيئًا من معالي الدنيا وإنما يريد العلا عند الله بأداء الفريضة ثم الزيارة، وقد كان الحج محفوفًا بالمشقة والمخاوف. وكان الصرصري رحمه الله من أولى الضرر فوازن بين قوله هذا وقول أبي العلاء:

قالوا كبرت ولم تقصد تهامة في

مشاة وفد ولا ركاب أجمال

فقلت إني ضرير والذين لهم

رأي رأوا غير فرض حج أمثالي

شتان ما بين اليزيدين:

يتجشم الوعر المخوف ليأمن الـ

خوف الذي بالمرء يلحق عاره

وهو خوف النار وعذاب الله عز وجل.

يسرى مع الوفد الكرام ليشهد الـ

جمع الذي شرفت به أقطاره

في موقف جم المواهب زاهر

وضعت عن الجاني به أوزاره

هذا يوم عرفة وموقفه ولذلك ذكر بعده المأزمين والمشعر الحرام.

والمأزمين ومشعرا ذا حرمة

ومحصبًا بمنى تعد جماره

والمأزم المضيق قال صاحب القاموس المأزم (بكسر الزاي (1)» ويقال المأزمان مضيق بين جمع وعرفة وآخر بين مكة ومنى.

ويطوف مضطبعًا طواف قدومه

سبعًا ببيت عظمت أستاره

الاضطباع هيئة جد من لبس الرداء في الحج وذلك يمكن الحاج من الرمل في الأشواط الثلاثة.

أبهى من الديباج رونق حجره

وعلى اللآلي فضلت أحجاره

ويسير بعد قضاء مفترضاته

ليزور ربعًا كرمت زواره

ربعًا به نور النبي محمد

متلألئ نضرت به نظاره

وقد أنبأنا في آخر القصيدة أنه لم يحج ذلك العام ولم يزر وإنما تذكر تلك الرباع المطهرة وحن إليها وها هو هذا يهدي إليها المدحة والسلام:

ناديته بالله يا من أسفرت

عن بشر وجه نجاحه أسفاره

وإسفار وجه النجاح عن البشر والبشري مذهب في الاستعارة حبيبي وهو هنا

(1) الذي في القاموس ضبط القلم وما بين القوسين لنا.

ص: 102

يخاطب الحاج.

بلغ هديت إذا وصلت سلام من

قامت بشيب عذاره أعذاره

فلم ير الضرر عذرًا كما ترى ولكن الكبرة والضعف.

وقل السلام عليك من متعرض

لعظيم فضلك رثة أطماره

يا من جلا قتر الضلال ومن إذا

ما أمه العافي انجلى إقتاره

يا من تساوى في المكارم والندى

كلتا يديه يمينه ويساره

أخذه من قول الآخر:

كلتا يديه غياث عم نفعهما

تستوكفان وما يعروهما عدم

وهذا البيت يذكر في قصيدة للفرزدق يمدح زين العابدين رضي الله عنه، وفي قصيدة للحزين الكناني يمدح بعض بني أمية ويجوز أن أصله للحزين فأخذه الفرزدق.

أنت المليء بكشف ضر مخلف

ذي عسرة بندى يديك يساره

وبين اليسار هنا وفي البيت المتقدم مجانسة تامة. وهذا عذر آخر جاء به مع الكبر والضعف. وتأمل حذق الصناعة وخفاء البديع وجودته في قوله «بكشف ضر مخلف ذي عسرة» . فهو من أولى الضرر. وقد تخلف بعذر صحيح. ثم هنا إشارة على الذين خلفوا عام غزوة جيش العسرة وهم الذين ذكروا في قوله تعالي: {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} . [آية براءة].

جعل الثناء على علاك شعاره

فحلت به وتعطرت أشعاره

يرجو النجاة بفضل جاهك في غد

في موقف يخشى التوى أبراره

أشار هنا إلى حديث الشفاعة، حين يقول كل الأنبياء نفسي نفسي وما منهم إلا يذكر ذنبًا أو يعتذر حتى نوح وإبراهيم وموسى وحتى عيسى إذ اعتذر ولم يذكر ذنبًا عليهم السلام أجمعين ثم يصار إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فيقوم بالشفاعة ويسجد لربه ويفتح الله عليه من محامده ومن حسن الثناء عليه شيئًا لم يفتحه على أحد قبله ويقول له الله عز وجل «ارفع رأسك سل تعطه واشفع تشفع فأرفع رأسي فأقول أمتي يا رب» - هذه القطعة من لفظ الحديث كما رواه البخاري في الصحيح في التفسير في تفسير سورة بني إسرائيل. وفي الحديث الصحيح «فذلك يوم يعطيه الله المقام المحمود» وفي الصحيح:«من قال حين يسمع النداء «اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة» .

ص: 103

اللهم اجعلنا بشفاعته صلى الله عليه وسلم من الناجين.

وقد أوردنا هذه القصيدة كاملة بأرب التنبيه إلى صحة ما نزعمه من استواء ديباجة هذا المديح وقوة أسره وتمام معانيه وما فيه من روحانية الصدق ونوره.

وللصرصري كلمة رائية طويلة من مجزوء الرجز ذات طرب وإيقاع جوريت من بعده على سبيل الاستحسان والتبرك أولها:

جرت نسيم السحر

على متون الغدر

فجعدتها وانثنت

أعطاف بسط الزهر

وقد ترى ذكر السحر هنا. وفي الأبيات أنفاس ربيعية سرعان ما صرفها إلى الحجاز وبأنه وشيحه وعرعره.

وضمخت ملابس الروض

بنشر عطر

كأنما فضت به

ختام مسك أذفر

أظنها مرت على

سمار ذات السحر

وذات السحر كناية عن ربوع الحجاز فهذا سبب طيبها لا أنها مرت على الغدران والأزهار.

فطارحتهم وأتت

من نحوهم بخبر

تسنده عن أرج الشـ

يح وريا العرعر

أملت على بان النقا

ما عندها من أثر

فرنحته طربًا

برمزها المعبر

فصرح ههنا بذكر الرمز وأنه إنما يريد الكعبة والزيارة والذات المحمدية الباهرة.

أذعت يا ريح الصبا

سر هوى مستتر

فرددي ما شئت من

حديثهم وكرري

فذكر سكان الحمى

تعلة المستهتر

آه لعيش مر لي

بين اللوى والأجفر

وزمن كان بنعـ

ـمان ربيع العمر

ثم أخذ في الحنين إلى ليالي الحج- وموقف عرفة ومبيت مزدلفة وتلك الساعات القدسية من زاد العمر.

ص: 104

يا ليت شعري هل تعو

د ليلتي بالمشعر

وهل تزول حسرة الـ

فؤاد في محسر

بضم الميم وفتح الحاء وكسر السين مشددة وبطن محسر قرب مزدلفة يسرع فيه الحاج عندما يجاوز موقف عرفة في سبيله إلى مزدلفة.

وهل لأيام منى

من بائع فأشترى

ولو بأيام الحيا

ة لمحةً بالبصر

فما على من سامها

بروحه من غرر

وهل إلى ذات الستو

ر أوبة في عمري

فأجتلى نور الرضا

في روض حجر نضر

وأجتنى جنى العلى

بلثم ذاك الحجر

يا لك من ليلات قر

ب طال فيها سمري

ولعلها «طاب فيها سمري» فمثل هذا قد يقع فيه التحريف.

لو سمح الدهر بها

قضيت فيها وطري

جاد شعاب الأبطح الـ

مكي صوب المطر

وبارك الرحمن في

صباح ليل مقمر

فقد جد في السفر بعد النفر ليصل إلى المدينة في ليال مقمرات يطيب بهن السري:

يسفر عن وادي العقيق لقرين السفر

ووادي العقيق بالمدينة.

مبشرًا بطالع السـ

ـعد بخير البشر

بالعربي الهاشمي

ذي الجبين الأزهر

فقوله العربي هنا هو الذي يرجح عندنا أنه عنى بنزار في الرائيتين كل العرب وذلك أن بني إسماعيل كلهم راجعون مع نسب أبيهم إلى نسب أمهم أيضًا وهي من جرهم من العرب الأولى.

ص: 105

ثم اندفعت القصيدة من بعد في مدح محض لا ريب كان كأصلح ما يكون مثله للتغني العذب الصدوح الخفيف النغم، ذكر فيه خلق النبي صلى الله عليه وسلم وصفة خلقه ومحاسنها ومقامه السامي يوم الحشر فمن أمثلة ذلك:

محمد بن هاشم بن غالب بن مضر

السيد المفضل المعزر الموقر

الطاهر المنصور والمؤيد المظفر

أجود بالمعروف من منبجس مثعنجر

منتخب من معشر أكرم بهم من معشر

وهم لعمري سادة الناس بكل الأعصر

ولا سعت أقدامهم إلا لكسب مفخر

طلق المحيا نوره يكسف ضوء القمر

صورته الجميلة الأوصاف أبهى الصور

ليس بفظ عابس جاف ولا منتهر

ميسر مؤلف وليس بالمنفر

سهل القياد قابل

عذر الفتى المعتذر

أرسله الله العظيم

بالهدى والنذر

وخصه مشرفًا

بمحكمات السور

ولم يزل مجاهدًا

كل غوى ممترى

حتى أنجلى بنوره

عنا حجاب القتر

وقهرت أمته

أهلا الفلا والأبحر

ليس له في أول الخلق ولا في الأخر

مناظر أنى وقد

فضله بالنظر

الأخر بضم الهمزة والخاء مفتوحة مشددة جمع آخر أي ليس له في الأولين ولا في الآخرين مناظر إذ فضله الله بالمعراج والنظر إلى وجهه الكريم.

ص: 106

وبالوسيلة التي

لغيره لم تخطر

وبالشفاعة التي

خص بها والكوثر

وباللواء في المعاد والمقام الأكبر

حتى إذا حان قيام كل ميت مقبر

فإنه أول من

يخرج عند المنشر

بضم الميم أو فتحها فالضم من أنشر قال تعالى: {ثم إذا شاء أنشره} . والفتح من الثلاثي، قال الأعشى:«يا عجبًا للميت الناشر» .

وليس تفتح الجنان قبله للبشر

عليه أزكى صلوات البارئ المصور

ثم ذكر الصحابة الكرام رضي الله عنهم.

ثم على صاحبه

المبجل المصدر

صديقه الأتقى أبي بكر وزين المحضر

لعلمة بتأريخ العرب وأخبار قريش وأنسابها مع ما خصه الله به من الإيمان والتصديق والسبق المبين.

ثم على المحدث المفهم المبصر

ذي النظر الثاقب والقلب الصدوق عمر

ثم على البر الشهيد الثابت المصطبر

عثمان ذي النورين من جهز جيش العسر

ثم على ابن عمه البحر الخضم حيدر

دلت على تفضيله الراية يوم خيبر

ثم على من كان طوع أمره المبتدر

من آله وصحبه الغر الكرام الصبر

وتابعيهم بالهدى من آثر ومؤثر

ص: 107

ثم صار إلى حنين نفسه إلى الحج والزيارة والاستغفار ورجاء الشفاعة لتكون كلمته خالصة في التقوى والعبادة وحب النبي صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه:

يا مزجي الخوص النواجي في الشسوع المقفر

إن جزت عن وادي العقيق نحو سلع فانظر

تلك القباب البيض إن عاينتها فكبر

وقف تجاه الحجرة العلياء خير الحجر

وحي من خيم في ذاك الجناب الأطهر

تحية طيبة

عن العبيد الأصغر

يحيى بن يوسف بن يحيى المذنب المقصر

وقل عبيد بركم

ثاو بأرض صرصر

فقد نسب نفسه كما ترى وهو مذهب للمداح قديم- وقد يعلم القارئ الكريم قول عمير بن شييم القطامي:

من مبلغ زفر القيسى مدحته

عن القطامي قولًا غير إفناد

وقال عمران بن حطان في كلمته النونية «من بعد ما قيل عمران بن حطان» - وقد سن مداح الرسول صلى الله عليه وسلم الأولون ذكر أسمائهم وأنسابهم، فعل ذلك حسان في كلمته التي قال فيها:

إن جدي خطيب جابية الجو

لأن عند النعمان حين يقوم

وأبي في سميحة القائل الفا

صل حين التقت عليه الخصوم

وفعل ذلك كعب حيث قال:

تسعى الوشاة جنابيها وقولهم

إنك يا بن أبي سلمى لمقتول

فبذلك اقتدى مداح الرسول صلى الله عليه وسلم فيما بعد.

يا صاحب الجاه المديد الشامل المنتشر

نحن وإن كنا ذو جرم عظيم خطر

من زمرة منسوبة إليك دون الزمر

ص: 108

فغر عليها واحمها وإن جنت فاستغفر

وإن وهت فقوها أو قهرت فانتصر

وكأنما نظر بهذا ببصيرة كاشفة إلى ما اقترب من خطر هولاكو، ثم ما من الله به من بعد من هداية أمم التتار والمغل ومن جاورهم جميعًا إلى الإسلام فانتشر في آفاق الأرض كما لم ينتشر من قبل، والله غالب على أمره وهو على كل شيء قدير.

قال البرعي رضي الله عنه:

ضربوا الخيام على الكثيب الأخضر

ما بين روضة حاجر ومحجر

وتفيئوا في الأثل ظلًا وارتووا

من مائه المتسجم المتفجر

وأخضر فردوس الخمائل إذ غدا

وسرى عليه حيا العريض الممطر

فكأن لؤلؤ طله رأد الضحى

درر متى تسر النسائم تنثر (1)

هذا من قول أبي الطيب «دنانيرًا تفر من البنان» .

ولع البشام بنفحة نجدية

تغشى الرياض بعنبر ومعنبر

تأمل هذه الديباحة البحترية.

إن النفوس على اختلاف طباعها

طمعت من الدنيا بما لم تظفر

وعلى الكريم دلالة عذرية

بصرت به فأرته ما لم ينظر

أي للحب العذري طريق إلى قلب الكريم يعرفه ويراه فيرى به الكريم ما لم تنظر إليه عينه ولكن يراه قلبه.

يا نازلًا بربا الأراك عداك ما

ما حملت من ولهي وطول تذكري

سل جيرة الجرعا غداة غدت بهم

بزل الركائب في الفريق المصحر

لا تزال كلمة الفريق مستعملة في اللغة الدارجة بمعنى يقارب معنى الخليط والأصل كما ترى واحد إذ هو ممن يخالطون في المرعي ثم يفارقون. وللبرعي رحمه الله إحساس دقيق بالطبيعة. وكما الطبيعة التي نحس نفحاتها من ابن الخطيب أندلسية مغربية فيها نعومة ربيع إقليم البحر المتوسط فالطبيعة التي عند البرعي يمنية عربية، أثلها الأخضر

(1)()

ص: 109

وبشامها من أودية اليمن وأخياف جبالها وشعابها، وفيها من أسر شدتها ما ليس عند ابن الخطيب. ثم مع إحساس البرعي رحمه الله بجمال الطبيعة قد أذابها كل الذوبان في نسيب المديح النبوي.

سل جيرة الجرعا غداة غدت بهم

نزل الركائب في الفريق المصحر

هل جددوا عهدًا بمعهد رامة

أم طنبوا بالشعب شعب العرعر

لله در العيس وهي رواسم

بمروح ومصبح ومهجر

يخرقن من حجب السراب سرادقًا

ما بين طيبة والمقام الأكبر

هنا هذا النمط بحتري وبحتريته آخذة من مذهب ذي الرمة بنصيب.

ويلجن في لجج الظلام ضوامرًا

شوقًا إلى المزمل المدثر

صلى الله عليه وسلم.

الأبطحي المنتقى من غالب

والطاهر الطهر البشير المنذر

الصادق الهادي الأمين المجتبى

والسابق المتقدم المتأخر

متقدم لما سبق من ذكره أنه أول من ينشق عنه قبره ومتأخر لمقام الشفاعة للمذنبين من أمته عليه الصلاة والسلام.

وابن العواتك من سليم إنه

ذو الفخر إجماعًا وإن لم يفخر

ملأت محاسنه الزمان وأشرقت

بوجوده الأكوان فاسمع وانظر

وتتابعت نعم به وتطاولت

رتب تناهت في عراض المشتري

على بحترية البرعي في الديباحة تجده كثير النظر إلى معاني أبي الطيب كما ههنا:

ص: 110

منازل صعدت والفكر يتبعها

فجاز وهو على آثارها الشهبا

ومن بعد يأخذ البرعي في بعض الإلماع إلى أخبار السيرة النبوية الشريفة.

وللمنشدين كلف بالبرعي، ولولا اشتهار البردة والهمزية حتى ليس كمثل شهرتهما بين العوام والخواص شيء من المديح لكان البرعي أشهر المداح قاطبة وأسيرهم كلمات، لكثرة ما ينشد المنشدون من ديوانه وهو الذي زعم صاحب التاج أنه ديوانه الصغير. والبرعي مجهول تمامًا عند من يرون أنهم من الخاصة من المشتغلين بالآداب وتعليمها في المدارس في عصرنا هذا. وابن الفارض وحده هو المعروف عند هؤلاء بفضل.

شربنا على ذكر الحبيب مدامة

سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم

والكلمة اللامية:

ما بين بأن المنحنى وظلاله

ضل المتيم واهتدى بضلاله

والفائية:

قلبي يحدثني بأنك متلفي

روحي فداك عرفت أم لم تعرف

وفيها البيت:

وعلمت أن المستحيل ثلاثة

الغول والعنقاء والخل الوفي

وهو ما يجرى كبعض مجرى الحكمة. على أن هذه القصائد ليست معروفة حقًا عند المنشدين إلا أبيات الخمرية وأعرف منها الرائية القصيرة.

زدني بفرط الحب فيك تحيرًا

وارحم حشا بلظى هواك تسعرًا

وإذا سألتك أن أراك حقيقةً

فاسمح ولا تجعل جوابي لن ترى

يا قلب أنت وعدتني في حبهم

صبرًا فحاذر أن تضيق وتضجرا

إن الغرام هو الحياة فمت به

صبًا فحقك أن تموت وتعذرا

قل للذين تقدموا قبلي ومن

بعدي ومن أضحى لأشجاني يرى

عني خذوا وبي اقتدوا ولى اسمعوا

وتحدثوا بصبابتي بين الورى

ص: 111

وفي هذه الأبيات كما ترى صناعة وتفكير. وكأن في قوله «يا قلب أنت وعدتني» ما يناقض ما زعمه بعد في قوله «قل للذين تقدموا» . ومثل هذا قد أخذوه على كثير في قوله: «أريد لأنسى ذكرها» فقالوا وما له يريد أن ينسى حبها. وقوله «فاسمح ولا تجعل جوابي» هو الذي حبب الناس في هذه الكلمة لما تضمنه من معنى الإشارة إلى القرآن وتجلى الحق سبحانه وتعالي للجبل فجعله دكًا وخر موسى صعقًا. وإن يكن موسى عليه السلام قد قيل له: {لن تراني ولكن .. } فالشيخ أولى أن يقال ذلك له إلا على تأويل الرؤية بعد الفوز في الدار الآخرة على حسب اعتقادنا:

ومنه أن ينظر بالأبصار

لكن بلا كيف ولا انحصار

هذا في اليوم الآخر. وقوله «ومن أضحى لأشجاني يرى» ليس بخال من قلق وتتمة الأبيات إذ قد استطردنا بذكرها:

ولقد خلوت مع الحبيب وبيننا

سر أرق من النسيم إذا سرى

وهذا بيت القصيدة.

وأباح طرفي نظرةً أملتها

فغدوت معروفًا وكنت منكرًا

رجع إلى الصناعة والاستعانة بباد هواك.

فدهشت بين جماله وجلاله

وغدا لسان الحال عنه مخبرًا

هذا ضعيف لما في قوله غدا لسان الحال من صناعة وعمل.

فأدر لحاظك في محاسن وجهه

تلقى جميع الحسن فيه مصورا

أصل هذا قول أبي نواس:

ليس على الله بمستنكر

أن يجمع العالم في واحد

ونبه إليه شراح أبي الطيب ونقاده أنه أخذه منه في قوله:

نسقوا لنا نسق الحساب مقدمًا

وأتى فذلك إذ أتيت مؤخرا

ص: 112

وآخر رائية ابن الفارض.

لو أن كل الحسن يكمل صورة

ورآه كان مهللًا ومكبرا

قال الشارح: «هذه القصيدة مع شهرتها بين المنشدين في غاية المتانة وفي نهاية البلاغة وقد نظم كثير منهم على موازنتها، قال الشيخ شرف الدين بن عنين الدمشقي رحمه الله تعالى:

ماذا على طيف الأحبة لو سرى

وعليهم لو سامحوني بالكرى

وقال الأديب الوزير أبو بكر بن عمار رحمه الله تعالى:

أدر الزجاجة فالنسيم قد انبرى

والنجم قد صرف العنان عن السري

وقال الشيخ برهان الدين القيراطي رحمه الله تعالى:

لم ينقلوا عني الغرام مزورًا

ما كان حبكم حديثًا يفترى

وقلت مطلع قصيدة في دمشق حرسها الله من الآفات:

خذ قصة الأشواق يا حادي السري

إن كنت من أهل الغرام مخبرا

وأقرأ صحيفة وجنتي مصفرة

تدري الحديث فمن قرأ خبري درى

وأما قصيدة الشيخ رضه فإنها غاية لا تدرك وطريقة لا تسلك وعقيلة لا تملك». أ. هـ.

كلام الشيخ حسن البوريني الشارح (ص 257 طبعة مرسلية 1853 م) - قلت إن يكن أراد ابن عمار الأندلسي قتيل المعتمد بن عباد فإن زمانه كان في القرن الخامس الهجري قبل معركة الزلاقة وزمان ابن الفارض القرن السابع الهجري لوفاته 632 هـ وإنما جاري ابن عمار أبا الطيب وهو الأصل وإنما أوردنا كلام ابن الفارض للتنبيه على ما منى لذكره من اشتهار بين معاصرينا لا لشيء إلا أن المستشرقين كتبوا عنه وما كتب المستشرقون من كتب منهم عنه -وأحسب من أولئك نيكلسون المستشرق الإنجليزي- إلا التماسًا لبعض معاني الحب التصوفي شريطة خلوه من ذكر المصطفى عليه الصلاة والسلام لنفور القلوب الصليبية من ذلك، ولله در ابن الخطيب إذ يقول:

ولولاك لم يعجم من الروم عودها

فعود الصليب الأعجمي صليب

ص: 113

وقد كنت أعجب لم لا يذكر معاصرونا البرعي عبد الرحيم وهو أرق رقة من ابن الفارض وأطبع ملكة وأسلم متنًا وأجمل ديباجة. والسبب أن أكثر ترتيب مواضيع مناهج تأريخ الأدب عندنا منحو فيه نحو ما وضعه المستشرقون، وهؤلاء ربما اعترفوا بفضل شاعر كالمعري أو فيلسوف كابن سينا من أبناء الإسلام وببعض المتصوفة ممن عسى أن يجدوا عنده أنفاس حلول وما أشبه من مذهب وحدة الوجود، أما ما كان إسلاميًا حقًا فهم منه شديدو النفور. لذلك نفر من نفر منهم عن أبي الطيب. وكان هؤلاء عن أمثال البرعي من مداح الرسول صلى الله عليه وسلم أشد نفورًا. وصدق الله العظيم. قال تعالى جل من قائل:{يريدون أن يطفؤوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون} [براءة].

رجع الحديث إلى رائية البرعي.

هذا منارك يا محمد قد سما

طلعت طلائعه بنور النير

كم نازعتك الفخر سادة مكة

حسدًا وهل صدف يقاس بجوهر

وفضلتهم بغبار نعلك إنما

ينمي بطيب العرق طيب العنصر

هذا جيد بالغ، لوضوح المعنى، وتخير اللفظ وقوة رنين الإيقاع وجزالة السبك.

ما نازعتك يد لنيل فضيلة

إلا وقال لها علا يدك اقصري

أو وازنتك أكابر العرب انثنت

مرجوحة بقلام ظفر الخنصر

هذان البيتان تكرار لما قبلها. على سلامتهما هما دون ما تقدمهما. وأحسب أن البرعي رحمه الله أتي من جهة قصده إلى الاستيعاب والشمول، إذ قد ذكر سادة مكة فبدا له، والله أعلم، أن المعنى يتم بذكر أكابر العرب، وهذا ما عليه ظاهر القياس، ولكن المعنى قد تم فلا يحتاج إلى مزيد وإن كان في قوله «ما نازعتك يد» بعض التوكيد. وقوله بغبار نعلك أقوى من قلام ظفر الخنصر، أم ليس قلام الخنصر فسيطًا كغيره والفسيط قلامة الظفر أم هو شر مكانًا من قلام غيره؟ - وأقصى ما يؤخذ على الشاعر هنا التطويل لا الضعف إن أخذ ذلك.

ولأنت سر المرسلين وخير من

وطئ الثرى من منجد ومغور

ضربت رواق العز دونك هيبة

قصمت عرى المتكبر المتجبر

أحسبه يشير هنا إلى خبر الإراشي وأبي جهل، وقد جاء البوصيري بالخبر أتم في الهمزية حيث قال:

ص: 114

وأبو جهل إذ رأى عنق الفحل إليه كأنه العنقاء

واقتضاه النبي دين الإراشي وقد ساء بيعه والشراء

والبوصيري أمد باعا وأقدر على النظم وجر الأخبار لا من البرعي وسائر المداح النبويين وحدهم ولكن من كثير من كبار من تقدموا من الشعراء. والذي جاء به البرعي هنا أشبه بطريقته في الترنم. وكلما أمكنه الترنم مع النظم جاء به سلسًا سائغًا. ومتى اضطر إلى تكلفه مسه به ضعف. ومثل ذلك تحسه أحيانًا عند الصرصري. وقل من كبار شعراء المولدين من لا يقع له ذلك وقد تتبع النقاد مواطن الضعف عند أبي الطيب وأبي عبادة وأبي تمام جميعًا كما تعلم.

وسمت نجومك بالسعود وأشرقت

شمس الوجود لحظك المتوفر

لحظك المتوفر تتمة لما بدأ به من ذكر النجوم والسعود. ومن أخذ عليه رحمه الله ذكر نجوم السعود والحظ المتوفر مع سيرة من أكذب قول أصحاب النجوم، وهوت على السرقة لمولده الرجوم، فقد يجد معتذر له مخرجًا بقول حسان رضي الله عنه:

يا بكر آمنة المبارك بكرهًا

ولدته محصنة بسعد الأسعد

وإنما هي طريقة كلام حسن ألفتها فصاحة منطق العرب.

وأرتك أنوار النبوة ما انطوى

في الكون من مكنون سر مضمر

ووقتك من لفح السموم غمائم

مبسوطة من فوق بدر مزهر

هذا المعنى بديع، إذ لما جعل الغمام ظلًا، التمس جعل من تحت ظل الغمام نورًا، فهو وجه الذي ظلله الغام عليه الصلاة والسلام.

وعليك سلمت الغزالة مذ رأت

بك من بديع الحسن أكمل منظر

وذلك أن الغزالة من رموز الحسن:

وأوابد الوحش الكوانس في الفلا

نادتك باسم معرف لم ينكر

فقد انتقل هنا ما ترى من السيرة المكية وأخبارها إلى ذكر النبوة والمعجزات.

وببطن كفك سبحت صم الحصى

وكذاك حن الجذع يوم المنبر

وبنت عليك العنكبوت بنسجها

في الغار توهم أن منهجه برى

في قوله «أن منهجه برى» بعض التعب والصناعة والمعنى أن العنكبوت بنسجها قد

ص: 115

أوقعت في وهم قفاة الأثر أن المنهج المدخل إلى الغار بريء من أثر الناس. وأخذ الصدر من قول الفرزدق في هجاء جرير:

ضربت عليك العنكبوت بنسجها

وقضى عليك به الكتاب المنزل

أي أنت وشعرك كنسج العنكبوت وقد تعلم قول الله في ذلك {وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت} أو إن بيتك لبيت عنكبوت فالذي ضرب عليك ليس ذا عماد وطنب. وقد أحسن البرعي إذ غير أول ألفاظ البيت فجعل مكان «ضربت عليك» قوله «وبنت عليك» إذ البناء سقف، فأفاد بهذا ما صنعته العنكبوت عند فم الغار ونقل نسج الفرزدق العنكبوتي من هجائه إلى معنى لا ريب فيه من المدح.

وغدت مغيرة لإثرك في الثرى

ورق الحمام فعاد غير مؤثر

ضبطها الطابع بشدة الثاء مع كسر وما أرى إلا أن الثاء مفتوحة مشددة أي عاد الثرى غير ذي أثر باد عليه.

وجعلت شق البدر معجزة لمن

في الحي من بدو رأوه وحضر

ولمدحك الوحي المنزل فصلت

آياته بفضائل لم تحصر

كقوله تعالى: {وإنك لعلى خلق عظيم} ، وقوله تعالى:{فبما رحمة من الله لنت لهم} ، وقوله تعالى:{فأنزل الله سكينته} .

ومكارم قد عمت الدنيا ندى

وهدى وأخرى أخرت للمحشر

وهي: {مقامًا محمودًا} الذي وعده الله تعالى.

حزت الجلالة والمهابة والعلا

وشفاعة العقبى وحوض الكوثر

يا بهجة الدنيا وعصمة أهلها

من كل خطب عابس متنكر

كن من أذى الدارين نصري واحمني

ولنيل ما أرجوه موسم متجري

واجعل مديحي فيك حبل تواصل

بيني وبينك يا رفيع المفخر

فهذا توسل أخذ به في سبيل الختام.

قل أنت يا عبد الرحيم وكل من

واليته في ذمة لم تخفر

ولمن يليني صحبةً ورحامةً

بالخير يا خير الخلائق بشر

وادرأ بصولك في نحور حواسدي

أبدًا وقم بي حيث كنت وشمر

ص: 116

ومما يدني مدح البرعي من القلوب حرارة توسله بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، واستغاثته به واستنصاره على أعدائه.

وعليك صلى الله يا علم الهدى

ما لاح مبتسم الصباح المسفر

الصرصري يستبشر بالأسحار ونسيمها إذ كان رحمه الله أعمى يشم اقتراب الوقت. والبرعي منفتح البصيرة والبصر على جمال طبيعة الكون حوله، فهذا الصباح يميط له عن وجهها الحجب.

وعلى قرابتك الكرام وسادة الـ

إسلام صحب الخير للمتخير

صلى الله عليه وسلم.

والبرعي رحمه الله كثير الجياد الحلوات السائرات بين المنشدين إلى اليوم، بين من لا يزالون تهش أسماعهم وتطرب قلوبهم لأنغام المديح النبوي على نهجه القديم الأصيل. ومما يحبب البرعي قرب مأتاه من عقائد العامة ووضوح معانيه مع جهارة رناته. وسنورد له كلمات ربما استوفينا بعضها بتمامه كهذه التي تقدمت وربما اخترنا من بعضها- قال رحمه الله:

بانت عن العدوة القصوى بواديها

واستنشقت ريح نجد في بواديها

والبرعي من حسناته أن ليس يفرط في تعاطي البديع وله ولع بالجناس التام. أحيانًا وربما اتفق ذلك له في أول بيت من القصيدة كما ههنا وكما في نونيته:

سمعت سويجع الأثلات غنى

على مطلولة العذبات غنا

أي غناء وغنى الأولى فعل ماض.

بزل دعاها الصبا النجدي فانطلقت

والشوق في البيد هاديها وحاديها

حنت وأنت لمغنى طيبة طربًا

كأن في طيبة صوتًا يناديها

الحنين والنسيب والشوق هنا للزيارة الشريفة صريح به القول لا كناية فيه.

وعللتها غوادي الشام حاملة

ماء معينًا يروي غل صاديها

ولم تزل لغبار الأرض خائضة

نحو الرياض التي نور الهدى فيها

ص: 117

تأمل حسن هذا البيت:

محمد سيد السادات من مضر

خير البرية قاصيها ودانيها

بدر سرى فوق أطباق السماء له

قد دان من رتب العلياء ساميها

والرسل تشهد بالفضل العظيم له

دنيا وآخرة والله هاديها

نال الذي لم ينله قبله أحد

في ليلة طاب مسراها لساريها

وهي ليلة المعراج والإسراء.

أمسى يخفف من أوزار أمته

ثقلًا ويشفع إكرامًا لعاصيها

بانت عن المسجد الأقصى ركائبه

تسري إلى العرش لا فخرًا ولا تيها

والنور يقدمه من كل ناحية

والحجب ترفع عن أنوار باريها

هل بلغت توهمات المتصوفة مبلغًا أعظم من هذا؟ وأصول هذا في القرآن والحديث كما يعلم القارئ -أصلحه الله وإيانا- فلماذا يتعب بعض الباحثين ويجهدون ليبرهنوا أن للتصوف أصولًا استعارها المسلمون من الهند ومن النصارى ولم يعرفوه إلا منهم. نعم لم ينحرف عن وجه الصواب إلا بما استعار من مذاهب غير الإسلام. أما أصول روحانيته الحقة فمن ههنا. ليس فيها من أخذ عن أهل الملل. وما يغمر هذه الأبيات من نور روحاني شعشعاني لا يحتاج إلى دليل.

لما رأى الآية الكبرى وأدرك من

أسرار حكمته أسرار خافيها

بانت حظائر قدس الله مشرقة

بنوره إذ تمنته يدانيها

ههنا صدى من مطلع القصيدة.

والحجب والعرش والكرسي ما افتخرت

إلا بأحمد خير الخلق راقيها

الضمير في راقيها يعود على الحجب والعرش والكرسي وأجود عندي أن تجعل راقيها حالًا، أخفيت الفتحة فيه كإخفاء الضم والكسر للثقل على ياء المنقوص وهو مذهب للعرب ولك أن تجعل (راقيها) صفة متبعة بعد (خير الخلق) وعلى الوجه الذي قدمناه يكون المراد أنها افتخرت به إذ هو يرقاها وعلى الوجه الثاني بعد أن رقاها فصار أنه رقاها نعتًا له عليه الصلاة والسلام.

ذاك الذي لو أعار المزن راحته

ما كف واكف غاديها وساريها

يشير إلى خبر استسقاء الأمة به عليه الصلاة والسلام.

ص: 118

ولو مشى في بلاد غير مخصبة

لجادها المزن وأخضرت نواحيها

ولو أشار إلى النار التي سعرت

أضحى سلامًا وبردًا حر حاميها

كم مزقت حسراتي من مواهبه

يد وكم من ملمات كفانيها

يا صفوة الله يا أعلى الورى شرفًا

يا خاتم الرسل يا مولي مواليها

أي يا سيد سادات الناس والضمير في مواليها يعود إلى الناس على معنى الجمع المؤنث أي أنت السيد حقًا لا هؤلاء الذين يقال لهم إنهم سادتها ومواليها.

يا منتقى مضر الحمراء يا يدها الـ

ـعلياء يا نورها يا رشد غاويها

يا صاحب النصر يا مردى القنا قصدًا

يا ضيغم الحرب يا مروي مواضيها

وللبرعي نشوة عند ذكر الجهاد وربما نظر إلى طريقة أبي الطيب في نعت القتال، وذلك من إحسانه الذي نبه عليه ابن الأثير.

يا فاضح القطر والبحر المحيط يدًا

يا من جنى نعمًا حلو مجانيها

أو حلوًا مجانيها.

إليك حبرت من نيابتي برع

مدائحًا فيك زانتها قوافيها

عرائس كرياض المسك رائقة

زهر محاسنها غر لئاليها

ما أنشدت يا رسول الله في ملأ

إلا وسر قلوب الناس راويها

والغناء هنا عذب جهير مشرق:

ولا تجلت معانيها لذي أدب

إلا وحاز نصيبًا من معانيها

فصل بمرحمة عبد الرحيم ومن

يليه أهلًا وأرحامًا يعانيها

وتستوقف قولته «يعانيها» . وهي بلا ريب جيدة حيث وضعها، لأن بر أولي الأرحام ربما اتفقت فيه المشقة. قال تعالى جل من قائل:{واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا} فهذا مما يقوي ما ذهب إليه إن شاء الله.

والطف بنفس تريد الفضل منك ودم

من صولة المكر والمكروه تحميها

عاشت بفضلك في أمن وفي دعة

وأنت من محن الدارين كافيها

صلى عليك إلهي كل آونة

يا سيدي ما تلا الآيات تاليها

وعم صحبك يا بن الطيبين ومن

والاك مستقبل الدنيا وما فيها

ص: 119

بكسر باء مستقبل أي والاك مستقبلًا هذه الدنيا بما فيها، لا يبالي إذ والاك ما يلقاه من خطوبها ولا معنى لفتح الباء وهو الذي في الطبع.

وجاد أرضًا حوتك الغيث ما سجعت

ورق الحمام وغنت في نواحيها

وكما يرجع ابن الخطيب إلى طبيعة الأندلس يرجع البرعي إلى طبيعة اليمن، وله ولع بذكر الحمائم كقوله.

سجعت بأيمن ذي الأراك حمائمه

وهمت على عذب الغوير غمائمه

وكقوله: فيا حمامات وادي البان شجوك في

ظل الأراك شجاني يا حمامات

وكقوله: سمعت سويجع الأثلات غنى

على مطلولة العذبات غنا

وكقوله: ومن لي بأن أروي من الشعب شربة

وانظر تلك الأرض وهي مطير

وأسمع في ظل البشام عشية

بكاء حمامات لهن هدير

وللبرعي ولع بالبشام والأثل. وهذه الراء من مدحة له منسابة تدفق الوزن والروي، مفعمة بصبابة المحبة الروحية، جيدة المدح، متينة الأسلوب- كقوله:

ومدح رسول الله فآل سعادتي

أفوز به يوم السماء تمور

نبي تقي أريحي مهذب

بشير لكل العالمين نذير

إذا ذكر ارتاحت قلوب لذكره

وطابت نفوس وانشرحن صدور

وكيف يسامي خير من وطيء الثرى

وفي كل باع عن علاه قصور

وكل شريف عنده متواضع

وكل عظيم القريتين حقير

وقال في ذكر معجزاته صلى الله عليه وسلم:

لئن كان في يمناه سبحت الحصى

فقد فاض ماء للجيوش نمير

وخاطبه جذع وضب وظبية

وعضو خفي سمه وبعير

ودر له الثدي الأجد كرامة

كما انشق بدر في السماء منير

ومثل حنين الجذع سجدة سرحة

وأنس غزال البر وهو نفور

وباض حمام الأيك في إثره كما

بنت عنكبوت حين كان يسير

أي حين كان يسير إلى المدينة مهاجرًا. وأعلم أن أهل العصر قلوبهم منكرة وهم مستكبرون.

وليست معجزة من المعجزات بعسير أمرها على من له الخلق والأمر. وإذ الرسالة من عنده سبحانه وتعالى فدعمها بالمعجزة مما يناسبها. وقد يخيل إلى قوم أن أمر الرسالة

ص: 120

المحمدية يكون أوقع في الأنفس حين تجرد من المعجزات. وأوشك الدكتور محمد حسين هيكل أن ينحو منحى من هذا الباب في كتابه الحسن «حياة محمد» - على أن العنوان هكذا، «حياة محمد» ، لا يخلو من جفوة، كأنما كتبه إفرنجي غير مسلم والذين يرغبون أن يباهوا بمحمد نبينًا صلى الله عليه وسلم من غير إيمان بنبوته وبمعجزاته منافقون يستعاذ بالله من شرهم.

والمسلمون حقًا في كل بلاد الله يهشون لسماع القرآن ويخشعون لذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب. وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم ومعجزاته للقلوب شفاء وقد خلص ذكرها من المديح الفصيح إلى المديح بالدارجة الذي قد ظل دهرًا طويلًا مما تطرب له أبناء الأمة الإسلامية وبناتها في المشرق والمغرب. من ذلك مثلًا قول الحاج الماحي بلساننا الدارج:

القصير اب د م يا محمد

قال له في سم يا محمد

الصلاة وسلام لي محمدًا

وخاتم الكرام سيدي أحمدا

ثم أخذ البرعي بعد ذكر المعجزات في ذكر الجهاد:

وأن الغمام الهاطلات تظله

بروح نسيم إن ألم هجير

ويوم حنين إذ رمى القوم بالحصى

فولوا وهم عمى العيون وعور

وجند في بدر ملائكة السما

فجبريل فيهم قائد وأمير

ومن قومه في البئر سبعون سيدًا

قتيلًا ومثل الهالكين أسير

ومن عزمه تخريب خيبر مثلها

قريظة قرض والنضير نظير

مكان الجناس هنا أوضح في النطق اليمني إذ الضاد مقاربة للظاء. والحق أن أكثر نطق الضاد عندنا الآن بعيد عن الأداء الصحيح الجيد، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك عند الحديث عن القوافي في أوائل هذا الكتاب في جزئه الأول. ولا يخلو هذا البيت من لطائف بديعية على اقتصاد البرعي في البديع فلا يسرف في زخرفة بل نفس الجزالة المطبوعة أحب إليه، وهذا ما زعمنا أن ديباجته بحترية الرنة والصفاء. على أن مكان البحتري في دقة الصناعة كما قد قدمنا. قوله قرض، يشير به إلى ما وقع بها من هلاك وانقراض. وقوله نظير يشير إلى ما وقع بالنضير من نظرة حتى إذ جاء زمان أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أجلوا عن جزيرة العرب. وفي ذكر القرض والنظير ملاحة تعبير لما

ص: 121

في ذلك من الإيهام بالقروض والنظرة إلى ميسرة.

ومن أعجب أبيات هذه الرائية إلى كاتب هذه الأسطر ما في مقدمتها من صدق الصبابة والحب الروحي الخالص:

فؤادي بربع الظاعنين أسير

يقيم على آثارهم وأسير

في المجموعة ويسير وليس بصواب والذي في الديوان هو الصواب. أي فؤادي عند ربع الأحباء الذين ظعنوا، هو الواقف الجازع، المقيم ثم يبكي ويشجى وأنا أتقلب في البلاد.

ودمعي غزير السكب في عرصاتهم

فكيف أكف الدمع وهو غزير

وإن تباريحي بهم وصبابتي

لهن رواح في الحشا وبكور

أحن إذا غنت حمائم شعبهم

وينزع قلبي نحوهم ويطير

فقد جعل قلبه حمامة من الحمائم. وعلى هذا الوجه تصح رواية من روى

يقيم على آثارهم ويسير

يقيم، باكيًا على الربوع، ويسير نازعًا إليها، ولكن السير والطيران لا سواء.

وأذكر من نجد فوارس بأسهم

فتنجد أشواقي بهم وتغير

إما الرواية هكذا: «فوارس بأسهم» وهو مستقيم مع الإنجاد والإغارة والإغارة من حلول الغور ومن الغارة، وإما كما في المجموعة «جواري بأنسهم» وما أرى إلا أنه تحريف لتشابه رسم الأحرف، ثم في العبارة «جواري بأنسهم» ضعف لا يشبه سائر هذه الديباجة الناصعة. وقوله «فوارس بأسهم» يناسب معنى النسيب سواء أأريد به الكناية أم التصريح.

فيا ليت شعري عن محاجر حاجر

وعن أثلات روضهن نضير

وعن عذبات البان يلعبن بالضحى

عليهن كاسات النعيم تدور

ههنا نشوة بالطبيعة من غير خروج بذلك عن روحانية الشوق وحنين النسيب.

ومن لي بأن أروى من الشعب شربة

وأنظر تلك الأرض وهي مطير

وأسمع في ظل البشام عشية

بكاء حمامات لهن هدير

ثم صار إلى محض الحنين في قوله:

فيا جيرة الشعب اليماني بحقكم

صلوا أو مروا طيف الخيال يزور

بعدتم ولم يبعد عن القلب حبكم

وغبتم وأنتم في الفؤاد حضور

ص: 122

فأصبحوا هم الذين ساروا وحبهم مقيم.

أغار عليكم أن يراكم حواسدي

وأحجب عنكم والمحب غيور

هذا البيت عجيب. هل زار المدينة بعض من لم يكن أمر ودهم إليه إلا ضعيفًا وتعذرت عليه الزيارة فحز ذلك في نفسه؟

أحيباب قلبي هل سواكم لعلتي

طبيب ب داء العاشقين خبير

فجودوا بوصل فالزمان مفرق

وأكثر عمر العاشقين قصير

ولا تغلقوا الأبواب دوني لزلتي

فأنتم كرام والكريم غفور

ومن ههنا صار إلى المديح صريحًا. ثم يقول في آخر القصيدة:

أمولاي قم بي في الخطوب فإن لي

تجارة مدح فيك ليس تبور

عرائس لا ترضى بغيرك صاحبًا

لهن عزيزات المهور مهور

على هذا الوجه تأول بعضهم قول حبيب:

ولقد خطبت قليلة الخطاب

ولكن الأظهر في هذا أنه أراد ذم أهيل زمانه، كما صرح بذلك أبو الطيب فيما بعد.

علت وغلت إلا عليك فأرخصت

ليرخص حورًا في القصور قصور

فسر الشارح القصور بالعجز ولا يستقيم عليه المعنى إذ قال من قبل «عرائس لا ترضى بغيرك صاحبًا» فأين القصور بمعنى العجز مع هذا. والوجه أن القصور الأولى بمعنى الجمع للقصر وهذا واضح والقصور هنا قصور الجنة. والقصور الثانية من القصور من قصره يقصره (باب ضرب) وقصر المرأة أي حبسها فلا تخرج أي عرائس من مديحي فيك علت وغلت إلا عليك، من أجل أن يكون قصورها عليك سببًا إلى الجنة وأن ترخص لقائلها بذلك الحور المقصورات في قصور الجنة. ولك أن تقول إن كلتا الكلمتين القصور الأولى والثانية بمعنى واحد -يرخص قصورهن عليك الحور اللاتي في القصور- أي المقصورات.

مؤلفها عبد الرحيم كأنها

كواكب في جو السماء تنير

فهذا يمنع من تأويل القصور بمعنى العجز.

لبسن معانيها بمدحك بهجة

فلاح لها نور وفاح عبير

ص: 123

لعبد الرحيم رحمه الله ولع بالنون في جمع غير العاقل يعطيه بذلك صفة العاقل وهذا المذهب جيد في العربية، وسلكه حبيب في قوله:

ولو كانت الأرزاق تجري على الحجا

هلكن إذن من جهلهن البهائم

ثم يقول رحمه الله:

فقل أنت في الدارين في حزبنا ومن

يليك صغير سنه وكبير

وصلى عليك الله واختص واجتبى

فأنت هدى للعالمين ونور

وعم رضاك الآل والصحب إنهم

لدينك يا شمس الزمان بدور

ومن جياد البرعي المشهورات:

بالأبرق الفرد أطلال قديات

لآل هند عفتهن الغمامات

وملعب لعبت هوج الرياح به

كأنهم فيه ما ظلوا وما باتوا

تنكر العلم الغربي من إضم

وأقفرت بعد بين الركب رامات

إذ الركب قبل ظعنهم كانوا هم ربيعها.

تشتيتهم جمع الأحزان في كبدي

فالهم مجتمع والركب أشتات

فإن أنست غيابات الفؤاد بهم

فهم أحيباب قلبي يا غيابات

قراءة نافع وأبي جعفر غيابات بالجمع هذا في سورة يوسف واستعار البرعي اللفظة من هناك.

فيا حمامات وادي البان شجوك في

ظل الأراك شجاني يا حمامات

ويا أثيلات نجد ما لعبت ضحى

إلا لعبت بقلبي يا أثيلات

تهيج لوعة قلبي المستهام إذا

هبت بنشر الصبا النجدي هبات

ثم صار بهذا الحنين إلى ذروته حيث جعله شوقًا إلى زيارة القبر الشريف:

فكيف حال بعيد الدار مغترب

له إلى الشام حنات وأنات

يهدي التحية من نيابتي برع

إلى نبي عطاياه جزيلات

الشام عنى به المدينة لأنها بالنسبة إلى اليمن شام، ثم هي طريق التجارة إلى الشام أيام الرحلتين.

محمد سيد الخلق الذي امتلأت

من نوره الأرض والسبع السموات

بالمعراج الذي عرجه صلى الله عليه وسلم وقد ذكر ذلك من بعد:

ص: 124

أسرى به الله من أرض الحجاز إلى

أن قبلت نعله الحجب الرفيعات

أدناه من قاب قوس حين كلمه

بالغيب من بعد ما قال التحيات

وزاده منه تشريفًا وشفعه

في الخلق لأعدمت منه الشفاعات

ومعنى الشفاعة لو تأمله المتأمل عظيم.

فالبدر والبحر والقطر الملث حيًا

والفضل والفخر فيه والكرامات

تالله ما ارتفعت للدين مرتبة

لولا مراتبه الشم الرفيعات

وبذلك شهادة القرآن العظيم: {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك} - {وإنك لعلى خلق عظيم} .

أحيا الزمان فأيام الزمان به

يومان في الله إنعام وغارات

وفل شوكة أهل الشرك مرتضيًا

لله ربًا فما العزى وما اللات

فالخيل تصهل والأرماح شاجرة

والبيض والبيض مسراها العجاجات

البيض السيوف والبيض المغافر وذكرها يدل على الدروع وفي رواية والنبل أي السهام ولا يستقيم مع العجاجات لأن النابل يرمي من بعد ويتحرى أن يرى ما يرميه.

ما استمطرته ثغور المشركين حيًا

إلا سقتها القنا والمشرفيات

وكما تقدم مما ذكرناه تحس في أبيات الحرب هذه روح مشاركة في الجهاد.

مني السلام على القبر الذي اعتكفت

فيه العلا وانتهت فيه النهايات

وجاد طيبة مرفض يلوح به

زهر الرياض وتخضر البشامات

هذا منتزع من طبيعة الجزيرة العربية إذ هي قفار فإذا جادها الغيث كستها حلة الخضرة وابتسمت ثغور الأزاهير.

أرض سمت برسول الله أشرف

من تشرفت فيه آباء وأمات

هذا هو المعنى الذي فتقه على بن العباس وعسى أن ينال به الشفاعة لما فيه من صدق، وإن يكن جاء به على سبيل توليد المعاني:

كم من أب قد سما بابن ذرا شرف

كما سما برسول الله عدنان

ولعمري لو قد كان جعل القصيدة كلها نبوية لكان ذلك خيرًا له من مدحه أبا الصقر ثم كما تعلم قد اضطرته خيبة الأمل إلى هجائه.

متى أرى النور من أرجاء قبته

متى تباشرني منه البشارات

ص: 125

وهو نور تراه القلوب- قال الشيخ محمد المجذوب بن قمر الدين رحمهما الله:

لقد طال شوقي يا أميني لطيبة

أشخصها طورًا وطورًا أناظر

تذكرت يا خلي ليالي مبيتنا

بمسجدها والقوم باك وذاكر

تذكرت تردادي أخي بين روضة

وبين دكاك الزيت وهي أواخر

يشاهد قلبي قبة النور وهي في

ضياء له العافون شاموا وسامر

وإن لها نورًا إلى العرش ساطعًا

تشاهده أبصارنا والبصائر

والشيء بالشيء يذكر والشيخ محمد المجذوب رضي الله عنه قريب العهد، في أوائل المائة الثانية عشرة- ولا ريب أنه تأثر بشعر الشيخ عبد الرحيم رضي الله عنه وأرضاه. ونعود بعد إلى الأبيات التائية:

فإن ولهت إلى قبر ابن آمنة

فهو الذي ختمت فيه الرسالات

لأنه ليس بعد الرسول صلى الله عليه وسلم رسول.

ذاك الحبيب الذي يرجو عواطفه

وبره الخلق أحياء وأموات

ثم أخذ في ذكر المعجزات وحسن الثناء.

البدر شق له والغيم ظلله

من الهجير وسبحن الحصيات

وشاة جابر يوم الجيش معجزة

نعم النبي ونعم الجيش والشاة

وكان في الشمس نورًا لا يقوم له

ظل بذلك جاءتنا الروايات

له فخار وتعظيم ومرتبة

ومعجزات كثيرات وآيات

ثم أخذ في الاستغاثة:

مولاي مولاي فرج كل معضلة

عني فقد أثقلت ظهري الخطيئات

وعد علي بما عودتني كرمًا

فكم جرت لي بخير منك عادات

وامنع حماي وهب لي منك تكرمة

يا من مواهبه خلد وخيرات

الخلد الجنة والخيرات الحور يشير إلى قوله تعالى: {فيهن خيرات حسان} .

واعطف علي وخذ يا سيدي بيدي

إذا دهتني الملمات المهمات

أي المسببات للهموم.

فقد وقفت بباب الجود معتذرًا

والعفو متسع والعذر أبيات

وقل غدا أنت من أهل اليمين إذا

زخرفن للداخلين الخلد جنات

تأمل نون النسوة هنا وقد أشرنا إلى هذا الوجه من المجيء بها عنده من قبل.

ص: 126

فلا يخف بعدها عبد الرحيم ومن

يليه أهل وصحب أو قرابات

وإن مدحتك بالتقصير معترفًا

فمدحك الوحي والسبع القراءات

الوحي القرآن والسبع أراد المثاني ووضع القراءات مكان المثاني لأن معنى المثاني الآيات والسبع المثاني تخصيص من عموم وهي الفاتحة، ويجوز أن يحمل مراده على الوحي أي القرآن والقراءات السبع أي الأحرف السبعة للحديث أن القرآن نزل على سبعة أحرف. ولعل هذا الوجه أقوى لظهوره.

صلى عليك إلهي يا محمد ما

لاحت لنورك من بدر علامات

بدر في طريق المدينة فمن أراد مكة بعدها وهو قافل من المدينة ساحل وهو الطريق الذي سلكه أبو سفيان.

والآل والصحب والأزواج كلهم

فهم لسادات أهل الفضل سادات

فهذه القصيدة كما ترى في قوة الصياغة ونصوعها ووضوح المعاني وتوهج روح الصدق من خلال الأبيات وحلاوة النغم وجودة تتابعه مع اليسر البالغ وسهولة الطبع وعدم التكلف فسبحان الواهب المعطي.

ومن أعجب مدائح البرعي إلى من سمعنا من المنشدين، وهي من جياده كلمته القافية التي أولها:

أراني ما ذكرت لك الفراقا

واستعان فيها ببعض ما للمتنبي في هذا الروى كقوله:

تظل رماحه فوق الهوادي

وقد ضرب العجاج لها رواقا

وله فيها البيت السائر:

نبي أنزل الرحمن فيه

تبارك والضحى والانشقاقا

وكلمته التي أولها:

قل للمطايا اللواتي طال مسراها

من بعد تقبيل يمناها ويسراها

ما ضرها يوم جد البين لو وقفت

نقص في الحي شكوانا وشكواها

ص: 127

وكلمته التي أولها:

خل الغرام لصب دمعه دمه

حيران توجده الذكرى وتعدمه (1)

والتي أولها:

يا راحلين إلى منى بقيادي

هيجتمو يوم الرحيل فؤادي

والتي أولها.

سمعت سويجع الأثلات غنى

وفيها قوله:

رعى الله الحجاز وساكنيه

وأمطره العريض المرجحنا

وأخصب روضة ملئت وفاءً

ومرحمةً وإحسانًا وحسنا

وقبرًا فيه من ملأ النواحي

هدى وندى وإيمانًا ويمنا

إمام المرسلين ومنتقاهم

وأكثر غيثهم طلًا ومزنا

وأسرعهم على الملهوف عطفًا

وأسمعهم لداعي الخير أذنا

وخير مغارس الأكوان أصلًا

وأطيب منبتًا وأتم غصنا

نمته دوحة قرشية من

فوائحها ثمار الخير تجنى

قوله: طلا ومزنا، جعل المزن بمعنى الوابل في مقابلة الطل وسوغ ذلك أنه ههنا جمع مزنة وهي المطرة ومن معاني المزن أنه السحاب ذو الماء فهذا يكون وابلا.

ومما لا ريب أنه كان مما يطرب له المسلمون الموازنة بين نبينا صلى الله عليه وسلم وبين الأنبياء صلوات الله عليهم، وأحسب أن الحروب الصليبية وجدل أهل الكتاب مما حرك ذلك- قال البرعي رحمه الله:

ولو وزنت به عرب وعجم

جعلت فداه ما بلغوه وزنا

متى ذكر الخليل فذا حبيب

عليه الله في التوراة أثنى

وإن ذكروا نجي الطور فاذكر

نجي العرش مفتقرًا لتغنى

وإن الله كلم ذاك وحيا

وكلم ذا مشاهدة وأدنى

وقد تكلم العلماء في مسألة الرؤية وليس ههنا مكان التفصيل. ومن شاهد بعين البصيرة فقد شاهد. ولله در البوصيري إذ يقول:

فإن فضل رسول الله ليس له

حد فيعرب عنه ناطق بفم

(1) وقد خمها طيب الله ثراهما أستاذنا الشيخ مجذوب جلال الدين وصديقه الشاعر حسن كردي رحمهما الله.

ص: 128

ثم بعد أن ذكر عددًا من الأنبياء والمرسلين وفضلهم وما زيد به نبينًا صلى الله عليه وسلم عليهم أخذ في ذكر الشفاعة والتوسل.

ثم يقول في أخريات القصيدة:

حججت ولم أزرك فليت شعري

متى بمزارك الجاني يهنا

وثم صويحب يرجوك مثلي

بعادك عنه أمرضه وأضنى

يكاد يذوب إن ذكروك شوقًا

إليك فهل بجاهك منك يدني

تأمل عذوبة الروح الإنسانية التي قرنها باعتذاره هذا عن نفسه وعن صاحبه إذ يبدو أنه هو أيضًا حج ولم يزر.

عسى عطف عسى فرج قريب

فقد وصل الأحبة وانقطعنا

فشرفنا بوطء تراب أرض

بزورتها يحط الوزر عنا

وقل عبد الرحيم ومن يليه

معي يوم الخلود يحل عدنا

عليك صلاة ربك ما تناغت

حمام الأيك أو غصن تثنى

ومن أعجب قصائد الإمام الصالح المحب عبد الرحيم رضي الله عنه، القصيدة اللامية التي ذكر فيها مرض ابنه، وقد توسل بها إلى الشفيع صلى الله عليه وسلم، فشفي ابنه، وعسى أن يستفاد من سياق هذه اللامية أنه قد أتيحت له الزيارة فيها بعد. والشائع بين العامة عندنا أن البرعي رحمه الله لم يزر، وأنه لما عزم على الزيارة غلبه الشوق وهو متجه إليها فانشق حنينًا وفاضت نفسه من غلبة حرارة الشوق والمحبة عليه، وأحسب أن صاحب البدر الطالع قد ذكر تأريخ وفاته إن كان ذكره فليراجع (1).

قال رحمه الله:

هم الأحبة إن جاروا وإن عدلوا

فليس لي معدل عنهم وإن عدلوا

تأمل مناسبة هذا الاستهلال لما سيذكره في آخر القصيدة من مرض ابنه.

وكل شيء سواهم لي به بدل

منهم وما لي بهم من غيرهم بدل

إني وإن فتتوا في حبهم كبدي

باق على ودهم راض بما فعلوا

شربت كأس الهوى العذرى من ظمأ

ولذ لي في الغرام العل والنهل

(1) توفي رحمه الله سنة 803 هـ وقبره في طريق المدينة.

ص: 129

فليت شعري والدنيا مفرقة

بين الرفاق وأيام الورى دول

هل ترجع الدار بعد البعد آنسة

وهل تعود لنا أيامنًا الأول

تأمل أنفاس هذه الصبابة، وعذوبة هذا التعبير، ورقة هذا الحنين.

يا ظاعنين بقلبي أينما ظعنوا

ونازلين بقلبي أينما نزلوا

ترفقوا بفؤادي في هوادجكم

راحت به يوم راحت بالهوى الإبل

ومع أن ظاهر هذا الكلام نسيب تجد مكان الكناية فيه غير جد خاف لأن الشاعر المحب الصالح يهيجه شوقه إلى الزيارة كلما جاء الموسم ورأى الركب اليماني قد جعل يستعد للحج- ألا تجده يقول بعد:

فوالذي حجت الزوار كعبته

ومن ألم بها يدعو ويبتهل

لقد جرى حبكم مجرى دمي فدمى

بعد التفرق في أطلالكم طلل

أي كأن قدمت بعد التفرق لأن قلبي قد أقام لدى أطلالكم فهو جزء منها.

لم أنس ليلة فارقت الفريق وقد

عاقوا الحبيب عن التوديع وارتحلوا

كأنه يشير هنا إلى أن عزم رفاقه على الرجوع اضطره إلى الرجوع معهم فكأنهم بالذي صنعوا عاقوا الحبيب عن وداعه. والله أعلم.

لما تراءت لهم نار بذي سلم

ساروا فمنقطع عنها ومتصل

أخذ هذا من معنى تنور الشعراء لنار الأحبة. وقد تنورها امرؤ القيس بيثرب فتأمل.

لا در در المطايا أينما ذهبت

إن لم تنخ حيث لا تثنى لها العقل

في روضة من رياض الجنة ابتهجت

حسنًا وطاب بها للنازل النزل

ثم تخلص إلى المدح النبوي في سهولة ويسر.

حيث النبوة مضروب سرادقها

وطالع النور في الآفاق يشتعل

وحيث من شرف الله الوجود به

فاستغرق الفضل فرد ما له مثل

محمد سيد السادات من مضر

سر السيادة شمس ما له طفل

شوارد المجد في مغناه عاكفة

وريق رأفته غض الجنى خضل

ص: 130

تأمل عجز هذا البيت وما فيه من حسن التشبيه للرأفة بالريف وما لابس ذلك من النعت لطبيعة اليمن السمحة التي كأن طبيعة المدينة بخصبها ونخيلها والجبال المكتنفة لها جزء منها. هذا على تقدير أن عبد الرحيم رحمه الله لم يصل المدينة. على أن سياق هذه الأبيات ينبئ عن مشاهدة. وليس بمستبعد على من يكون في مثل صفائه أن يشاهد بقلبه ما قد تعجز عن دركه المشاهدة بالعيان.

تثني عليه المثاني كلما تليت

كما استنارت به الأقطار والسبل

المثاني آيات القرآن والسبع المثاني فاتحة القرآن.

بحر طوارفه بر ومكرمة

بدر على فلك العلياء مكتمل

ما زال بالنور من صلب إلى رحم

من عهد آدم في السادات ينتقل

حتى انتهى في الذرى من هاشم وسما

حملًا وطفلًا ووفي وهو مكتهل

يعني أنه عرف بالأمين لما صار إلى سن الاكتهال وذلك بعد الشباب وأخذ هذا من قوله تعالى {وإبراهيم الذي وفى} . ثم أخذ البرعي في ديباج خسروائي من المدح حتى صار إلى ذكر الشفاعة. وفرق ما بين هذا المدح وما كان يمدح به الشعراء الملوك ظاهر، إذ فيه المحبة الصادرة من صدق الإيمان وشعور العزة بالانتماء إلى الإسلام:

حتى انتهى في الذرى من هاشم وسما

حملًا وطفلًا ووفي وهو مكتهل

فكان في الكون لا شكل يقاس به

ولا على مثله الأقطار تشتمل

به الحنيفة مرساة قواعدها

فوق النجوم ونهج الحق معتدل

وخلفه ليلة الإسراء على قدر

صلى النبيون والأملاك والرسل

ثم صار إلى ذكر الشفاعة والمقام الرفيع حين يبعثه ربه مقامًا محمودًا ويفتح عليه بالثناء عليه ويشفعه في أمته، صلى الله عليه وسلم:

وذلك الشافع المقبول عصمتنا

به إلى الله في الدارين نبتهل

ومنه ظل لواء الحمد يشملنا

إذ العصاة عليهم من لظى ظلل

وإنه الحكم العدل الذي نسخت

بدين ملته الأديان والملل

ص: 131

وأعلم أصلحك الله أن اليمن لم تكن بمعزل من خطر الصليبية، فقد كان البرتغاليون محدقين بها من جوانب البحر المحيط ثم كفى الله شرهم.

يا خير من دفنت في الترب أعظمه

فطاب من طيبهن السهل والجبل

نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه

فيه الهدى والندى والعلم والعمل

أنت الحبيب الذي ترجى شفاعته

عند السراط إذا ما ضاقت الحيل

نرجو شفاعتك العظمى لمذنبنا

بجاه وجهك عنا يغفر الزلل

ثم صار إلى التوسل الخاص وذكر مرض ابنه.

يا سيدي يا رسول الله خذ بيدي

في كل حادثة ما لي بها قبل

قالوا نزيلك لا يؤذى وهأنذا

دمي وعرضي مباح والحمى همل

فهو كما تري يشكو ضيمًا حل به خاصة. ولا أحسب أن هنا مبالغة، بل التجاء بالشكوى صادق. وهذا البيت يدل على أنه إما بالمدينة وإما في الطريق إليها بين مكة وبينها حرسهما المهيمن بعينه التي لا تنام.

وذا المسمى بك اشتد البلاء به

فارحم مدامعه في الخد تنهمل

ويروى وابني المسمى بك وهو الذي في المجموعة والذي أثبتنا هو الذي في الديوان وكما سمعناه ينشد اعتمادًا على نسخة الديوان الخطية وحفظًا عن ظهر قلب «وذا» أحب إلي وأدل على الاستعطاف لما في ذلك من الدلالة على القرب والحضور والشفقة والتمريض، وذكر الدموع المنهملة على خدي الطفل فيه معنى المعاينة لحال ضعفه. وقد سمجت كلمة «التصوير» لكثرة ما يجاء به عند المتعاطين للنقد هذه الأيام، فكرهنا استعمالها في هذا الموضع. وكأن الغلام المسكين قد أصيب بلذع من ذات الرئة بدليل بكائه أن تنحل عقدة السعال وهي لا تنحل.

وذا المسمى بك اشتد البلاء به

فارحم مدامعه في الخد تنهمل

وحل عقدة هم عنه ما برحت

واشرح به صدر أم قلبها وجل

جعلها عقدة هم- لأنه هو مهتم لما به من مرض، فالدعوة بحل العقدة تسري على المريض وتسري على والده المهموم له، فإذا انحلت عقدة مرضه وجاء شفاؤه انحلت

ص: 132

عقدة همه هو، وانشرح صدر أمه. وهذا البيت غاية في الرقة والإنسانية: وفي قوله: «عقدة هم عنه ما برحت» عموم يدخل فيه الشاعر وسائر أفراد الأسرة ومن يعنيه أمرها وإن كانوا في طريق المدينة فيدخل فيه الرفقة المعاونون أيضًا. وذكر الأم بعد تخصيص لها ثم أتبع ذلك ذكر نفسه وهو داخل في العموم الذي سبق ثم هنا ليجعل اسمه في المدحة وليرجع إلى ما كان قدمه من ذكر الشفاعة ورجاء الغفران والرحمة:

وصل بمرحمة عبد الرحيم ومن

يليه لا خاب فيك الظن والأمل

صلى وسلم ربي دائمًا أبدًا

عليك يا خير من يحفى وينتعل

والآل والصحب ما غنت مطوقة

وما تعاقبت الأبكار والأصل

قوله «يا خير من يحفى وينتعل» كأنه من قول القطامي:

أما قريش فلن تلقاهم أبدًا

إلا وهم خير من يحفى وينتعل

فسيد قريش عليه الصلاة والسلام أولاهم بهذا الوصف، والبيت من كلمة القطامي:

إنا محيوك فاسلم أيها الطلل

وإن بليت وإن طالت بك الطيل

وهذا من المطالع الفخمات، نبه عليه ابن رشيق. والمعنى الذي تقدم لم يكن القطامي هو السابق إليه، وكأنما نظر إلى قول الأعشى.

إما ترينا حفاة لا نعال لنا

إنا كذلك ما نحفى وننتعل

فأخذ القطامي «يحفى وينتعل» من ههنا.

وشعر الشيخ عبد الرحيم البرعي در نفيس وفي هذا الذي استشهدنا به من شعره، ومنه قصائد جئنا بها بتمامها ما يشهد بما زعمنا من متانة أسره وصفاء ديباجته، وما يقوم ببعض حجتنا في إنكار هذا الذي فشابه القول بيننا الآن من أن الفترة التي تلت القرن الخامس الهجري فما بعده كانت فترة انحطاط للشعر ولغيره من جوانب الفكر والفن والحضارة الإسلامية. فقد سبق التنبيه منا إلى بطلان هذه المقالة. ولعل المصنف يعترف أن عصر الانحطاط هو عصرنا هذا، نسأل الله سبحانه وتعالى الفرج والنجاة.

إذا رجعنا بالقارئ الكريم إلى ما قدمناه من قبل من تشبيهنا على وجه التمثيل والتقريب للصرصري بحبيب والبرعي بأبي عبادة والبوصيري بأبي الطيب، فإننا نريد،

ص: 133

مع الذي لا نشك فيه من أن القارئ حفظه الله لا يرى أن مرادنا محض التشبيه حتى كأن المشبه والمشبه به مدرسة واحدة كما يقال بلغة هذا الزمان، أن نحتاط لما مثلنا به البوصيري بأبي الطيب بأن وجه المشابهة بينهما هو في أمر واحد، وهو أن كليهما ذو إقدام على ما يقول، وثقة بالمقدرة على الإفصاح والبيان وجودة الشعر. مع هذا في ديباجة البوصيري متانة نسج تذكرك أبا تمام وامتداد نفس يذكرك ابن الرومي، ولالتزامه جانب العبادة والخشوع في مخاطبة محاسن الذات المحمدية، تجد ثقته لا يخالطها ما سماه الثعالبي في حديثه عن المتنبي «إساءة الأدب بالأدب» وإنما عنى بذلك فرط التحدي وجهارة قوة التعبير مما ينفر عنه الملوك ومنادموهم وصنائعهم والمتنطسون بالقرب منهم والتقرب إليهم. مع هذا ليس البوصيري غير ذي جهارة أو تحدي (1). كلا ذينك لديه، إلا أنهما قد جعلا عنده بعض أساليب قتاله أهل الكتاب. ذلك بأن الحروب الصليبية ما زالت محتدمة نارها على زمانه على انتصار كان من المسلمين بالمشرق وإيذان بقرب انهزام الفرنجة إذ كان جلاؤهم عن عكا وصور قبيل وفاة البوصيري وانتصر المسلمون على التتار على أيدي حماة مصر حرسها الله تعالى، كما انحسرت غمرات الكفر عن المشرق. إلا أن الحال كانت حال جهاد. وقد اشتدت شوكة أهل الصليب بالمغرب على مسلمي الأندلس.

كنا قد قلنا في الجزء الأول من هذا الكتاب في معرض الحديث عن همزيات البحر الخفيف حين صار الحديث إلى همزية البوصيري (توفي رحمه الله سنة 696 هـ): «وهي تفصح بحجة الإسلام كما تفصح قصيدة دانتي بحجة المسيحية» . [ص 203 من طبعة 1970 م]. وكان الرجلان كالمتعاصرين إلا أن البوصيري أسبق، إذ تأريخ دانتي 1265 - 1321 م -[أي 662 - 720 هـ] وتأريخ البوصيري 608 هـ مولده و 696 وفاته- 1212 - 1298 م ولعل البحث إن جد فيه أصحابه أن يكشف لنا أن دانتي تأثر بالبوصيري وحاكاه وبمداح الرسول صلى الله عليه وسلم. وقد ذكر أسين الإسباني في رسالته عن دانتي أنه تأثر بالمعراج وأحاديثه وبرسالة الغفران المعرية. وعندي أن يكون قد تأثر بالمديح النبوي أقرب. لأن المديح النبوي كان شيئًا ظاهرًا، ويترنم به المسلمون في أعيادهم وجمعاتهم وزواياهم ويترنمون به عند الأفراح وعند التعازي. وفي

(1) جئنا بالياء خطًا للتوضيح ويجوز الوقف بالياء وبذلك قرأ ابن كثير أحد السبعة.

ص: 134

ليلات الجمعة مساء كل خميس وليلات الاثنين مساء الأحد. قال الصرصري رحمه الله في إحدى استغاثاته:

ففي النفس حاجات وما لقضائها

سواك إلى رب البرية شافع

أخذ قوله «وفي النفس حاجات» من أبي الطيب: «وفي النفس حاجات وفيك فطانة» من أبيات بائيته في كافور «مني كن لي إلخ» .

ومجموع حالي عنده وهو عالم

بتفصيل خافيه وما هو ذائع

وفي كل يوم اثنين أو في خميسنًا

رسولي بأعمالي إليك يطالع

عنى منشدي مدائحه.

فكن جابرًا نقصي بجاهك إنه

لجاه مديد عند ذي العرش واسع

وسل ربك النصر العزيز لأمة

تكنفها قرن من الدهر سابع

يشير هنا إلى حروب التتار وحروب الصليبيين وجعل القرن كأنه قرن ثور يهجم به وأرخ لزمانه كما ترى.

أضربها سعر وخلف وفتنة

لها كل عام في القلوب قوارع

فكان ذلك سبب الهزيمة.

وكتب مسلمو الأندلس المغلوبون على أمرهم إلى سلطان آل عثمان في أوائل القرن العاشر قصيدة تائية يستنصرونه ويشكون إليه ما وقع بهم من غدر وبلاء. فمما قالوه (1):

سلام كريم دائم متجدد

أخص به مولاي خير خليفة

سلام عليكم من وجوه تكشفت

على جملة الأعلاج من بعد سترة

سلام عليكم من بنات عواتق

يسوقهم اللباط قهرًا لخلوة

(1) راجع مجلة الأندلس (مدريد وغرناطة) -1966 Andalus vol. XXXI- المجلد 31 - 1966 م مقال منرو Monroe ص 281 وله فيه خلط مؤسف.

ص: 135

اللباط أي القسيس.

سلام عليكم من عجائز أكرهت

على أكل خنزير ولحم لجيفة

أحسب لحم الجيفة هو الثور الذي يقتل في المصارعات وإلى الآن يقول الإسبان (أوليه) تشجيعًا للمصارع. فهل كان هذا محاولة من البائسين المسلمين آنئذ أن يذكروا اسم الله على هذه البهيمة التي كان عليهم أن يأكلوا من لحمها من دون ذكاة؟

وقد أمرونا أن نسب نبينا

ولا نذكرنه في رخاء وشدة

وقد سمعوا قومًا يغنون باسمه

فأدركهم منه أليم المضرة (1)

وهذا البيت هو موضع استشهادنا، إذ فيه الدليل على تغني المسلمين بالمديح النبوي. هذا بعد سقوط غرناطة. فقس عليه حال بقية المسلمين بصقلية وجنوب إيطاليا بعد هلاك فردريك الثاني (1250 م) وكان به عطف ما عليهم، زعموا أنه كان من أسباب عداوة البابوية له ولأسرته حتى أبادوها. وهؤلاء المسلمون الذين كانوا يتغنون بالمدائح والأدعية وبالقرآن بلا ريب ذكرت التائية التي مرت منها الأبيات السابقة أن منهم أهل بلدة:

بجامعهم صاروا جميعًا كفحمة

ولئن صح ما نرجحه من أن دانتي تأثر بالمديح النبوي وأغلب الظن بالبوصيري لاشتهار هذا شهرة واسعة على ذلك الزمان بقصيدتيه الهمزية والبردة على وجه التخصيص (2)، فإنه يترتب على ذلك أن يكون شعراء الأشعار الدينية الإفرنج قاطبة قد تأثروا به. والمتأمل لأصناف أشعار الدينيين في الأدب الإنجليزي واجد ما يدل على ذلك، مثلًا قصيدة الأرج The Odour لجورج هربرت George Herbert (1593 - 1633 م) وهذا باب واسع. والشاهد هنا تشبيه جورج هربرت قوله:«يا سيدي» بأريج العنبر والعطور الشرقية- فهذا لقولهم: «فت مسكًا» - وتضوع طيبًا» - وفاح عرفًا

(1) منه أي من الغناء.

(2)

ولد دانتي بعد نصف قرن وزيادة من ميلاد البوصيري فأمر البوصيري يكون قد بلغ الآفاق في هذه المدة. ولابن أبي الخصال (465 - 540 هـ) قصيدة في المعراج كانت مشهورة عند المادحين بلغنا أن نسخة خطية منها موجودة بخزانة القرويين بفاس وقصائد نبويات أخر.

ص: 136

وما أشبه مما يذكر في باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. ومن عجب الأمر أن مناهج درس الإنجليزية يتلقى فيها طلابنا ما يتلقون عن الشعر الديني في لغة القوم. ويظلون يجهلون كل الجهل شعرنا الديني. وربما خيل إلى بعضهم أنه ليس بشعر وإنما هو أوراد عبادة مما كان يعكف عليه جيل الرجعية أو الماضي المنقرض. «ويا بؤس للجهل ضرارًا لأقوام» .

همزية البوصيري أوشكت أن تبلغ أربعمائة بيت إذ هي نيف وستون وثلثمائة من الأبيات، قل فيهن بيت ساقط. وذلك أنه اجتمع له مع الملكة والصدق والعلم والافتنان، مجال قول واسع. وقد نظم السيرة من غير أن يعمد في ذلك إلى منهج تعليمي أو قصصي سردي. ولكنه سلك مسلك التأمل والموعظة الحسنة وأتبع الأمر ما يناظره أو يقابله أو يمت إليه بنوع صلة من غير التزام بالتسلسل التاريخي، ثقة بأنه لن يقع التباس من هذه الجهة، إذ مصادر السيرة من حيث هي تأريخ معروفة تلتمس في مظانها من كتب السير والتأريخ. ثم أكثر أخبار سيرة النبي صلى الله عليه وسلم معروفة عند العوام والخواص فالشاعر الفحل الذي يتغنى بها لا يجد نفسه مضطرًا إلى عمل وصناعة إلا أن يتعمد إيثار السرد بغرض أن يستوعب أحداث السيرة، وهذا ما صنعه الشيخ يوسف النبهاني في همزيته الألفية، وفيه عناء، مثلًا نظمه الغزوات التي لم يكن فيها قتال:

غطفان ذات الرقاع بواط

دومة ذو العشيرة الأبواء

بدر الأولى بدر الأخيرة بحرا

ن سليم لحيان والحمراء

وما أراد النبهاني أن يربى على البوصيري على الأرجح ولكن أن ينظم السيرة نظمًا على غرار همزيته من أجل التبرك.

ويلفتنا في همزية البوصيري أولًا مطلعها:

كيف ترقى رقيك الأنبياء

يا سماء ما طاولتها سماء

لما يقرع به السمع من صيغة الاستفهام الإنكاري والنداء المؤكد والتفضيل المشتمل على روح من التحدي والقتال. ولا عجب فقد كان زمان البوصيري رحمه الله زمان الحروب الصليبية والمسلمون بالمشرق مقبلون فيها على نصر وقد كشف الله عنهم غماء التتار، وكان البوصيري من أهل الجهاد بالبيان إن كان غيره يباشره بالسيف والسنان. غير أنه رحمه الله هل غلا شيئًا في قوله بعد هذا البيت.

ص: 137

لم يساووك في علاك وقد حا

ل سنا منك دونهم وسناء

إنما مثلوا صفاتك للنا

س كما مثل النجوم الماء

السنا الضوء والسناء الشمس والبيت جميل الصياغة متينها ومنه هذا التجنيس والتشبيه بتمثيل الماء لضوء النجوم بانعكاس أشكالها فيه بليغ مذهل أول الأمر، غير أنه ربما أحست فيه نبوة لما يوهم من أن التمثيل لا حقيقة له، ولا يجوز ذلك في حق الأنبياء، وليس هو مراد البوصيري، بلا أدنى شك، إذ معنى لا حقيقية تمثيل ضوء النجوم الذي في الماء أمر استفدناه نحن من اصطلاحات علوم الفيزياء المعاصرة حيث تسمى ما ينعكس على المرآة ونحوها لا حقيقيًا (1)، ولا ريب أن الضوء المنعكس على الماء ومنه ضوء حقيقي وكأن البوصيري قد عمد إلى تلافي ما قد يتبادر إلى الوهم من قوله هذا وليس بمراده، بالأبيات التاليات:

أنت مصباح كل فضل فيها تصـ

ـدر إلا عن ضوئك الأضواء

لك ذات العلوم من عالم الغيـ

ـب ومنها لآدم الأسماء

لم تزل في ضمائر الكون تختا

ر لك الأمهات والآباء

ما مضت فترة من الرسل إلا

بشرت قومها بك الأنبياء

فالبيت «أنت مصباح كل فضل» أشار به إلى مقام الشفاعة إذ كل الأنبياء عليهم السلام يقول نفسي غيره صلى الله عليه وسلم ثم يشفع الشافعون بعده حتى إن خيار المؤمنين ليشفعون لمن يعلمون إيمانه ممن يتردى بذنبه عند عبور الصراط. والبيت «لك ذات العلوم» إلخ أشار به إلى قوله تعالى: {وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم} . أي القرآن وقد نزل على محمد صلى الله عليه وسلم. والأسماء التي لآدم عليه السلام حقيقة لا خيال، فهذا قولنا إن البوصيري لم يرد بقوله «إنها مثلوا صفاتك» إلخ إن ذلك لا حقيقة له وإنه قد عمد من بعد إلى تلافي ما يتبادر من توهم هذا المعنى. والبيت «لم تزل في ضمائر الكون» إلخ واضح غير مشكل بشيء. والبيت «ما مضت فترة من الرسل» يقوي معنى «لك ذات العلوم من عالم الغيب» لأن تبشير الأنبياء صلوات الله عليهم به صلى الله عليه وسلم سببه ما أوحى به الله سبحانه وتعالى إليهم به من سابق علمه. وفي حديث عرباض بن سارية- بكسر العين وسكون الراء وأصل معنى العرباض الرجل الطويل وكان رضي الله عنه من أهل الصفة ومن السابقين ومن نزلت

(1) هذا في باب الظلال (الظل الحقيقي) Real Image كظل الشيء من العدسات والظل اللاحقيقي Virtual Image كظل الشيء من المرآة والظل يكون بالضوء.

ص: 138

فيهم آية براءة: {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون} - ما يفيد مثل هذا المعنى، إذ ذكر أن رؤيا آمنة من معنى البشارة وكذلك ترى أمهات الأنبياء. قال في المسند للإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه ج 4 ص 127 س 18:«حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا معاوية يعني ابن صالح عن سعيد بن سويد الكلبي عن عبد الله بن هلال السلمي عن عرباض بن سارية قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني عبد الله لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته وسأنبئكم بأول ذلك دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى بي ورؤيا أمي التي رأت وكذلك أمهات النبيين ترين» أ. هـ حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا أبو العلاء وهو الحسن بن سوار (1) قال «حدثنا ليث عن معاوية عن سعيد بن سويد عن عبد الأعلى ابن هلال السلمي عن عرباض بن سارية قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إني عبد الله وخاتم النبيين فذكر مثله وزاد فيه أن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم رأت حين وضعته نورًا أضاءت منه قصور الشام. وفي ص 128 س 26 حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا أبو اليمان الحكم بن نافع ثنا أبو بكر عن سعيد بن سويد عن العرباض بن سارية السلمي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إني عبد الله في أم الكتاب لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته وسأنبئكم بتأويل ذلك دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى قومه ورؤيا أمي التي رأت أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام وكذلك ترى أمهات النبيين صلوات الله عليهم» أ. هـ. سعيد بن سويد المذكور في السند هو الكلبي ذكره البخاري في الكبير (2) رقم 1593 ص 476 طبعة 1383 هـ 1963 م- القسم الأول من ج 2 يروى عن عبد الأعلى بن هلال وعنه أبو بكر بن أبي مريم وذكر سعيد بن سويد آخر ونص على أن الأول شامي ولكن كما لاحظ المحشي هذا الثاني مرادي كوفي أو يروي عن كوفي (راجع هامش 477) وذكر البخاري آخرين كلاهما سعيد بن سويد وذكر في ميزان الاعتدال سعيد بن سويد وعن بخاري أنه لا يتابع في حديثه وإنما علق البخاري بقوله لا يتابع على سعيد بن سويد الآخر رقم 1594 فوجب التفريق بين الثقة وغيره والحكم بن نافع ثقة. وحديث المسند صحيح والذي في ميزان الاعتدال (3) وهم والله تعالى أعلم.

(1) في الطبع طمس والصواب سوار سين مهملة بعدها واو مشددة مفتوحة وألف بعده راء مهملة أفاده الثقة أ. هـ المسند للإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه الطبعة السلفية المصورة ج 4 ص 127/ 128.

(2)

التأريخ الكبير للإمام البخاري.

(3)

ميزان الاعتدال للذهبي طبع القاهرة 1325 هـ 3153 ج 1 ص 38.

ص: 139

هذا وإنما استشهدنا بالحديث في وجوه روايته الثلاثة كما في المسند في هذا الموضع للتنبيه على أن البوصيري في ربطه بين البشارة وبين «لك ذات العلوم من عالم الغيب» إنما نظر إلى ما في هذا الحديث من قوله «وسأنبئكم بتأويل ذلك» والله تعالى أعلم.

تتباهي بك العصور وتسمو

بك علياء بعدها علياء

وبدا للوجود منك كريم

من كريم آباؤه كرماء

أي بدا بعد أن كان في عالم الغيب، في أم الكتاب، وفي علم الله سبحانه وتعالي، وكما قال عز وجل:{الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل} وكما قال تعالي: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا} فهذا كله من عالم الغيب والله أعلم.

نسب تحسب العلا بحلاه

قلدتها نجومها الجوزاء

وذلك أن نجوم الجوزاء كأنها وشاح. وزعم قوم أن أمرئ القيس إنها عني الجوزاء حيث قال: «إذ ما الثريا في السماء تعرضت» ، والثريا لا تتعرض وليست كالوشاح المفصل وأن هذه صفة الجوزاء والبيت من إحسان أمرئ القيس.

حبذا عقد سؤدد وفخار

أنت فيه اليتيمة العصاء

واليتيمة والعصاء من صفة الدر وفيها إلماع إلى يتمه صلى الله عليه وسلم وإلى عصمته صلى الله عليه وسلم. ثم تجيء أبيات المولد ومناسبتها لقوله «بدا للوجود» بعد «عالم الغيب» ، ومناسبتها أيضًا للنسب في قوله «نسب تحسب العلا» .

ومحيا كالشمس منك مضيء

أسفرت عنه ليلة غراء

هذا من النظم الذي لا يتأتى إلا بتوفيق وإلهام. ونعت محياه عليه الصلاة والسلام بإشراق الشمس وبهجة ضوئها وارد في الحديث الصحيح، وإذ كان مولده في ليلة أسفرت بوجهه جعلها الشاعر غراء وهي التي يكون فيها البدر المضيء فجمع بين محياه الشمسي الإشراق وليلة مولده التي صارت بذلك غراء بدرية ولا يكون الكلام إلا

ص: 140

هكذا إذ لا توصف الليلة بأنها مشمسة وأحسب أن لو أراد أبو تمام هذا المعنى لجعلها مشمسة بدليل محاولته البديعة أن يجعل النهار مقمرًا حيث قال:

تريا نهارًا مشمسًا قد شابه

نبت الربا فكأنما هو مقمر

والشيء بالشيء يذكر.

ليلة المولد الذي كان للديـ

ـن سرور بيومه وازدهاء

وتوالت بشرى الهواتف أن قد

ولد المصطفى وحق الهناء

وهذا البيت في المذهب القصصي ذروة لما في الذي سبقه من التمهيد ولما يجيء بعده من الالتفات إلى ما حول هذه الذروة من الآفاق كتداعي الإيوان وخمود النار وغيض البحيرة مما ينبئ ببروز الإسلام وانقماع الكفر وزوال دولة الشرك والجاهلية.

ولهذا البيت تخميس حسن:

حيث جبريل في السموات مجد

يعلن البشر في ولادة أحمد

سمعت أمه ابشرى بمحمد

وتوالت بشرى الهواتف أن قد

ولد المصطفى وتم الهناء

وحسن هذا التخميس من أن صاحبه ما زاد على محض الترنم، إذ لو عمد إلى زيادة شيء من معنى أو وشي لفظي لفسد بذلك إيقاع الكلام واتساقه. أبشرى أشهر فيه قطع الهمزة من الرباعي من قولك بشرته، فأبشر أي فرح، وجاء به ههنا من الثلاثي فلا يحمل على الضرورة والعجب لشوقي إذ حاكى همزية البوصيري في همت الفلك واحتواها الماء (وقد سبق منا القول في الجزء الأول في باب همزيات الخفيف أنا لا نراها من جيد شعره) فذكر مولد المسيح عليه السلام كأنه يضاهي بذلك صفة البوصيري ليلة مولد رسولنا عليه الصلاة والسلام، وذلك قوله:

ولد الطهر يوم مولد عيسى

والمروءات إلخ

في أبيات اختارها أحد أصحاب الاختيارات من المسيحيين من شعر شوقي مع كلمة في الصليب الأحمر وجعل الكلمة الثالثة المختارة:

خفت الأذان فما عليك مؤذن

يدعو ولا الجمع الحسان تقام

ص: 141

فانظر إلى هذا من إسرار البغضاء وإظهارها كأن لم يجد في الكثير الطيب من شعر شوقي غير هذا السياق. وكلمة «المروءات» من قوله لا تخلو من ضعف في هذا الموضع إذ الشهير الفصيح إفراد هذه الكلمة كما قال أبو الطيب:

وترى الفتوة والأبوة والمروة في كل مليحة ضراتها

وموضع قوله «المروءات» مع ما تقدمه من ذكر الطهر ومولد عيسى عليه السلام كأنه مقحم وسائر الأبيات سرقة ومحاكاة للبوصيري وهذا المسلك عند شوقي رحمه الله كثير وما يؤخذ عليه- وقد حاكى أبيات المولد هذه أيضًا في قوله، في قصيدته التي من بحر الكامل يذكر فيها مولد نبينا صلى الله عليه وسلم:

ولد الهدى فالكائنات ضياء

وفم الزمان تبسم وثناء

قوله وفم الزمان إلخ صياغة أخرى لقول البوصيري «المولد الذي كان للدين سرور بيومه وازدهاء» حذف شوقي الدين وجعل اليوم زمانًا. على أنه حين عدل عن خفيف البوصيري ورويه اللذين جاراهما في «همت الفلك واحتواها الماء» إلى الكامل وروي أبي الطيب:

أمن ازديارك في الدجى الرقباء

إذ حيث أنت من الظلام ضياء

وما خلا من أخذ منه، إنما اتبع حقًا طريق الشهاب محمود الحلبي (رئيس دواوين الإنشاء بالشام المتوفي سنة 775 هـ رحمه الله في ما ذكره النبهاني عند تقديم مدحته الهمزية)، حيث قال:

ما آذنته ببينها أسماء

فنقول ثاو مل منه ثواء

لكنه ذكر الحمى فتقاسمت

أحشاءه الأشجان والبرحاء

ونأمل أن يتيسر لنا ذكر شيء منها إن شاء الله تعالى.

قال البوصيري يذكر تداعي الإيوان وما إلى ذلك.

وتداعى إيوان كسرى ولولا

آية منك ما تداعى البناء

وغدا كل بيت نار وفيه

كربة من خمودها وبلاء

وعيون للفرس غارت فهل كا

ن لنيرانهم بها إطفاء

قوله «فهل كان لنيرانهم إلخ» من باب البديع المعنوي.

فهنيئًا به لآمنة الفضـ

ـل الذي شرفت به حواء

ص: 142

من لحواء أنها حملت أحـ

ـمد أو أنها به نفساء

يوم نالت بوضعه ابنة وهب

من فخار ما لم تنله النساء

وأتت قومها بأفضل مما

حملت قبل مريم العذراء

شمتته الأملاك إذ وضعته

وشفتنا بقولها الشفاء

قوله «وأتت قومها» ، فابنة وهب وضعته في مكة وكانت الشفاء قابلتها وهي من قراباتها بني زهرة رهط سيدنا عبد الرحمن بن عوف الزهري أحد العشرة وصاحب الشورى التي أسفرت عن خلافة عثمان رضي الله عنهم أجمعين والشفاء بفتح الشين وتشديد الفاء مفتوحة أمه. يجوز أن يكون من مراده بقومها في هذا الموضع أخواله بني النجار بالمدينة إذ جاءتهم به وهو غلام صغير وتوفيت بالأبواء في طريق عودتها. شمتته الأملاك من تشميت العاطس أي دعت له.

رافعًا رأسه وفي ذلك الرفـ

ـع إلى كل سؤدد إيماء

رامقًا طرفه السماء ومرمى

عين من شأنه العلو العلاء

فهذه صفة مولده إذ وضعته أمه صلى الله عليه وسلم. ثم أخذ البوصيري في ذكر ما حف ذلك من معجزات. وتأمل جودة الصياغة وسهولة انسيابها وما معها من خفي البديع، البيت:«فهنيئًا به لآمنة» تكررت فيه الفاء -فهنيئًا- الفضل شرفت والبيت الذي بعده تكررت فيه حواء عند قوله (به حواء)(من لحواء) ثم جاء بحاءات متتابعات- حملت- أحمد. ثم أخذ بطريق النون- أنها- نفساء- نالت- ابنة- وهب- تنله النساء- ثم البيت «وأتت قومها» في صدره قاف وفي عجزه وكلمة أفضل تناغي الفضل التي مرت من قبل وتأمل الميمات قومها- مما- حملت- مريم- والشينات في البيت الذي بعده والراءات والسينات من بعد. ثم قص ما رأت أمه من إشراق أضاءت له قصور الشام- جاء بذلك في صياغة رشيقة صدر فيها البيتين اللذين ذكر فيهما هذه المعجزة بفعلين متقاربي الوزن مبدوءين بالتاء مع شيء من الجناس الحرفي والمتشابه:

وتدلت زهر النجوم إليه

فأضاءت بضوئها الأرجاء

وتراءت قصور قيصر بالرو

م يراها من داره البطحاء

ثم لما أراد ذكر الرضاعة، جاء بصيغة أخرى، بفعل ثلاثي مجرد في صدر جملة قصصية موجزة جعلها صدرًا للبيت التالي ومهد بها لعجز البيت المشعر بقصد إلى تفصيل يجيء بعده.

وبدت في رضاعه معجزات

ليس فيها عن العيون خفاء

إذ أبته ليتمه مرضعات

قلن ما في اليتيم عنا غناء

ص: 143

فأتته من آل سعد فتاة

قد أبتها لفقرها الرضعاء

أرضعته لبانها فسقتها

وبنيها ألبانهن الشاء

أصبحت شولا عجافا وأمست

ما بها شائل ولا عجفاء

الشائل التي لا لبن لها.

أخصب العيش عندها بعد محل

إذ غدا للنبي منها غذاء

يا لها منة لقد ضوع الأجـ

ـر عليها من جنسها والجزاء

وإذا سخر الإله أناسًا

لسعيد فإنهم سعداء

والشعر الجيد أبدا فيه الحكمة. والبوصيري موهوب في هذا الباب. وهذا أيضًا من أوجه الشبه بينه وبين أبي الطيب وأبي تمام، وصياغته للحكم أقرب في إيجازها وقوتها إلى مذهب أبي الطيب وصياغته. ثم ينهي هذا الفصل من معجزات الرضاعة بقوله:

حبة أنبتت سنابل والعصـ

ـف لديه يستشرف الضعفاء

وهذا كأنه صدى من بيت الحكمة الذي مر وتعليل له ما يبرره من الإشارة إلى الآية: {كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة} . ومعنى قوله والعصف إلخ قال النبهاني رحمه الله العصف هو ورق النبات اليابس. قال علقمة:

تسقى مذانب قد مالت عصيفتها

حدورها من أتى الماء مطموم

وقال في القاموس العصف بقل الزرع وقد أعصف الزرع وكعصف مأكول أي كزرع أكل حبه وبقي تبنه فأحسب النبهاني جاء باليبس من ههنا وقال في مجاز القرآن كعصف مأكول وهو ورق الزرع وهو العصيفة. فمعنى بيت البوصيري أن هذه الحبة أنبتت سنابل سبعًا رحمة من الله أسبغها على آل حليمة فلا طال الزرع ولاح سنبله استبشر به منتظرو حصاده فهذا معنى قوله والعصف لديه يستشرف الضعفاء أي حين يعلو الزرع بسوقه وتلوح سنابله كثيرات جيدات هنالك يتطلع الضعفاء إلى يوم حصاده فإن كانوا أصحابه فهو لهم خصب وإن كان أصحابه سواهم فإن خصبه يعمهم حتى ولو أقبلوا يلتقطون ما يبقي بعد الحصاد. ولا معنى لأن يستشرف الضعفاء لورق يابس. ومعنى البيت كما ذكرنا إن شاء الله والله أعلم.

ثم لما فرغ من ذكر معجزة الخصب صار إلى قصة شق الصدر وهي معجزة أخرى. ويذكر شق الصدر أيضًا في قصة المعراج.

ص: 144

وأتت جده وقد فصلته

وبها من فصاله البرحاء

على تقدير الفرض أن قارئ هذه القصيدة ليس له سابق علم بالسيرة فقد أنبأه البوصيري بيتم النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ أبته المرضعات. ثم أن الذي تولى كفالته جده ههنا. ولعلم القارئ بأمر اليتم وكفالة جده عبد المطلب له، فإن سياق الخبر من أجل الذكر والعظة الحسنة والبشرى.

إذ أحاطت به ملائكة الله فظنت بأنهم قرناء

وبعض جهلاء أعداء الإسلام يبنون على خبر شق الصدر مزعمًا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مصابًا بالصرع ويجعلون ما يشابه من شدة الوحي من ذلك. ولا خفاء أن هذا من سوء الأدب. ولو قد كان بالنبي صلى الله عليه وسلم هذا الذي زعموه لكان رواة سيرته أول من يخبرنا به إذ لم يكتموا من خبره شيئًا. وما ذكر عن نبي ولا عن عظيم من تفصيل الخبر كما ذكر عن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم. ولقد صحبه أصحابه في الحضر والسفر فما غادروا من أمره شيئًا. والأطبة في عصرنا هذا لا ينطقون قاطعين برأي في مرض مريض، أي مريض، إلا بعد أصناف من الكشف الدقيق. فقد حسن سوء الأدب وضلال الرأي وسخافته لهؤلاء السفهاء أن يقدموا على تشخيص مرض ينسبونه إلى نبينا على الظن وبالتحامل والبغضاء وبغرض الطعن والسب وعلى وجه خلاف منكر لكل ما ورد من خبره، أنه كان أيقظ الناس وأصبرهم على مكاره السفر والحرب، شج في أحد وكسرت رباعيتاه فما انتابه ضعف ولا خور. وفر عنه الناس يوم حنين وهو مكانه لا يريم. وكان قوامًا صوامًا. وتحامل في مرض وفاته فصلى وأصحابه برؤيته مستبشرون.

ورأى وجدها به من الوجـ

ـد لهيب تصلى به الأحشاء

أي رأى عبد المطلب حب حليمة له صلى الله عليه وآله وسلم وتعلقها به.

فارقته كرهًا وكان لديها

ثاويًا لا يمل منه الثواء

وقد أحسن تضمين كلام اليشكري ههنا. وقد رام نحو هذا الشهاب في همزيته الكاملية في المطلع.

ما آذنته ببينها أسماء

فنقول ثاو مل منه ثواء

ص: 145

والصناعة هنا على سلامة الأداء. ثم يقول البوصيري:

شق عن قلبه وأخرج منه

مضغة عند غسله سوداء

ختمته يمنى الأمين وقد أو

دع ما لم تذع له أنباء

صان أسراره الختام فلا الفـ

ـض ملم به ولا الإفضاء

وينتقل البوصيري في براعة قصصية من خبر الشق إلى بلوغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أشده واشتغاله بالذكر والعبادة والتحنث وما كان عند مبعثه من ظهور الشهب تطرد الشياطين عن استراق السمع ثم يجمع بين هذا وبين تزوجه خديجة رضي الله عنها. ولو كان صاحب سرد همه تتابع الأحداث لكان ذكر بعد الرضاعة والفصال أحداثًا أخر ثم أتبع ذلك ذكر الزواج ثم جاء من بعد بخبر المبعث. ولكن براعة البوصيري تتجلى في ربطه الدقيق بين التحنث والوحي وخديجة رضي الله عنها وتثبيتها النبي صلى الله عليه وسلم وأنها كانت له وزير صدق:

ألف النسك والعبادة والخلـ

ـوة طفلًا وهكذا النجباء

وإذا حلت الهداية قلبًا

نشطت في العبادة الأعضاء

صدق. وهذا من أبيات الحكمة.

بعث الله عند مبعثه الشهـ

ـب حراسًا وضاق عنها الفضاء

تطرد الجن عن مقاعد للسمـ

ـع كما تطرد الذئاب الرعاء

وأحسب أنه يشير بإلماع خفي إلى الكهان بقوله كما تطرد الذئاب الرعاء، أليس الأعشى يقول:

ما نظرت ذات أشفار كنظرتها

حقًا كما نطق الذئبي إذ سجعا

عنى بالذئبي كاهنًا بعينه هو سطيح فيما ذكروا والتي نظرت هنا زرقاء اليمامة والأشفار أراد بها أجفان العين المفرد شفر بضم فسكون وهو أصل منبت شعر الجفن وللشفر معنى آخر وليس المراد ههنا، أعني بيت الأعشى إذ لم يقصد إلى معنى التأنيث ولكن إلى معنى النظر. هذا ويقوي ما ذهبنا إليه من الإلماع إلى الكهانة قوله من بعد:

فمحت آية الكهانة أيا

ت من الوحي ما لهن إمحاء

ص: 146

ومع ذكر المبعث أتى بذكر زواج خديجة لمناسبته له من حيث مؤازرتها رضي الله عنها وإن كان الزواج قبل البعثة بخمسة عشر عامًا.

ورأته خديجة والتقى والز

هد فيه سجية والحياء

وأتاها أن الغمامة والسر

ح أظلته منهما أفياء

وأحاديث أن وعد رسول اللـ

ـه بالبعث حان منه الوفاء

في سورة الصافات قوله تعالى يذكر تمنى قريش أن ينزل عليهم كتاب فلما جاءهم تنكروا له: {وإن كانوا ليقولون لو أن عندنا ذكرًا من الأولين لكنا عباد الله المخلصين فكفروا به فسوف يعلمون} وفي سورة البقرة قوله تعالى يذكر ما كان يستفتح به أهل الكتاب من يهود إذ يترقبون خروج نبي يقتلون به العرب قتل عاد وإرم، وكانوا لغرورهم لا يرون إلا أنه سيكون يهوديًا منهم:{ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين} .

فدعته إلى الزواج وما أحـ

ـسن ما يبلغ المنى الأذكياء

وليس ذكاء مكر دنيوي ولكن ذكاء توفيق وكيس ودين:

وأتاه في بيتها جبرئيل

ولذي اللب في الأمور ارتياء

عنى بذي اللب خديجة والارتياء هنا من رؤية العقل، وذلك أنها ثبتت النبي صلى الله عليه وسلم وأقنعته بالبرهان أن الذي رأى ليس برئي من الجن ولكن ملك الحق المنزل بأمره من عنده:

فأماطات عنها الخمار لتدري

أهو الوحي أم هو الإغماء

فاختفى عند كشفها الرأس جبريـ

ـل فما عاد أو أعيد الغطاء

أي الخمار- لتتأكد من أن كشفها رأسها هو سبب ابتعاد الملك فلم يعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يبصره.

فاستبانت خديجة أنه الكنـ

ـز الذي حاولته والكيمياء

قد تبدو هذه القافية أول الأمر مجتلبة ولكنها بعد تأمل قليل تتضح قوة مناسبتها،

ص: 147

وذلك أن الكنز فيه معنى الذهب، وكانت الكيمياء في ذلك الزمان إنها يجتهد أصحابها فيها من أجل أن يحولوا التراب وما أشبه ذهبا- أي هو الكنز وهو المنى والمعجزة وهو الإكسير.

وانتقل البوصيري إلى نفس الدعوة وما لقيه النبي صلى الله عليه وسلم من إباء من أبى وعنادهم. وعلل هذا الإباء بالرغم من المعجزات، وعدد من المعجزات ثم ذكر انتصار الدعوة وظهور الحق- هذا الانتقال السريع من أول الدعوة إلى معجزاتها فانتصارها أفعل من حيث التأثير الشعري.

ثم قام النبي يدعو إلى اللـ

ـه وفي الكفر نجدة وإباء

أمما أشربت قلوبهم الكفـ

ـر فداء الضلال فيهم عياء

ورأينا آياته فاهتدينا

وإذا الحق جاء زال المراء

هذا من باب الحمد والشكر لله أن لم يجعلنا ممن حضروا الكفر فأشربوه، وانتقال الشاعر من زمان أبي جهل إلى زمانه هو جيد بالغ.

رب إن الهدى هداك وآيا

تك نور تهدي بها من تشاء

كم رأينا ما ليس يعقل قد ألـ

ـهم ما ليس يلهم العقلاء

وعلل هذه الحكمة بقوله:

إذ أبى الفيل ما أتى صاحب الفيـ

ـل ولم ينفع الحجا والذكاء

وإباء الفيل معجزة كانت عند مولده عليه الصلاة والسلام. ثم ذكر تحية الحجر له وحنين الجذع وأمر الغار والعنكبوت والحمامة فصار إلى ذكر الهجرة:

والجمادات أفصحت بالذي أخـ

ـرس عنه لأحمد الفصحاء

ويح قوم جفوا نبيًا بأرض

ألفته ضبابها والظباء

وسلوه وحن جذع إليه

وقلوه ووده الغرباء

قلوه: أبغضوه، وقد وده أهل المدينة وآووه صلى الله عليه وسلم.

أخرجوه منها وآواه غار

وحمته حمامة ورقاء

وكفته بنسجها عنكبوت

ما كفته الحامة الحصداء

أي ذات الجناح والريش وفيه معنى الرأي السديد من قولهم رأي محصد وجاء بهذا النعت من قولهم شجرةً حصداء أي كثيرة الورق ودرع حصداء أي محكمة النسج

ص: 148

ومعنى الدرع مستكن في نسج العنكبوت في هذا الموضع، ومعنى كثرة الورق مستكن في لفظ الورقاء وإن يك معناه الرمادية اللون.

واختفى منهم على قرب مرآ

هـ ومن شدة الظهور الخفاء

واتلأب من بعد طريق السير إلى المدينة:

ونحا المصطفى المدينة واشتا

قت إليه من مكة الأنحاء

وتغنت بمدحه الجن حتى

أطرب الإنس منه ذاك الغناء

يشير إلى خبر السيرة أن الناس أصبحوا يسمعون صوتًا عاليًا ولا يدرون من صاحبه ينشد:

جزى الله رب الناس خير جزائه

رفيقين قالا خيمتي أم معبد

خيمتا أم معبد موضع سمي بذلك من بعد وأم معبد هذه ضيفت النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه رضي الله عنه إذ درت شاتها. ثم يجيء خبر سراقة:

واقتفى إثره سراقة فاستهـ

ـوته للأرض صافن جرداء

الصافن الفرس والجرداء الملساء ليست بشعراء وهذا ينبئ عن جودتها.

ثم ناداه بعد ما سيمت الخسـ

ـف وقد ينجد الغريق النداء

هذا تشبيه انتزعه من بيئة نيله وكان رحمه الله شديد الإحساس بالنيل وطبيعة أرض مصر وجمالها؛ هذا وذكر فرس سراقة كأنما دعا ذكر البراق على وجه من تجاوب المعاني وتداعيها. ومع أن المعراج كان قبل الهجرة، جاء به البوصيري هنا بعد خبر الهجرة لما في ذلك من المناسبة الروحية، إذ المعراج قد كان إيذانا بظهور أمر الدين وعلوه.

فصف الليلة التي كان للمخـ

ـتار فيها على البراق استواء

وترقى به إلى قاب قوسيـ

ـن وتلك السيادة القعساء

رتب تسقط الأماني حسرى

دونها ما وراءهن وراء

هذا مولد من قول أبي الطيب «مراتب صعدت والفكر يتبعها. البيت» .

ثم وافى يحدث الناس شكرًا

إذ أتته من ربه النعماء

وتحدى فارتاب كل مريب

أو يبقى مع السيول الغثاء

ص: 149

أراد هنا تحدي القرآن. وما أراه جمع بين التحدي والمعراج إلا لأن سورة الإسراء فيها مع ذكره أنه أسرى به صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى قوله تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا} .

وهو يدعو إلى الإله وإن شق عليه كفر به وازدراء

يشير بقوله «وازدراء» إلى خبر الطائف إذ أغروا به سفهاءهم.

ويدل الورى على الله بالتو

حيد وهو المحجة البيضاء

فبما رحمة من الله لانت

صخرة من إبائهم صماء

من براعة البوصيري فطنته إلى أن نظم آي القرآن جهد يضيع سدى لمكان القرآن من البلاغة في الذروة. فالوجه الإشارة والتضمين فمن ذلك الإشارة إلى قوله تعالى: {فاحتمل السيل زبدًا رابيًا} وإلى قوله تعالى: {فبما رحمة من الله لنت لهم} وإلى قوله تعالى: {لو أنفقت ما في الأرض جميعًا ما ألفت بين قلوبهم} فرحمة الله التي ألانت قلبه لهم ألانت قلوبهم فلم ينفضوا، ومن حسن تأتي البوصيري أنه لما نسب تليين رحمة الله إلى قلوبهم جعلها صخرةً صماء فلانت والآية {فبما رحمة من الله لنت لهم} فيها الدلالة على أن الله سبحانه وتعالى فطره برحمته لين الجانب رحيم الفؤاد على خلق عظيم، صلى الله عليه وسلم، ثم ختم البوصيري هذا الفصل بالإشارة إلى النصر وسورة الفتح:

واستجابت له بنصر وفتح

بعد ذاك الخضراء والغبراء

وأطاعت لأمره العرب العر

باء والجاهلية الجهلاء

الخضراء والغبراء أي كل مكان والخضراء السماء والغبراء الأرض ولكن المعنى الأول هو المراد إذ الأرب الدلالة على الشمول والعرب العرباء اليمن والجاهلية الجهلاء كل من كان على الشرك من العرب- أي كل العرب. وقد يكون المراد من العرب العرباء تأكيد بمعنى العرب الصرحاء أهل الشكائم.

وذكر العرباء والجهلاء جر إلى ذكر الجهاد والمصابرة والبلاء:

وتوالت للمصطفى الآية الكبـ

ـرى عليهم والغارة الشعواء

فإذا ما تلا كتابًا من اللـ

ـه تلته كتيبة خضراء

ص: 150

أي تامة عتاد الحرب خضراء بالدروع. هذه الكتيبة ليست هي فقط كتيبة الجيش المقاتل بالأسنة والأعنة والصوارم. ولكن لله جنودًا لم تروها. من ذلك ما حل بالمستهزئين من غضب الله عليهم وذلك قبل الهجرة. قال تعالى: {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين إنا كفيناك المستهزئين} .

وكفاه المستهزئين وكم سا

ء نبيًا من قومه استهزاء

ورماهم بدعوة من فناء الـ

ـبيت فيها للظالمين فناء

صناعة البوصيري لا تكاد تحس لجودة الأداء ورصانته وهيمنة جانب المعاني عليه مع نصوع الألفاظ -تأمل «فناء» بكسر الفاء وفتحها- والكاف والسين في البيت قبله- ومن قبل، الكبرى، كتابًا، كتيبة. ومن قبل حمته الحمامة، ولوضوح هذا وتواتره لا ينبغي أن نزيد على مجرد الإيماء إليه.

ثم نظم البوصيري نظم الخرز أسماء المستهزئين. ونحن الآن مع أحداث ما قبل الهجرة. وجعل في مقابلتها أسماء من تواطئوا على نقض صحيفة القطيعة التي كتبتها قريش:

خمسة كلهم أصيبوا بداء

والردى من جنوده الأدواء

أي بداء قاتل.

فدهى الأسود بن مطلب أي

عمىً ميت به الأحياء

فكان عماه من أسباب انكساره حتى قضى نحبه. وقوله «ميت به الأحياء» أشار به إلى قول الكوتي بن الرعلاء.

ليس من مات فاستراح بميت

إنما الميت ميت الأحياء

إنما الميت من يعيش كئيبًا

سيئًا باله قليل الرجاء

هكذا كان ابن مطلب.

ودهى الأسود بن عبد يغوث

أن سقاه كأس الردى استسقاء

وأصاب الوليد خدشة سهم

قصرت عنها الحية الرقطاء

هو الوليد بن المغيرة وهو الذي نزلت فيه: «إنه فكر وقدر» وفي عجز البيت شيء.

وقضت شوكة على مهجة العا

ص فلله النقعة الشوكاء

أي القتلة الخشنة. وفي هذا البيت بعض القلق على حذق المجانسة بين أوله وآخره

ص: 151

وعلى الحارث القيوح وقد سا

ل بها رأسه وساء الوعاء

هو الحارث بن الطلاطلة وبئس الوعاء رأسه. والوعي بفتح الواو هو القيح فمن فتح الواو ومد المقصور جاز على هذا المعنى ولكن الكسر أجود.

خمسة طهرت بقطعهم الأر

ض فكف الأذى بهم شلاء

إذ كانوا من ملأ قريش ودهاتها.

ثم ذكر الخمسة الذين عملوا على نقض الصحيفة الظالمة:

فديت خمسة الصحيفة بالخمـ

ـسة إن كان بالكرام فداء

أي لو أمكن أن يفدى الكرام فهؤلاء الخمسة الذين وقع بهم عذاب الله في الدنيا ولعذاب الآخرة أشق فداء لخمسة الصحيفة.

يا لأمر أتاه بعد هشام

زمعة إنه الفتى الأتاء

وزهير والمطعم بن عدي

وأبو البختري من حيث شاءوا

نقضوا مبرم الصحيفة إذ شـ

ـدت عليهم من العدا الأنداء

اذكرتنا بأكلها أكل منسا

ة سليمان الأرضة الخرساء

بنقل فتحة الهمزة إلى اللام. وقصة أكل الأرضة منسأة سليمان مذكورة في سورة سبأ وقد أكلت الأرضة الصحيفة إلا موضع اسم الله تعالى، ومكان التشبيه أن المشركين كانوا على ثقة بسلامة الصحيفة وما تضمنته من البغي، فكان أكل الأرضة لها مما خذل من كان رأيهم التمسك بها وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأمرها فوجدوه كما ذكر عليه الصلاة والسلام!

وبها أخبر النبي وكم أخـ

ـرج خبأ له الغيوب خباء

والخبء هنا تشير إلى خبر سيدنا سليمان في سورة النمل إيماء- وذلك في مقال الهدهد عن قوم بلقيس {ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء} [الآية].

لا تخل جانب النبي مضيمًا

حيث مسته منهم الأسواء

في المطبوعة «مضامًا» ولا يصح إذ الفعل ثلاثي أجوف يائي واوي ضامه يضيمه ويضومه.

كل أمر ناب النبيين فالشد

ة فيه محمودة والرخاء

ص: 152

ثم علل هذه الحكمة:

لو يمس النضار هون من النا

ر لما اختير للنضار الصلاء

وتعليل الحكمة أشبه بمذهب أبي تمام والصلاء النار والنضار الذهب. ثم ذكر ما حف النبي صلى الله عليه وسلم من عناية الله سبحانه وتعالى ووقايته.

كم يد عن نبيه كفها اللـ

ـه وفي الخلق كثرة واجتراء

إذ دعا وحده العباد وأمست

منه في كل مقلة أقذاء

هم قوم بقتله فأبى السيـ

ـف وفاءً وفاءت الصفواء

تأمل الفاءات والجناس في «وفاء» - «وفاءت» - والقاف في «مقلة» - «أقذاء» - «قوم» - «بقتله» . وأشار إلى خبر الذي أراد قتله ثم هداه الله وإلى ذلك الإشارة في سورة المائدة: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم} وقال تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس} والصفواء الحجر وقد همت حمالة الحطب أن ترميه بحجر فلم تره، وبعد الهجرة همت اليهود أن يلقوا عليه حجرًا فكفاه الله عز وجل شرهم.

ثم ذكر خبر أبي جهل إذ هاب النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه يقتضيه دين الإراشي- رجل من بني إراشة لوى أبو جهل دينه فلم يؤده فدله الناس على الرسول صلى الله عليه وسلم ليستعين به، وما أرادوا إلا أن يسخروا به، فكان ذلك سببًا لنيله ما لوي عنه ظلمًا.

وأبو جهل إذ رأى عنق الفحـ

ـل إليه كأنه العنقاء

واقتضاه النبي دين الإراشـ

ـي وقد ساء بيعه والشراء

ورأى المصطفى أتاه بما لم

ينج منه دون الوفاء النجاء

هو ما قد رآه من قبل لكن

ما على مثله بعد الخطاء

وذلك أنه هم بالنبي صلى الله عليه وسلم فرأى دونه فحلًا وهو عين الفحل الذي رآه لما جاءه النبي صلى الله عليه وسلم يقتضيه دين الإراشي- فهذا من خبر أبي جهل عدو الله كما ترى. ثم ذكر خبر حمالة الحطب وهي أم جميل بنت حرب زوج أبي لهب بن عبد المطلب بن هاشم.

وأعدت حمالة الحطب الفهـ

ـر وجاءت كأنها الورقاء

ص: 153

وذلك أن الحرم فيه الحمام الورق- والحمامة خفيفة الخطى ونعت البوصيري أم جميل أنها جاءت كحمامة، نعت جيد، لما فيه من صفة هيئة دخولها، ثم كأن ههنا إشارة لقصة الحمامة التي دخلت على سيدنا داود في مصلاه إذ كان دخول أم جميل في الحرم، ثم الحمامة علامة سلم والحمام بالحرم آمن، وقد جاءت أم جميل بمظهر الحمامة المسالمة وما جاءت إلا لحرب. قالوا وكان أبو لهب وأم جميل كلاهما على حظ من جمال الصورة مع ما كان من سوء الطوية.

يوم جاءت غضبى تقول أفي مثـ

ـلي من أحمد يقال الهجاء

تشير إلى الآية. وقالت: «مذممًا أبينا ودينه قلينا» ، تهجو بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما صنعت شيئًا إذ لم يكن اسمه مذممًا فمنعت من هجائه صلى الله عليه وسلم كما منعت من رميه بفهرها:

وتولت وما رأته ومن أيـ

ـن ترى الشمس مقلة عمياء

ثم إذ الشيء بالشيء يذكر جاء بخبر امرأة أخرى همت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بشر وهي زينب بنت الحارث اليهودية والعجب للأستاذ المستشرق ألفريد غيوم Alfred Guillaume ترجم خبرها عن ابن هشام على صحته في ترجمته

The life of Muhammad-A Translation of Sirat ibn Ishaq's Sirat Rasul Allah- London 1955 - P. 516:

حيث ذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم صفح عنها ونص ترجمته:

So the Apostle let her off

ثم جزم بأنه قتلها في الكتيب الصغير الذي كتبه عن الإسلام وهو Islam by Alfred Guillaume من طبع بنجوين سنة 1956 - 1978 في صفحة 49 حيث قال بما ترجمته «وطبعًا أعدمت زينب» .

Of course، Zaynab was put to death

وهذا الذي جزم به لا يبرره نقله وإن تك قد وردت به بعض الروايات (انظر الروض 6/ 570):

ص: 154

ثم سمت له اليهودية الشا

ة وكم سام الشقوة الأشقياء

فأذاع الذراع ما فيه من شر

بنطق إخفاؤه إبداء

وبخلق من النبي كريم

لم تقاصص بجرحها العجماء

فهذا هو الخبر الصحيح وجعلها عجماء إذ كانت يهودية وذكروها في الصحابة وأنها أسلمت:

من فضلًا على هوازن إذ كا

ن له قبل ذاك فيهم رباء

وأتى السبي فيه أخت رضاع

وضع الكفر قدرها والسباء

فحباها برًا توهمت النا

س به أنما السباء هداء

هذه قصة الشيماء أخته من الرضاعة وذلك أنها عرفته بنفسها فلما عرفها صلى الله عليه وسلم أكرمها إكرامًا توهم به من لم يكن قد عرف خبرها أنه صلى الله عليه وسلم أرادها زوجة وذلك أنه بسط لها رداءه ولاطفها برًا بحقها وكانت سببًا في إطلاق السبايا والمن الذي منه الله ورسوله على هوازن، حتى إن مالك بن عوف النصري قائد هوازن وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعد وأستأمن وأسلم وحباه رسول الله عليه الصلاة والسلام حباء المؤلفة قلوبهم ومدحه صلى الله عليه وسلم بكلمة منها:

ما إن رأيت ولا سمعت بمثله

في الناس كلهم بمثل محمد

أوفى وأعطى للجزيل إذا اجتدى

ومتى يشأ يخبرك عما في غد

يعني الحدس والألمعية والكشف لا علم الغيب فذلك استأثر به الخالق سبحانه وتعالى وفي سورة الأعراف: {قل لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء} .

بسط المصطفى لها من رداء

أي فضل حواه ذاك الرداء

فغدت فيه وهي سيدة النسـ

ـوة والسيدات فيه إماء

أي كالإماء بالنسبة إليها لما نالته من عظيم الحرمة.

وهنا التفت البوصيري إلى محض الثناء الحسن عليه صلى الله عليه وسلم فجعل ذلك فصلًا خلص منه إلى الترنم بذكر بعض المعجزات، ثم اتبع ذلك تغنيًا يتمنى به الحج ورؤية البيت الحرام ولثم تراب تلك الرباع القدسية من مكة والمدينة حرسهما الكريم

ص: 155

القديم الجبار.

فتنزه في ذاته ومعانيـ

ـه استماعًا إن عز منها اجتلاء

وإملأ السمع من محاسن يمليـ

ـها عليك الإنشاد والإنشاء

وهنا وصف جيد لطريقته في النظم أنه يتغنى به وينشد وينشئ ويصوغ مع ذلك، وهذا منهج الفحول من الشعراء أهل الملكة والتجويد. وكذا روي عن أبي الطيب. وقريب منه عن أبي تمام، وكذلك في خبر الأحوص إذ جعل يروض النغم على اسم موضع واسم رجل هم بهجائه. والذي وصى به ابن طباطبا -وقد مر ذكره- منهج أهل الصناعة والنحت. ورنة الإيقاع جلية في نمط البوصيري ولهذه القصيدة صلاة يفصل بها المنشدون بين فصولها، وإنما ينشدون منها الفصل والفصلين على سبيل الاختيار، لا كلها في المرة الواحدة لطولها، وهي:

صل يا رب ثم سلم على من

هو للخلق رحمة وشفاء

وطريقة التغني بها متشابهة على ما يكون من اختلاف وجوه النغم والغناء في مختلف أقطار الإسلام.

كل وصف له ابتدأت به استو

عب أخبار الفضل منه ابتداء

هذا البيت أيضًا فيه تنبيه على طريقته هو رحمه الله في صوغ القريض وقد ذكرنا من قبل أن من الشعراء من يوصد باب القول على نفسه فلا يترك لنفسه عندما يبتدئ ما يدع مجالًا للقول يلي. وكأن البوصيري قد فتح الله عليه فتحًا خاصًا بأن كل ابتداء في مدح الرسول فالصفة التي يذكرها فيه تستوعب كل فصل، ولكنه يستطيع أن يبدأ بدءًا جديدًا، فكل بداية نهاية، لأن كل فضيلة من فضائله صلى الله عليه وسلم شاملة لكل الفضائل، ثم ليس لفضائله حصر، فتأمل هذا الحذق.

سيد ضحكه التبسم والمشـ

ـي الهوينا ونومه الإغفاء

رحمة كله وحزم وعزم

ووقار وعصمة وحياء

لا تحل البأساء منه عرى الصبـ

ـر ولا تستخفه السراء

كرمت نفسه فما يخطر السو

ء على قلبه ولا الفحشاء

ص: 156

هذا بيت عزيز دقيق المعنى. أي معدن نفسه صلى الله عليه وسلم وجوهرها شريف كريم فهو بطبيعة شرفه وكرمه مناف وناف لكل دنس.

عظمت نعمة الإله عليه

فاستقلت لذكره العظماء

وذلك أن العرب وهم ما هم قد أحبوه حبًا لم يحبوه أحدًا قبله ولا بعده وما ملك قلوبهم إلا بتلك النعمة التي أنعمها الله سبحانه وتعالى عليه صلى الله عليه وسلم وبه عليهم. ومما يعجبني هذا الخبر الذي نقله صاحب المجموعة (ج- 1 - 56): عن زيد بن أرقم قال خرج عمر رضي الله عنه في خلافته ليلة يحرس فرأى مصباحًا في بيت عجوز تنفش صوفًا وتقول:

على محمد صلاة الأبرار

صلى عليه الطيبون الأخيار

قد كنت قوامًا بكى بالأسحار

يا ليت شعري والمنايا أطوار

هل تجمعني وحبيبي الدار

تعني النبي صلى الله عليه وسلم فجلس عمر يبكي ثم قام فسلم عليها وقال لها أعيدي علي قولك فأعادته بصوت حزين فبكى وقال لها: وعمر لا تنسيه (1) يرحمك الله فقالت:

وعمر فاغفر له يا غفار

ورووا في الحديث ما معناه أن عمر رضي الله عنه ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم حبه له أكثر من كل شيء إلا نفسه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما معناه أن لا يستثني نفسه حتى يتم بذلك إيمانه ففعل رضي الله عنه وهو بذلك صادق وهو الصواب لأن المسلم لا يعرف نفسه المطمئنة إلا بمعرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه باب الإيمان بالله ولا يعرفه صلى الله عليه وسلم إلا بحبه إذ الحب باب الإتباع وبإتباعه يكون حب الله للعبد الصالح.

جهلت قومه عليه فأغضى

وأخو الحلم دأبه الإغضاء

وسع العالمين علمًا وحلمًا

فهو بحر لم تعيه الأعباء

قوله لم تعيه الأعباء مناسب لذكر البحر ههنا وما أرى إلا أنه أخذ هذا من صورة النيل

(1) أي لا تنسيه أن تجمعه هو أيضًا الدار مع الحبيب صلى الله عليه وسلم.

ص: 157

وحركة السفن الدائبة عليه وأهل النيل يسمونه البحر وهو لفظ صحيح في العربية وجاء بمثله القرآن الكريم.

مستقل دنياك أن ينسب الإمـ

ـساك منها إليه والإعطاء

قوله دنياك هنا جيد، أي دنياك يا أخا الدنيا إذ لم يكن هو صلى الله عليه وسلم من طالبي زهرتها.

شمس فضل تحقق الظن فيه

أنه الشمس رفعة والضياء

هذا عاد به إلى قوله قبل «سنا منك دونهم وسناء» وجعله نهاية لهذا الفصل ليخلص منه إلى ما قدمنا ذكره من ترنمه بالمعجزات

فإذا ما ضحا محا نوره الظل

وقد أثبت الظلال الضحاء

فكأن الغمامة استودعته

من أظلت من ظله الدففاء

يقول إن نور النبي صلى الله عليه وسلم يمحو ظله عند ارتفاع النهار والضحاء ارتفاع النهار فكأن الغمامة التي كانت تظله صلى الله عليه وسلم قد جعلت النبي صلى الله عليه وسلم مستودعًا من جانبها عند هذا النور فصار هذا النور ظلًا له كما كانت هي ظلًا له. الهاء في استودعته ضمير يعود على (نوره) في البيت المتقدم. ومن مفعول ثان لقوله استودعته ويريد به النبي صلى الله عليه وسلم والدففاء أي الذين دفوا على أثره من أصحابه من بعده لأنهم بظله صلى الله عليه وسلم قد أظلوا الناس، أبو بكر وعمر وعثمان وعلى الخلفاء الراشدون المهديون من بعده والصحابة الكرام وتابعوهم بإحسان رضي الله عنهم. قال النبهاني الدففاء المراد بهم أصحابه صلى الله عليه وسلم وعلى هذا البيت كلام كثير يراجع في الشروح قلت ما تقدم إن شاء الله فهو الصواب ودففاء جمع دفوف مبالغة من داف بتشديد الفاء من دف يدف.

خفيت عنده الفضائل وانجابت به عن عقولنا الأهواء

أي خفيت فضائل كل شيء بالنسبة إلى فضائله وذهب حب كل شيء بالنسبة إلى حبنا له وسلمت عقولنا بذلك من هوى النفوس أهواءها وذلك للرأي آفة.

أمع الصبح للنجوم تجل

أم مع الشمس للظلام بقاء

معجز القول والفعال كريم الـ

ـخلق والخلق مقسط معطاء

لا تقس بالنبي في الفضل خلقًا

فهو البحر والأنام إضاء

كل فضل في العالمين فمن فضـ

ـل النبي استعاره الفضلاء

ص: 158

لأنه موصوف بالخلق العظيم في القرآن والقرآن في أم الكتاب- على هذا يخرج هذا القول والله أعلم.

شق عن صدره وشق له البدر ومن شرط كل شرط جزاء

ههنا بديع الاستخدام لأن الشرط هو القطع والشق وهو أيضًا في النحو معروف، وكل جرح فله جزاء يكون تعويضًا عنه، فعن شق الصدر تعويض له بملئه علمًا وحلمًا وعن شق البدر ضياءً عمه وعم أمته. ولكل شرط في النحو جزاء والمراد المعنى الأول وهذا الثاني ورى به وتجوز إرادته فيكون قد جاء بكلمة الشرط على معنيين لها وهذا هو الاستخدام، وجعلوا منه عند من قال ذلك قول الله تعالى:{فمن شهد منكم الشهر فليصمه} أي الهلال وعدة أيام الشهر.

ورمى بالحصى فأقصد جيشًا

ما العصا عنده وما الإلقاء

عاد رحمه الله إلى الموازنة وحرب أهل الكتاب. وكما قدمنا ينبغي أن يحمل هذا على ما كان بين المسلمين وخصومهم من عراك البيان والجدل. والعصا عصا موسى عليه السلام والإلقاء إشارة إلى قصته مع السحرة إذ ألقوا ثم ألقى عليه السلام في سورة الأعراف: {وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون} هذا في خبر سيدنا موسى عليه السلام وقد تكرر ذكره في الآيات المحكات وفي سورة الأنفال: {فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ حفنة من حصباء ورمى بها وقال شاهت الوجوه وأمر صحبه أن شدوا فكان النصر وذلك يوم بدر الكبرى.

ودعا للأنام إذ دهمتهم

سنة من محولها شهباء

فاستهلت بالغيث سبعة أيا

م عليهم سحابة وطفاء

الوطفاء التي لها وطف كأهداب الجفون لكثرة مائها وثقلها وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعله الله غيثًا غدقًا طبقًا فكان وإلى هذا المعنى أشار البوصيري بنعته السحابة بأنها وطفاء، وكأن في ذلك إشارة إلى قول أمرئ القيس.

ديمة هطلاء فيها وطف

طبق الأرض تحرى وتدر

وقد جاء البوصيري بتتحرى في البيت التالي:

تتحرى مواضع الرعي والسقي وحيث العطاش توهى السقاء

أي تصب الأسقية وكأنها واهية أفواهها حين يشتد العطش وكذلك يرسل الله

ص: 159

سبحانه وتعالى السحاب مدرارًا حين يشتد المحل ويجار الناس إلى ربهم بالسقيا.

وأتى الناس يشتكون أذاها

ورخاء يؤذي الأنام غلاء

فدعا فانجلى الغمام فقل في

وصف غيث إقلاعه استسقاء

ثم أثرى الثرى فقرت عيون

بقراها وأحييت أحياء

فهذه صورة انتزعها من غمر النيل الأرض وإقلاعه عنها فيعم بذلك الخير ويخضر الريف.

فترى الأرض غبه كسماء

أشرقت في نجومها الظلماء

والذي يحدث في الصحراء عموم النوار مع الخضرة فالصورة التي يصف أشبه بزروع النيل ونواويره إذ هي التي تشبه الظلماء بشدة خضرتها.

تخجل الدر واليواقيت من نو

ر رباها البيضاء والحمراء

وأزهار الصحراء غب المطر أكثر أصناف ألوان، والبياض والحمرة في ألوان نواوير زروع النيل أكثر، وليس بعسير على شاعر تخيل منظر النبات أنى كان، وقد رأى البوصيري جوانب الحجاز ورأى مكة والمدينة فليس ببعيد أن يكون رأى نحو ذلك منها غب مطر. وبيئة الشاعر كما تكون أصلًا لما يقوله، كذلك خياله وتجاربه كل ذلك له بيئة. ومن تجارب الشعراء علمهم بالأشعار ومذاهب القول فيها، ثم إن البوصيري يرتاح عند هذا الفصل إلى تمني رؤيته صلى الله عليه وسلم يجعل ذلك تمهيدًا لموضوع الحج والزيارة فيما بعد ولذكر الجهاد فيما يلي مباشرة.

ليته خصني برؤية وجه

زال عن كل من رآه الشقاء

مسفر يلتقي الكتيبة بسا

ما إذا أسهم الوجوه اللقاء

عرف كعب بن مالك رضي الله عنه عيني رسول الله صلى الله عليه وسلم تزهران تحت المغفر ساعة اشتداد البلاء يوم أحد فبشر المسلمين فأشار إليه الرسول صلى الله عليه وسلم أن ينصت.

جعلت مسجدًا له الأرض فاهتز به للصلاة فيها حراء

يقال له الآن جبل النور وهو من أجمل جبال مكة.

مظهر شجة الجبين على البر

ء كما أظهر الهلال البراء

ص: 160

أي أول الشهر.

ستر الحسن منه بالحسن فأعجب

لجمال له الجمال وقاء

أي صارت شجة الجبين على وجهه الحسن هي نفسها حسنًا.

فهو كالزهر لاح من سجف الأكمام والعود شق عنه اللحاء

هذه الصورة نيلية بلا ريب. ويسمى خروج الكباسة من النخلة شق العود وهو أيضًا موسم إزهار للجروف والبساتين والمزارع.

كاد أن يعشى العيون سنا منه لسر فيه حكته ذكاء

أي حكته الشمس، وقد وصف صلى الله عليه وسلم بإشعاع الوجه والهيبة وصفه بذلك واصفوه من الصحابة رضي الله عنهم.

صانه الحسن والسكينة أن تظـ

ـهر فيه آثارها البأساء

وتخال الوجوه إن قابلته

ألبستها ألوانها الحرباء

لأن وجهه شمس، ولعل هذا البيت فيه مأخذ على استقامة معناه وسلامة لفظه وسبب ذلك أن تلون الحرباء أكثره أنه لا يحمد. غير أن البوصيري كأنه جيء إليه من جهة بيت كعب بن زهير رضي الله عنه:

يومًا يظل به الحرباء مصطخدًا

كأن ضاحيه بالشمس مملول

وكأن البوصيري رحمه الله لم يخل أن أحس ببعض ما في البيت من قلق فالبيت الذي يلي كأنه اعتذار منه بما فيه من تفسير له.

فإذا شمت بشره ونداه

أذهلتك الأنوار والأنواء

فخرج عن صورة الشمس هنا إلى صورة السحاب والبرق والمطر- ثم رجع فرد الكلام إلى قوله من قبل «ليته خصني برؤية وجه» :

أو بتقبيل راحة كان للـ

ـه وبالله أخذها والعطاء

تتقي بأسها الملوك وتحظى

بالغنى من نوالها الفقراء

لا تسل سيل جودها إنما يكـ

ـفيك من وكف سحبها الأنداء

درت الشاة حين مرت عليها

فلها ثروة بها ونماء

نبع الماء أثمر النخل في عا

م بها سبحت بها الحصباء

أحيت المرملين من موت جهد

أعوز القوم فيه زاد وماء

فتغدى بالصاع ألف جياع

وتروى بالصاع ألف ظماء

ص: 161

لا ريب في اتساق عقد هذه الأبيات- وبعض مرد ذلك إلى حسن تتابع الأفعال- درت- مرت- نبع- أثمر- سبحت- أحيت.

ووفى قدر بيضة من نضار

دين سلمان حين حان الوفاء

كان يدعى قنًا فأعتق لما

أينعت من نخيله الأقناء

القن العبد المعرق في العبودية والأقناء جمع قنو بكسر فسكون وهو غصن النخلة المثمر وجمعه أيضًا قنوان كصنو والجمع صنوان وكلتاهما في القرآن قال تعالى: {ومن النخل من طلعها قنوان دانية} [الأنعام] وقال تعالى: {ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد} [الرعد].

أفلا تعذرون سلمان لما

أن عرته من ذكره العرواء

أي ارتجاف الحمى. سلمان الفارسي رضي الله عنه، في الحديث أن بلالًا سابق الحبشة وصهيب سابق الروم وسلمان سابق الفرس ورسول الله صلى الله عليه وسلم سابق العرب.

وأزالت بلمسها كل داء

أكبرته أطبة وإساء

وعيون مرت بها وهي رمد

فأرتها ما لم تر الزرقاء

هي زرقاء اليمامة ومر خبرها.

وأعادت على قتادة عينًا

فهي حتى مماته النجلاء

ثم بعد تعداد هذه المعجزات عاد إلى الوصف وقدم له برد الكلام إلى ما كان تمناه من قبل برؤية وجه، أو بتقبيل راحة

أو بلثم التراب من قدم لا

نت حياء من مسها الصفواء

حظي المسجد الحرام بممشا

ها ولم ينس حظه إيلياء

أي بيت المقدس.

ورمت إذ رمى بها ظلم الليل إلى الله خوفه والرجاء

هذا البيت جيد، وقد جاء بمعناه أتم في بردته الميمية حيث قال:

ظلمت سنة من أحيا الظلام إلى

أن اشتكت قدماه الضر من ورم

وشد من سغب أحشاءه وطوى

تحت الحجارة كشحا مترف الأدم

وراودته الجبال الشم من ذهب

عن نفسه فأراها أيما شمم

وأكدت زهده فيها ضرورته

إن الضرورة لا تعدو على العصم

وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من

لولاه لم تخرج الدنيا من العدم

محمد سيد الكونين والثقليـ

ـن والفريقين من عرب ومن عجم

ص: 162

نبينا الآمر الناهي فلا أحد

أبر في قول لا منه ولا نعم

هو الحبيب الذي ترجى شفاعته

لكل هول من الأهوال مقتحم

وأخذ بعضهم عليه قوله: «لولاه لم تخرج الدنيا من العدم» - ولعمرك إن تحجير الواسع لضلال والمسارعة إلى تخطئة المصيبين من الخطل، وقد بين البوصيري حقيقة مراده بقوله:

هو الحبيب الذي ترجى شفاعته

لكل هول من الأهوال مقتحم

فبرر خروج الدنيا به من العدم وفسره بأمرين بأنه هو الحبيب، وبأنه هو الذي جاء بالدين وبالبشرى ويرجو شفاعته المؤمنون. وقال تعالى جل من قائل:{أو من كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها} فالكفر وظلماته موت وعدم كما ترى. وقال تعالى: {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم} فالعدم موت كما ترى. وقال ابن العلاء:

ليس من مات فاستراح بميت

إنما الميت ميت الأحياء

أضف إلى هذا ما ذكرناه من أن البوصيري عاش في زمان جهاد بين مجاهدين لا في زمان استقرار الخلافة والملك الذي سبق حين كان أصحاب مثل ملكته القوية مقبلين على مدح الملوك وأهل الجاه ويتنافسون على ما عندهم من حطامها ويتقاتلون ولا بآخرة من الوقت كزماننا هذا الذي ضعف فيه أمر البيان والإيمان والجهاد جميعًا فنسأل الله الهداية والتوفيق ونعوذ به من الخذلان وأن تزيغ القلوب.

وقال في ورم قدمي رسول الله صلى الله عليه وسلم من قيام الليل وقيامه مذكور في القرآن:

{إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك} [الآية]:

ورمت إذ رمى بها ظلم الليـ

ـل إلى الله خوفه والرجاء

خوفه فاعل رمى وهذا موضع الجودة. ويجوز أن يكون خوفه مبتدأ خبره شبه الجملة قبله وفاعل رمى ضمير مستتر والأول هو الجيد.

دميت في الوغى لتكسب طيبًا

ما أراقت من الدم الشهداء

تكسب متعد لاثنين ثلاثيًا ورباعيًا ومنه الحديث وتكسب المعدوم أي تكسب من لا مال له مالًا، أي الدم الذي سال منها يعطر به ما أريق من دم الشهداء في سبيل الله.

ص: 163

فهي قطب المحراب والحرب كم دا

رت عليها في طاعة أرحاء

هذا المعنى نفيس، جعل قدمه لقيامه قطبا لرحى المحراب وثم جهاد في طاعة الله، وجعلها لثباته المعروف شأنه حين يفر الناس قطبا لرحى الحرب، وثم جهاد في طاعة الله، فكم دارت على قدمه وهي قطب للحرب وللمحراب من أرحاء طاعة وعبادة وقتال في سبيل الله.

وأراه لو لم يسكن بها قبـ

ـل حراء هاجت بها الدأماء

الدأماء البحر، أي لو لم يسكن حراء بقدميه فسكن لزلزلت الأرض زلزالها، ولهوى الجبل في البحر، وكأن قد نظر رحمه الله إلى قول الشريف.

جبل هوى لو خر في البحر اغتدى

من وقعه متتابع الأزباد

ولقعقعة هذا البيت أبهة تلفت النظر.

عجبًا للكفار زادوا ضلالًا

بالذي للعقول فيه اهتداء

والذي يسألون منه كتاب

منزل قد أتاهم وارتقاء

أو لم يكفهم من الله ذكر

فيه للناس رحمة وشفاء

يشير إلى آيتي الإسراء: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارًا} وقوله تعالى: {أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابًا نقرؤه} [الآية]. أي هم سألوا النبي أن يرقى إلى السماء وأن يأتيهم بكتاب فقد جاءهم الكتاب، وقد جاءهم الارتقاء. «ومنزل» ههنا بالتخفيف لا من أجل الوزن فقط ولكنها قراءة معتمدة قرأ بها في مواضع غير واحد من السبعة ومن العشرة وعليها قراءة أبي عمرو إلا في حرفين في الأنعام {إن الله قادر على أن ينزل آيةً} وفي الحجر {وما ننزله إلا بقدر معلوم} وهي قراءة الجمهور في هذا الموضع وقد ذكر صاحب النشر تفصيل قراءة أبي عمرو وابن كثير ويعقوب وحمزة [النشر 2/ 8/218 - 219] فقول البوصيري منزل بالتخفيف جاء به على القراءتين المكية والبصرية والله أعلم ثم أخذ البوصيري في تفصيل معجزة القرآن والناس في هذا تبع لكعب بن زهير حيث قال رضي الله عنه:

مهلًا هداك الذي أعطاك نافلة الـ

ـقرآن فيها مواعيظ وتفصيل

وقد أبدع البوصيري حيث قال:

أعجز الإنس آية منه والجن فهلا تأتي بها البلغاء

يشير إلى آية البقرة: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا

ص: 164

شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين} مشفوعة بآية الإسراء: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن} [الآية].

كل يوم تهدي إلى سامعيه

معجزات من لفظه القراء

يشير ههنا إلى أن نظم القرآن أي صياغته ذلك معجز.

تتحلى به المسامع والأفـ

ـواه فهو الحلى والحلواء

هو في المسامع أقراط وفي فم القارئ حلوى

رق لفظًا وراق معنى فجاءت

في حلاها وحليها الخنساء

أي الجميلة إذ الغزالة هي الخنساء وتشبه الحسناء بالغزالة، فكأن غادةً حسناء جاءت في زينتها وحلاها. ولم يكرر لأن الحلى بضم الحاء جمع حلية المرأة بكسر أوله والحلى بفتح فسكون كما تكون بمعنى الزينة تكون بمعنى جمال الخلقة وهو المراد هنا. ثم في البيت مع هذا بديع رشيق إذ الخنساء اسم الشاعرة المشهورة ولها صحبة رضي الله عنها ولكنها تعد من شواعر قبل الإسلام إذ رثاؤها لأخويها كان قبل الإسلام منها ومن قومها، وخفاف بن ندبة صاحب راية بني سليم يوم حنين كان مع أخيها معاوية يوم قتل وكان مقتله قبل مقتل صخر. وكانت الخنساء من جميلات النساء وإياها عنى دريد بن الصمة (وقتل يوم حنين كافرًا) حيث قال:

ما أن رأيت ولا سمعت به

كاليوم طالي أينق جرب

متبذلًا تبدو محاسنه

يضع الهناء مواضع النقب

وكان رآها تطلي إبلًا لها جربًا فخطبها ولذلك قصة والعباس بن مرداس الصحابي الشاعر ابنها، رضي الله عنها وعنه وعن خفاف وأسفا على دريد إذ لم يكتب له كما كتب لهم من نعمة الإسلام، وكأنما أصيب بسهم من إعراض الخنساء عنه وهجائها أو تعريضها به.

وأرتنا فيه غوامض فضل

رقة من زلالها وصفاء

إنما تجتلى الوجوه إذا ما

جليت عن مرآتها الأصداء

سور منه أشبهت صورًا منـ

ـا ومثل النظائر النظراء

ص: 165

أي كما صورنا في أحسن تقويم فكذلك سوره. ثم ههنا إشارة إلى أن سورة وصورة لهما جمع متشابه فتقول سور بضم مشبع وصور كذلك وبه فسر {فإذا نفخ في الصور} بعض أهل التفسير. والنظير يشبهه النظير ثم سور القرآن فيها الروح والوحي، كما نحن في صورنا الحياة والروح. والأقاويل التي يتباهى بها الناس والتي رام أهل مكة أن يضاهوا بها القرآن فقد كانت كالتماثيل وليست في التماثيل حياة ولا روح. وأقاويل كل من رام مضاهاتها من بعد كذلك، فلا يخدعنك مظهر بلاغة من بليغ.

والأقاويل عندهم كالتماثيـ

ـل فلا يوهمنك الخطباء

أي لا تتوهم أن لكلامهم روحًا لمجرد تفيهقهم به. ثم ذكر ما فتح الله به على المسلمين من العلوم والتبحر فيها من طريق درس القرآن وجمعه والمحافظة عليه:

كم أبانت آياته من علوم

عن حروف أبان عنها الهجاء

فهي كالحب والنوى أعجب الزر

اع منه سنابل وزكاء

إذ هي الأصل الذي تفرعت منه كل معارف المسلمين ومعارف من أخذوا منهم وقلدوهم من بعد.

في البردة تناول البوصيري هذه المعاني التي ذكرها ههنا من معجزة القرآن تناولًا مختلفًا. وهذا من نادر ما يتفق من الإجادة لشاعر واحد في الغرض الواحد، قال رحمه الله:

دعني ووصفي آيات له ظهرت

ظهور نار القرى ليلًا على علم

فالدر يزداد حسنًا وهو منتظم

وليس ينقص قدرًا غير منتظم

وبراعة البوصيري من محاسنها أنه لا يتملكه القصد إلى النظم السردي التعدادي كما قد يقع لكثيرين آخرين. فهو كما قال هنا يذكر من المعجزات ويترك إذ هي در يزينها نظمها ولا يشينها نثرها.

فما تطاول آمال المديح إلى

ما فيه من كرم الأخلاق والشيم

آيات حق من الرحمن محدثة

قديمة صفة الموصوف بالقدم

قوله محدثة من قوله تعالى: {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون} [الأنبياء] أي هم قريبو عهد بها. وقوله قديمة بعد محدثة بليغ، وذلك أن «محدثة» تدل

ص: 166

على جدة التذكير لهم وقديمة تدل على حقيقة وصفها أنها منزلة من عند الله القديم الأول فهي قديمة وهذا قوله «صفة الموصوف بالقدم» . وهذه عقيدتنا وقول المعتزلة بخلق القرآن من أخطائهم.

لم تقترن بزمان وهي تخبرنا

عن المعاد وعن عاد وعن إرم

فالمعاد وعاد وإرم كل ذلك أزمنة، وقوله لم تقترن بزمان هو حجة أهل الدين على الفلاسفة القائلين بقدم العالم وأنه لم يوجده الخالق من العدم وأتوا من جهة اعتقادهم اتصال الزمان بالخلق والخالق وقد وضح الغزالي رحمه الله في تهافت الفلاسفة أن الزمان شيء نسبي له وجود بالنسبة إلينا وما نفهمه من حركة الفلك وأبعاده. وما أشك أن كلمة النسبي والنسبية خلصت إلى مفهومها العصري من أصل يمت إلى الغزالي، وكم من أمر في العلوم الحديثة ادعى اليهود السبق إليه ومن نقب عسى أن يجد أنهم اغترفوه من بحار العلوم الإسلامية والعجب لبرتراند رسل في كتابه عن تأريخ الفلسفة حيث تنقص الغزالي من دون حق معرفة بقدره. ولم يخل ما قاله. على ما يزعمه لنفسه من التحرر من روح تعصب ديني فتأمل.

دامت لدينا ففاقت كل معجزة

من النبيين إذ جاءت ولم تدم

وقد حصر قوم إعجاز القرآن في نظمه، والقرآن كله معجز وبحره لا غور له. وفيه من قيم العدل والنور المبين ما ليس في شيء غيره.

ما حوربت قط إلا عاد من حرب

أعدى الأعادي إليها ملقي السلم

ردت بلاغتها دعوى معارضها

رد الغيور يد الجاني عن الحرم

أي بقوة وبلا تفتير ردًا رادعًا على الفور.

لها معان كموج البحر في مدد

وفوق جوهره في الحسن والقيم

قرت بها عين قاريها فقلت له

لقد ظفرت بحبل الله فاعتصم

إن تتلها خيفة من حر نار لظى

أطفأت حر لظى من وردها الشبم

ص: 167

أي من مائها ذي البرد المطفئ للحر، ومن شرابها السائغ العذب اللذيذ إذ الماء البارد على العطش وحره من النعيم.

كأنها الحوض تبيض الوجوه به

من العصاة وقد جاءوه كالحمم

أي حين تسود وجوههم من الذنوب ويتردون في النار من عبور السراط ثم تدركهم رحمة المولى فيخرجون من النار ويغمسون في الحوض فالقرآن في هذه الدنيا حوض غاسل لسواد المكروه من المعاصي والذنوب وكآبات العمر.

وكالصراط وكالميزان معدلة

فالقسط من غيرها في الناس لم يقم

قال تعالى: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرًا كبيرًا} .

لا تعجبن لحسود راح ينكرها

تجاهلًا وهو عين الحاذق الفهم

يدلك على ذلك حرص الأوربيين أيام نهضتهم على ترجمة علوم القرآن وقد سبق التنبيه على أن وليم بدويل من مستشرقي الإنجليز في أوائل القرن السابع عشر قد نقل معاني القرآن لقومه (1).

قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد

وينكر الفم طعم الماء من سقم

وهذا من أبيات الحكمة وقد ولده من كلام أبي الطيب- قال:

وإذا خفيت على الغبي فعاذر

ألا تراني مقلة عمياء

وقال: ومن يك ذا فم مر مريض

يجد مرًا به الماء الزلالا

وقال: بذي الغباوة من إنشادها ضرر

كما تضر رياح الورد بالجعل

ونعود بعد إلى أبيات الهمزية-

بعد أن فصل ما فصله عن معجزة القرآن خلص إلى أمر أهل الكتاب. قوله

(1) راجع ترجمته في الأعلام للزركلي.

ص: 168

وإذا البينات لم تغن شيئًا

مهد لذكرهم لأنهم بغوا من بعد ما جاءتهم البينات، ورد ذكر ذلك في القرآن في غير موضع- مثلًا في سورة يونس:{ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم .... } [الآية] وفي سورة الجاثية: {وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيًا بينهم .... } [الآية].

ومهد لذلك بذكر عناد مشركي قريش ومن إليهم- قال:

فهي كالحب والنوى أعجب الز

راع منه سنابل وزكاء

فأطالوا فيه التردد والريـ

ـب فقالوا سحر وقالوا افتراء

وإذا البينات لم تغن شيئًا

فالتماس الهدى بهن عناء

وإذا ضلت العقول على علـ

ـم فاذا تقوله النصحاء

فسر قوله تعالى: {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} بأن المغضوب عليهم اليهود وبأن الضالين النصارى، وقد بدأ بهم الإمام البوصيري ههنا:

قوم عيسى عاملتم قوم موسى

بالذي عاملتكم الحنفاء

ومن ههنا حمى البوصيري بحماسة روح الجهاد.

صدقوا كتبكم وكذبتم كتـ

بهم إن ذا لبئس البواء

لو جحدنا جحودكم لاستوينا

أو للحق بالضلال استواء

ما لكم إخوة الكتاب أناسًا

ليس يرعى للحق منكم إخاء

يحسد الأول الأخير وما زا

ل كذا المحدثون والقدماء

وهذا من أبيات الحكمة، عميق الدلالة.

ثم فرع من هذه الحكمة نظرات ضمنها إشارات علمية وكان رحمه الله غزير العلم حاضر المذاكرة له. وهو في إشاراته من حيث المذهب الفني أشبه بأبي تمام منه بأبي الطيب، لأن الغالب على طريقة أبي الطيب ألا يشير أو يكون خفي الإيماء جدًا فكأنه

ص: 169

لا إيماء فيه مثل قوله:

تخالف الناس حتى لا اتفاق لهم

إلا على شجب والخلف في الشجب

فقيل تخلص نفس المرء سالمة

وقيل تشرك جسم المرء في العطب

ونحو: فإن يكن المهدي من بان هدية

فهذا وإلا فالهدى ذا فما المهدي

وقلما تكون إشارته بارزة نحو قوله:

أشمت الخلف بالشراة عداها

وشفا رب فارس من إياد

وتولى بني اليزيدي بالبصـ

ـرة حتى تمزقوا في البلاد

وإذا كان في الأنابيب طيش

وقع الخلف في رؤوس الصعاد

وإشارات أبي تمام معروفة من مذهبه نحو:

فإذا ابن كافرة يسر بكفره

وجدا كوجد فرزدق بنوار

وإذا تذكره بكى فكأنه

كعب زمان بكى أبا المغوار

واتبعه أبو العلاء وأكثر من ذلك، وأجوده ما في سقط الزند نحو:

وأني تيممت العراق لغير ما

تيممه غيلان عند بلال

ولم يكن غيلان من مشاهير المداحين وإنما كان مفتنًا في تصوير الجمال وفي أساليب الاستعارة والتشبيه وقد مر بعض الحديث عن ذلك وإنما أخذ أبو العلاء من قول حبيب:

ما ربع مية معمورًا يطيف به

غيلان أبهى ربا من ربعها الخرب

وكان لحبيب بغيلان ولع وله منه في مذهبه أخذ كثير.

أشار البوصيري أول شيء إلا أمر ابني آدم عليه السلام ثم إلى أبناء يعقوب عليه السلام:

ص: 170

قد علمتم بظلم قابيل هابيـ

ـل ومظلوم الأخوة الأتقياء

بنقل كسرة الهمزة إلى لام الإخوة ويشير إلى آية المائدة {إنما يتقبل الله من المتقين} .

وسمعتم بكيد أبناء يعقو

ب أخاهم وكلهم صلحاء

إذ ركبوا ما ركبوا من الظلم وهم أحداث وقد هموا بقتل أخيهم فنهاهم كبيرهم فيما رووا في تفسير {قال قائل منهم ..... } [الآية] وعند من ذكر ذلك أنه روبيل. وقد، اعترفوا بالخطأ واستغفر لهم يوسف واستغفر لهم أبوهم عليهم السلام. وأشار بقوله «وسمعتم بكيد إلخ» إلى الآية:{وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون} [سورة يوسف].

حين ألقوه في غيابة جب

ورموه بالإفك وهو براء

ولو قلت في «غيابات» جب لاستقام الوزن وجاء بها البرعي في قوله:

فإن أنست غيابات الفؤاد بهم

فهم أحيباب قلبي يا غيابات

وغيابات قراءة نافع في السورة وقال رموه يعني امرأة العزيز وقومها معها قال تعالى: {ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين} . ويجوز أن يكون نسب الرمي إلى إخوته لأنهم تسببوا فيه بفعلهم إذ ألقوه في غيابة الجب أو الإفك أنهم: {قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل} [يعنون يوسف]{فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانًا والله أعلم بما تصفون} .

فتأسوا بمن مضى إذ ظلمتم

فالتأسي للنفس فيه عزاء

أتراكم وفيتم حين خانوا

أم تراكم أحسنتم إذ أساءوا

أي اعتبروا يأيها الذين أوتوا الكتاب بما تتلون من مواعظه، هل تفعلون كفعل قابيل وقد تعلمون أنه قد ظلم، أم تفعلون كفعل إخوة يوسف وقد تعلمون أنهم قد أساءوا قبل أن يستغفر لهم، فهل ترون أنكم أوفياء وأنكم لم ترتكبوا سوءا؟

بل تمادت على التجاهل آبا

ء تقفت آثارها الأبناء

ص: 171

أي آباؤهم الذين لم يؤمنوا حين دعاهم داعي الهدى للإيمان.

بينته توراتهم والأناجيـ

ـل وهم في جحودهم شركاء

أي اليهود والنصارى يجحدون نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وقد بينته التوراة والأناجيل وما جاء البوصيري بالجمع خطئًا أو وهمًا، فهو يعلم أن خبر عيسى عليه السلام وما وصى به بني إسرائيل مما أوحى الله إليه تعددت رواياته، وقد اعتمد النصارى الملكانيون ومن حولهم أربعة أناجيل هي متى ومرقس ويوحنا ولوقا وأنكروا إنجيل برنابا وفيه أن المسيح لم يصلب وقد أنكرت اليهود الأناجيل كلها ولهم كتاب عن المسيح الذي ينتظرونه ينكره النصارى فتأمل.

إن تقولوا ما بينته فما زا

لت بها عن عيونهم غشواء

أي هذه الإنكارة منهم لا تزول بها الغشاوة التي على أبصارهم.

أو تقولوا قد بينته فما للـ

ـأذن عما تقوله صماء

هذا يقال له في المنطق قياس الإحراج، إذ لا بد من أحد الأمرين. وهم يقولون إن ثم بيان نبي منقذ من عند الله يأتي، قال ذلك أنبياء بني إسرائيل وعيسى عليه السلام، فما قاله موسى عليه السلام ومن بعده وما قاله إبراهيم عليه السلام من قبل تأولوه عيسى وإن كان لا ينطبق عليه، وما قاله عيسى لم يتأولوه محمدًا ولكن التمسوا له وجهًا لا يخرجه عن عودة عيسى، ويأبى رين الأهواء إلا أن تطغى غاشية صدئه فتعمى لها القلوب. وصلى الله على أنبيائه الأبرار فما البشارة التي بشروا بها عن نبينا صلى الله عليه وسلم بباطل.

عرفوه وأنكروه وظلمًا

كتمته الشهادة الشهداء

أو نور الإله تطفئه الأفـ

ـواه وهو الذي به يستضاء

أو لا ينكرون من طحنتهم

برحاها عن أمره الهيجاء

وكساهم ثوب الصغار وقد طلـ

ـت دماء منهم وصينت دماء

أما طحن الهيجاء لهم فما كان من هلاك يهود وإجلائهم وما كان من هزيمة الروم وجلائهم وأما الصغار فما كتب الله عليهم من الجزية. قال تعالى: {قاتلوا الذين لا

ص: 172

يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون}.

كيف يهدي الإله منهم قلوبًا

حشوها من حبيبه البغضاء

وصدق رحمه الله. ثم أخذ في محاجة أهل الكتاب، وسبق أن استشهدنا ببعض ما يلي من قبل.

خبرونا أهل الكتابين من أين أتاكم تثليثكم والبداء

وذلك أن اليهود تزعم أن الله بدا له في كذا وندم على كذا، سبحانه وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا.

ما أتى بالعقيدتين كتاب

واعتقاد لا نص فيه ادعاء

هذا أصل، وهو أن العقائد عن وحي فما قيل واعتقد ولم يكن ورد به نص من وحي أو كتاب منزل فهو دعوى باطل.

والدعاوي ما لم تقيموا عليها

بينات أبناؤها أدعياء

ليت شعري ذكر الثلاثة والوا

حد نقص في عدكم أم نماء

أي أنقص أم نماء، حذف الهمزة لظهور المعنى وعليه قول ابن أبي ربيعة:

ثم قالوا تحبها قلت بهرًا

عدد النجم والحصى والتراب

وزعم بعضهم أن عدد النجم ليس بكثير إنما هو بضعة آلاف. ولعمري لو قد قال ألفا مكان بهرًا لكان عددًا كثيرًا.

كيف وحدتمو إلهًا نفى التوحيد عنه الآباء والأبناء

والحجة قائمة بالرغم من قولهم ثلاثة في واحد. وزعم ابن عربي في بعض ما زعم أن أول العدد الثلاثة فأوشك رحمه الله أن يزل. أتي من المقدمة الخامسة في كتاب

ص: 173

الشهرستاني وقد أحجم الناس عن شرحها. والذي فيها خلاصته أن الأعداد أجناس وتبويب للأمور لا حقائق في ذواتها ويؤيد ما ذهب إليه أشياء في معادلات الرياضيات لا يمكن تأويلها إلا على هذا الوجه. وفي كتاب الشهرستاني في المقدمة المذكورة وفي ترجمة إبراهيم النظام أشياء من باب الرياضيات وعلوم الآليات مذهلة وتفصيل شرحها واجب وعسى أن تكون فيه غير ما ذكرنا مواضع يوقف عندها عدد.

أإله مركب ما سمعنا

بإله لذاته أجزاء

الأب والابن والروح القدس وأضيف إلى هؤلاء بآخرة الأم العذراء، وفي الطبعة الأولى للقاموس المنجد في شرح العذراء أنها أم الإله المتجسد فتأمل.

ألكم منهم نصيب من الملـ

ـك فهلا تميز الأنصباء

أتراهم لحاجة واضطرار

خلطوها وما بغى الخلطاء

في هذين البيتين مع الإشارة القرآنية- إذ يشير إلى قوله تعالى: {وإن كثيرًا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم} .- مع ذلك أنفاس من بيئة حياة الريف المصري فإن الطين يورث ويختصم عليه وفيه قضايا الإفراز التي بغيرها يطول اشتباه الأمور وتضيع الحقوق للغالب من بغي الخلطاء بعضهم على بعض.

أهو الراكب الحمار فيا عجـ

ـز إله يمسه الإعياء

إذ لو صح أنه إله لبطل أن يمسه تعب وأن يحتاج إلى ركوب الحمار، ولا يمكن أن يعتذر لذلك أو يفسر بأنه على وجه الهداية، إذ لما أراد الله أن يتجلى بألوهيته للبشر نزل بينهم في صورة بشر، إذ هو قادر سبحانه على أن يرسل إليهم بشرًا رسولا. ثم أن يحمل الحمار إلهًا مشكل، إلا أن نزعم حلول الإله في الحمار تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. وبهذا حجة البوصيري:

أم جميع على الحمار لقد جل حمار بجمعهم مشاء

ص: 174

أي الثلاثة.

أم سواهم هو الإله فيها نسبة عيسى إليه والانتماء

أي أنه لا بد من تقدير إله مدبر غير عيسى والثالوث الذي معه، إذ من كان إله الكون ومدبره في اللحظة التي مات فيها يسوع وهذا اسم عيسى عندهم؟ إذن لا بد أنه للكون إله دبره في تلك اللحظة. وإذ هو غير يسوع، فما نسبة يسوع وما انتماؤه إليه؟ براءة لسيدنا عيسى عليه السلام مما يصفونه به، قال تعالى:{وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق} .

وقد جاء البوصيري بالحجة التي أدلى بها ههنا بتفصيل وتوضيح أكثر في لاميته المنصوبة من الكامل التي أولها:

جاء المسيح من الإله رسولا

فأبي أقل العالمين عقولا

وسنذكر منها بعد يسير إن شاء الله؛ ثم يقول البوصيري رحمه الله:

أم أردتم بها الصفات فلم خصـ

ـصت ثلاث بوصفه وثناء

أم هو ابن لله ما شاركته

في معاني البنوة الأنبياء

أي هذا التثليث لا يمكن التعبير عنه بأنه صفات إذ صفات الله عز وجل أكثر من ذلك وليست هي بذاته فيضاف إليها ما أضفتم من معاني التركيب والحلول. ومن حمل البنوة على معنى المجاز لزمه أن يعمم فيجعل كل الناس بنين لله سبحانه وتعالى، فالزعم بمجازية منفردة مخصصة به وحده باطل.

قتلته اليهود فيما زعمتم

ولأمواتكم به إحياء

هذا ما وضحه أبو الطيب حيث قال:

ويستنصران الذي يعبدان

وعندهما أنه قد صلب

ليدفع ما نابه عنهما

فيا للرجال لهذا العجب

ص: 175

وأخذه المعري فقال:

وقد زعم النصارى أن عيسى

توخته اليهود ليصلبوه

وما أبهوا وقد جعلوه ربًا

لكيلا ينقصوه ويجدبوه

أي وما فطنوا ليتجنبوا نسبته إلى ما يعيبه وينقص من قدره بهذا الذي زعموه من قتله وصلبه. وفي الطبعة المصورة حديثًا من اللزوميات:

وقد أبهوا وقد جعلوه ربًا

لكيلا ينقصوه ويجدبوه

وهذا تحريف كأن الذي دسه أراد أن يبرر به عقيدة النصارى، وليس هذا التغيير بمغير في المعنى من شيء إذ يصير المعنى عليه وقد فطنوا ليجنبوه العيب والنقص بالذي نسبوه إليه من القتل والصلب فجعلوه ربًا، كأن دعوى الربوبية تستر هذا العيب وليست بساترته. فتأمل.

قتلته اليهود فيما زعمتم

ولأمواتكم به إحياء

إن قولًا أطلقتموه على اللـ

ـه تعالى ذكرًا لقول هراء

وهذا فصل ختم به الهجوم على النصارى ثم أخذ في مناقشة اليهود.

مثل ما قالت اليهود وكل

لزمته مقالة شنعاء

إذ هم استقرئوا البداء وكم سا

ق وبالًا إليهم استقراء

وأراهم لم يجعلوا الواحد القهـ

ـهار في الخلق فاعلًا ما يشاء

مثلًا في الأصحاح السادس من سفر التكوين من عند أوله كما في الترجمة التي أصدرتها دار الكتاب المقدس طبعة كوريا سنة 1976 ص 10 - 11: «وحدث لما ابتدأ الناس يكثرون على الأرض وولد لهم بنات، أن أبناء الله رأوا بنات الناس أنهن حسنات. فاتخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا. فقال الرب لا يدين روحي في الإنسان إلى الأبد لزيغانه هو بشر وتكون أيامه مئة وعشرين سنة. كان في الأرض طغاة في تلك الأيام وبعد ذلك أيضًا إذ دخل بنو الله على بنات الناس وولدن لهم أولادًا. هؤلاء هم الجبابرة الذين منذ الدهر ذوو اسم.

ورأى الرب أن شر الإنسان قد كثر في الأرض وأن كل تصور أفكار قلبه إنما هو شرير كل يوم. فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض وأسف في قلبه. فقال الرب أمحو عن

ص: 176

وجه الأرض الإنسان الذي خلقته. الإنسان مع بهائم ودبابات وطيور السماء، لأني حزنت أني عملتهم. وأما نوح فوجد نعمة في عيني الرب».

والشاهد أن لله بنين كآلهة اليونان الوثنيين. وأنه كان في الأرض طغاة كما يبدو ليسوا في طاعة الله ولعلهم بل هو الظاهر أنهم ليسوا من خلقه. ثم حزن الله وندمه لأنه عمل الإنسان- فهذا أمر بدائي وثنى كما ترى.

جوزوا النسخ مثلما جوزوا

المسخ عليهم لو أنهم فقهاء

هو إلا أن يرفع الحكم بالحكـ

ـم وخلق فيه وأمر سواء

ولحكم من الزمان انتهاء

ولحكم من الزمان ابتداء

فسلوهم أكان في مسخهم نسـ

ـخ لآيات الله أم إنشاء

أي إذ رووا جواز المسخ كمسخ الحية فمشت على بطنها بعد أن «كانت أجمل حيوانات البرية التي عملها الرب» [الإصحاح? ]- فإذا كان المسخ جائزًا فإن النسخ جائز وهم ينكرون علينا النسخ وما النسخ إلا رفع حكم بحكم آخر. فهو نسخ أمر بأمر آخر من تصريف الله. كما أن المسخ رفع هيئة وخلق بخلق آخر. سلوهم هل المسخ الذي أوقعه الله تعالى أهو نسخ لآيات الله التي سبقت بصنعه ما صنع أم إنشاء جديد أنشأه؟ أيما القولين قالوه ألزموا به قبول النسخ. قوله هو إلا أي هو سواء إلا إلخ كما مر التفصيل.

أو ما حرم الإله نكاح الـ

أخت بعد التحليل فهو الزناء

أي إن كان الذي سبق من نكاح الأخوات على عهد آدم ومن بعد قبل التحريم حلالًا فالتحريم نسخ وإن لم يكن حلالًا فقد كان زناءً وهذا محال إلا أن يقوله زنديق، وينسب إلى المعري، وما أشبه أن يكون افتراءً عليه؛ أنه قال فيما قاله من شعر «وإن جميع الناس من طينة الزنا» .

لا تكذب إن اليهود وقد زا

غوا عن الحق معشر لؤماء

قوله: وقد زاغوا عن الحق يعني نقضهم ميثاقهم، وجهلاء اليهود يحسبون أن الأمر عنصرية أو قبلية وأن الله كأنه رأس قبيلتهم، وكلام أنبيائهم يدل على خلاف هذا، لأن الله معهم ما داموا على الميثاق. قال تعالى:{فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم} . وقال تعالى: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} .

ص: 177

جحدوا المصطفى وآمن بالطا

غوت قوم هم عندهم شرفاء

وذلك أن حيي بن أخطب وصحبه فضلوا لقريش شركهم على الإسلام والتوحيد «ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل» - قال تعالى: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً} .

قتلوا الأنبياء واتخذوا العجـ

ـل ألا إنهم هم السفهاء

انظر إلى الاقتباس القرآني ويسره.

وسفيه من ساءه المن والسلـ

ـوى وأرضاه الفوم والقثاء

نهج البوصيري نهج الحارث في الخصومة وإحكام الجدل، إلا أنه لم يجعله كسلم يصعد على درجه إلى ما يقول، أو مغترفًا يأخذ منه باحتيال وتوليد. بل على اقتدائه بمنهج الحارث الجدلي خالفه في أمر هام، وهو أنه آثر الهجوم على الدفاع. وقد أخذ الجاحظ على الحارث فرط دفاعه حتى كأن قومه لا ينتصفون من تغلب. وما أرى إلا أن الحارث تعمد هذا ليكون الملك إلى جانب قومه، وهذا أدخل في باب الدهاء، ولئن صح خبر قتل عمرو بن كلثوم عمرو بن هند، فإن الحارث يكون قد انتصف لقومه في مجال السياسة والكيد بالذي قاله. وقد كانت بكر هي التي أجارت آل ملك الحيرة وانتصفت من فارس في يوم ذي قار وإنما آثر البوصيري منهج الهجوم ونفسه لأن ذلك كان أشبه بموقف فروسيته البيانية المجاهدة.

في البردة سلك نهجًا غنائيًا في نقد النصارى وفي تفضيل الإسلام والتنويه بفضل رسول الله صلى الله عليه وسلم والمنهج الذي في الهمزية خطابي محتدم. والغناء بعد لا ينفصم عن الشعر لما فيه من الإيقاع وهذا أمر قد قدمنا ذكره، كما قد سبق الاستشهاد بجانب من أبيات البردة المشار إليها هنا وهي قوله رحمه الله:

محمد سيد الكونين والثقليـ

ـن والفريقين من عرب ومن عجم

نبينا الآمر الناهي فلا أحدً

أبر في قول لا منه ولا نعم

هو الحبيب الذي ترجي شفاعته

لكل هول من الأهوال مقتحم

دعا إلى الله فالمستمسكون به

مستمسكون بحبل غير منفصم

كان أهل الاعتقاد في بركة البردة المباركة لا يشكون أنك إذا أنشدت هذا البيت ثلاثًا وأنت تريد عبور النيل، لم يفتك المركب ولو في أيام الفيضان.

ص: 178

فاق النبيين في خلق وفي خلق

ولم يدانوه في علم وفي كرم

وكلهم من رسول الله ملتمس

غرفًا من البحر أو رشفًا من الديم

اللفظ هنا رشيق لمزاوجته قوله «غرفًا من البحر» بقوله «رشفًا من الديم» ، والغرف يناسب البحر وأهل النيل يعرفون ذلك والرشف يناسب الديم عقلًا ولكن قل من يعترض المزن يرشف من قطراته- على أن المعنى الذي رامه الشاعر من المناسبة والعموم حسن، وليس الرشف من الديم بأبعد من قول ذي الرمة:

فيها الضفادع والحيتان تصطخب

ومن قول زهير:

على الجذوع يخفن الغم والغرقا

عند من أخذ عليهما ذلك ولا نقول به.

وواقفون لديه عند حدهم

من نقطة العلم أو من شكله الحكم

لا يخفى حسن الاستخدام في النقطة والشكلة.

فهو الذي تم معناه وصورته

ثم اصطفاه حبيبًا بارئ النسم

بنى البوصيري هذا التفضيل على ما تقدم ذكره من قبل من حديث الشفاعة يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وعلى ما وعده الله عز وجل {مقامًا محمودًا} وعلى حديث ابن حنبل رضي الله عنه المروي بسنده إلى عرباض رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

منزه عن شريك في محاسنه

فجوهر الحسن فيه غير منقسم

إذ هو حسن خلق وخلق.

دع ما ادعته النصارى في نبيهم

واحكم بما شئت مدحًا فيه واحتكم

لما قال منزه عن شريك خشي أن يظن به الغلو غير الحق وإنما عنى شركة الأشباه والنظائر من البشر مثله، فدفع كل شبهة بقوله «دع ما ادعته النصارى» ، ومع أن ههنا خفي جدل وخصومة لمذهب النصارى بقوله دع إلخ، فيه مع ذلك انصراف إلى التغني والإعراض عن قصد المجادلة، أيضًا ذلك يستفاد من قوله: دع إلخ كما يستفاد منه نفى كل شبهة أو إشعار بتأليه وقدسية فوق ما ينبغي أن يكون للبشر.

وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف

وانسب إلى قدره ما شئت من عظم

فإن فضل رسول الله ليس له

حد فيعرب عنه ناطق بفم

ص: 179

لو ناسبت قدره آياته عظمًا

أحيا اسمه حين يدعى دارس الرمم

لا ريب أن آياته ناسبت قدره، وحسبنا معجزة القرآن إلا أن المعنى الذي قصد إليه حسن، إذ يلمح فيه معنى أنه لا ينبغي أن يعد إحياء الموتى درجة ميز بها غيره عليه صلى الله عليه وسلم. أما زعمنا المناسبة فإن معجزة كل نبي، والله أعلم حيث يجعل رسالاته، تشابه ما برز فيه أهل زمانه، فموسى عليه السلام قهر أهل السحر وعيسى عليه السلام أعجز الأطباء وكان أهل زمانه برعوا في الطب ومحمد صلى الله عليه وسلم أرسل إلى البلغاء اللد فبهرهم وقهرهم. على أن مراد البوصيري أن مناسبة معجزاته كانت على أقدار من أرسل إليهم وقدره صلى الله عليه وسلم فوق كل مقدار. والله تعالى أعلم.

أعيا الورى فهم معناه فليس يرى

في القرب والبعد منه غير منفحم

كالشمس تظهر للعينين من بعد

صغيرة وتكل الطرف من أمم

أي من قرب.

وكيف يدرك في الدنيا حقيقته

قوم نيام تسلوا عنه بالحلم

هل أراد رحمه الله بهذا قول من كانوا يذكرون رؤيته صلى الله عليه وسلم ويباهون بها على طريق التصوف؟

المعنى أن حقيقة الرسول صلى الله عليه وسلم في خلقه العظيم ومقامه الجسيم وما خبأ الله له من الشفاعة وما أعطاه في أم الكتاب من المجد وما أشرب القلوب من محبته وألزم أهل اليقين من التزام شرعه وصدق الإيمان بما أنزل إليه -فهذا لا بد معه من التقوى والعلم الذي يعلمه الله بها من يتقيه، وذلك لا يدرك في منام ولا بأحلام- على أن الرؤيا الصادقة جزءً من أربعين جزءًا من النبوة، وليست الرؤيا الصادقة من باب محض أحلام المنام، فأحسب أن هذا قد يدخل في مراده رحمه الله، والله أعلم.

فمبلغ العلم فيه أنه بشر

وأنه خير خلق الله كلهم

هذا بيت القصيد، ومحتو على حجة على القائلين بألوهية عيسى عليه السلام وبأن عزيرًا ابن الله تعالى الله عن ذلك. ثم أخذ رحمه الله من بعد في رجعة إلى معنى الشفاعة والمقام المحمود ثم إلى تغن خالص محض عذب.

وكل آي أتى الرسل الكرام بها

فإنما اتصلت من نوره بهم

هذا في معنى البشارة ويلابسه معنى عالم الذر وما سطر في أم الكتاب.

فإنه شمس فضل هم كواكبها

يظهرن أنوارها للناس في الظلم

ص: 180

هل أراد رحمه الله بهذا قول من كانوا يذكرون رؤيته صلى الله عليه وسلم ويباهون بها على طريق التصوف؟

المعنى أن حقيقة الرسول صلى الله عليه وسلم في خلقه العظيم ومقامه الجسيم وما خبأ الله له من الشفاعة وما أعطاه في أم الكتاب من المجد وما أشرب القلوب من محبته وألزم أهل اليقين من التزام شرعه وصدق الإيمان بما أنزل إليه -فهذا لا بد معه من التقوى والعلم الذي يعلمه الله بها من يتقيه، وذلك لا يدرك في منام ولا بأحلام- على أن الرؤيا الصادقة جزءً من أربعين جزءًا من النبوة، وليست الرؤيا الصادقة من باب محض أحلام المنام، فأحسب أن هذا قد يدخل في مراده رحمه الله، والله أعلم.

فمبلغ العلم فيه أنه بشر

وأنه خير خلق الله كلهم

هذا بيت القصيد، ومحتو على حجة على القائلين بألوهية عيسى عليه السلام وبأن عزيرًا ابن الله تعالى الله عن ذلك. ثم أخذ رحمه الله من بعد في رجعة إلى معنى الشفاعة والمقام المحمود ثم إلى تغن خالص محض عذب.

وكل آي أتى الرسل الكرام بها

فإنما اتصلت من نوره بهم

هذا في معنى البشارة ويلابسه معنى عالم الذر وما سطر في أم الكتاب.

فإنه شمس فضل هم كواكبها

يظهرن أنوارها للناس في الظلم

كان المسلمون يعلمون من أمر الهيئة كثيرًا وعنه أخذ الآخذون ممن يدعي لهم السبق في هذا المجال مثال كوبر نكس البولندي.

أكرم بخلق نبي زانه خلق

بالحسن مشتمل بالبشر متسم

كالزهر في ترف والبدر في شرف

والبحر في كرم والدهر في همم

وهذا التقسيم جيد، إلا أن قوله والدهر في همم دون الأقسام الثلاثة التي قبله وأتى فيه والله أعلم من جهة النظر إلى أبي الطيب في نحو قوله:

تجمعت في فؤاده همم

ملء فؤاد الزمان إحداها

فعلى هذا المعنى يمكن توجيه قوله. والزهر المترف والبدر ذو الشرف والبحر الغيداق كل أولئك من طبيعة النيل، ولك أن تقول فالدهر اختلاف الفتيين (أي الليل والنهار) وذلك أيضًا من طبيعة النيل لعل الذي جاء به هو الوجه الجيد، ووجوه القول أحيانًا مما تشتبه وتلتبس ومهما يكن فهذا التقسيم المليح خاتمة حسنة لهذا الفصل من

ص: 181

قوله فانتقل منه إلى وصف مجلسه عليه الصلاة والسلام ثم حديثه ثم ذكر قبره الشريف فجعل وفاته صلى الله عليه وسلم مدخلًا لذكر مولده وما كان معه من معجزات وإرهاصات.

كأنه وهو فرد في جلالته

في عسكر حين تلقاه وفي حشم

كأنما اللؤلؤ المكنون في صدف

من معدني منطق منه ومبتسم

لا طيب يعدل تربًا ضم أعظمه

طوبى لمنتشق منه وملتثم

وإنما أوردنا أبيات البردة هذه بمعرض الحديث عن أسلوبه في الجدل، ولا تتم لنا صورة واضحة عن مقدرة البوصيري في هذا الباب إن لم نشر ولو قليلًا إلى لاميته.

جاء المسيح من الإله رسولا

فأبى أقل العالمين عقولا

وهي من روائع هذا الحرف، ينبغي أن يجعل لها مكان مع:

ما بال دفك بالفراش مذيلا

ومع: في الخد أن عزم الخليط رحيلا

وفيها مع الرصانة التي وهبها الله البوصيري رحمه الله نفسه الطويل من غير ضعف أو إسفاف، وذلك أمر قصر عنه مقدرة علي بن العباس على رسوخ قدمه في البلاغة ولم يتهيأ إلا قليلًا لابن دراج وبعض فحول أندلس. وأبياتها نيف وتسعون ومائتان. ولنا إلى أمر هذا الطول عودة إن شاء الله. وإذ نحن بصدد الحديث عن البوصيري ومكانه بين مداح الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يتسع مكان هذا الفصل من هذا الكتاب لإيفاء الحديث عنه، فعسى أن يحسن ذكر شيء منها، هو من باب ما تقدم من أمر احتجاجه للإسلام ودفعه دعاوى أهل الكتاب خاصة وأهل الكفر عامة.

وقد ألف بعض فضلاء العصر من مسلمي الهند وباكستان وغيرهما ومن مسلمي العرب فصولًا حسنة في هذا المعنى. ولعله لو انتبه منهم منتبه إلى هذه القصيدة أن يجد فيها كنوزًا وروائع. ولا بد لإنصافها من إيرادها كلها مع الإشارات والشروح الوافية وذلك ما لا نستطيعه في هذا الموضع. ولم تشتهر هذه القصيدة اشتهار البردة والهمزية لما تضمنته من علوم أهل الكتاب، فكان بعض العلماء ربما نفروا من ذلك لما عندهم من أن كتب أهل الكتب شاملها التحريف وأن ينقبض عنها المسلم أفضل. والذي مضى عليه الإمام شرف الدين أدخل في باب البحث والتحقيق. وما أشك أن من تناولوا الموضوعات التي طرقها من مستشرقي أهل الكتاب ومن إليهم لم يخلوا من قصد الرد عليه ومن حاق الانتفاع بما أورده. وفضلاء المسلمين وعلماؤهم أولى بأن يغترفوا من

ص: 182

هذا البحر الخضم العجاج. ونكتفي في هذا الموضع بإيراد أمثلة من منهج هذه القصيدة ومحاسن أدائها ومعارفها ثم نعود بعد إلى ما كنا فيه من أبيات الهمزية إن شاء الله تعالي:

بدأها بمجاهرة النصارى بالخصومة، وقد سبق التنبيه على أن ذلك كان زمان حروب الصليب فمما نختاره مما قال في ذلك من عند أولها:

جاء المسيح من الإله رسولا

فأبى أقل العالمين عقولا

قوم رأوا بشرًا كريمًا فادعوا

من جهلهم لله فيه حلولا

أسمعتم أن الإله لحاجة

يتناول المشروب والمأكولا

ويمسه الألم الذي لم يستطع

صرفًا له عنه ولا تحويلا

يا ليت شعري حين مات بزعمهم

من كان بالتدبير عنه كفيلا

إن قالوا دبره أبوه فقد جزئوا الإله وقالوا بألوهية غيره.

هل كان هذا الكون دبر نفسه

من بعده أم آثر التعطيلا

التعطيل هو عدم الإله وهو مذهب الملاحدة.

شهد الزبور بحفظه ونجاته

أفتجعلون دليله مدخولا

أيكون من حفظ الإله مضيعًا

أو من أشيد بنصره مخذولا

ومضى بحمل صليبه مستسلمًا

للموت مكتوف اليدين ذليلا

يشير بقوله «أيكون من حفظ الإله مضيعًا» إلى مزامير داود فمنها (18) رقم 50 «الصانع رحمة لمسيحه لداود ونسله إلى الأبد» في النص الإنجليزي نص نسخة الملك جيمز and showeth mercy to his anointed

ففسروا المسيح من مسح الملك بالزيت وكان المسيح عليه السلام من نسل داود والمسيح في النص المتقدم هو داود نفسه عليه السلام وفي 20 رقم 6: «الآن عرفت أن الرب مخلص مسيحه يستجيبه من سماء قدسه بجبروت خلاص يمينه هؤلاء بالمركبات وهؤلاء بالخيل أما نحن فاسم الرب إلهنا نذكر» . ومعنى المسيح كما في الطبري الممسوح بالدهن، هذا من بعض ما فسروا به المسيح في آيات القرآن. أيضًا في النص الإنجليزي وهو أدق وأقدم من الترجمة المتقدمة

Now know that the Lord anointed; he will hear him from his holy heaven with the saving strength of his right hand. Some trust in

ص: 183

chariots، and some in horses: but remember the name of the Lord our God.

ضل النصارى في المسيح واقسموا

لا يهتدون إلى الرشاد سبيلا

ثم اليهود يقول فيهم:

والعابدون العجل قد فتنوا به

ودوا اتخاذ المرسلين عجولا

فإذا أتت بشرى إليهم كذبوا

بهوى النفوس وقتلوا تقتيلا

أبناء حيات ألم تر أنهم

يجدون ترياق السموم قتولا

وترياق سم الكفر هو الإسلام وهو القرآن وقد أبوه إباء. وقوله أبناء حيات من كلمات سيدنا يحيى عليه السلام. والنص الذي اطلع عليه البوصيري من الإنجيل أجود عربية من النص العصري وفي هذا في إنجيل متى 3 رقم 7 والقصة عن يوحنا المعمدان وهو سيدنا يحيى صلوات الله عليه «فلما رأى كثيرين من الفريسيين والصدوقيين يأتون إلى معموديته قال لهم يا أولاد الأفاعي من أراكم أن تهربوا من الغضب الآتي» . وفي نص إنجيل الملك جيمز

But when he saw many of the Pharisees and Sadducees come to his baptism، he said unto them، O generation of vipers، who hath warned you to flee from the wrath to come?

وقوله أبناء حيات سب لهم لما سبق من فساد الحية ولا تلد الحية إلا حية في معنى الشر والسموم. ورهط الفريسيين والصدوقيين من متحذلقي يهود بمظهر العبادة وقد شحنوا نفاقًا.

وكفاهمو أن مثلوا معبودهم

سبحانه بعباده تمثيلا

ثم أخذ يضرب الأمثلة لذلك كما ضرب الأمثلة من قبل في أمر النصارى، وقد أوردنا نماذج من قوله وهو أكثر تفصيلًا وأشمل وأدل على تبحر وعظيم اطلاع:

وبأنهم دخلوا له في قبة

إذ أزمعوا نحو الشام رحيلا

يشير إلى سفر الخروج 33 رقم 7 «وأخذ موسى الخيمة ونصبها له خارج المحلة ودعاها خيمة الاجتماع» - الضمير له يعود على الخالق سبحانه وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا والعرب تسمى الخيمة قبة- قال النابغة:

أصم أم يسمع رب القبة

يا أوهب الناس لعنس صلبة

ضرابة بالمشفر الأذبة

ص: 184

يشير بهذا إلى اسمه إسرائيل أنه من صراعه إيل وهذا الذي صنع فيه المثال ابستين تمثاله الذي سماه يعقوب والملاك Jacob and the Angel وفي التكوين 32 رقم 24 إلى 29: «فبقي يعقوب وحده وصارعه إنسان حتى طلوع الفجر ولما رأى أنه لا يقدر عليه ضرب حق فخذه فانخلع حق فخذ يعقوب في مصارعته معه وقال أطلقني لأنه قد طلع الفجر فقال لا أطلقك إن لم تباركني فقال له ما اسمك فقال يعقوب، فقال لا يدعى اسمك في ما بعد يعقوب بل إسرائيل لأنك جاهدت مع الله وقدرت. وسأل يعقوب وقال أخبرني باسمك فقال لماذا تسأل عن اسمي وباركه هناك. فدعا يعقوب اسم المكان فنئيل قائلًا لأني نظرت الله وجهًا لوجه ونجيت نفسي. وأشرقت له الشمس إذ عبر فنوئيل وهو يخمع على فخذه إلخ» والشاهد قول الخبر: «لأنك جاهدت مع الله وقدرت» وهذا في الترجمة أغمض مما ذكر البوصيري أنه صارع ربه ورمى به، والذي جاء به البوصيري هو عينه الذي في النص الإنجليزي- رقم 28.

And he said، thy name shall be called no more Jacob، but Israel: for as a prince hast thou power with God and with men، and hast prevailed.

أي من حيث كونك أميرًا لك قوة مع الله ومع الناس- أي تقوى على الناس وكذلك تقوى على الله وهذا شرح للرمز أن الذي صارعه يمثل الإله والبشر معًا وقوله hast prevailed أي تغلبت وهذا هو المعنى الذي جاء به البوصيري.

والذي يدل على أن الذي صارعه هو ربه قوله فدعا يعقوب المكان فنئيل- أي وجه الله.

وبأنه من أجل آدم وابنه

ضرب اليدين ندامة وذهولا

وبدا له نوم نوح وانثنى

أسفًا يعض بنانه مذهولا

وقد مر الحديث في البداء- ثم ذكر بعض ما حرفه اليهود على أنبيائهم:

لم ينتهوا عن قذف داؤد ولا

لوط فكيف بقذفهم روبيلا

إذ زعموا أن داود أرسل زوج الجميلة الميدان القتال حتى قتل وكان خالفه إلى زوجته وهي عندهم أم سليمان وأن سليمان هكذا لغير رشدة (صموئيل الثاني 11 - وكان في وقت المساء أن داود قام عن سريره وتمشى على سطح بين الملك فرأى من على السطح امرأة تستحم وكانت المرأة جميلة المنظر جدًا فأرسل داود وسأل عن المرأة فقال واحد أليست هذه بثشيع بنت ألبعام امرأة أوريا الحثى فأرسل داود رسلًا وأخذها فدخلت إليه فاضطجع معها وهي مطهرة من طمثها ثم رجعت إلى بيتها وحبلت المرأة ..... ».

ص: 185

وتمضي القصة فيرسل داود زوج المرأة في وجه الحرب الشديدة حتى مات وكان هذا قصده فتأمل (انظر ص 466 - 469) من رقم 2 إلى رقم 17.

وأما قذفهم لوطًا فزعمهم أنه أحبل بنتيه وهو ثمل، أحبل الكبرى ثم أحبل الصغرى وذلك أنهما ائتمرتا وخافتا أن ينقطع نسل أبيهما وذلك بعد هلاك قوم لوط وخراب دورهم- «التكوين 19 رقم 31 - 32 - 33 - 34 - 35 - 36 - 37 - 38 وهو آخر الإصحاح التاسع عشر- من ذلك فسقتا أباهما خمرًا في تلك الليلة ودخلت البكر واضطجعت مع أبيها ..... إلى قوله ..... وقامت الصغيرة واضطجعت معه إلخ» وأما قذف روبيل وهو كبير أبناء يعقوب عليه السلام فزعموا أنه فسق بسرية أبيه وهي له أي لأبيه أم ولد ولدت له دانا ونفتالي وكانت قد وهبتها له فيما زعموا راحيل لما ولدت أختها ليا ولم تلد هي (تكوين- 30 (الثلاثون رقم 4 إلى 8). هذا وخبر بلهة وقذف روبيل في الخامس والثلاثين من التكوين رقم 22 حيث قال وحدث إذ كان إسرائيل ساكنًا في تلك الأرض أن رأوبين ذهب واضطجع مع بلهة سرية أبيه وسمع إسرائيل. ولولا أن البوصيري أشار إلى هذا القذف لنزهنا الطرس عنه إذ هذا من الذي لا يجوز ذكره في حق الأنبياء عليهم السلام وهو مما حرف به القوم كتابهم فخلطوا أساطير الأولين بأنباء من لا شك فيهم أنهم أولو عصمة.

وليا وراحيل ابنتا لابان تزوجهما يعقوب، عندهم أنه تزوج ليا أولًا ولم تكن حسنة وكان يحب راحيل فخدعه أبوها ثم تزوج عليها راحيل وهي أم سيدنا يوسف عليه السلام فيوسف وروبيل ابنا خالة. وزعموا أن راحيل كانت عقيمًا حتى ولدت أختها ليا أربعة أبطن وهي عقيم وجاريتها بلهة بطنين وهي عقيم والذي ذكره الزمخشري أن يعقوب عليه السلام صارت إليه راحيل بعد موت ليا وهذا أشبه بسياق القصة وبحق نبي الله يعقوب وبنيه عليهم السلام وقد أشار البوصيري إلى هذا الخلط والتحريف في قوله:

لووا بغير الحق ألسنة بما

قالوه في ليا وفي راحيلا

وجنوا على هارون بالعجل الذي

نسبوا له تصويره تضليلا

وعندنا أن صاحب العجل هو السامري وعندهم أن هرون جمع حليهم وقذفها في النار فأخرج لهم عجلًا جسدًا له خوار أو كما قالوا- انظر الإصحاح الثاني والثلاثين من سفر الخروج Exodus من 1 إلى 6 فما بعد، ومن ذلك (رقم 3 - ص 140)«فنزع كل الشعب أقراط الذهب التي في آذانهم وأتوا إلى هارون فأخذ ذلك من أيديهم وصوره بالإزميل وصنعه عجلًا مسبوكًا فقالوا هذه آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من أرض مصر إلخ» .

ص: 186

وقد نفى القرآن هذه الفرية عن سيدنا هارون عليه السلام. في سورة طه: {قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارًا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري فأخرج لهم عجلا جسدًا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعًا ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري ..... } [الآيات].

وكذلك في سورة الأعراف: {وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين} .

ظنوا بربهم الظنون ورسله

ورموا إناثًا بالأذى وفحولا

ومن الغبينة أن يجازى إفكهم

صدقي ولسنا في الكلام شكولا

أي لسنا أشباهًا.

الله أكبر إن دين محمد

وكتابه أقوى وأقوم قيلا

لا تذكر الكتب السوالف عنده

طلع الصباح فأطفئ القنديلا

تخبركم التوراة أن قد بشرت

قدمًا بأحمد أم إسماعيلا

يشير إلى مقال التوراة «التكوين 21 - ص 17/ 21 فسمع الله صوت الغلام ونادى ملاك الله هاجر من السماء وقال لها مالك يا هاجر لا تخافي لأن الله قد سمع صوت الغلام حيث هو قومي احملي الغلام وشدي يدك به لأني سأجعله أمة عظيمة وفتح الله عينيها فأبصرت بئر ماء فذهبت وملأت القربة ماء وسقت الغلام وكان الله مع الغلام فكبر وسكن في البرية وكان ينمو رامي قوس وسكن في برية فاران وأخذت له أمه زوجة من أرض مصر» .

وفي سفر التكوين أيضًا في الإصحاح السادس عشر رقم 11/ 12 «وقال لها ملاك الرب ها أنت حبلى فتلدين ابنًا. وتدعين اسمه إسماعيل لأن الرب قد سمع لمذلتك. وإنه يكون إنسانًا وحشيًا يده على كل واحد ويد كل واحد عليه وأمام جميع أخوته يسكن» .

ووردت مباركته وختانه في الإصحاح 17 رقم 20 و 22.

ودعته وحش الناس كل ندية

وعلى الجميع له الأيادي الطولى

طوبى لموسى حين بشر باسمه

ولسامع من قوله ما قيلا

وجبال فاران الرواسي إنها

نالت من الدنيا به التفضيلا

ص: 187

وحش الناس لسكناه الصحراء وذلك بمشهد من إخوته كما في الترجمة الإنجليزية And he shall dwell in the presence of all his brethren وكل ندية أي في كل مجلس يختلفون معه ويختلف معهم ويقاتله الناس ويقاتلهم وزعم النبهاني رحمه الله أن هذا مذكور في كل مجلس تقرأ فيه التوراة وليس بوجه قوي. وبشارة موسى عليه السلام في سفر التثنية 18 في رقم 14 - 22 «ويقيم لك الرب نبيًا من وسطك من إخوتك مثلي له تسمعون حسب كل ما طلبت من الرب إلهك في حوريب يوم الاجتماع قائلًا لا أعود أسمع صوت الرب إلهي ولا أرى هذه النار العظيمة أيضًا لئلا أموت قال لي الرب قد أحسنوا في ما تكلموا أقيم لهم نبيًا من وسط إخوتهم مثلك وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به إلخ» في النص الإنجليزي from the midst of thee، of the brethren، like unto me; ثم مرة أخرى في رقم 18 I will raise them up a Prophet from among their brethren. وعند البوصيري أن هذا المبشر به ينبغي أن يكون من أصل إبراهيم لا من إسرائيل- قال رحمه الله:

من مثل موسى قد أقيم لأهله

من بين إخوتهم سواه رسولا

أو أن إخوتهم بني العيص الذي

نقلت بكارته لإسرائيلا

باع العيص (عيسو) بكارته (بكوريته) لأخيه يعقوب بخبز وطبيخ عدس (التكوين 25 رقم 24)«فأعطى يعقوب عيسو خبزًا وطبيخ عدس فأكل وشرب وقام ومضى فاحتقر عيسو البكورية» .

وأما حرمان العيص من البركة فكان بسبب أن أباه كان يحبه وأمه كانت تحب يعقوب وكان كما قالت القصة التي ذكروها قد عمى إسحق أو ضعف بصره فجاءه يعقوب بصفة العيص وذلك بتدبير أمه رفقة- (الإصحاح السابع والعشرون والخبر كما في هذا الإصحاح ذو أحزان) - فباركه أبوه وحرم من البركة العيص انظر رقم 28 - : «فقال عيسو لأبيه ألك بركة واحدة فقط يا أبي باركني أنا أيضًا يا أبي ورفع صوته وبكى إلخ» .

وجبال فاران بين علماء المسلمين وعلماء أهل الكتاب في بيانها اختلاف وأوضح الوجوه أنها المراد بها جبال موحشة لمطابقة هذا اللفظ فرا وهو الموصوفة به الوحشية والذي في خبر إسمعيل، فإن كان ذلك كذلك فمن قال إنها جبال مكة لم يباعد لقوله تعالى على لسان سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام: {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي

ص: 188

زرع عند بيتك المحرم} وزعم البكري أن فاران معدن حديد ببلاد بني سليم وأنشد

متى كان للقينين قين طمية

وقين بلي معدنان بفاران

وفران بوزن سحاب في أنساب بلي، وقيل فرعون موسى عليه السلام كان من بلي. وفي خبر إسماعيل في التوراة أنه وأمه عاشا ببرية فاران فتأمل. هذا، وتفاصيل ما ذكره البوصيري من كلام أهل الكتابين كثيرة عنده، دقيقة معرفته بها، وإنما هذا الذي أوردناه لمع ونتف وأمثلة.

ومن جيد مديحه في هذه اللامية:

إن أنكروا فضل النبي فإنما

ألقوا على ضوء النهار سدولا

واسمع كلامهم ولا تجعل على

ما حرفوا من كتبهم تعويلا

لولا استحالتهم لما ألفيتني

لك بالدليل على الغريم محيلا

وصدق.

ومجاملة أهل الكتاب ومجادلتهم بالتي هي أحسن ذلك هو الواجب في حقنا وحقهم، ولكنه في المبشرين بغى وفرط طعون في عصرنا هذا لا تقل عما كان لأسلافهم من أصحاب محاكم التفتيش، أولئك بسطوة عذابهم، وهؤلاء بتزيد أقلامهم وضروب أساليب دعايتهم ودعاواهم.

والذي ذكره البوصيري من تحريف كتبهم هو ما عليه اعتقادنا فيهم. ومن المعاصرين في زماننا من يلتمس لكثير مما جاءوا به التخريجات على وجه من وجوه علوم العمران والاجتماع وغير ذلك، كأن يقال إن قصة العيص ويعقوب رمز لأن أهل الحواضر والنعمة أكثر كيدًا ومكرًا من أهل الشدة والبداوة. وليس هذا بمخرجها من أنها محرفة وليست بصفة حق لنبي الله يعقوب عليه السلام. ومسألة بكارة العيص مشكلة لأنهم لم يذكروا بين إسمعيل وإسحق بكارة وكان إسمعيل هو البكر، إلا أن يقال إنهما كليهما بكران بالنسبة إلى أميهما. وأبناء يعقوب لم يكن لأكبرهم فضل على يوسف وأخيه وإيثار أبيه لهما دليل على نفي أحقية البكارة. فتكون البكارة شيئًا دب تحريفه إلى اليهود من الأمم التي خالطوها، وليس في أصل عرفهم أو عبادتهم، كما دبت إليهم عبادة العجل، من آبيس، والأصنام التي زعموها لراحيل، وحسنًا صنع الإمام شرف الدين البوصيري إذ نصح ألا نعول على ما حرفوا وما أولوا في هذا المجال. ولكن نعول على القرآن والحديث. قال تعالى:{وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} . وقد ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم غضب حين رأى مع عمر رضي الله عنه

ص: 189

صحيفة من التوراة وللعلماء في هذه المسألة خلاف وأقوال وقول البوصيري: «لولا استحالتهم» يفيد الجواز في باب مقارعة الحجة بالحجة. قال الشيخ عبد الحي الكتاني في التراتيب الإدارية (1)«وأما النهي عن قراءتها وإن صرح به الفقهاء فليس على إطلاقه لوقوعه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لكثير من الصحابة من غير إنكار فهو مقيد بمن لم يميز بين المنسوخ والمخرج منها إلخ ص 428 - 429 الجزء الثاني» :

أو قد جهلت من الحديث روايةً

أو قد نسيت من الكتاب نزولا

فاعدل إلى مدح النبي محمد

قولًا غدا عن غيره معدولا

فإذا حصلت على الهدى بكتابه

لا تبغ بعد لغيره تحصيلا

كأنه حذف جواب إذا واستأنف كلامًا جديدًا، ولك أن تقول حذف الفاء والأول أظهر- أي فذاك، وقوله: أو قد جهلت إلخ يشير إلى ما قدمنا ذكره من خبر النهي وما إليه:

إن كنت تنكر معجزات محمد

يومًا فكن عما جهلت سؤولا

ما زال يرقى في مواهب ربه

وينال فضلًا من لدنه جزيلا

بث الفضائل في الوجود فمن يزد

فضلًا يزده بفضله تفضيلا

فاسمع شمائله التي ذكرى لها

قد كاد تحسبه العقول شمولا

إني لأورد ذكره لتعطشي

فإخال أني قد وردت النيلا

استعمل أورد هنا استعمالًا استخداميًا كما يقال في البديع أي أجعل ذكره يرد وأجعل نفسي ترد ذكره كورود الإبل الماء- ثم انظر إلى ذكره النيل وحبه له وقوله إن ذلك فرع من حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والنيل كما في الحديث من الجنة نابع ومن رأى خشونة الصحراء التي تكتنف نواحي جانبيه تيقن من ذلك.

والنيل يذكرني كريم بنانه

فأطيل من شوقي له التقبيلا

الله أعطى المصطفى خلقًا على

حب الإله وخوفه مجبولا

أتقنت من إخلاص ودي مدحه

وأخذت منه لبابه المنخولا

إني امرؤ قلبي يحب محمدًا

ويلوم فيه لائمًا وعذولا

أأحبه وأمل من ذكرى له

ليس المحب لمن يحب ملولا

(1) راجع أيضًا نفسه 1/ 203 حديث الأمر بتعلم كتاب يهود ونفسه 2/ 427 - 432 وأن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه كان يقرأ التوراة ونقل الكتاني عن الحافظ بن حجر قوله إن كراهية ذلك للتنزيه لا للتحريم وهذا باب للحجة والأقوال فيه طول.

ص: 190

ولأرمين له الفجاج بضمر

كالنبل سبقًا والقسي نحولا

من كل دامية الأياطل زدتها

عنقًا إذا كلفتها التمهيلا

حتى أضم بطيبة الشمل الذي

أنضى إليها العرمس الشمليلا

العرمس الشمليل الناقة القوية السريعة، جاء أبو الطيب بالعرامس جمع العرمس وبالشملال صيغة أخرى للشمليل.

وإذا تعسرت الأمور فإنني

راج لها بمحمد تسهيلا

صلى الله عليه وسلم تسليمًا.

فاجعل لنا اللهم جاه محمد

فرطًا تبلغنا به المأمولا

واجعل صلاتك ديمةً منهلةً

لم تلف دون ضريحه تهليلا

هذا من قول كعب رضي الله عنه «وما لهم عن حياض الموت تهليل» أي تأخر- أي تصل إلى ضريحه صلى الله عليه وسلم لا يثنيها عنه شيء.

ما هزت القضب النسيم ورجعت

ورقاء في غصن الأراك هديلا

عني ما هز النسيم القضب بالنصب وهذا جائز في العربية وفي المطبوعة بنصب القضب وإسكان الضاد ويجوز على تأويل النسيم بالريح فيكسبه ذلك تأنيثًا وأستبعده، والذي صنع من رفع القضب مذهب فصاحة وهو أشبه بأسره ورصانته ومنه قوله تعالى:{وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوأ بالعصبة أولي القوة} .

وللبوصيري من فحل الشعر وطنانه في مدح الرسول روائع ليس إلى استكثار الشواهد منها هنا من سبيل. ونذكر منها على وجه التمثيل لاميته التي على وزن «بانت سعاد» ولم يجعل لها فاتحة نسيب وإنما افتتحها بالتأمل والمواعظ.

إلى متى أنت باللذات مشغول

وأنت عن كل ما قدمت مسئول

في كل يوم ترجى أن تتوب غدًا

وعقد عزمك بالتسويف محلول

أما يرى لك فيما سر من عمل

يومًا نشاط وعما ساء تكسيل

فجرد العزم إن الموت صارمه

مجرد بيد الآمال مسلول

وبائيته الوافرية التي افتتحها بالمديح مباشرة:

بمدح المصطفى تحيا القلوب

وتغتفر الخطايا والذنوب

وأرجو أن أعيش به سعيدًا

وألقاه وليس على حوب

نبي كامل الأوصاف تمت

محاسنه فقيل له الحبيب

ص: 191

وفيها:

بدت للناس منه شموس علم

طوالع ما تزول وما تغيب

وألهمنا به التقوى فشقت

لنا عما أكنته الغيوب

خلائقه مواهب دون كسب

وشتان المواهب والكسوب

مهذبة بنور الله ليست

كأخلاق يهذبها اللبيب

وآداب النبوة معجزات

فكيف ينالها الرجل الأديب

وبائيته التي استهلها بذكر الموعظة والندم من الكامل:

وافاك بالذنب العظيم المذنب

خجلًا يعنف نفسه ويؤنب

لم لا يشوب دموعه بدمائه

ذو شيبة عوراتها ما تخضب

لعبت به الدنيا ولولا جهله

ما كان في الدنيا يخوض ويلعب

لزم التقلب في معاصي ربه

إذ بات في نعمائه يتقلب

يستغفر الله الذنوب وقلبه

شرهًا على أمثالها يتوثب

تأمل هذا الكلام الصافي الصادق النابع من القلب.

يفري جوارحه على شهواته

فكأنه فيها استباح مكلب

إذ المكلب مباح له الصيد بما علمه وذكر اسم الله عليه.

أضحى بمعترك المنايا لاهيًا

فكأن معترك المنايا ملعب

ضاقت مذاهبه عليه فما له

إلا إلى حرم بطيبة مهرب

متقطع الأسباب من أعماله

لكنه برجائه متسبب

وقفت بجاه المصطفى آماله

فكأنه بذنوبه يتقرب

وبدا له أن الوقوف ببابه

باب لغفران الذنوب مجرب

صلى عليه الله إن مطامعي

في جوده قد غار منها أشعب

في شعر البوصيري رحمه الله كثير من خفة الروح ونادرة الذكاء المصرية المعدن، وذلك أمر الإشارة إليه تفي إن شاء الله.

لم لا يغار وقد رآني دونه

أدركت من خير الورى ما أطلب

ماذا أخاف إذا وقفت ببابه

وصحائفي سود ورأسي أشيب

والمصطفى الماحي الذي يمحو الذي

يحصي الرقيب على المسيء ويكتب

صلى عليه الله إن صلاته

فرض على كل الأنام مرتب

ما حن مشتاق إلى أوطانه

مثلي وراح بوصفها يتشبب

ص: 192

رحم الله البوصيري فإن شعره جزل،

ونعود إلى بعض ما كنا فيه من الهمزية: وقد أفاض البوصيري في أمر اليهود وما كان بينهم وبين المنافقين والأحزاب من حلف.

خدعوا بالمنافقين وهل ينفق إلا على السفيه الشقاء

واطمأنوا بقول الأحزاب إخوانهم إننا لكم أولياء

حالفوهم وخالفوهم ولم أدر لماذا تخالف الحلفاء

أسلموهم لأول الحشر لا ميعادهم صادق ولا الإيلاء

هؤلاء بنو النضير.

سكن الرعب والخراب قلوبًا

وبيوتًا منهم نعاها الجلاء

ثم صار إلى ذكر بني قريظة وما كان من مساندتهم للأحزاب في غزوة الخندق.

وبيوم الأحزاب إذ زاغت الأبـ

ـصار فيهم وضلت الآراء

وتعدوا إلى النبي حدودًا

كان فيها عليهم العدواء

أي كان فيها عليهم المركب الخشن بضم العين وفتح الدال وكان فيها ما عداهم أن ينالوا منه.

ونهتهم وما انتهت عنه قوم

فأبيد الأمار والنهاء

كعب بن أسد وحيي بن أخطب ولفهم. وقد تناول العقاد أمر بن قريظة بسداد عظيم وأحسبه وفي القول فيه بأجود مما جاء به هيكل في حياة محمد، جزيا كلاهما خيرًا، وذلك أن العقاد لم يدافع بما وقع من خيانة بني قريظة وغدرهم، ولكن نبه وتنبه إلى أن القوم حكموا سعد بن معاذ رضي الله عنه، وما فعلوا ذلك إلا وهم واثقون بأنه سيرجع في أمرهم إلى عادة حلف الجاهلية ولو لم يرجع إلى ذلك، فإنه لن يبلغ أن يحكم بما حكمه وإنما جهده أن يقسو عليهم فيحكم بجلائهم مثلًا، وكانوا على ثقة من أمرهم لغرورهم واستجهالهم أهل المدينة أن سعدًا رضي الله عنه لم يكن له علم بما عليه قانون التوراة في هذا الباب. غاب عنهم لأمر كان مفعولا، أن سعدًا رضي الله عنه عميق الإيمان، وأنه مأمور إذ حكم بما أمر الله به نبيه صلى الله عليه وسلم إذ قال تبارك وتعالى:{إنا أنزلنا التوراة فيها هدًى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلاً ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} . فما كان لسعد رضي

ص: 193

الله عنه إلا أن يحكم بما أنزل الله: {أفحكم الجاهلية يبغون} {ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله} .

وتعاطوا في أحمد منكر القو

ل ونطق الأراذل العوراء

أي قبيح القول.

كل رجس يزيده الخلق السو

ء سفاهًا والملة العوجاء

فانظروا كيف كان عاقبة القو

م وما ساق للبذي البذاء

ثم افتن في باب من البديع استحسنه أبو منصور في شعر أبي الطيب، أن التشبيه فيه من جنس صناعته مثل:

دون التعانق ناحلين كشكلتي

نصب أدقهما وضم الشاكل

ونحو: إذا كان ما تنويه فعلًا مضارعًا

مضى قبل أن تلقى عليه الجوازم

وهو عند أبي الطيب كثير- وللبوصيري منه بدائع مثل قوله في البردة يذكر المعراج:

سريت من حرم ليلًا إلى حرم

كما سرى البدر في داج من الظلم

وبت ترقى إلى أن نلت منزلة

من قاب قوسين لم تدرك ولم ترم

وقدمتك جميع الأنبياء بها

والرسل تقديم مخدوم على خدم

وأنت تخترق السبع الطباق بهم

في موكب كنت فيه صاحب العلم

يذكر هنا صعود جبريل عليه السلام به يستفتح فيلقى الأنبياء نبيًا بعد نبي في سماء بعد سماء، وعندنا أن تغني المسلمين بالبردة كان له عظيم الأثر في محاكاتها لا من جانب شعراء المسلمين وحدهم ولكن من جانب شعراء النصارى كدانتي في قصته الإلهية وكان بين ميلاد دانتي (1265 م) والبوصيري (608 هـ) أكثر من نصف قرن، وذلك لأمر الأخذ والمحاكاة تمهيد كاف.

حتى إذا لم تدع شأوا لمستبق

من الدنو ولا مرقى لمستنم

خفضت كل مقام بالإضافة إذ

نوديت بالرفع مثل المفرد العلم

وهذا موضع استشهادنا.

وقال حيث ذكر الجهاد وفعل الصحابة رضوان الله عنهم:

هم الجبال فسل عنهم مصادمهم

ماذا رأى منهم في كل مصطدم

وسل حنينًا وسل بدرًا وسل أحدًا

فصول حتف لهم أدهى من الوخم

المصدري البيض حمرًا بعدما وردت

من العدا كل مسود من اللمم

والكاتبين بسمر الخط ما تركت

أقلامهم حرف جسم غير منعجم

كأنهم في ظهور الخيل نبت ربا

من شدة الحزم لا من شدة الحزم

ص: 194

أخذ هذا فأحسن الأخذ وأخفاه من أبي الطيب حيث قال:

فكأنما نتجت قيامًا تحتهم

وكأنما ولدوا على صهواتها

كأن الخيل ربا وهم نباتها يرف عليها، والمجانسة سهلة حيث جاء بها لا يكاد السامع يتنبه إلى أنه ملابستها صنعة وحذق.

طارت قلوب العدا من بأسهم فرقًا

فما تفرق بين البهم والبهم

البهم صغار المعزى بفتح فسكون والبهم بضم ففتح جمع بهمة بضم فسكون وتاء مربوطة بعد الميم وهو الشجاع الذي لا يدري قرنه من أين يأتيه.

ومن تكن برسول الله نصرته

إن تلقه الأسد في آجامها تجم

أي يصيبها الوجوم. وهذا البيت يقولون من أنشده أمن مما يخاف، ولو لقيه الأسد.

ولن ترى من ولى غير منتصر

به ولا من عدو غير منقصم

أحل أمته في حرز ملته

كالليث حل مع الأشبال في أجم

كم جدلت كلمات الله من جدل

فيه وكم خصم البرهان من خصم

وجاء بالبرهان من بعد:

كفاك بالعلم في الأمي معجزة

في الجاهلية والتأديب في اليتم

خدمته بمديح أستقيل به

ذنوب عمر مضى في الشعر والخدم

بكسر الخاء وفتح الدال أي خدمات الناس من ذوي الجاه وأشباه ذلك ولك فتح الخاء ويكون كأنه ينظر إلى قول أبي الطيب:

بكل منصلت ما زال منتظري

حتى أدلت له من دولة الخدم

ولا تستبعدن هذا.

خدمته بمديح أستقيل به

ذنوب عمر مضى في الشعر والخدم

وشعر البوصيري في غير المديح النبوي لا يبلغ شيئًا من جودته فيه فسبحان الموفق القدير، من يهد الله فهو المهتدي.

إذ قلداني ما تخشى عواقبه

كأنني بهما هدي من النعم

أي الشعر وخدمة هؤلاء قلداني ذنوبًا فصارت لي كقلائد الإبل التي تقلد القلائد وتساق لتنحر هديًا إلا أنهما يقدمانني هديًا للشيطان- تأمل هذا الافتنان.

أطعت غي الصبا في الحالتين فما

حصلت إلا على الآثام والندم

ص: 195

فيا خسارة نفس في تجارتها

لم تشتر الدين بالدنيا ولم تسم

ومن يبع آجلًا منه بعاجله

يبن له الغبن في بيع وفي سلم

إن آت ذنبًا فما عهدي بمنتقض

من النبي ولا حبلي بمنصرم

فإن لي ذمة منه بتسميتي

محمدًا وهو أوفى الخلق بالذمم

إذ هو محمد بن محمد بن سعيد بن حماد الأبوصيري أو البوصيري وهذه أشبه إذ قريته بوصير وأصلها أبوصير وهو عربي مغربي أمه من صعيد مصر- ونعود إلى ما كنا فيه من الهمزية حيث ذكرنا استعماله ما هو من جنس صناعة الأدب والكتابة في باب التصوير والبيان:

فانظروا كيف كان عاقبة القوم وما ساق للبذي البذاء

وجد السب فيه سما ولم يدر إذ الميم في مواضع باء

أي قد تقلب الميم باء لتقارب المخرج إذ هما شفويان فوجدوا السب الذي سبوه النبي صلى الله عليه وسلم قد انقلبت باؤه سما فقتلهم. وانظر إلى قوله «في مواضع» إلى دقته ورشاقته.

كان من فيه قتله بيديه

فهو من سوء فعله الزباء

أي لأن السب خرج من فيه وهو سم فقتله فكأنه قد أخذ سمًا فمصه كما فعلت الزباء وقد مر خبرها، وهذا كمذهب أبي تمام في الإشارة.

صرعت قومه حبائل بغي

مدها المكر منهم والدهاء

فأتتهم خيل إلى الحرب تختا

ل وللخيل في الوغي خيلاء

قصدت فيهم القنا فقوافي الطـ

ـعن منها ما شأنها إيطاء

أي كسرت فيهم القنا من جعل القنا قصدًا فهو قصيد أي متكسر، قال أبو الطيب:

يطأن من الأبطال من لا حملنه

ومن قصد المران ما لا يقوم

فالخيل إذ وطئت هذا القنا القصيد فهذا الإيطاء لا يشينه كما الإيطاء يشين قوافي الشعر. وقصدت الخيل فيهم القنا أي نظمته كما ينظم الشعر طعنًا سلكي وطعنًا مخلوجًا متتابعًا قاتلًا فمنظومات الطعن فيهم لا يشينها أن تتشابه كما يشين ذلك قوافي الشعر. فهنا كما ترى تورية واستخدام.

وقوله فأتتهم خيل

البيت، كأن صياغته تنظر إلى قول أبي الطيب:

فأتتهم خوارق الأرض ما تحـ

ـمل إلا الحديد والأبطالا

خافيات الألوان قد نسج النقـ

ـع عليها براقعًا وجلالا

ثم إن البوصيري رحمه الله ذكر فتح مكة وعفو النبي صلى الله عليه وسلم:

ص: 196

وأثارت بأرض مكة نقعًا

ظن أن الغدو منها عشاء

أحجمت عنده الحجون وأكدى

عند إعطائه القليل كداء

قال النبهاني ما معناه أنه هو كداء بضم الكاف كأن الشاعر مد المقصور قال رحمه الله أحجمت كفت وأمسكت، وعنده عند غبار الحرب، والحجون الجبل المطل على مقبرة مكة المشرفة وهو كداء بالفتح والمد ومنه دخل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح وأكدى قل خيره وكدى بالضم والقصر ويمد كما هنا موضع بأسفل مكة ومنه دخل خالد بن الوليد رضي الله عنه ووقع فيه حرب قليل مع أوباش مكة.

قلت هذا الوجه الذي ذكره لا بأس به. وعندي أنه لم يرد بالحجون إلا مكة والحجون جبل مكة فأنثه لمعناها وكداء بالفتح والمد هو الذي ذكره حسان رضي الله عنه:

عدمتم خيلنا إن لم تروها

تثير النقع موعدها كداء

وقد ذكر البوصيري النقع (1) ولا حاجة به إلى قصر الممدود وعنى بكداء مكة كل ذلك، من إطلاق الجزء على الكل. أي أحجمت مكة فلم تقاتل لاستسلام أبي سفيان وسائر السادة وأعطت من القتال قليلًا ثم تركته يشير إلى يوم الخندمة، حيث جمع صفوان وعكرمة جمعًا قال الراجز:

إنك لو رأيت يوم الخندمة

إذ فر صفوان وفر عكرمة

ولحقتنا بالسيوف المسلمة

لهم نهيت خلفنا وزمزمة

يضربن كل هامة وجمجمة

لم تنطقي في اللوم أدنى كلمة

ويشير إلى قوله تعالى: {وأعطى قليلا وأكدى} أي صار كالحجر لا عطاء عنده.

أحجمت عنده الحجون وأكدى

عند إعطائها القليل كداء

أي خلا من كل مقاومة وهو الموضع الذي دخل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ودهت أوجهًا بها وبيوتًا

مل منها الإكفاء والإقواء

إكفاء القدور وإقواء الديار أي خلوها وألغز بالإكفاء والإقواء والبيوت إذ ذلك كله من ألفاظ الشعر.

فدعوا أحلم البرية والعفـ

ـو جواب الحليم والإغضاء

(1) ذكره النقع ينظر إلى قول حسان وقول أبي الطيب معًا والله أعلم.

ص: 197

ناشدوه القربى التي من قريش

قطعتها الترات والشحناء

فعفا عفو قادر لم ينغصـ

ـه عليهم بما مضى إغراء

وإذا كان القطع والوصل للـ

ـه تساوى التقريب والإقصاء

ثم أخذ بعد في باب من المدح من أسنى ما قال وأجوده، جمع فيه بعد طريق الجدل والوصف والقصص والخطابة، طرقًا من عذب الغناء ورنانة واستخفه الطرب فركب الناقة وعدد المنازل إلى دار الحبيب وهذا لشعراء العرب منهج، حتى في اللغة الدارجة، وقد اتبعه المتنبي في مقصورة خروجه من مصر «ألا كل ماشية الخيزلي» ومن قبل صنع ذلك أبو نواس حين قصد الخصيب بمصر في «أجارة بيتينا أبوك غيور» - وهنا شاعر مصري مغربي مسلم حنيف يفر إلى الله وإلى الحبيب لا من خوف ملك ولكن لخوف الملك الجبار، ورجاء إيفاء طاعة الدين حقها، ويقصد لا صاحب جاه من جاه الدنيا كالخصيب، ولكن صاحب جاه الآخرة، الماحي الشفيع عليه الصلاة والسلام:

وسواء عليه فيما أتاه

من سواه الملام والإطراء

ولو أن انتقامه لهوى النفـ

ـس لدامت قطيعة وجفاء

قام لله في الأمور فأرضى الـ

ـله منه تباين ووفاء

فعله كله جميل وهل ينضـ

ـح إلا بما حواه الإناء

أطرب السامعين ذكر علاه

يا لراح مالت بها الندماء

ثم أخذ في قري غناء مطرب:

النبي الأمي أعلم من أسند عنه الرواة والحكماء

هذا كقوله في البردة «كفاك بالعلم في الأمي معجزة البيت»

وعدتني ازدياره العام وجنا

ء ومنت بوعدها الوجناء

أفلا أنطوى لها في اقتضائيـ

ـه لتطوى ما بيننا الفلاء

أي الصحاري جمع فلاة. أنطوى أي أطوى نفسي على طية بكسر الطاء أي نية يعني نية الحج. أي أفلا أصدق النية والعزم في اقتضائي لها أن توفي بوعدها لكي توفيه فتطوى ما بيننا الصحاري.

بألوف البطحاء يجفلها النيـ

ـل وقد شف جوفها الأظماء

بناقة تألف بطحاء مكة وتجفل عن النيل ولو طالت أظماؤها جمع ظمء، بكسر الظاء وهو مدة ما بين الشرابين للإبل. وفي الناقة كناية عن نفسه، إذ حركة شوق الطاعة بالحج وزيارة الحبيب، ثم جعل يعد المنازل، وقد قصد مكة أولًا، ليحرم من الميقات ويحج ثم بعد ذلك قصد طيبة لزيارة قبره صلى الله عليه وآله وسلم وحرمه الشريف.

ص: 198

فأقضت على مباركها بر

كتها فالبويب فالخضراء

فالقباب التي تليها فبئـ

ـر النخل والركب قائلون رواء

وغدت أيلة وحقل وقر

خلفها فالمغارة الفيحاء

ثم عد المنازل. فذكر النبهاني أن العارف الصاوي رحمهما الله ذكر في حاشيته على الهمزية أن الناظم ترك منازل خمسة قبل الحوراء. قلت وما أرب الناظم أن يسرد المنازل نظمًا وإنما تغنى بها كما كان الشعراء يتغنون بمعاهد الديار ومنازل الأحبة لا يعنون بذلك سردًا جغرافيًا. ولو عد البوصيري عشرة منازل أو أربعين أو ثلاثين أو عشرين ثم قال من بعد كما قال بعد ذكره ما ذكر منها:

هذه عدة المنازل لا ما

عد فيه السماك والعواء

لاستقام له المعنى واللفظ والسياق، إذ ليس قصده المطابقة بين عدد منازل القمر وما يعد من أسماء منازل الحج كما ليس قصده أن يذكر سردًا منظومًا بكل منازل الحج ولقد تنقص وتزيد بحسب نوع السير وحتى على تقدير ألا تزيد ولا تنقص، إذ قصده كما قدمنا الطرب والذكر بنغم التغني بهذه المنازل ولقد قال مما يشهد بصحة ذلك:

أطرب السامعين ذكر علاه

يا لراح مالت بها الندماء

ومناسبة قوله:

هذه عدة المنازل لا ما

عد فيه السماك والعواء

ليست في مطابقة عدد ما ذكره لعدة منازل القمر. ولكنها كامنة في حقيقة تنبيهه على أنه يذكرها للشوق والحب وطربًا بها كما كان يفعل فحول الشعراء الأولون، وقد ترك الشعراء ذلك أو كادوا منذ ماتت القصيدة المادحة الدنيوية القديمة. وقد ترنم أبو الطيب طربًا بذكر نجاته من كافور فعدد المنازل إلى العراق تعداد ترنم لا سرد. وقد كان عصر البوصيري وعصور كثيرة قبله وبعده إلى يومنا هذا لها ولع بالطوالع والنظر في النجوم وطلب معرفة الحظ ومخبوء الغيوب من طريقها، ليس قول البوصيري رحمه الله:

وهذه عدة المنازل لا ما

عد فيه السماك والعواء

يخلو من النقد لهذا الولع الخاطئ.

فمن أخذ عليه حذف خمسة مواضع أو نحو ذلك فقد ضيق من فسحة معناه الكبير الواسع.

ص: 199

ثم يقول رحمه الله:

فكأني بها أرحل من مكة

شمسًا سماؤها البيداء

موضع البيت مهبط الوحي مأوى الر

سل حيث الأنوار حيث البهاء

حيث فرض الطواف والسعي والحلـ

ـق ورمي الجمار والإهداء

حبذا حبذا معاهد منها

لم يغير آياتهن البلاء

البلى بكسر الباء والبلاء مقصور ومدود لغتان صحيحتان. وهذا البيت يقوي ما ذكرناه من قصده إلى الترنم كالقدماء، فقال حبذا هذه الديار والمعاهد ولكنها على قدمها معمورة لم يغيرها البلى، وكان القدماء يتغنون على الذكرى بديار كانت مأهولة ثم أقوت وأقفرت بعد عهد الأحباب. ولذلك أخذ الخليل على الآخر قوله الذي ذكره ابن قتيبة في مقدمته:

أنبت تفاحًا وإجاصًا

لأن التفاح والإجاص إنما يكونان في البساتين ومع التعهد بالسقي في المكان الآهل وليس كقول من قال:

أنبت قيصومًا وجثجاثًا

لأن هذه نباتات برية إنما تنبت بعد خلو الدار من أهلها.

حرم آمن وبيت حرام

ومقام فيه المقام تلاء

المقام معًا مفتوحة الميم أو الثانية مضمومتها أو الأولى مضمومتها أو كلتاهما مضمومتها. فعلى الأول فالمقام مقام إبراهيم والقيام فيه جوار وذمة في حرم الله. وعلى الثاني فالمقام مكان الإقامة (اسم مكان رباعي) والمقام بمعنى القيام أو بمعنى مقام إبراهيم أي موضع قيامه والصلاة فيه جوار وذمة عند الله. وعلى الوجه الثالث فالمقام مكان الإقامة (رباعي) والإقامة فيه (مصدر ميمي رباعي) جوار وتلاء بمعنى الجوار ووزن سحاب.

فقضينا بها مناسك لا يحـ

ـمد إلا في فعلهن القضاء

لأن قضاء الصلاة مثلًا يكون بعد فوات وقتها وقضاء الدين من هذا المعنى وإن حمد هو فإن الدين ليس في ذاته بمحمود ولذلك قال الشاعر:

يلومونني في الدين قومي وإنما

ديوني في أشياء تكسبهم حمدًا

فلو كان في ذاته أمرًا حميدًا ما كان قومه ليلوموه فيه.

ص: 200

ورمينا بها الفجاج إلى طيـ

ـبة والسير بالمطايا رماء

لأن الناقة كالقوس وترفع رقبتها في السير كأنها قوس وترمي بنفسها الفجاج.

فأصبنا عن قوسها غرض القر

ب ونعم الخبيئة الكوماء

فرأينا أرض الحبيب يغض الطر

ف منها الضياء واللألاء

فكأن البيداء من حيث قابـ

ـلت العين روضةً غناء

قوله نعم الخبيئة أي الذخر. والكرماء مخصوص نعم وليست صفة للخبيئة والكوماء عنى بها ناقته.

وكأن البقاع زرت عليها

طرفيها ملاءة حمراء

وكأن الأرجاء تنشر نشر الـ

ـمسك فيها الجنوب والجربياء

أي نور وأي نور شهدنا

يوم أبدت لنا القباب قباء

قر منها دمعي وفر اصطباري

فدموعي سيل وصبري جفاء

لأن السيل يحتمل زبدًا رابيًا {فأما الزبد} كما قال تعالى في الكتاب العزيز {فيذهب جفاء} وهنا صار الدمع هو النافع والصبر جفاء فتأمل.

فترى الركب طائرين من الشو

ق إلى طيبة لهم ضوضاء

هذه أخذها من الحارث وحول معناها من السخرية عند الحارث إلى معنى النشوة والحب ههنا.

وكأن الزوار ما مست البأ

ساء منهم خلقًا ولا الضراء

يعني بأساء السفر وذلك من عون الله وتوفيقه.

ثم يجيء هذا المدح والانفعال بالعاطفة الرائع ويناسب ما قدمه من أن الشوق قد طار به وكأنه ما مسه فتور ولا إعياء وقد نظم ما نظم مما يكل عن مثله الفحول، وما زالت أنفاسه لهن حرارة واندفاع وصدق ولإيقاعه رنين وزجل وترجيع:

فحططنا الرحال حيث يحط الـ

ـوزر عنا وترفع الحوباء

وقرأنا السلام أكرم خلق اللـ

ـه من حيث يسمع إلا قراء

وذهلنا عند اللقاء وكم أذ

هل صبًا من الحبيب لقاء

تقول قرأ عليه السلام وأقرأه إياه أي أبلغه ثلاثي ورباعي ذكره الفيروزآبادي وذلك مما يحسن التنبيه عليه لما يقع فيه من النسيان والوهم وقوله ذهلنا والبيت التالي من جيد وصف زيارة الحبيب عليه الصلاة والسلام.

ص: 201

ووجمنا من المهابة حتى

لا كلام منا ولا إيماء

ورجعنا وللقلوب التفاتا

ت إليه وللجسوم انثناء

ثم صار إلى خطابه صلى الله عليه وسلم:

يا أبا القاسم الذي ضمن أقسا

مي عليه مدح له وثناء

أقسام جمع قسم بالتحريك.

بالعلوم التي عليك من اللـ

ـه بلا كاتب لها إملاء

ومسير الصبا بنصرك شهرًا

فكأن الصبا لديك رخاء

هي الريح التي سخرت لسيدنا سليمان عليه السلام غدوها شهر ورواحها شهر.

وعلي لما تفلت بعينيـ

ـه وكلتاهما معًا رمداء

فغدا ناظرًا بعيني عقاب

في غزاة لها العقاب لواء

وهي خيبر.

وبريحانتين طيبهما منك الذي أودعتهما الزهراء

هي فاطمة رضي الله عنها.

كنت تؤويهما إليك كما آ

وت من الخط نقطتيها الياء

لأن النقطتين تحتها وفي كنفها معًا عندما تكون متطرفة، وهذا من الباب الذي ذكرناه آنفًا ونظر في ذكر السبطين والياء إلى قول أبي الطيب:

وكان ابنا عدو كاثراه

له يائي حروف أنيسيان

وهو نظر خفي من باب الحذو اللامح.

ص: 202

من شهيدين ليس ينسيني الطـ

ـف مصابيهما ولا كربلاء

آل بيت النبي إن فؤادي

ليس يسليه عنكم التأساء

أي التأسي والتعزية.

آل بيت النبي طبتم فطاب الـ

ـمدح لي فيكم وطاب الثناء

أنا حسان مدحكم فإذا نحـ

ـت عليكم فإنني الخنساء

سدتم الناس بالتقي وسواكم

سودته البيضاء والصفراء

والبوصيري هنا متبع قولنا صلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم فذكر الآل ثم صار إلى الأصحاب فبدأ بالخلفاء ثم العشرة الكرام مع مدح مجمل ومفصل.

وبأصحابك الذين هم بعـ

ـدك فينا الهداة والأوصياء

أغنياء نزاهةً فقراء

علماء أئمةً أمراء

رضي الله عنهم ورضوا عنـ

ـه فأنى يخطو إليهم خطاء

ما لموسى ولا لعيسى حواريـ

ـون في فضلهم ولا نقباء

بأبي بكر الذي صح للنا

س به في حياتك الاقتداء

وأبي حفص الذي أظهر اللـ

ـه به الدين فارعوى الرقباء

وابن عفان ذي الأيادي التي طا

ل إلى المصطفى بها الإسداء

وعلي صنو النبي ومن ديـ

ـن فؤادي وداده والولاء

وبباقي أصحابك المظهر التر

تيب فينا تفضيلهم والولاء

ثم ذكرهم طلحة والزبير وسعدًا وسعيدًا وعبد الرحمن بن عوف وأبا عبيدة ثم ذكر عمي رسول الله صلى الله عليه وسلم وضمن في ذكره الزبير ابنه عبد الله وزوجه أسماء رضي الله عنهم أجمعين.

وبأم السبطين زوج علي

وبنيها ومن حوته العباء

وبأزواجك اللواتي تشرفـ

ـن بأن صانهن منك بناء

الأمان الأمان إن فؤادي

من ذنوب أتيتهن هواء

هذا جواب القسم

ص: 203

قد تمسكت من ودادك بالحبـ

ـل الذي استمسكت به الشفعاء

وأبي الله أن يمسني السو

ء بحال ولي إليك التجاء

قد رجوناك للأمور التي أبـ

ـردها في فؤادنا رمضاء

وأتينا إليك أنضاء فقر

حملتنا إلى الغنى أنضاء

أي ضعاف من الفقر إلى الغفران تحملنا إلى الغنى بنيل شفاعتك إبل أنضاء.

وانطوت في الصدور حاجات نفس

ما لها عن ندى بديك انطواء

فأغثنا يا من هو الغوث والغيـ

ـث إذا أجهد الورى اللأواء

اللأواء: الشدة.

يا رحيمًا بالمؤمنين إذا ما

ذهلت عن أبنائها الرحماء

يا شفيعًا في المذنبين إذا أشـ

ـفق من خوف ذنبه البرآء

كأنه يشير بهذا إلى نبي الله عيسى عليه السلام إذ لا يعتذر بذنب، {يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها} .

جد لعاص وما سواي هو العاصي ولكن تنكري استحياء

تأمل هذه الرقة مع لمحة الذكاء في العبارة.

وتداركه بالعناية مادا

م له بالذمام منك ذماء

الدماء بوزن السحاب.

أخرته الأعمال والمال عما

قدم الصالحون والأغنياء

كل يوم ذنوبه صاعدات

وعليها أنفاسه صعداء

أي يتأوه.

ألف البطنة المبطئة السيـ

ـر بدار بها البطان بطاء

كنت في نومة الشباب فما استيـ

ـقظت إلا ولمتي شمطاء

أي خالط سوادها بياض الشيب.

وتماديت أقتفي أثر القو

م فطالت مسافة واقتفاء

صاح لا تأس إن ضعفت عن الطا

عة واستأثرت بها الأقوياء

إن لله رحمة وأحق النـ

ـاس منه بالرحمة الضعفاء

فابق في العرج عند منقلب الذو

د ففي العود تسبق العرجاء

ص: 204

الذود هنا مصدر، قال تعالي:{ووجد من دونهم امرأتين تذودان} أي عندما تذاد الواردات راجعة فإن العرج التي كانت أواخر تكون أوائل فتلفى العرجاء سابقة.

(ويجوز أن يكون الذود الجماعة من الإبل على بعد في المعنى عسير) وهذا يقوله على

التمني وعلله من بعد:

وبحب النبي فابغ رضى اللـ

ـه ففي حبه الرضاء والحباء

يا نبي الهدى استغاثة ملهو

ف أضرت بحاله الحوباء

ما أرى إلا أنه عني الحاجة فتكون الحوباء كالحوبة ولا تزال في دارجتنا هذه الثانية بهذا المعنى، والحوباء النفس فلعل المعنى شهوات النفس هنا والله أعلم.

هذه علتي وأنت طبيبي

ليس يخفى عليك في القلب داء

هذا يصحح المعنى الثاني أن الحوباء النفس فتأمله.

ومن الفوز أن أبثك شكوى

هي شكوى إليك وهي اقتضاء

ضمنتها مدائح مستطاب

فيك منها المديح والإصغاء

يعني إنشاد المديح والإصغاء إليه.

وأعلم أصلحك الله أن رنات المديح هي التي كانت سببًا في معرفة الأجيال القريبة من عصرنا هذا أوزان الشعر الرصين لغلبة الألسن الدارجة، ولأن أكثر أوزان شعرها يعتمد مواضع الإشباع (ما يسمى النبر الآن) مع المقاطع والغناء. والعروض لا يفي بتعليم نغم الشعر، ولذلك كان العلماء في العصور القريبة من عصرنا ربما عمدوا إلى تثبيته في أذهان الطلبة من طريق نغم المديح كالذي صنع النبهاني من نظمه البحور نحو:

علمت الله ليس له مثيل

وأن محمدًا نعم الرسول

مفاعلة مفاعلة فعول

بوافر هديه اتضح السبيل

وما عرف شوقي وحافظ وجيلهما والبارودي من قبل أنغام الشعر إلا من طريق ما تعلموه من سماع نغم المديح النبوي، ومن أجل هذا ساغت لهم مجاراة البردة. وصنع حافظ عمريته على نهج البرعي رحمه الله في:

ص: 205

بانت عن العدوة القصوى بواديها

وشوقي همزيته على غرار:

ما آذنته ببينها أسماء

للشهاب.

وقد ناب الإلقاء العصري عن نغم المديح حينًا، قالوا وكان حافظ جيد الإلقاء وهو ليس بمنهج عربي الأصل فيما أرجح ولكن أخذ من طريقة الإفرنج التي يقال لها Declamation وهي طريقة خطابية تشخيصية. وقد كان يخالط الإلقاء عند علي بك الجارم رحمه الله ترجيع نغم ونشوة غناء.

وقد ذهب الإلقاء وعلى أيامه -أعني على أيام الإلقاء الخطابي وبالرغم من حرص المجودين على تجويده- جعلت المعرفة بنغم القصيد تقل، والطرب لها يضعف.

وسبب الإقبال على ما يسمى بالتفعيلة والشعر الذي يقال له غير العمودي [وهذا اصطلاح فاسد إلا أن يرجع إلى قول قدامة أنه لا مشاحة في الأسماء وزعم برناردشو في بعض ما زعم أن من شاء أن يسمي منزله الذي يسكن فيه بالبرلمان فعل ذلك ولم يعبه عليه أحد] أن ذهاب المديح إلا من بقايا حلقات الأذكار، وهذه لا يرتادها المعاصرون إما عن ضعف دين وإما عن فرط تشدد فيه وإما عن جهل تام وعدم سماع بشيء اسمه الأذكار أو المديح النبوي، أي ذلك كان، هذا الذهاب من المديح ذهب مرة واحدة بمعرفة نغم الشعر وإيقاعه. فالشعر الحر والتفعيلي ليس منشؤه من ثورة على الأوزان العربية عن معرفة، ولكن عن ثورة عن جهل ومن جهل شيئًا عاداه، وعن حاجة إلى التنغيم والإيقاع من دون معرفة سبيل إليه غير تقليد أوروبا. حتى لو دخلوا جحر ضب خرب.

قال رحمه الله:

ضمنتها مدائح مستطاب

فيك منها المديح والإصغاء

قلما حاولت مديحك إلا

ساعدتها ميم ودال وحاء

هذا نظر فيه إلى لامية أبي الطيب في أبي شجاع، وقد نبه هو نفسه رحمه الله إلى هذا النظر حيث قال في البيت التالي:

حق لي فيك أن أساجل قومًا

سلمت منهمو لدلوي الدلاء

ص: 206

فهنا أيضًا يقوى ما نقول به من انتقال المدح من قصيدة مدح الملوك وذوي الجاه إلى المدح النبوي فقد أسلمت دلاؤهم فيه إلى صاحب دلوه.

إن لي غيرة وقد زاحمتني

في معاني مديحك الشعراء

يعني شعراء الدنيا كأبي الطيب الذي أشار قبل إلى قول:

تملك الحمد حتى ما لمفتخر

في الحمد حاء ولا ميم ولا دال

ثم يقول رحمه الله:

ولقلبي فيك الغلو وأنى

للساني في مدحك الغلواء

أي لا يصح ذلك شرعًا كما فعل أتباع المسيح عليه السلام وأهل الكتاب الأول، أو لقلبي غلو في حبك أكبر من أن يقدر على البيان عنه لساني وهذا المعنى الثاني أشبه ويقويه ما يلي، وهو بيت جيد بالغ الجودة:

فأثب خاطرًا يلذ له مد

حك علمًا بأنه اللألاء

أي مدحي لألاء الدر الذي هو فضائلك. وأصل هذا المعنى من أبي الطيب.

هنيئًا لك الدر الذي لي لفظه

فإنك معطيه وإني ناظم

فنحو هذا من المعاني هو ما زعم البوصيري أنه غار منه.

حاك من صنعة القريض برودًا

لك لم تحك وشيهًا صنعاء

أعجز الدر نظمه فاستوت فيـ

ـه اليدان الصناع والخرقاء

وهذا البيت يشهد لما ذكرنا من نظره رحمه الله إلى أبي الطيب.

فارضه أفصح أمرئ نطق الضا

د فقامت تغار منها الظاء

والضاد والظاء حرفان في العربية كل منها مستقل بنفسه متميز ونطق الظاء غير مشكل إشكال نطق الضاد فبيان الضاد في النطق الفصيح حتى لا يشتبه أمرها بالظاء مما أغارها إذ النبي صلى الله عليه وسلم سيد الفصحاء، ونطق الضاد عنده لفصاحته لا يختلط بالظاء. وقد مر الحديث عن مقال صاحب المقامات. في هذا الباب.

ص: 207

أبذكر الآيات أوفيك مدحًا

أين مني وأين منها الوفاء

يعني المعجزات والعلامات كتظليل الغمام وتسبيح الحصى والبشارات التي سبقت يدلك على ذلك قوله من بعد:

أم أماري بهن قوم نبي

ساء ما ظنه بي الأغبياء

إذ قصدي إظهار الحجة لا المماراة المنهي عنها.

ولك الأمة التي غبطتها

بك لما أتيتها الأنبياء

هذا من إحسان البوصيري إذ هو قد ذكر الآل والأصحاب والندم والتوبة ورجاء الشفاعة ومت بمدحه النبي صلي الله عليه وسلم إلى رجائه من ذلك- ثم ذكر أمة الإسلام وعزتها بما خصها الله به من رشد وعناية وأن رسولنا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وهي خاتمة الرسالات ذات التوحيد الباهر المنير.

لم نخف بعدك الضلال وفينا

وارثو هدى نورك العلماء

وهو منهم إن شاء الله.

ثم يقول رحمه الله:

ليس من غاية لوصفك أبغيـ

ـها وللقول غايةً وانتهاء

لم أطل في تعداد مدحك نطقي

ومرادي بذلك استقصاء

غير أني ظمآن وجد وما لي

بقليل من الورود ارتواء

وكأنه هنا يعلق على شكوى ابن الرومي إذ قال:

وإذا امرؤ مدح امرأ لنواله

وأطال فيه فقد أطال هجاءه

لو لم يقدر فيه بعد المستقى

عند الورود لما أطال رشاءه

هذا في مدح ملوك الدنيا وعند طالبي زهرتها. ثم كأنه بقوله لم أطل من أجل قصد للاستقصاء يظهر عين المعنى الذي لاح لنا من طريقته إذ قلنا إنه يقصد إلى التغني لا السرد واستقصاء الأخبار ومن أجل هذا ما أخذنا على من أخذ عليه أنه إذ ذكر ثانية وعشرين منزلًا وشبهها بمنازل القمر أنه حذف خمسة لو ذكرها ما تمت المطابقة إذ منازل القمر ثمانية وعشرون. ولقد أباح النقاد للشعراء ألا يلتزموا بتواتر أحداث التأريخ ولأرسطوطاليس الفيلسوف نظريته المعروفة في الواقع والمحتمل. فكيف نلزمهم بالسرد

ص: 208

والاستقصاء وهذا عمل ناظمي العلوم وما أشبه.

ولقد عجب ابن الأثير في آخر المثل السائر من شهنامة وأن العرب لا تطيل جر الأخبار والحكايات كما تصنع العجم. وقد اعتذر الشيخ عبد الحي الكتاني رحمه الله في التراتيب الإدارية عن هذا بما طوله المطولون من نظم السيرة، والحق أن العرب قد طولت الأراجيز كما في ذات الأمثال لأبي العتاهية وكنظم كليلة ودمنة لأبان بن عبد الحميد. ولكن لم يكن عندها جر الأخبار والحكايات كما نبه على ذلك ابن رشيق بداخل حقًا في حيز الشعر. لأن الشعر إنما وضع للغناء والترنم.

وقد أطال المحدثون مدح الملوك وأولي الجاه يبتغون احتلاب أخلاف الدر البكئ. على أن هذا من صنيعهم كأنما أراده المولى عز وجل تمهيدًا وتمحيصًا وتوطئة لهذا الإبداع الذي جاء به مداح الرسول عليه الصلاة والسلام من بعد وخاصة البوصيري. وذلك أن إطالة ابن الرومي ومن نحا نحوه كمهيار وغيره روضت القوافي والمعاني على أساليب المدح ومحاولات الإطراب بالبديع والافتنان في الصياغات البيانية. فلما جاء المحبون مادحو خير الورى صلوات الله عليه وسلامه، أصابوا المادة الخصبة من طرق القول ومناحيه، ووفقهم توفيق الله سبحانه وتعالى بما وهبوا من ملكة القريض والغناء والمقدرة على الإطراب وبما ضمنته قلوبهم من نشوات إلى أن يفتنوا في الإطالة ويتيسر لهم مع ذلك أن يجيدوا بلا إعياء ولا كلال ولا ملال. ومن شاء أن يوازن بين صنيع البوصيري هنا وفي طواله وصنيع المجيدين من مداح الرسول صلى الله عليه وسلم وبين ملحميات أصحاب الملاحم من يونان مثلًا ودرامياتهم فعل، فأبيات الهمزية ثلاثمائة وستة وسبعون والبيت العربي يساوي سطرين من شعر يونان على أقل تقدير، قياسًا على ما نقل إلينا من ترجمة دقيقة، فهذه نحو من ثمانمائة وليست أبيات بعض الدرامة والملاحم بزائدة على ذلك بكثير.

غير أنا لا نعد «الهمزية» والبردة وإلى متى أنت «وجاء المسيح» من باب الملاحم، إذ هن من باب قصيد العرب، وهو فنهم الذي امتازوا به وخصوا. وقد رأيت أنه لا شعر سواه بالغًا مبلغه عند الجاحظ وهدك من ناقد.

ولله در البوصيري إذ لخص معنى الإطراب والطرب والنشوة والإخلاص بصدق الشعر في قوله:

غير أني ظمآن وجد وما لي

بقليل من الورود ارتواء

ثم ختم بالصلاة والسلام على خير الأنام:

ص: 209

فسلام عليك تترى من اللـ

ـه وتبقى به لك البأواء

أي الفخر. لاحظت في مواضع أن البوصيري كأنه آخذ بقراءة أبي عمرو رحمه الله. وقد كانت بمصر كثيرة. ومثله كان بالقراءات عالمًا. وتترًى هنا على قراءة أبي عمرو منونة على الأرجح إذ السلام مذكر. أي فسلام عليك متتابعًا. وأبو عمرو ينون في آية {قد أفلح المؤمنون} {ثم أرسلنا رسلنا تترى} أي وترًا أي متتابعين متواترين وصارت الواو تاء وهو مذهب للعرب في القلب وقرأ ابن كثير وهو شيخ أبي عمرو كذلك. وضبط «تترى» في الهمزية المطبوعة التي رجعنا إليها بلا تنوين والسياق بالتنوين أظهر وأقوى عندنا ومن لم ينون حمل تترى على المرات أي سلام عليك مرات تترى أي متتابعات أو متابعة متواترة. وعلى ما مضى عليه أبو عبيدة في تأويل تترى أنها فعل فليس هنا إلا الأخذ بقراءة أبي عمرو والله تعالى أعلم.

وسلام عليك منك فما غيـ

ـرك منه لك السلام كفاء

وسلام من كل ما خلق اللـ

ـه لتحيا بذكرك الأملاء

جمع ملأ كجبل وهي من كلمات معلقة الحارث.

وصلاة كالمسك تحمله مني شمال إليك أو نكباء

وأصاب صفة الريح هنا إذ ريح الشمال تحمله من مصر وكذلك النكباء أي التي فيها انحراف.

وثناء قدمت بين يدي نجـ

ـواي إذ لم يكن لدي ثراء

وهذا الذي قدمه ثراء أي ثراء.

ما أقام الصلاة من عبد اللـ

ـه وقامت بربها الأشياء

وهذا آخر بيت في الهمزية وقد حرصنا على اتصال أبياتها إلى حيث كان الجدل ومخاصمة أهل الكتاب، ثم اختصرنا واخترنا؛ إذ ذلك يخرج بنا إلى باب من شرح وقد أحسن القيام به غيرنا فمن شاء الاستزادة منه رجع إلى ما جودوه في هذا الباب.

وإحسان البوصيري الذي ينبغي أن ينبه إليه وعليه كثير. وله قصيدة دالية نظمها سنة 655 هـ سماها تقديس الحرم من تدنيس الضرم، يذكر فيها نار الحجاز التي

ص: 210

ظهرت بالمدينة وأوردها النبهاني في أول قافية الدال وقدم لها مطلعها:

إلهي على كل الأمور لك الحمد

فليس لما أوليت من نعم حد

لك الأمر من قبل الزمان وبعده

وما لك قبل كالزمان ولا بعد

وهذا هو المعنى الذي فصله الغزالي رحمه الله من قبل في تهافت الفلاسفة ووسمه بالنسبية.

وحكمك ماض في الخلائق نافذ

إذ شئت أمرًا ليس من كونه بد

جملة ليس صفة لأمر.

تضل وتهدي من تشاء من الورى

وما بيد الإنسان غي ولا رشد

دعوا معشر الضلال عنا حديثكم

فلا خطأ منه يجاب ولا عمد

ونقول بعد: «وما محاسن شيء كله حسن» .

ونختم الحديث عن البوصيري بهذه الأبيات التي هي أول بردته.

أمن تذكر جيران بذي سلم

مزجت دمعًا جرى من مقلة بدم

أم هبت الريح من تلقاء كاظمة

وأومض البرق في الظلماء من إضم

فما لعينيك إن قلت اكففا همتا

وما لقلبك إن قلت استفق يهم

أيحسب الصب أن الحب منكتم

ما بين منسجم منه ومضطرم

فالمنسجم ما يترقرق من الدمع والمضطرم ما في الفؤاد من لواعج.

لولا الهوى لم ترق دمعًا على طلل

ولا أرقت لذكر البان والعلم

فكيف تنكر حبًا بعد ما شهدت

به عليك عدول الدمع والسقم

فهذان شاهدان، وكأن العدول في محاكم المسلمين وعند قضاتهم أشبه بمن يسمون الآن بالموثقين. وأحسب أن «فشر» المؤرخ ذكر أن من ضمن ما أفادته أوروبا من الترك العثمانيين التسامح الديني وضروبًا من أعمال الحضارة وفنونها أحسبها ذكر فيها القوانين، وإنما هي من الفقه كما لا يخفى. ومكان الأتراك في الحضارة لا ينكر. وإنما أضر بهم الضعف الذي اعتراهم في القرن الماضي حتى زالت الخلافة وخرج عليها من

ص: 211

خرج وخانها من خان ولله الأمر من قبل ومن بعد.

وأثبت الوجد خطي عبرة وضنى

مثل البهار على خديك والعنم

نعم سرى طيف من أهوى فأرقني

والحب يعترض اللذات بالألم

يا لائمي في الهوى العذري معذرة

مني إليك ولو أنصفت لم تلم

عدتك حالي لا سري بمستتر

عن الوشاة ولا دائي بمنحسم

محضتني النصح لكن لست أسمعه

إن المحب عن العذال في صمم

إني اتهمت نصيح الشيب في عذل

والشيب أبعد في نصح عن التهم

إذ هو نذير قرب الأجل.

فإن أمارتي بالسوء ما اتعظت

من جهلها بنذير الشيب والهرم

انظر إلى انسياب الخروج ههنا.

ولا أعدت من الفعل الجميل قرى

ضيف ألم برأسي غير محتشم

هذا من قصيدة أبي الطيب ضمنه.

لو كنت أعلم أني ما أوقره

كتمت سرًا بدا لي منه بالكتم

وهو مما يصبغ به الشيب ويسوده.

من لي برد جماح من غوايتها

كما يرد جماح الخيل باللجم

فلا ترم بالمعاصي كسر شهوتها

إن الطعام يقوي شهوة النهم

والنفس كالطفل إن تهمله شب على

حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم

وهذا نهج عزيز وذهب إبريز. والبردة كما قال ابن المعتز عن تائية دعبل ولا موازنة أشهر من الشمس، ومثلها باهرة.

فإن فضل رسول الله ليس له

حد فيعرب عنه ناطق بفم

ص: 212

وفي آخرها يقول وقد صدق إذ لم يجد في شعر كما أجاد في مدحه صلى الله عليه وسلم.

ومنذ ألزمت أفكاري مدائحه

وجدته لخلاصي خير ملتزم

ولن يفوت الغنى منه يدًا تربت

إن الحيا ينبت الأزهار في الأكم

وهذا نفس من المغرب والأندلس.

ولم أرد زهرة الدنيا التي اقتطفت

يدا زهير بها أثنى على هرم

يا أكرم الرسل ما لي من ألوذ به

سواك عند حلول الحادث العمم

يا نفس لا تقنطي من زلة عظمت

إن الكبائر في الغفران كاللمم

لعل رحمة ربي حين يقسمها

تأتي على حسب العصيان في القسم

يا رب واجعل رجائي غير منعكس

لديك واجعل حسابي غير منخرم

وقد كان في عمل الحساب دهرًا رحمه الله فعبارة منخرم من عمل المحاسبين واصطلاحهم.

والطف بعبدك في الدارين إن له

صبرًا متى تدعه الأموال ينهزم

وائذن لسحب صلاة منك دائمة

على النبي بمنهل ومنسجم

ما رنحت عذبات البان ريح صبًا

وأطرب العيس حادي العيس بالنغم

والمادحون المترنمون بالبردة جعلوا صلاتها:

يا رب صل وسلم دائمًا أبدا

على حبيبك خير الخلق كلهم

وكسر الهاء والميم مذهب أبي عمرو في القراءة وفي هذا الحرف وجوه ذكرها ابن جني كلها في المحتسب.

والمادحون المترنمون بالبردة يضيفون إلى آخرها:

وهذه بردة المختار قد ختمت

يا حسن مبتدأ منها ومختتم

في أبيات يذكرون بها عددها مع طلب المغفرة والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورحم الله الإمام أبا عبد الله محمد بن محمد بن سعيد البوصيري ونفعنا ببيانه وصدقه وبركته وهذا الشعر الدر النفيس الذي هو من مفاخر العربية وحضارتها ومما حفظت وتحفظ به المعجزة إن شاء الله تعالى.

ص: 213

وقد يحلو الحديث في المديح ويود المفيض فيه ألا يغادر من كبار شعرائه أحدًا كابن الجنان الأندلسي وابن نباتة المصري والشهاب محمود ولم نظفر بخبر ابن أبي الخصال الأندلسي إلا بآخرة. وقد قام بعض فضلاء المغاربة بالتنويه بأمره بدرسه منذ زمان قريب فوفاه بذلك بعض حقه إن شاء الله تعالى في هذا الباب. وقد أورد صاحب المجموعة النبهانية للشهاب محمود أمثلة كثيرة طيبة. ونكتفي هنا بأبيات من همزيته التي جاراها شوقي.

ما آذنته ببينها أسماء

فنقول ثاو مل منه ثواء

لكنه ذكر الحمى فتقاسمت

أحشاءه الأشجان والبرحاء

متوقد الزفرات تطفئ وجده

المامة بلوى الحمى لا الماء

وكأن شوقيًا نظر إلى ههنا في الهمزية المفتوحة التي رثى بها عمر المختار حيث قال:

إن البطولة أن تموت من الظما

ليس البطولة أن تعب الماء

وبيت الشهاب فيه صناعة حسنة: المامة- بلوى الحما- لا الماء جعلنا الحمى بألف للتنبيه على الشبه بينها وبين الماء.

أضحى لقا في الحي ليس يقيمه

إلا اللقاء وما هناك لقاء

يهوى الملام لذكرهم وهو الذي

يشجيه فهو دواؤه والداء

هذا أخذه من أبي الطيب «أأحبه وأحب فيه ملامة» البيت.

ويروقه حر الهواجر في السري

نحو الحمى فلهيبها أنداء

وإذا جرى ذكر العقيق جرى له

دمع حكاه إذ الدموع دماء

وهنا مدخل الخروج إلى المديح لأن العقيق بالمدينة حرسها الله:

يا حبذا وادي العقيق وحبذا

بقبا ظلال الدوح والأفياء

ومسارح بين النخيل تأرجت

منها بعرف نسيمها الأرجاء

فكأنما في كل أرض بالحمى

مغني غنى أو روضة غناء

لا يرتوى صادى الهوى إلا إذا

لحظته منها عينها الزرقاء

العين الزرقاء بالمدينة وهنا تورية بزرقاء اليمامة وبالعين الباصرة كما لاحظ النبهاني رحمه الله في هامشه.

ص: 214

وإذا بدا باب المصلى بان من

تلك القباب أشعةً وضياء

ثم يقول:

طوبى لمن أضحى بطيبة داره

وله بها الإصباح والإمساء

دار الهدى والمنزل الرحب الذي

كانت به تتنزل الأنباء

ومقام خير العالمين بأسرهم

عند الإله ومن له الإسراء

هل بالنهار وقد جلا ظلم الدجى

للناظرين إذا رأوه خفاء

ذو المعجزات الباهرات تميزت

عن أن يميز وصفها الإحصاء

يا قاصدا ما ليس يدرك حصره

من وصفه ما لا ينال عناء

فاتت مدائحه القصائد فاقتصد

يغنيك عن تصريحك الإيماء

هل يبلغ الشعراء شيئًا؟ قد أتت

بصفاته الأحزاب والشعراء

قوله قد أتت مستأنف وليس بصفة لقوله شيئًا فتأمله، إذ لا يريد أن يصف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه شيء وصفته الأحزاب والشعراء وإنما يريد أن الشعراء لا يبلغون من شيء في نعته، وفي الاستفهام معنى النفي.

الأمر أعظم أن يحاط بكنهه

ما ذاك مما تبلغ البلغاء

صلى عليه الله ما سرت الصبا

فوق الربا وتلاقت الأنواء

ولكن الشهاب رحمه الله دون الثلاثة الذين ذكرنا في حاق رنين إيقاع المدح النبوي ودون الوتري وليس له رقة ابن الخطيب، إلا أنه فصيح العبارة قوى نفس الخطابة وله صناعة أحيانًا محكمة والله تعالى أعلم.

هذا وقد جمعت المجموعة النبهانية كثيرًا من جياد النبويات وهي عمل يدل على توفر وإتقان وصحبه توفيق من المولى سبحانه وسداد. غير أنه اعتمد سوى ما اشتهر من أمر البرعي رحمه الله على شعراء الديار الشامية والمصرية والعراق ومن جمع منهم صاحب النفح والأزهار. وقد صدق إذ ذكر ما معناه أن مديح النبي صلى الله عليه وسلم في كل عصر وفي كل قطر من أقطار الإسلام وعصوره وقد نظرت فلم أجد في المجموعة نونية كنت لي بها عهد وهي من أولها:

إن لمع البرق من خيف منى

جدد الوجد وهاج الحزنا

كلما طرز أثواب الدجى

لمعه أحرم عيني الوسنا

ص: 215

وهي لشاعر يمني محسن.

وقد شارك في المديح النبوي كل المسلمين ولمحسنيهم في ذلك إحسان ولعل الشيخ النبهاني رحمه الله لو وقع له من جياد ذلك شيء سوى ما ظفر به لنشره وينبغي أن ننبه في هذا الموضع إلى معادن فصاحة وتجويد بالمغرب الأقصى في هذا المجال. وقد كان في بلاد شنقيط علم وتبحر في العربية وعلومها وأسانيد رجالها وحفظ متقن. وقد كان المحمود بن التلاميد الشنقيطي أثر كبير على رواد جيل النهضة بمصر كالشيخ حسين المرصفي صاحب الوسيلة التي قد صارت بعد لدى أهل الأدب إلى ما قدروا عليه من أبوابه وسيلة، حتى إن أصحاب الأفلام ما خلوا في عصور تلت النهضة الأولى من انتفاع بها، كقصة البراق، التي أخرجتها السينما وكانت بطلتها السيدة بهيجة حافظ رحمها الله وكانت تتغنى ويتغنى لها بالأبيات التي أوردها صاحب الوسيلة:

ليت للبراق عينًا فترى

ما ألاقي من عذاب وعنا

حبسوني عذبوني ضربوا

موضع العفة منى بالعصا

أو شيئًا من هذا القبيل وليراجع.

وكان في شنقيط من محسني مدح الرسول صلى الله عليه وسلم إلى عهد قريب جماعة وأورد الأستاذ محمد الحافظ بن أكاه له في رسالة من رسالات الطلبة بفاس (رقم التسجيل 78 - / 2100) للعام الجامعي (1) 1981 - 1982 أمثلة حسنة من هذا الباب، نشير هنا إلى بعض مطالعها كبائية محمد والنان بن المعلى:

أعين متى ما ترق فاضت غروبها

ونفس إذا انساحت توالت كروبها

أراح عليها الليل عازب همها

فكادت تباريح الهموم تذيبها

وفي المدح النبوي منها:

رسول الإله المستضاء بنوره

عليه صلاة الله ينفح طيبها

خلاصة فهر بدرها وذكاؤها

وفارسها يوم الوغى وخطيبها

وكلامية ابن المختار:

سقت شآبيب غيث رائح هطل

ديار علوة لو هجت الهوائج لي

وصانها من يماني الوشي ما نسجت

صناع وسميها الدلوى والحمل

حتى ترى ورباها بعد ما عريت

تهتز من حلل من روضها الخضل

وخرج من المقدمة بقوله:

دع ذا وشمر لما ترجى عواقبه

وما به تبلغ الأقصى من الأمل

(1) قدمت تحت إشراف صاحب الكتاب وأوصى بأن تنشر لجودتها في بابها ونذرته من حيث المادة وعلاجها معًا.

ص: 216

ثم يقول:

محمد سيد الكونين سيد من

مشي على الأرض من حاف ومنتعل

محمد سيد الهادين سيد من

جابت به البيد قود الأينق الذلل

وهذا من نفس البردة والروي والبحر للشقراطيسية.

وكنونية أحمد بن محمد سالم.

أتذري عينه فضض الجمان

غرامًا من تذكره المغاني

مغان بالعقيق إلى المنقى

إلى أحد تذكرها شجاني

ومن تذكار منزلة بسلع

إلى الجما تعاني ما تعاني

فهل عزم يصول على التواني

وهل بعد التباعد من تدان

وهل أغدو بكور الطير رحلي

على وجناء دوسرة هجان

أي هل أبكر كما يبكر الطير عند وقت بكوره.

تبذ العيس لاحقة كلاها

وتطوي البيد مسنفة اللبان

ترى بعد الدؤوب كأخدري

بيمئود أرن على أتان

فهذا نمط الأوائل كما ترى ثم يقول في المديح النبوي:

وما ذو لبدتين ببطن ترج

أبو شبلين مقروح الجنان

كصولته، ولافيح الجوابي

تشابه ما لديه من الجفان

ولا بدر التمام إذا تبدى

بضاحي البدر ليلة أضحيان

ولا شمس الظهيرة في دجن

تحاكي وجنتيه ولا تداني

ملاحة خده لما رأتها

لدى إسرائه حور الجنان

صنعن كما صنعن نسا زليخا

لرؤية يوسف البهج الحسان

دنا في ذلك المسرى دنوًا

من الرحمن ما يدنوه داني

وذاك القرب تقريب اصطفاء

وليس من المسافة والمكان

ثم يقول:

بجاه المصطفى أدعوك يا ذا الـ

ـعطايا والحنان والامتنان

ص: 217

بنقل حركة الهمزة.

وجد لي بالهدى وامنن بتوب

وكفر من ذنوبي ما دهاني

وحطنا واكفنا شر الأعادي

جميعًا واضربن سور الأمان

وقد علق محمد الحافظ في ما كتب على هذه النونية بقوله: «كلمة سلسة عذبة الموسيقا سهلة الألفاظ -تقريبًا- واضحة الأفكار ذات انسجام واسترسال في مثل قوله:

بجاه المصطفى أدعوك يا ذا الـ

ـعطايا والحنان والامتنان. أ. هـ

وقلت وكان حق هذه الكلمة أن تكون لها صلاة ولعلها لها كأن يقول على طريقة مداح الشيخ عبد الرحيم البرعي رحمه الله:

عليك صلاة خالقنا وغيث

من التسليم يهمى كل آن

وقد تأثر غرب إفريقية بعلم المغرب وشنقيط، ففي بلاد هوسًا وسنغال شعر نبوي فصيح حسن مثل كلمة الشيخ على حرازم الكشناوي:

قطوف رياض الحب للصب دانية

وفي قلبه نار من الوجد حامية

زبانية التهيام تعتاد دفعه

وليس يطيق الصب دفع الزبانية

وما ذاك إلا من محبة خدلة

عروب بخنداة من البيض غانية

بدت لي بدو الشمس في رونق الضحى

فما بقيت لي من جبالي باقية

فقلت لها والقلب عاث به الهوى

أشامية أم أنت ليلى الحجازية

خفف ياء النسب.

فقالت أنا داء القلوب وبرؤها

إذا شربت مني كؤوسًا سلافيه

بالتخفيف أو كؤوس سلافيه بالإضافة وفي الطبع خطأ كثير وأحسب كؤوس سلافيه بياء المتكلم وهاء السكت وإضافة كؤوس إلى سلافيه بلا تنوين هو الصواب هنا:

ومن لم يمت حبًا فذلك لم يعش

بنا عيشةً في جنة الحب راضية

فقلت وأعطتني كتابًا من الهوى

فيا ليتني لم أوت منها كتابيه

قوله فيا ليتني مقول القول المتقدم.

فولت بآمالي وصرت معذبًا

بأنواع آلام من الهجر ناريه

ص: 218

أي ناري بأنواع آلام الهجر، بإضافة نار إلى ياء المتكلم بعدها هاء السكت، ولك أن تجعل الياء نسبية مخففة صفة لآلام وما تقدم أصح وأجود. ثم انتقل من هذا النسيب الوجداني إلى المديح النبوي:

ولم يبق لي إلا شفاعة شافع

مقاماته في حضرة الله راقية

دعانا لتوحيد الإله وبره

بأوضح آيات من الله بادية

وهذه الأبيات مع كلمات أخر للشيخ حرازم وغيره في مجموعة الفيض الهامع في تراجم أهل السر الجامع لأبي بكر عتيق ابن العالم خضر الكشني التجاني (1). كشنا الآن في بلاد دولة نيجريا في القسم الشمالي. من طريق الإسلام والقرآن وعلوم الدين والشعر النبوي فصاحة جمة في سائر بلاد الإسلام. وقد جعل بحر الفصاحة ينحسر عن أكثر المعاصرين من الجيل المسلم الحديث إلا ما بقي من ذلك عند أهل المحافظة، وعند من جعلوا يفطنون بآخرة إلى أهمية التمسك بالأصول وألا نتيه وراء السراب، والله برحمته وعونه وجوده يوفقنا ويهدينا إن شاء إلى الصواب.

لعل هذا الفصل عن الأغراض قد طال شيئًا. ولكنا رأينا أن باب المديح النبوي خاصة كأنه مغفول عنه إلا ما قدمنا ذكره من عمل الدكتور زكي مبارك رحمه الله وعطر ثراه وجعل الجنة متقلبه ومثواه، فنسأل الله أن يكون لهذا الذي قدمناه نفع وقبول، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

حاشية: مما أخذ على البوصيري قوله:

يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به

سواك عند حلول الحادث العمم

كأن آخذه عليه ينكر منه هذا التوسل. ولو فطن لعلم أن الحادث العمم إنما هو موقف يوم القيامة والغرق في العرق، إذ لا نعلم حادثًا عممًا سواه وسوى الطوفان على الحقيقة، والطوفان قد مر. وسياق القصيدة، لذكره زلاته التي يخشى بسببها الهلاك ويرجو النجاة من سوء عاقبتها بالشفاعة بعد هذا البيت مباشرة، يبين أن مراده بالحادث العمم يوم القيامة لا حادث سواه وذلك قوله:

يا نفس لا تقنطي من زلة عظمت

إن الكبائر في الغفران كاللمم

وهنا أيضًا إشارة إلى آية تنزيل {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا إنه هو الغفور الرحيم} فهذا يقوي ما قدمنا من أن

(1) طبع مصر، القاهرة، المطبعة المنيرية سنة 1376 هـ.

ص: 219

مراده بالحادث العمم يوم القيامة. وفي الحديث ما يفيد أنه صلى الله عليه وسلم هو الملاذ في ذلك اليوم حين يقول كل أمرئ نفسي نفسي، قال تعالى:{يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها} فيعتذر كل من ترجى شفاعته إلا من أنزل الله سبحانه وتعالى فيه {ومن الليل فتهجد به نافلةً لك عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا} - قال المفسرون كما تقدم إن عسى هنا واجبة. (وحتى على تقدير أن عسى احتمالية أو رجائية غير واجبة وذلك ما لا يقول به أحد ولا نقول به. حتى على هذا الوجه البعيد فإن ههنا استثناء من آية النحل {يوم تأتي كل نفس} [الآية] لأن الله جل شأنه يقول {عسى أن يبعثك} فهذا البعث هو يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها، فاستثناؤه صلى الله عليه وسلم حق حتى على هذا الوجه على وذلك ظاهر والحمد لله. وفي الحديث الصحيح ما يفيد أنه صلى الله عليه وسلم هو الذي يقوم المقام المحمود يوم القيامة وذلك اليوم هو المعني كما تقدم بالحادث العمم. وإنما أتي الآخذ على البوصيري ما أخذه من جهة حصر معنى الحادث العمم في معنى النازلة التي تنزل بالمرء، وهذه تكون كالعامة إن كانت بلاءً شمل عددًا كبيرًا من الناس كما يحدث من الأوبئة والزلازل مثلًا. ولكن العمومية هنا نسبية ليست مطلقة. وقد تنزل النازلة بالمرء وحده فيسميها حادثًا عمها على سبيل المبالغة. وكل ذلك ليس له مثل معنى عمومية الهول يوم الحساب وهو المراد من البوصيري هنا ويناسب ما تلا البيت من ذكره الزلة كما يناسب ما بدأ به البردة من شكوى التقصير والندم كقوله:

وما تزودت قبل الموت نافلة

ولم أصل سوى فرض ولم أصم

وعزل البيت عما تقدمه وتلاه وحمل معناه على المجاز دون الحقيقة بقصد الطعن على صاحبه وهو يتقرب إلى ربه بتوقير نبيه صلى الله عليه وسلم وتعزيره، من الخطأ والله هو العليم بالسرائر وما تخفي الصدور وهو الموفق للصواب.

العنصر الرابع وهو نفس الشاعر:

مرادنا من قولنا «نفس الشاعر» بفتح النون والفاء هذا الروح الذي يربط بين أول القصيدة وآخرها، وبين مطالع الأبيات ومقاطعها، وبين البيت والبيت، وبين مجموعات الأبيات التي تكون معًا في معنى أو دلالة واحدة أو متقاربة ومجموعات الأبيات التي تلي أو تكون قد تقدمت في معنى آخر. وقالوا هذا الشاعر طويل النفس إذا طالت القصيدة وكانت أبياتها وقوافيها تنثال عليه انثيالًا. وقولنا «هذا الروح» أردنا به التنبيه على أن أمر نفس الشاعر فيه خفاء، إذ أمر الروح فيه خفاء، الوزن، الإيقاع، القافية، الأغراض، الألفاظ، المعاني، التشبيه والاستعارة وما

ص: 220

أشبها، كل أولئك أمور واضحات ولسن بمنفصلات عن نفس الشاعر ولا هو بمنفصل عنهن. وليس شيء من خصال الشعر بمنفصل بعضه عن كله، إذ الشعر كل واحد فيما يكون منه قصائدً طوالًا أو قطعًا قصارًا أو غير ذلك. وإنما نعمد إلى تمييز عناصره ومكوناته بعضها عن بعض بقصد الدرس وإمعان النظر، كما ذكرنا من قبل. ومع خفاء أمر نفس الشاعر من حيث إنه روح من حيوية رابطة محركة مؤثرة معبرة معًا، قد نقدر على استبانة دلائل منه وعلامات ينبئن عنه. من ذلك مثلًا قول زياد:

فعد عما مضى إذ لا ارتجاع له

وأنم القتود على عيرانة أجد

فهذا ربط به بين ما تلا من نعت الناقة والطريق وما تقدم من نعت الأطلال.

وقال حسان بن ثابت رضي الله عنه:

إن كنت كاذبة الذي حدثتني

فنجوت منجى الحارث بن هشام

ترك الأحبة أن يقاتل دونهم

ونجا برأس طمرة ولجام

فهذا خروج تخلص به من النسيب إلى ذكر خبر بدر وهزيمة قريش، وفهم الحارث بن هشام مراده فلم يأت بمقدمة من نسيب، ولكنه قال:

الله يعلم ما تركت قتالهم

حتى علوا فرسي بأشقر مزبد

وشممت ريح الموت من تلقائهم

في مأزق والخيل لم تتبدد

وعلمت أني إن أقاتل واحدًا

أقتل ولا يضرر عدوي مشهدي

فصددت عنهم والأحبة فيهم

طمعًا لهم بعقاب يوم مرصد

وقال كعب بن زهير رضي الله عنه:

أمست سعاد بأرض لا يبلغها

إلا العتاق النجيبات المراسيل

فخرج من النسيب إلى الرحلة.

ثم خرج من الرحلة إلى الاعتذار ومن الاعتذار وإعلان التوبة إلى صريح المدح- وقال أبو الطيب وهو يخرج من النسيب بذلك إلى المدح:

لقيت بدرب القلة الفجر لقية

شفت كمدي والصبح فيه قتيل

ويومًا كأن الحسن فيه علامةً

بعثت بها والشمس منك رسول

وما قبل سيف الدولة أثار عاشق

ولا طلبت عند الظلام ذحول

ص: 221