الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتاب الطلاق
ويصح الطلاق من الزوج، وعن الإمام أحمد رواية: ومن والد الصبي والمجنون وسيدهما، والذي يجب أن يسوى في هذا الباب بين العقد والفسخ.. فكل من ملك العقد عليه ملك الفسخ عليه؛ فإن هذا قياس هذه الرواية، وهو موجب شهادة الأصول، ويندرج في هذا الوصي المزوج والأولياء إذا زوجوا المجنون، فإذا جوزنا للولي في إحدى الروايتين استيفاء القصاص وجوزنا له الكتابة والعتق لمصلحة وجوزنا له المقايلة في البيع وفسخه لمصلحة فقد أقمناه مقام نفسه، وكذلك الحاكم الذي له التزويج.. وهذا فيمن يملك جنس النكاح (1) .
ويجب على الزوج أمر زوجته بالصلاة، فإن لم تصل وجب عليه فراقها في الصحيح.
وقال أبو العباس في موضع آخر: إذا دعيت إلى الصلاة وامتنعت انفسخ نكاحها في أحد قولي العلماء، ولا ينفسخ في الآخر، إذ ليس كل من وجب عليه فراقها ينفسخ نكاحها بلا فعله، فإن كان عاجزا عن طلاقها لثقل مهرها كان مسيئا بتزوجه بمن لا تصلي، وعلى هذا الوجه فيتوب إلى الله تعالى من ذلك، وينوي أنه إذا قدر على أكثر من ذلك فعله (2) .
(1) اختيارات (254) فيها زيادات ف (2/ 603) .
(2)
اختيارات (254، 255) فيها زيادة، ف (2/ 306) .
وقال له رجل: لي جارية وأمي تسألني أن أبيعها قال: تتخوف أن تتبعها نفسك قال: نعم، قال لا تبعها، قال: إنها تقول: لا أرضى عنك أو تبيعها قال: إن خفت على نفسك فليس لها ذلك، قال الشيخ تقي الدين: لأنه إذا خاف على نفسه يبقى إمساكها واجبًا، أو لأن عليه في ذلك ضررًا، وقال أيضًا: قيده أمره ببيع السرية إذا خاف على نفسه، لأن بيع السرية ليس بمكروه ولا ضرر عليه فيه فإنه يأخذ الثمن، بخلاف الطلاق فإنه مضر في الدين والدنيا، وأيضا فإنها متهمة في الطلاق ما لا تتهم في بيع السرية (1) .
«لا طلاق ولا عتاق ولا إغلاق» ، قال شيخنا: وحقيقة الإغلاق أن يغلق على الرجل قلبه فلا يقصد الكلام أو لا يعلم به كأنه انغلق عليه قصده وإرادته.
قال: والغضب على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما يزيل العقل فلا يشعر صاحبه بما قال، وهذا لا يقع طلاقه بلا نزاع.
الثاني: ما يكون في مبادئه بحيث لا يمنع صاحبه من تصور ما يقول وقصده، فهذا يقع طلاقه بلا نزاع.
الثالث: أن يستحكم ويشتد به فلا يزيل عقله بالكلية ولكن يحول بينه وبين نيته بحيث يندم على ما فرط منه إذا زال، فهذا محل نظر (2) .
وفي إعلام الموقعين: وقسم يشتد بصاحبه ولا يبلغ به زوال عقله؛ بل يمنعه من التثبت والتروي ويخرجه عن حال اعتداله، فهذا محل اجتهاد (3) .
(1) الآداب (1/ 504) ، ف (2/ 306) .
(2)
زاد المعاد (4/ 42) ، ف (2/ 306) .
(3)
إعلام الموقعين (4/ 50) نقلا عن شيخه، ف (2/ 306) .
ويدخل في كلامهم من غضب حتى أغمي عليه أو غشي عليه، قال شيخنا، بلا ريب ذكر أنه طلق أولا (1) .
وقال الشيخ تقي الدين أيضًا: إن غيره الغضب ولم يزل عقله لم يقع الطلاق، لأنه ألجأه وحمله عليه فأوقعه وهو يكرهه ليستريح منه فلم يبق له قصد صحيح فهو كالمكره، ولهذا لا يجاب دعاؤه على نفسه وماله ولا يلزمه نذر الطاعة فيه (2) .
ولا يقع طلاق السكران ولو بسكر محرم، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها أبو بكر.
ونقل الميموني عن أحمد: الرجوع عما سواها، فقال: كنت أقول يقع طلاق السكران حتى تبينت فغلب عليَّ أنه لا يقع (3) .
وقصد إزالة العقل بلا سبب شرعي محرم (4) .
ولو ادعى الزوج أنه كان حين الطلاق زائل العقل لمرض أو غشي، قال أبو العباس: أفتيت أنه إذا كان هناك سبب يمكن معه صدقه فالقول قوله مع يمينه (5) .
ومن شرب ما يزيل عقله لغير حاجة ففي صحة طلاقه روايتان واختار الشيخ تقي الدين أنه كالسكران (6) .
وقال الشيخ تقي الدين: وزعم طائفة من أصحاب مالك والشافعي
(1) الفروع (5/ 364) ، ف (2/ 306) .
(2)
إنصاف (8/ 482) ، ف (2/ 307) .
(3)
اختيارات فيه زيادة ف (2/ 306) .
(4)
اختيارات (254) ، ف (2/ 307) .
(5)
اختيارات (254) ، ف (2/ 307) .
(6)
إنصاف (8/ 337) ، ف (2/ 307) .
وأحمد أن النزاع في وقوع طلاقه إنما هو في النشوان، فأما الذي تم سكره بحيث لا يفهم ما يقول فإنه لا يقع به قولا واحدا، قال: والأئمة الكبار جعلوا النزاع في الجميع (1) .
ومما يلحق بالبنج الحشيشة الخبيثة، وأبو العباس يرى أن حكمها حكم الشراب المسكر حتى في إيجاب الحد، وفرق أبو العباس بينها وبين البنج بأنها تشتهى فهي كالخمر بخلاف البنج (2) .
وقال الشيخ تقي الدين: إن طلاق الفضولي كبيعه (3) .
ولا يقع طلاق المكره، والإكراه يحصل: إما بالتهديد، وإما أن يغلب ظنه أنه يضره في نفسه أو ماله بلا تهديد.
وقال أبو العباس في موضع آخر: كونه يغلب على ظنه تحقق تهديده ليس بجيد؛ بل الصواب أنه لو استوى الطرفان لكان إكراها، وأما إن خاف وقوع التهديد وغلب على ظنه عدمه فهو محتمل في كلام أحمد وغيره.
ولو أراد المكره إيقاع الطلاق وتكلم به وقع، وهو رواية حكاها أبو الخطاب في الانتصار، وإن سحره ليطلق فإكراه.
قال أبو العباس: تأملت المذهب فوجدت الإكراه يختلف باختلاف المكره عليه، فليس الإكراه المعتبر في كلمة الكفر كالإكراه المعتبر في الهبة ونحوها، فإن أحمد نص في غير موضع على أن الإكراه على الكفر لا يكون إلا بتعذيب من ضرب أو قيد، ولا يكون الكلام إكراها.
وقد نص على أن المرأة لو وهبت زوجها صداقها أو مسكنها فلها أن ترجع، بناء على أنها لا تهب له إلا إذا خافت أن يطلقها أو يسيء
(1) إنصاف (8/ 433) ، ف (2/ 307) .
(2)
إنصاف (8/ 433) ، ف (2/ 307) .
(3)
إنصاف (8/ 444) ، ف (2/ 307) .
عشرتها، فجعل خوف الطلاق أو سوء العشرة إكراها في الهبة، ولفظه في موضع آخر، لأنه أكرهها ومثل هذا لا يكون إكراها على الكفر، فإن الأسير إذا خشي من الكفار أن لا يزوجوه وأن يحولوا بينه وبين امرأته لم يبح له التكلم بكلمة الكفر.
ومثل هذا لو كان له عند رجل حق من دين أو وديعة فقال: لا أعطيك حتى تبيعني أو تهبني، فقال مالك: هو إكراه، وهو قياس قول أحمد ومنصوصه في مسألة ما إذا منعها حقها لتختلع منه، وقال القاضي تبعا للحنفية والشافعية ليس إكراها (1) .
قال شيخنا: أو ظن أنه يضره بلا تهديد في نفسه أو أهله أو ماله لم يقع (2) .
ومن سحر فبلغ به السحر ألا يعلم ما يقول فلا طلاق له (3) .
وإذا أكره على اليمين بغير حق مثل أن يكون باعه إلى أجل ثم بعد لزوم العقد قال له: إن لم تحلف لي أنك تعطيني حقي يوم كذا وإلا لزمك الطلاق، فإن لم تحلف أخذت السلعة منك، وذلك بعد أن أدى المشتري الكلفة السلطانية، فإن هذه اليمين لا تنعقد، ولا طلاق عليه إذا لم يعط، ولو قال: كنت استثنيت فقلت: إن شاء الله تعالى، فقال: لم تقل شيئا، فالقول قول الحالف في هذه الحال أنه استثنى لأنه مظلوم، والمظلوم له الاستثناء، وله التعريض والقول قوله في ذلك (4) .
وعلى المذهب ليس له أن يطلق ثانية وثالثة قبل الرجعة على الصحيح من المذهب.
(1) اختيارات (255، 256) ، ف (2/ 307) .
(2)
فروع (5/ 368) ، ف (2/ 307) .
(3)
مختصر الفتاوى (544) ، ف (2/ 307) .
(4)
مختصر الفتاوى (543) ، ف (2/ 307) .
قال الشيخ تقي الدين: اختارها أكثر الأصحاب كأبي بكر والقاضي وأصحابه قال: وهو أصح (1) .
وإن أطلق ثلاثا مجموعة قبل رجعة واحدة طلقت ثلاثا وإن لم ينوها على الصحيح من المذهب، نص عليه مرارا، وعليه الأصحاب، بل الأئمة الأربعة رحمهم الله وأصحابهم في الجملة، وأوقع الشيخ تقي الدين من ثلاث مجموعة أو متفرقة قبل رجعة طلقة واحدة، وقال: لا نعلم أحدا فرق بين الصورتين (2) .
وإن طلقها ثلاثا متفرقة بعد أن راجعها طلقت ثلاثا بلا نزاع في المذهب وعليه الأصحاب منهم الشيخ تقي الدين (3) .
صريح الطلاق وكنايته
وعنه: أنت مطلقة، ليست صريحة، وطلقتك قال الشيخ تقي الدين، هذه الصيغ إنشاء من حيث إنها هي التي أثبتت الحكم وبها تم، وهي إخبار لدلالتها على المعنى الذي في النفس (4) .
أنت طالق لا رجعة لي عليك، قال الشيخ تقي الدين، هذه صريحة في الإيقاع كناية في العدد، فهي مركبة من صريح وكناية (5) .
ولو قال رجل: امرأة فلان طالق، فقال: ثلاثا، فهذه تشبه
ما لو قال: لي عليك ألف، فقال: صحاح فيه وجهان: وهذا أصله في
(1) إنصاف (8/ 452) ، ف (2/ 308) .
(2)
إنصاف (8/ 453) ، ف (2/ 309) .
(3)
إنصاف (8/ 453) ، ف (2/ 309) .
(4)
إنصاف (8/ 263) ، ف (2/ 312) .
(5)
إنصاف (8/ 477) ، ف (2/ 313) .
الكلام من اثنين، فإذا أتى الثاني بالصفة ونحوها هل يكون متمما للأول؟ (1) .
وعقد النية في الطلاق على مذهب الإمام أحمد: أنها إن أسقطت شيئا من الطلاق لم تقبل، مثل قوله: أنت طالق ثلاثا، وقال: نويت إلا واحدة، فإنه لا يقبل رواية واحدة، وإن لم تسقط من الطلاق وإنما عدل به من حال إلى حال مثل أن ينوي من وثاق وعقال ودخول الدار إلى سنة ونحو ذلك، فهذا على الروايتين.
إحداهما: يقبل، كما لو قال: أنت طالق، أنت طالق، وقال: نويت بالثانية التأكيد، فإنه يقبل منه رواية واحدة.
وأنت طالق ومطلقة وما شاكل ذلك من الصيغ هي إنشاء من حيث إنها هي إثبات للحكم وشهادتهم، وهي إخبار لدلالتها على المعنى الذي في النفس (2) .
ومن أشهد عليه بطلاق ثلاث، ثم أفتي بأنه لا شيء عليه لمن يؤاخذ بإقراره ويقبل يمينه لمعرفة أن مستنده في إقراره ذلك مما يجهله (3) .
وإذا صرف الزوج لفظه إلى ممكن يتخرج أن يقبل قوله إذا كان عدلا، كما قاله أحمد فيمن أخبرت أنها نكحت من أصابها، وفي المخبر بالثمن إذا ادعى الغلط على رواية، ولو قيل بمثل هذه في المخبرة بحيضها إذا علق الطلاق به يتوجه، وذلك لأن المخبر إذا خالف خبره الأصل اعتبر فيه العدالة (4) .
(1) اختيارات (256) ، ف (2/ 311) .
(2)
اختيارات (256، 257) ، ف (2/ 312) .
(3)
اختيارات (257) وعبارة الإنصاف: ممن يجهله مثله، ف (2/ 312) .
(4)
اختيارات (257) ، ف (312) .
ولا يقع الطلاق بالكناية إلا بنية وإلا مع قرينة إرادة الطلاق.
فإذا قرنت الكنايات بلفظ يدل على أحكام الطلاق، مثل أن يقول: فسخت النكاح، وقطعت الزوجية، ورفعت العلاقة بيني وبين زوجتي.
وقال الغزالي في المستصفى في ضمن مسألة القياس: لا يقع الطلاق بالكناية حتى ينويه.
قال أبو العباس: هذا عندي ضعيف على المذاهب كلها، فإنهم مهدوا في كتاب الوقف أنه إذا قرن بالكناية بعض أحكامه صار كالصريح.
ويجب أن يفرق بين قول الزوج: لست لي بامرأة وما أنت لي بامرأة وبين قوله: ليس لي امرأة وبين قوله إذا قيل له: لك امرأة فقال: لا، فإن الفرق ثابت بينهما وصفا وعددا، إذ الأول نفي لنكاحها، ونفي نكاحها كإثبات طلاقها يكون إنشاء ويكون إخبارا، بخلاف نفي المنكوحات عموما فإنه لا يستعمل إلا إخبارا.
وقطع في المغني والكافي وغيرهما: أنه لو باع زوجته، لا يقع به طلاق، وقال ابن عقيل: وعندي أنه كناية: قال أبو العباس: وهذا متوجه إذا قصد الخلع، لا بيع الرقبة (1) .
قال القاضي: إن قال لها: اختاري نفسك، فذكرت أنها اختارت نفسها فأنكر الزوج فالقول قوله: لأن الاختيار مما يمكنها إقامة البينة عليه فلا يقبل قولها في اختيارها، قال أبو العباس: يتوجه أن يقبل قولها، كالوكيل على ما ذكره، أصحابنا في أن الوكيل يقبل قوله في كل تصرف وكل فيه.
(1) اختيارات (257، 258) ، ف (2/313) .