الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ (50) .
فيجيء بعضه مصداقا لنبأ الرحمة، ويجيء بعضه مصداقا لنبأ العذاب، كذلك هو يرجع إلى مطالع السورة، فيصدق ما جاء فيها من نذير:
ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (3) وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ (4) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (5) .
فهذه نماذج من القرى المهلكة بعد النذر، حلّ بها جزاؤها بعد انقضاء الأجل.
الحجر
سميت هذه السورة الحجر، إشارة إلى أصحاب الحجر وهم قوم صالح (ع) . والحجر تقع بين الحجاز والشام إلى وادي القرى، وهي ظاهرة إلى اليوم، فقد نحتوها في الصخر، في ذلك الزمان البعيد، ممّا يدلّ على القوّة والحضارة:
وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (80) . وهم لم يكذّبوا سوى رسولهم صالح. ولكن صالحا ليس إلّا ممثّلا للرسل أجمعين، فلمّا كذّبه قومه قيل:
إنّهم كذّبوا المرسلين، توحيدا للرسالة وللرسل وللمكذّبين في كل أعصار التاريخ وفي كل جوانب الأرض، على اختلاف الزمان والمكان والأشخاص والأقوام:
وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (81) .
وآية صالح (ع) كانت الناقة. ولكن الآيات في هذا الكون كثيرة، والآيات في هذه الأنفس كثيرة. وكلها معروضة للأنظار والأفكار. وليست الخارقة التي جاءهم بها صالح هي وحدها الآية التي آتاهم الله. وقد أعرضوا عن آيات الله كلها. ولم يفتحوا لها عينا ولا قلبا، ولم يستشعرها فيهم عقل ولا ضمير:
وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ (82) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (83) فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (84) .
لقد اتّخذ قوم صالح بيوتا حصينة أمينة في صلب الجبال فأخذتهم الصيحة في وقت الصباح، وهم في ديارهم الحصينة آمنون، فإذا كل شيء
ذاهب، وإذا كل وقاية ضائعة، وإذا كل حصين واهن، ولم يبق لهم ممّا جمعوا وكسبوا، وممّا بنوا ونحتوا شيء يغني عنهم ويدفع الهلاك الخاطف.
وهكذا تنتهي الحلقات الخاطفة من القصص في سورة الحجر محققة سنة الله تعالى في أخذ المكذّبين عند انقضاء الأجل المعلوم، فتتناسق نهاية هذا الشوط مع نهايات الأشواط السابقة في تحقيق سنة الله سبحانه التي لا تتخلّف ولا تحيد.
وفي ختام السورة ذكر للسنن العامة التي لا تتخلف والتي تحكم الكون والحياة، وتحكم الجماعات والرسالات، وتحكم الهدى والضلال، وتحكم المصائر والحساب والجزاء والتي انتهى كل مقطع من مقاطع السورة بتصديق سنّة منها تلك السنن شاهد على الحكمة المكنونة في كل خلق من خلق الله وعلى الحقّ الأصيل الذي تقوم عليه طبيعة هذا الخلق.
ومن ثمّ يعقب السياق في ختام السورة، ببيان هذا الحق الأكبر الذي يتجلى في طبيعة خلق السماوات والأرض وما بينهما، وطبيعة الساعة الآتية لا ريب فيها، وطبيعة الدعوة التي يحملها الرسول (ص) وقد حملها الرسل قبله. ويجمع بينها كلها في نطاق الحق الأكبر الذي يربطها ويتجلى فيها، ويبين أن الله جل جلاله هو الخلاق لهذا الوجود ولكل ما فيه:
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (86) .