المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «هود» - الموسوعة القرآنية خصائص السور - جـ ٤

[جعفر شرف الدين]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الرابع

- ‌سورة يونس 10

- ‌المبحث الأول أهداف سورة «يونس»

- ‌أهدافها الإجمالية

- ‌الدرس الأول: مظاهر قدرة الله

- ‌الدرس الثاني: الأدلة على وجود الله

- ‌الدرس الثالث: قصص الأنبياء

- ‌ قصة نوح

- ‌المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «يونس»

- ‌تاريخ نزولها ووجه تسميتها

- ‌الغرض منها وترتيبها

- ‌إبطال شبههم على القرآن الآيات [1- 36]

- ‌تحديهم بالقرآن الآيات [37- 56]

- ‌دعوتهم إلى تصديق القرآن بالترغيب والترهيب الآيات [57- 98]

- ‌الخاتمة الآيات [99- 109]

- ‌المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «يونس»

- ‌المبحث الرابع مكنونات سورة «يونس»

- ‌المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «يونس»

- ‌المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «يونس»

- ‌المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «يونس»

- ‌المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «يونس»

- ‌سورة هود 11

- ‌المبحث الأول أهداف سورة «هود»

- ‌تمهيد عن الوحدة الموضوعية للسورة

- ‌عناصر الدعوة الإلهية

- ‌1- العقيدة والايمان بالله

- ‌2- إعجاز القرآن

- ‌3- القصص في سورة هود

- ‌قصة نوح (ع)

- ‌قصة هود

- ‌المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «هود»

- ‌تاريخ نزولها ووجه تسميتها

- ‌الغرض منها وترتيبها

- ‌إثبات تنزيل القرآن الآيات [1- 24]

- ‌تثبيت النبي بالقصص على تكذيبهم الآيات [25- 99]

- ‌الخاتمة الآيات [100- 123]

- ‌المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «هود»

- ‌المبحث الرابع مكنونات سورة «هود»

- ‌المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «هود»

- ‌المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «هود»

- ‌المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «هود»

- ‌المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «هود»

- ‌سورة يوسف 12

- ‌المبحث الأول أهداف سورة «يوسف»

- ‌قصة يوسف

- ‌يوسف بين إخوته وأبيه

- ‌رؤيا يوسف

- ‌يوسف وامرأة العزيز

- ‌يوسف عزيز مصر

- ‌المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «يوسف»

- ‌تاريخ نزولها ووجه تسميتها

- ‌الغرض منها وترتيبها

- ‌المقدمة الآيات (1- 3)

- ‌قصة يوسف (ع) الآيات (4- 101)

- ‌الخاتمة الآيات (102- 111)

- ‌المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «يوسف»

- ‌المبحث الرابع مكنونات سورة «يوسف»

- ‌المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «يوسف»

- ‌المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «يوسف»

- ‌المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «يوسف»

- ‌المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «يوسف»

- ‌سورة الرعد 13

- ‌المبحث الأول أهداف سورة «الرّعد»

- ‌موضوع السورة

- ‌مشاهد الكون في سورة الرعد

- ‌أدلة الألوهية في سورة الرعد

- ‌النصف الثاني من سورة الرعد

- ‌التناسق الفني في سورة الرعد

- ‌المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الرّعد»

- ‌تاريخ نزولها ووجه تسميتها

- ‌الغرض منها وترتيبها

- ‌المقدمة الآيات [1- 6]

- ‌رد شبهتهم الأولى على القرآن الآيات [7- 26]

- ‌رد شبهتهم الثانية على القرآن الآيات [27- 43]

- ‌المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الرّعد»

- ‌المبحث الرابع مكنونات سورة «الرّعد»

- ‌المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الرّعد»

- ‌المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الرّعد»

- ‌المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الرّعد»

- ‌المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الرّعد»

- ‌سورة ابراهيم 14

- ‌المبحث الأول أهداف سورة «إبراهيم»

- ‌وحدة الرسالات السماوية في سورة إبراهيم

- ‌المقطع الثاني من سورة إبراهيم

- ‌ نعم الله

- ‌المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «إبراهيم»

- ‌تاريخ نزولها ووجه تسميتها

- ‌الغرض منها وترتيبها

- ‌نزول القرآن للترغيب في الإيمان والتحذير من الكفر الآيات [1- 3]

- ‌اتحاد الغرض من الكتب المنزلة الآيات [4- 18]

- ‌ترهيب المشركين وترغيبهم الآيات [19- 52]

- ‌المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «إبراهيم»

- ‌المبحث الرابع مكنونات سورة «إبراهيم»

- ‌المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «إبراهيم»

- ‌المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «إبراهيم»

- ‌المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «إبراهيم»

- ‌المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «إبراهيم»

- ‌سورة الحجر 15

- ‌المبحث الأول أهداف سورة «الحجر»

- ‌الآيات الكونية في سورة الحجر

- ‌قصة آدم في سور البقرة والأعراف والحجر

- ‌خلق الإنسان

- ‌الربع الأخير من سورة الحجر

- ‌الحجر

- ‌الغرض منها وترتيبها

- ‌إثبات تنزيل القرآن الآيات [1- 27]

- ‌ترهيب المشركين بأخبار المكذّبين قبلهم الآيات [28- 84]

- ‌الخاتمة الآيات [85- 99]

- ‌المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الحجر»

- ‌المبحث الرابع مكنونات سورة «الحجر»

- ‌المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الحجر»

- ‌المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الحجر»

- ‌المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الحجر»

- ‌المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الحجر»

- ‌الفهرس

- ‌سورة يونس

- ‌سورة هود

- ‌سورة يوسف

- ‌سورة الرعد

- ‌سورة إبراهيم

- ‌سورة الحجر

الفصل: ‌المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «هود»

‌المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «هود»

«1»

1-

وقال تعالى: أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ [الآية 5] .

قوله تعالى: يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ، أي:

يزورّون عن الحق وينحرفون عنه: لأن من أقبل على الشيء استقبله بصدره، ومن ازورّ عنه وانحرف، ثنى عنه صدره، وطوى عنه كشحه.

أقول: و «ثني الصدر» من مجازات القرآن البديعة التي لم نعرفها في مجازات العرب.

2-

وقال تعالى: لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (22) .

قال الزجّاج: «لا» نفي لما ظنّوا أنه ينفعهم، كأنّ المعنى لا ينفعهم ذلك جرم أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (22)، أي: كسب ذلك الفعل، لهم الخسران. وقال غيره:

معناه: لا بدّ ولا محالة أنهم.

وقيل: معناه حقا، ويستعمل في أمر يقطع عليه ولا يرتاب فيه، أي: لا شكّ أن هؤلاء الكفار هم أخسر الناس في الآخرة.

أقول: حين اختلفت الأقوال في معنى «لا جرم» ، أصبحت الكلمة من المسائل المشكلة، فليس في طوق المتكلّم أن يستعملها، ولعل من أجل ذلك لم يكتب لها البقاء كثيرا في العربية، وقلّما نقف على شيء منها في النصوص.

لقد روي في حديث قيس بن عاصم قوله: لا جرم لأفلّنّ حدّها.

قال ابن الأثير: هذه كلمة ترد بمعنى

(1) . انتقي هذا المبحث من كتاب «من بديع لغة التنزيل» ، لإبراهيم السامرّائي، مؤسسة الرسالة، بيروت، غير مؤرّخ.

ص: 77

تحقيق الشيء، واختلف فيها فقيل أصلها التبرئة بمعنى لا بدّ، وقد استعملت بمعنى حقّا.

وقال الخليل: إن «جرم» إنما تكون جوابا لما قبلها من الكلام، يقول الرجل: كان كذا وكذا وفعلوا كذا، فتقول: لا جرم أنهم سيندمون، أو انه سيكون كذا وكذا.

3-

وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (23) .

قوله تعالى: وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ، اي: اطمأنّوا إليه، وانقطعوا الى عبادته بالخشوع والتواضع، وهو من الخبت أي: الأرض المطمئنة.

وقيل: معناه أنابوا وتضرّعوا إليه، وهو قول ابن عبّاس.

وعن مجاهد: المعنى خضعوا له وخشعوا اليه، والكلّ متقارب.

وفي قوله تعالى: وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34)[الحج] .

أي: المتواضعين: وقيل:

المطمئنّين.

وفي قوله تعالى: فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ [الحج/ 54] . فسّره ثعلب بأنه التواضع.

وفي حديث الدعاء: «واجعلني لك مخبتا» .

أقول: وهذا من الكلم القرآني الذي نهض له أهل العلم من اللغويين والمفسّرين، ووقفوا منه وقفات فيها جدّ وإخلاص.

4-

وقال تعالى: وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ [الآية 27] .

قوله تعالى: بادِيَ الرَّأْيِ بمعنى أوّل الرأي أو ظاهر الرأي، وانتصابه على الظرف، أصله: وقت حدوث أول رأيهم، أو وقت حدوث ظاهر رأيهم، فحذف ذلك وأقيم المضاف إليه مقامه.

وقرئ بالهمز وغير الهمز.

أقول: قد يحمل على الظرف مسائل كثيرة ليست من الظرف في الدلالة الزمانية أو المكانية، فما أضيف الى الظرف أو إلى كلّ ما يدلّ على شيء من الزمان والمكان ينصب على الظرفية، ألا ترى أن «أثناء» جمع ثني، و «خلال» مصدر يدل على المكان، ولكنهما اكتسبا الظرفية من الخافض «في» كما في قولهم:«في أثناء» ،

ص: 78

والخافض «من» في قولهم «من خلال» ، ثم اتسع في الاستعمال، وشاعت الظرفية في الكلمتين فأسقط الخافض فقيل: وحدث أثناء ذلك والأصل: «في أثناء ذلك» ، وقيل:

وعرض خلال الأمر، والأصل: من خلال.

5-

وقال تعالى: وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ [الآية 30] .

المراد بقوله تعالى: مِنَ اللَّهِ، أي من انتقامه، فمن يمنعني من ذلك إن طردتهم أقول: وطيّ، «الانتقام» ، بهذه الصورة يتبين من المعنى وسياق الآية قبلها. وفي أسلوب القرآن، من الإيجاز بالحذف، ما لا يدركه إلا الفطن اللبيب.

6-

وقال تعالى: وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44) .

أقول: إن أسلوب القرآن جرى على نسق من إحكام الجملة العربية، فخصّها بشيء كثير من «التناسب» ، وأريد بالتناسب محاكاة الطول، حتّى لكأنّك مع هذا النظم البديع أمام مشهد متّصل الصّور منسجم الألوان، وهذا من لطف بديع القرآن.

وأنت إذا تلوت: يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ، ثم عقّبت عليها بقوله تعالى:

وَيا سَماءُ أَقْلِعِي، غلب عليك جمال هذا التقطيع عن الانصراف الى السجع بين «ابلعي» و «أقلعي» .

ونتابع هذا الأسلوب المحكم في وضع الفقر، المصيب كل الإصابة للمعنى بيانا وتصويرا، فنجد أنفسنا مأخوذين بلطف الصنعة في السّرد، وما يشبه الحركة الفنّية، في الخطاب والجواب الذي يقتضيه مقام سرد الخبر، ونتلو:

وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ (45) قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (46) .

قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ (47) .

قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ

ص: 79

عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ

(48)

.

ونجتزئ بهذا القدر، من هذه اللغة الشريفة التي أحسن الله بناءها، فكان من ذلك سر الإعجاز.

7-

وقال تعالى: أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ [الآية 60] .

قوله تعالى: كَفَرُوا رَبَّهُمْ، المراد به (كفروا بربهم) فحذف الباء كقولهم:

أمرتك الخير، والمعنى أمرتك بالخير، وهذا من باب الحذف والإيصال، وفي لغة القرآن، وغيره، نظائر وأشباه، قال تعالى:

أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ (68) .

ولا بد أن نستذكر قوله تعالى:

وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا [الأعراف/ 155] . وقد مرّ كلامنا على الآية.

8-

وقال تعالى: هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها [الآية 61] .

المراد بقوله تعالى: وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها، أي: أذن لكم في عمارتها، واستخراج قومكم منها، وجعلكم عمّارها.

أقول: هذا هو أصل الاستعمار، فماذا من أمره في العربية المعاصرة. لا أريد أن ادخل في موضوع «الاستعمار» بمعناه الحديث، فهو تسلط أجانب أعداء على بلاد ليست بلادهم، والاستيلاء عليها والإفادة من خيراتها.

ومن غير شكّ، أن في هذا فهما جديدا لهذه الكلمة، يدخل في باب التطور الجديد، وكم من كلمة هبطت من عل الى الدرك الأسفل، وليس غريبا أن تجد عكس ذلك.

9-

وقال تعالى: فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً [الآية 70] .

قوله تعالى: نَكِرَهُمْ مثل أنكره واستنكره، إلا أنّ «منكور» قليل في كلامهم، وقال الأعشى:

وأنكرتني وما كان الذي نكرت منّي الحوادث إلّا الشّيب والصّلعا أقول: قولهم: إنّ «منكور» قليل في كلامهم مع وجود الفعل الثلاثي، وهذا

ص: 80

مألوف في العربية، ألا ترى انهم قالوا:

الظّلام والظّلمة، حتّى إذا أرادوا الفعل قالوا: أظلم الليل، وليس لهم «ظلم» .

10-

قال تعالى: فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) .

أقول: والحنيذ المشويّ بالرّضف في أخدود، أي: بالحجارة.

وهذا، مما كان معروفا في رسوم الجاهليين وغيرهم، من أهل البوادي.

11-

وقال تعالى: وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77) .

قال الزمخشري «1» : كانت مساءة لوط وضيق ذرعه لأنه حسب أنهم إنس، فخاف عليهم خبث قومه، وأن يعجز عن مقاومتهم ومدافعتهم.

أقول: جاء في كتب اللغة: أن الذرع الطاقة. وضاق بالأمر ذرعه وذراعه أي: ضعفت طاقته، ولم يجد من المكروه فيه مخلصا، ولم يطقه ولم يقو عليه، وأصل الذّرع إنما هو بسط اليد فكأنك تريد: مددت يدي إليه فلم تنله، قال حميد بن ثور يصف ذئبا:

وإن بات وحشا ليلة لم يضق بها

ذراعا، ولم يصبح لها وهو خاشع

وضاق به ذرعا مثل ضاق به ذراعا،

ونصب «ذرعا» ، لأنه خرج مفسّرا

محوّلا، لأنه كان في الأصل: ضاق ذرعي به، فلما حوّل الفعل خرج قوله ذرعا مفسّرا، ومثله طبت به نفسا، وقررت به عينا.

وأصل «الذّرع» ان يذرع البعير بيديه في سيره ذرعا على قدر سعة خطوه، فإذا حملته على أكثر من طاقته حتى يبطر، ويمدّ عنقه ضعفا عمّا حمل عليه.

12-

وقال تعالى: وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ [الآية 78] .

قال أبو عبيدة: معناه يستحثّون إليه كأنه يحثّ بعضهم بعضا.

وتهرّع إليه: عجل.

أقول: وأصل الهرع والهرع والإهراع شدّة السّوق، وسرعة العدو، قال الشاعر:

كأنّ حمولهم متتابعات،

رعيل يهرعون الى رعيل

وهذا الفعل «هرع» ، ومثله قولهم

(1) . «الكشاف» 2/ 413.

ص: 81

«ضاق به ذرعا» في الآية السابقة، يدلان دلالة واضحة على مكانة البداوة وتأثيرها في العربية، وكيف أنها أمدّت هذه اللغة بذخائر حوّلها الاستعمال وأبعد عنها صفة البداوة، فصارت من مواد الحضارة. ومن المفيد أن أشير الى أن الفعل «هرع» بني في استعمالهم على ما لم يسمّ فاعله: وقالوا معناه المعلوم مثل سقط وحمّ وغمّ وغير ذلك. غير أن المعربين في عصرنا، درجوا على بنائه على «فعل يفعل» نظير «سطع يسطع» ، وكأن التنبيه على موطن التجاوز والخطأ أفاد، فبدأ إصلاحهم للخطأ.

13-

وقال تعالى: وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ [الآية 89] .

قوله تعالى: لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ، أي: لا يكسبنّكم شقاقي إصابة العذاب.

و «جرم» مثل «كسب» في تعدّيه الى مفعول واحد والى مفعولين: تقول:

جرم ذنبا وكسبه، وجرمته ذنبا وكسبته إيّاه، قال:

ولقد طعنت أبا عيينة طعنة

جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا

وقرأ ابن كثير بضم الياء من «أجرمته ذنبا» إذا جعلته جارما له، أي: كاسبا، وهو منقول من «جرم» المتعدّي الى مفعول واحد، كما نقل «أكسبه المال» من «كسب المال» ، وكما لا فرق بين كسبته مالا وأكسبته إيّاه، فكذلك لا فرق بين «جرمته ذنبا» و «أجرمته إيّاه» .

والقراءتان مستويتان في المعنى لا تفاوت بينهما، إلّا ان المشهورة أفصح لفظا «1» .

أقول: وليس لنا شيء من هذا الفعل. بهذه الدلالة أو ما يقرب منها في عربيتنا المعاصرة.

14-

وقال تعالى: وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا [الآية 92] .

والظّهريّ: الذي تجعله بظهر، أي:

تنساه وتغفل عنه، والمراد بالآية أي لم تلتفتوا إليه، وتركتم أمر الله وراء ظهوركم.

قال ابن سيده: واتّخذ حاجته ظهريّا، استهان بها كأنّه نسبها الى الظّهر، على غير قياس، كما قالوا في النّسب الى البصرة بصريّ.

(1) . «الكشاف» 2/ 421.

ص: 82

وفي حديث عليّ- عليه السلام:

اتّخذتموه وراءكم ظهريّا حتى شنّت عليكم الغارات، أي: جعلتموه وراء ظهوركم.

أقول: لم يبق من هذه المادة الجميلة إلا ما ورد على التثنية، وهو معروف لدى القلة من أهل العربية الملتزمة بالفصاحة، يقال: هو نازل بين ظهرانيهم، أي: بين أظهرهم، وأقام بينهم.

وقد ورد في الحديث الشريف أيضا، ويقال بين ظهريهم أيضا.

وينبغي أن ننبّه الى أنّ قولهم: «بين ظهرانيهم» و «ظهريهم» ينبغي أن يكون الأول والثاني بفتح الظاء، والأول أيضا بفتح النون. وتنبيهي هذا دليل أن الخطأ معروف، كما أن الأقدمين نبّهوا على مثل هذا.

15-

وقال سبحانه وتعالى: وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (101) .

أي: ما زادوهم غير تخسير، يقال:

تبّ إذا خسر، وتبّبه غيره إذا أوقعه في الخسران.

أقول: لا نعرف في العربية المعاصرة هذا الفعل ولا المصدر، كما لا نعرف الثلاثي منه، ولا نقرأه إلّا في لغة التنزيل. 16- وقال تعالى: إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108) .

والمعنى: غير مقطوع.

وجذّ الشّعر معروف في عصرنا في العربية المعاصرة.

أما الجذ بمعنى القطع كما في الآية، فهو معروف في العربية القديمة، فالجذّ القطع، وكسر الشيء الصّلب، والجذاذ والجذاذ، ما كسر منه، وضمّه أفصح من كسره، والواحدة جذاذة، وقطع الفضة الصغار جذاذ، ويقال لحجارة الذهب. والجذاذات القراضات للفضة.

وجذذت الحبل قطعته فانجذّ، وجذّ النّخل يجذّه جذا وجذاذا وجذاذا حرمه. عن اللحيانيّ، وهي مثل جزّ جزا وجزازا وجزازا.

ورحم جذّاء: مقطوعة.

أقول: ذهب كل هذا وليس لنا إلّا الشّعر يجذّ، وإلّا قول المعاصرين من الباحثين في مصطلحهم «الجذاذة» لقطعة الورق، التي يثبتون فيها فائدة خاصة، يرجعون إليها بعد جمع ما يحتاجون إليه من فوائد ومعارف، لتدخل في المادة التي يحرّرونها كتابا أو أي شيء آخر.

ص: 83