الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «هود»
«1»
قوله تعالى: الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) وهذه استعارة. لأن آيات القرآن لمّا ورد في بعضها ذكر الحلال والحرام، واستمرت على ذلك بين وعد مقدّم، ووعيد مؤخّر، ونذارة مبتدأ بها، وبشارة معقّب بذكرها شبّهها القرآن، لذلك، بالنظائم المفصّلة، التي توافق فيها بين الأشكال تارة، وتؤلف بين الأضداد تارة ليكون ذلك أحسن في التنضيد، وأبلغ في الترصيف. وهذه من بدائع الاستعارات.
وقوله سبحانه: أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ [الآية 5] وهذه استعارة. لأن حقيقة الشيء لا تتأتّى في الصدور. والمراد بذلك- والله أعلم- أنهم يثنون صدورهم على عداوة الله ورسوله (ص) . وذلك كما يقول القائل: هذا الأمر في طيّ ضميري. أي قد اشتمل عليه قلبي.
فيكون قوله تعالى: يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ بمنزلة قوله يطوون صدورهم. ولفظ يثنون أعذب استماعا وأحسن مجازا.
وقيل أيضا: بل معنى ذلك أن المنافقين كانوا إذا اجتمعوا تخافتوا بينهم في الكلام، وحنوا ظهورهم تطامنا عند الحوار، خوفا من رمق العيون، ومراجم الظنون، لوقوع ما يتفاوضونه في أسماع المسلمين. فإذا
(1) . انتقي هذا المبحث من كتاب «معاني القرآن» للأخفش، تحقيق عبد الأمير محمد أمين الورد، مكتبة النهضة العربية وعالم الكتب، بيروت، غير مؤرّخ.
انحنت ظهورهم، انثنت صدورهم.
فأعلمنا الله سبحانه أنهم، وإن أغلقوا أبوابهم، وأسدلوا ستورهم، واستغشوا ثيابهم- بمعنى اشتملوا بها، وبمعنى أدخلوا رؤوسهم فيها على ما قاله بعضهم- فإنه تعالى يعلم غيب صدورهم، ودخائل قلوبهم، ومرامز أعينهم، ومحاذف «1» ألسنتهم.
وقوله سبحانه وتعالى: وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ (9) وهذه استعارة لأن إذاقة الرحمة ونزعها ليسا بحقيقة هاهنا.
وإنما المراد بذلك أنّا إذا رحمنا الإنسان بعد توبته من مواقعة [في]«2» بعض الذنوب فقبلنا متابه، وأسقطنا عقابه، ثم واقع بعد ذلك ذنبا آخر، واستحق أن نعاقبه وأن نزيل رحمتنا عنه، يئس من الرحمة وقنط من المغفرة. وليس الأمر كذلك، لأنه إذا عاود الإقلاع، أمن الإيقاع.
وقد أخرج هذا الكلام مخرج الذم لمن يواقع المعصية، فيقنط من قبول التوبة. فمعنى أذقنا الإنسان منّا رحمة.
أي عرّفناه أنّا قد رحمناه. إذ قد أوجبنا قبول التوبة إذا أخلص العبد فيها، وأتى بها على شروطها وحدودها.
ومعنى ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ أي أزلنا عنه رحمتنا لأجل اقترافه المعصية التي اقترفها في الثاني «3» . وقد يجوز أن يكون المراد بالرحمة هاهنا- والله أعلم- النعمة والسّرّاء. ويكون انتزاعها منه بمعنى إبداله بها الشّدّة والضّرّاء، إجراء له في مضمار الابتلاء والاختبار، أو مصلحة يكون معها أقرب الى الإصلاح «4» والرشاد. ومما يقوّي ذلك قوله تعالى بعد هذه الآية: وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10) .
وقوله سبحانه: وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ [الآية 28] . وهذه استعارة. لأن الرحمة لا توصف بالعمى وإنما يوصف الناس بالعمى عن تمييز مواقعها. وإدراك مواضعها. فلما
(1) . هكذا بالأصل. ولعلّها مرامي الألسنة بالكلام، كما يحذف بالحجر أي يرمى به.
(2)
. هذه اللفظة بالأصل. ولعلّها زائدة لأن المعنى يستقيم بدونها، ولهذا وضعناها بين حاصرتين.
(3)
. هكذا بالأصل، ولم نهتد الى تصويب لها.
(4)
. في المتن: الإصلاح، وقد غيرت في الهامش الى «الصلاح» بدلا منها.
وصفوا بالعمى عنها حسن أن يوصف بذلك في القلب «1» . كما يقال: أدخلت الخاتم في إصبعي، والمغفر في رأسي. وإنما الأصبع دخلت في الخاتم، والرأس دخل في المغفر. وقد يجوز أن يكون قوله سبحانه: فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ، بمعنى خفيت عليكم، كما يقول القائل: قد عمي عليّ خبرهم.
وعمي عليّ أثرهم. أي خفي عني الأثر والخبر.
وقوله سبحانه: وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً [الآية 31] . وهذه استعارة.
كما يقول القائل: اقتحمت فلانا عيني، واحتقره طرفي. إذا قبح في منظر عينه خلقه، وصغر دمامة. ليس أن العين على الحقيقة يكون منها الاحتقار، أو يجوز عليها الاستصغار.
وقوله سبحانه: وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ [الآية 34] وذكر الإغواء هاهنا من قبيل الاستعارة، وإن لم يكن من صريحها. وكذلك لفظ المكر، والاستهزاء، وما يجري هذا المجرى. لأن المراد بمعاني هذه الألفاظ غير المراد بظواهرها. فالمتعارف من الإغواء هو الدعاء الى الغيّ والضلال.
وذلك غير جائز على الله سبحانه، لقبحه وورود أمره بضده. والمراد إذن بالإغواء هاهنا تخييبه سبحانه لهم من رحمته، لكفرهم وذهابهم عن أمره.
ومن الشاهد على ذلك قوله تعالى:
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59)[مريم] ، أي خيبة من الرحمة، وارتكاسا في النقمة. وقد جاء لفظ الإغواء، والمراد به التخييب في كثير من منثور كلامهم، ومنظوم أشعارهم.
ويجوز أن يكون الإغواء هاهنا بمعنى الإهلاك لهم. ويجوز أن يكون بمعنى الحكم بالغواية عليهم.
وقوله سبحانه: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا [الآية 37] . وهذه استعارة.
ومعناها: واصنع الفلك بأمرنا، ونحن نرعاك ونحفظك. ليس أنّ هناك عينا تلحظ، ولا لسانا يلفظ. وذلك كما يقول القائل: أنا بعين الله. أي بمكان من حفظ الله. ومن كلامهم للظّاعن
(1) . ليس القلب هنا بمعنى الجارحة التي في الجسم، ولكنه القلب اللفظي والمعنوي، كما نقول: أدخلت الخاتم في الإصبع بدلا من أدخلت الإصبع في الخاتم.
المشيّع والحميم المودّع: صحبتك عين الله. أي رعاية الله وحفظه.
وقوله سبحانه: وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ [الآية 44] ، وهذه استعارة. لأن الأرض والسماء لا يصح أن تؤمرا وتخاطبا. لأن الأمر والخطاب لا يكونان إلا لمن يعقل، ولا يتوجّهان إلا لمن يعي ويفهم. فالمراد إذن بذلك:
الإخبار عن عظيم قدرة الله سبحانه، وسرعة مضيّ أمره، ونفاذ تدبيره. نحو قوله: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (40)[النحل] . وهذا إخبار عن وقوع أوامره من غير معاناة ولا كلفة، ولا لغوب ولا مشقة.
وفي هذا الكلام أيضا فائدة أخرى لطيفة. وهو أن قوله سبحانه: يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ. أبلغ من قوله: يا أرض اذهبي بمائك. لأن في الابتلاع دليلا على إذهاب الماء بسرعة. ألا ترى أن قولك لغيرك: ابلع هذا الطعام، أبلغ من قولك له: كل هذا الطعام، إذا أردت منه إيصاله الى جوفه بسرعة؟
وكذلك الكلام في قوله سبحانه:
وَيا سَماءُ أَقْلِعِي: لأن لفظ الإقلاع هاهنا أبلغ من لفظ الانجلاء. لأن في الإقلاع أيضا معنى الإسراع بإزالة السحاب، كما قلنا في الابتلاع. وذلك أدلّ على نفاذ القدرة، وطواعية الأمور، من غير وقفة ولا لبثة، هذا الى ما في المزاوجة بين اللفظين من البلاغة العجيبة، والفصاحة الشريفة. إذ يقول سبحانه: يا أرض ابلعي، ويا سماء أقلعي: ومثل هذا في القرآن أكثر من أن يشار إليه.
وقوله سبحانه: وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (58) . وهذه استعارة. لأن العذاب في الحقيقة لا يوصف بالغلظ، والدقة، لأنه الألم الذي يلحق الحي في قلبه أو جسمه. وإنما وصفه تعالى بالغلظ على طريقة كلام العرب، لأنهم يصفون الأمر الهيّن بالضؤولة والدقة، كما يصفون الأمر الشاق بالغلظ والشدة، حملا لذلك على عرفهم في المراعاة للشيء الغليظ الكثيف، وقلة الحفل بالشيء الدقيق الضئيل. ألا ترى إلى قولهم: عرض فلان دقيق، وقدره ضئيل؟ وإلى قولهم في مقابلة ذلك:
لقي فلان فلانا بكلام غليظ، وقول ثقيل.
وقد يجوز أيضا- والله أعلم- أن يكون المراد بعذاب غليظ هاهنا الصفة
لعذاب الآخرة. والعذاب إنما يقع بالآلات المستعظمة والأعيان المستفظعة، مثل مقامع الحديد، والحجارة المحماة بالجحيم. فوصف سبحانه العذاب الغليظ، لأنه واقع بالأشياء الغليظة، والآلات الثقيلة، فيكون ذلك مجازا من هذا الوجه.
وممّا يقوّي أن المراد بقوله تعالى:
وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (58) عذاب الآخرة، قوله تعالى في الآية نفسها:
وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا [الآية 58] وهذه النجاة من عذاب الدنيا. ثم قال تعالى:
وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ فدلّ على أن النجاة من العذاب الأول غير النجاة من العذاب الآخر. وأن الأول عذاب الدنيا، والثاني عذاب الآخرة، لأن العطف بالواو يقضي بذلك، وإلّا كان وجه الكلام: فلمّا جاء أمرنا نجّينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا من عذاب غليظ، ولم يكن لقوله تعالى:
وَنَجَّيْناهُمْ ثانيا معنى وهو محال.
وقوله سبحانه حاكيا عن لوط عليه السلام: قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80) وهذه استعارة والمراد بها: لو كنت آوي الى كثرة من قومي، وعدد من أهلي. وجعلهم ركنا له، لأن الإنسان يلجأ الى قبيلته، ويستند الى أعوانه ومنعته، كما يستند الى ركن البناء الرصين، والنضد الأمين «1» .
وجاء جواب «لو» هاهنا محذوفا.
والمعنى: لو أنني على هذه الصفة لحلت بينكم وبين ما هممتم به من الفساد وأردتموه من ذنوب فحشاء.
والحذف هاهنا أبلغ، لأنه يوهم المتوعّد بعظيم الجزاء، وبغليظ النكال، ويصرف وهمه الى ضروب العقاب، ولا يقف به عند جنس من أجناس المخوفات المتوقّعات.
وليس مخرج هذا الكلام من لوط عليه السلام، على ما ظنّه من لا معرفة له، وقدح فيه بأن قال: ألم يكن يأوي الى الله سبحانه؟ فما معنى القول الذي قاله؟ وذلك أن لوطا على ما ذكرنا إنّما أراد الأعوان من قومه، والأركان المستند إليهم من قبيلته، وهو يعلم أن له من معونة الله سبحانه أشد الأركان،
(1) . النّضد من الجبل: ما تراكم منه. والجمع أنضاد.
وأعز الأعوان، إلا أن من تمام إزاحة العلّة في التكليف حضور الناصر، وقرب المعاضد والمرافد.
وقوله سبحانه في صفة الحجارة المرسلة على قوم لوط: مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83) وهذه استعارة. لأن حقيقة التسويم هي العلامات التي يعلّم بها الفرسان والأفراس في الحرب، للتمييز بين الشعارات، والتفريق بين الجماعات.
قال الله سبحانه: يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125)[آل عمران] . وقال الله سبحانه:
وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ [آل عمران/ 14] والمعنى أنه سبحانه لمّا جعل تلك الحجارة حربا لهم وأعوانا عليهم، وصفها بوصف رجال الحرب وخيولهم، فكأنها مرسلة من عند الله، أي من عند ملائكة الله الذين تولّوا الرمي بها، إرسال الخيول المسوّمة على أعدائها، وإن لم يكن هناك تسويم على الحقيقة.
وقد قال بعضهم: إن تلك الحجارة كانت على الحقيقة معلّمة بعلامات تدل على أنها أعدّت للعذاب، وأفردت للعقاب. وذلك أملأ للقلوب، وأعظم في الصدور.
وقوله سبحانه: وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84) .
وهذه استعارة من وجهين: أحدهما وصف اليوم بالإحاطة، وليس بجسم فيصح وصفه بذلك. والوجه الآخر:
أن لفظ محيط هاهنا كان يجب أن يكون من نعت العذاب، فيكون منصوبا.
فجعله- سبحانه- من نعت اليوم فجاء مجرورا، فأمّا وصف اليوم بالإحاطة- وان لم يتأتّ فيه ذلك- فالمراد به- والله أعلم- أن العذاب لما كان يعمّ المستحقّين له في يوم القيامة حسن وصف ذلك اليوم بأنه محيط بهم، أي أنه كالسباج المضروب بينهم وبين الخلاص من العذاب والإفلات من العقاب. وأما نقل نعت العذاب الى نعت اليوم، فالوجه فيه أن العذاب لمّا كان واقعا في ذلك اليوم، كان ذلك اليوم كالمحيط به، لأنه ظرف لحلوله، ووقت لنزوله.
وقوله سبحانه: بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [الآية 86] وهذه استعارة. لأن حقيقة البقية تركة شيء من شيء قد مضى، ولا يجوز إطلاقه
على الله سبحانه. فإذن يجب أن يكون المراد غير هذه الحقيقة. وقد قيل في معنى ذلك وجوه: أحدها بقية الله من نعمته خير لكم. وقد قيل: بقيّة الله طاعة الله، وذلك لأنها تبقي رضاه وثوابه أبدا ما بقيت. وقيل بقيّة الله أي عفو الله عنكم ورحمته بكم بعد استحقاقكم العذاب، كما يقول العرب المتحاربون بعضهم لبعض، إذا استحرّ فيهم القتل، وأعضلهم الخطب: البقية! البقية! أي نسألكم البقية علينا والمكافأة لنا. والبقية هاهنا والإبقاء بمعنى واحد.
وقوله سبحانه: أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا [الآية 87] وهذه استعارة. لأن الصلاة لا يصح منها الأمر على الحقيقة، وإنما أطلق عليها ذلك، لأنها بمنزلة الآمر بالخير، والناهي عن الشر.
وقيل: المراد بذلك: أدينك يأمرك بهذا؟ أي في شريعتك ودينك الأمر بهذا؟ فإذا كان ذلك في عقد الدين حسن أن يضاف الأمر به الى الدين:
وفي هذه الآية أيضا مجاز آخر. وهو أنه تعالى قال: أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا [الآية 87] وليس يصح على ظاهر الكلام أن يؤمر شعيب بأن يترك قومه شيئا هم عليه، وإنما المعنى- والله أعلم- أصلاتك تأمرك أن تأمرنا بترك ما يعبد آباؤنا؟ فاكتفى بذكر الأمر الأول عن ذكر الأمر الثاني، لأنه كالمعلوم من فحوى الكلام. وهذا من غوامض أسرار القرآن.
وقوله سبحانه: أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا [الآية 92] . فهذه استعارة. لأن الله سبحانه لا يجوز عليه أن يجعل ظهريّا على الحقيقة. فالمراد أنّكم جعلتم أمر الله سبحانه وراء ظهوركم.
وهذا معروف في لسان العرب، أن يقول الرجل منهم لمن أغفل قضاء حاجته، أو ثنى عطفا على عذله وعتابه: جعلت حاجتي وراء ظهرك، وتركت مقالي دبر أذنك. أي لم تعن بحاجتي، ولم تصغ إلى معاتبتي.
وقوله سبحانه وتعالى: وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ [الآية 94] . وهذه استعارة، لأن حقيقة الأخذ إنما يوصف بها الأجسام. والصيحة عرض من الأعراض، لأنها بعض الأصوات، إلا أنها أقوى للأسماع صكّا وقرعا، وأبلغ
في القلوب وجلا وروعا.. والمراد أن هلاكهم لمّا كان عن الصيحة حسن أن يقال: إنها أخذتهم بمعنى ذهبت بنفوسهم، وأتت على جمعهم.
وقوله تعالى: فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98) وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (99) فقوله تعالى: وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98) وبِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (99) استعارتان. لأنه تعالى جعل فرعون في تقدمة قومه الى النار بمنزلة الفارط «1» المتقدم للوارد الى الورد، كما كان في الدنيا متقدّمهم الى الضلالة، وقائدهم الى الغواية، وجعل النار بمنزلة الماء الذي يورد، ثم قال تعالى: وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98) لأنه ورد لا يجيز الغصة، ولا ينقع الغلة.
وقد اختلف العلماء في [فهم] قوله تعالى: وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98) . وهل ذلك ذم لنار جهنم على الحقيقة أو المجاز، فقال أبو علي «2» محمد بن عبد الوهاب الجبائي: ذلك على طريق المجاز، والمعنى بئس وارد النار.
وقال أبو القاسم البلخي «3» : بل ذلك على طريق الحقيقة.
فأمّا قوله سبحانه: وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (99) فإنما قلنا إنه استعارة، لأن حقيقة الرفد العطية. يقال رفده يرفده رفدا ورفدا بفتح الراء وكسرها.
ولكن اللعنة لمّا جعلت بدلا من الرّفد لهم عند انتقالهم من دار الى دار، على عادة المنتجع المسترفد او الرجل المتزوّد، جاز أن يسمّى رفدا، على طريق المجاز، كما قال تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (21)[آل عمران] والبشارة في الأعم، الأغلب، إنما تكون بالخير لا بالشرّ.
ولكن لما جعل إخبارهم باستحقاق
(1) . الفارط: اسم فاعل من فرط بمعنى سبق وتقدم.
(2)
. أبو علي محمد الجبّائي كان رأسا من رؤوس المعتزلة، وشيخ علماء الكلام في عصره. وتنسب إليه طائفة «الجبّائية» ، والجبائي نسبة الى «جبّى» من قرى البصرة. توفي سنة 303 هـ. وذكر ابن حوقل في «المسالك والممالك» أنّ جبّى مدينة ورستاق عريض مشتبك العمائر بالنخل وقصب السكر وغيرهما ومنها أبو علي الجبّائي، الشيخ الجليل، إمام المعتزلة، ورئيس المتكلّمين في عصره.
(3)
. أبو القاسم البلخي هو عبد الله بن أحمد الكعبي، كان رأس طائفة من المعتزلة، يقال لهم الكعبيّة. والكعبي نسبة الى بني كعب والبلخي نسبة الى بلخ، إحدى مدن خراسان. توفي سنة 317 هـ. [.....]
العذاب في موضع البشارة لغيرهم باستحقاق الثواب، جاز أن يسمّى في ذلك بشارة.
وقوله سبحانه: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ (100) وهذه استعارة. والمعنى: منها قائم البناء، خال من الأهل، ومنها منقوص الأبنية، ملحق بالأرض، تشبيها بالزرع المحصود. الى هذا المعنى يومئ قوله تعالى: فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (45) .
وقوله سبحانه: وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها [البقرة/ 259] والعروش الأبنية. أي خالية من أهلها، على ما فيها من بواقي أبنيتها.
وقد يجوز أن يكون ذلك كناية عن أهل القرى، فكأنه سبحانه شبّه الأحياء الباقين بالزرع النامي، وشبه الأموات الهالكين بالزرع الذاوي. وذلك أحسن تمثيل، وأوقع تشبيه.
وقوله سبحانه: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119) . وهذه استعارة. والمراد هاهنا بتمام كلمة الله سبحانه صدق وعيده، الذي تقدّم الخبر به، وتمام وقوع مخبره مطابقا لخبره.