المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «هود» - الموسوعة القرآنية خصائص السور - جـ ٤

[جعفر شرف الدين]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الرابع

- ‌سورة يونس 10

- ‌المبحث الأول أهداف سورة «يونس»

- ‌أهدافها الإجمالية

- ‌الدرس الأول: مظاهر قدرة الله

- ‌الدرس الثاني: الأدلة على وجود الله

- ‌الدرس الثالث: قصص الأنبياء

- ‌ قصة نوح

- ‌المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «يونس»

- ‌تاريخ نزولها ووجه تسميتها

- ‌الغرض منها وترتيبها

- ‌إبطال شبههم على القرآن الآيات [1- 36]

- ‌تحديهم بالقرآن الآيات [37- 56]

- ‌دعوتهم إلى تصديق القرآن بالترغيب والترهيب الآيات [57- 98]

- ‌الخاتمة الآيات [99- 109]

- ‌المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «يونس»

- ‌المبحث الرابع مكنونات سورة «يونس»

- ‌المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «يونس»

- ‌المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «يونس»

- ‌المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «يونس»

- ‌المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «يونس»

- ‌سورة هود 11

- ‌المبحث الأول أهداف سورة «هود»

- ‌تمهيد عن الوحدة الموضوعية للسورة

- ‌عناصر الدعوة الإلهية

- ‌1- العقيدة والايمان بالله

- ‌2- إعجاز القرآن

- ‌3- القصص في سورة هود

- ‌قصة نوح (ع)

- ‌قصة هود

- ‌المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «هود»

- ‌تاريخ نزولها ووجه تسميتها

- ‌الغرض منها وترتيبها

- ‌إثبات تنزيل القرآن الآيات [1- 24]

- ‌تثبيت النبي بالقصص على تكذيبهم الآيات [25- 99]

- ‌الخاتمة الآيات [100- 123]

- ‌المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «هود»

- ‌المبحث الرابع مكنونات سورة «هود»

- ‌المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «هود»

- ‌المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «هود»

- ‌المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «هود»

- ‌المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «هود»

- ‌سورة يوسف 12

- ‌المبحث الأول أهداف سورة «يوسف»

- ‌قصة يوسف

- ‌يوسف بين إخوته وأبيه

- ‌رؤيا يوسف

- ‌يوسف وامرأة العزيز

- ‌يوسف عزيز مصر

- ‌المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «يوسف»

- ‌تاريخ نزولها ووجه تسميتها

- ‌الغرض منها وترتيبها

- ‌المقدمة الآيات (1- 3)

- ‌قصة يوسف (ع) الآيات (4- 101)

- ‌الخاتمة الآيات (102- 111)

- ‌المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «يوسف»

- ‌المبحث الرابع مكنونات سورة «يوسف»

- ‌المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «يوسف»

- ‌المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «يوسف»

- ‌المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «يوسف»

- ‌المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «يوسف»

- ‌سورة الرعد 13

- ‌المبحث الأول أهداف سورة «الرّعد»

- ‌موضوع السورة

- ‌مشاهد الكون في سورة الرعد

- ‌أدلة الألوهية في سورة الرعد

- ‌النصف الثاني من سورة الرعد

- ‌التناسق الفني في سورة الرعد

- ‌المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الرّعد»

- ‌تاريخ نزولها ووجه تسميتها

- ‌الغرض منها وترتيبها

- ‌المقدمة الآيات [1- 6]

- ‌رد شبهتهم الأولى على القرآن الآيات [7- 26]

- ‌رد شبهتهم الثانية على القرآن الآيات [27- 43]

- ‌المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الرّعد»

- ‌المبحث الرابع مكنونات سورة «الرّعد»

- ‌المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الرّعد»

- ‌المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الرّعد»

- ‌المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الرّعد»

- ‌المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الرّعد»

- ‌سورة ابراهيم 14

- ‌المبحث الأول أهداف سورة «إبراهيم»

- ‌وحدة الرسالات السماوية في سورة إبراهيم

- ‌المقطع الثاني من سورة إبراهيم

- ‌ نعم الله

- ‌المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «إبراهيم»

- ‌تاريخ نزولها ووجه تسميتها

- ‌الغرض منها وترتيبها

- ‌نزول القرآن للترغيب في الإيمان والتحذير من الكفر الآيات [1- 3]

- ‌اتحاد الغرض من الكتب المنزلة الآيات [4- 18]

- ‌ترهيب المشركين وترغيبهم الآيات [19- 52]

- ‌المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «إبراهيم»

- ‌المبحث الرابع مكنونات سورة «إبراهيم»

- ‌المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «إبراهيم»

- ‌المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «إبراهيم»

- ‌المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «إبراهيم»

- ‌المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «إبراهيم»

- ‌سورة الحجر 15

- ‌المبحث الأول أهداف سورة «الحجر»

- ‌الآيات الكونية في سورة الحجر

- ‌قصة آدم في سور البقرة والأعراف والحجر

- ‌خلق الإنسان

- ‌الربع الأخير من سورة الحجر

- ‌الحجر

- ‌الغرض منها وترتيبها

- ‌إثبات تنزيل القرآن الآيات [1- 27]

- ‌ترهيب المشركين بأخبار المكذّبين قبلهم الآيات [28- 84]

- ‌الخاتمة الآيات [85- 99]

- ‌المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الحجر»

- ‌المبحث الرابع مكنونات سورة «الحجر»

- ‌المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الحجر»

- ‌المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الحجر»

- ‌المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الحجر»

- ‌المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الحجر»

- ‌الفهرس

- ‌سورة يونس

- ‌سورة هود

- ‌سورة يوسف

- ‌سورة الرعد

- ‌سورة إبراهيم

- ‌سورة الحجر

الفصل: ‌المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «هود»

‌المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «هود»

«1»

إن قيل: لم قال تعالى: وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ [الآية 3] مع أن التوبة مقدّمة على الاستغفار؟

قلنا: المراد: استغفروا ربكم من الشرك، ثم ارجعوا إليه بالطاعة. كذا قاله مقاتل. وهذا الاستغفار مقدم على هذه التوبة. الثاني: أنّ فيه تقديما وتأخيرا. الثالث قال الفرّاء: ثمّ هنا بمعنى الواو، وهي لا تفيد ترتيبا، فاندفع السؤال.

فإن قيل: من لم يستغفر ولم يتب، فإنّ الله يمتّعه متاعا حسنا الى أجله:

أي يرزقه ويوسع عليه كما قال ابن عباس، أو يعمّره كما قال ابن قتيبة، فما الحكمة في قوله تعالى وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى؟

قلنا: قال غيرهما: المتاع الحسن، المشروط بالاستغفار والتوبة، هو الحياة في الطاعة والقناعة، ومثل هذه الحياة إنما تكون للمستغفر التائب التقي.

فإن قيل: قوله تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ [الآية 6] لم لم يقل على الأرض مع أنه أشدّ مناسبة لتفسير الدابة لغة، فإنها ما يدب على وجه الأرض؟

قلنا: «في» هنا بمعنى «على» ، كما في قوله تعالى: وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه/ 71]، وقوله تعالى أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ [الطور/ 38] . الثاني:

(1) . انتقي هذا المبحث من كتاب «أسئلة القرآن المجيد وأجوبتها» ، لمحمد بن أبي بكر الرازي، مكتبة البابي الحلبي، القاهرة، غير مؤرّخ.

ص: 91

أن لفظة «في» أعم وأشمل، لأنها تتناول كل دابة على وجه الأرض، وكل دابة في باطن الأرض، بخلاف على.

فإن قيل: لم خصّ الدابة بذكر ضمان الرزق، والطير كذلك رزقه على الله تعالى، وهو غير الدابة بدليل قوله تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ [الأنعام/ 38] .

قلنا: إنّما خص الدابة بالذكر، لأن الدواب أكثر من الطيور عددا، وفيها ما هو أكبر جثة من كل فرد من أفراد الطير، كالفيل والحوت، فيكون أحوج الى الرزق، فلذلك خصّه بالذكر.

فإن قيل: لم قال الله تعالى: إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها [الآية 6] و «على» للوجوب، والله تعالى لا يجب عليه شيء وإنما يرزقها تفضّلا منه وكرما.

قلنا: «على» هنا بمعنى «من» ، كما في قوله تعالى الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) [المطفّفين] . الثاني: أنه ذكره بصيغة الوجوب، ليحصل للعبد زيادة سكون وطمأنينة في حصوله.

فإن قيل: لم قال تعالى: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك/ 2] والخطاب عامّ للمؤمنين والكافرين، فإنه امتحن الفريقين بالأمر بالطاعة والنهي عن المعصية، وأعمال المؤمنين هي التي تتفاوت الى أحسن وأحسن، فأما أعمال الفريقين فتفاوتها الى حسن وقبيح.

قلنا: قوله تعالى: لِيَبْلُوَكُمْ عامّ، أريد به الخاص، وهم المؤمنون تشريفا لهم وتخصيصا، فصحّ قوله سبحانه:

أَحْسَنُ عَمَلًا.

فإن قيل: لم قال تعالى: وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ [الآية 12] ولم يقل و «ضيّق» ؟

قلنا: ليدل على أن ضيقه عارض غير ثابت، لأن النبي (ص) كان أفسح الناس صدرا، ونظيره قولك: زيد سائد وجائد، فإذا أردت وصفه بالسيادة والجود الثابتين المستقرين قلت زيد سيّد وجواد، كذا قال الزمخشري.

فإن قيل: قال تعالى: فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ [الآية 13] أمرهم بالإتيان بمثله وما يأتون به لا يكون مثله، لأن ما يأتون به مفترى، والقرآن ليس بمفترى.

ص: 92

قلنا: أراد به مثله في البلاغة والفصاحة، وإن كان مفترى. وقيل معناه: مفتريات، كما أن القرآن مفترى في زعمكم واعتقادكم، فيتماثلان.

فإن قيل: لم قال تعالى: قُلْ فَأْتُوا فأفرد في قوله قُلْ ثم جمع فقال فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا [الآية 14] .

قلنا: الخطاب للنبي (ص) في الكل، ولكنه جمع في قوله عز وجل:

لَكُمْ فَاعْلَمُوا تفخيما له وتعظيما.

الثاني: أن الخطاب الثاني للنبي (ص) وأصحابه، لأن النبي (ص) وأصحابه كانوا يتحدّونهم بالقرآن، وقوله تعالى في موضع آخر: فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ [القصص/ 50] يعضد الوجه الاول. الثالث: أن يكون الخطاب في الثاني والثالث للمشركين، والضمير في يَسْتَجِيبُوا لمن استطعتم، يعني فإن لم يستجب لكم من تدعونه المظاهرة على معارضته، لعجزهم، فاعلموا أيها المشركون أنما أنزل بعلم الله، وهذا وجه لطيف.

فإن قيل: قوله تعالى: وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها [الآية 16] يدل على بطلان عملهم، فما الحكمة في قوله بعده وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [الآية 16] ؟

قلنا: المراد بقوله تعالى: وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها أي بطل ثواب ما صنعوا من الطاعات في الدنيا وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (16) من الرياء.

فإن قيل: لم قال نوح عليه السلام كما ورد في التنزيل وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا [الآية 29] بالواو، وقال هود عليه السلام، كما ورد في التنزيل أيضا يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ [الآية 51] بغير الواو؟

قلنا: لأن الضمير في عَلَيْهِ لتبليغ الرسالة المدلول عليه بأول الكلام في القصتين، ولكن في قصة نوح عليه السلام وقع الفصل بين الضمير وبين ما هو عائد عليه بكلام آخر، فجيء بواو الابتداء: وفي قصة هود عليه السلام لم يقع بينهما فصل فلم يحتج الى واو الابتداء، هذا ما وقع لي فيه، والله اعلم.

فإن قيل: قوله تعالى لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [الآية 43] لا يناسبه

ص: 93

المستثنى في الظاهر، وهو قوله سبحانه في الآية نفسها: إِلَّا مَنْ رَحِمَ لأن المرحوم معصوم، فظاهره يقتضي «1» لا معصوم إلّا من رحم: أي لا معصوم من الغرق بالطوفان إلّا من رحمه الله بالإنجاء في السفينة؟

قلنا: عاصم هنا بمعنى معصوم، كقوله تعالى: مِنْ ماءٍ دافِقٍ (6)[الطارق] أي مدفوق، وقوله تعالى:

فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (21)[الحاقة] أي مرضية، وقول العرب: سرّ كاتم: أي مكتوم. الثاني أن معناه: لا عاصم اليوم من أمر الله إلّا من رحم، أي إلا الراحم وهو الله تعالى، وليس معناه المرحوم، فكأنه قال: لا عاصم إلا الله. الثالث أن معناه: لا عاصم اليوم من أمر الله إلا مكان من رحم الله من المؤمنين، ونجّاهم وهو السفينة، ويناسب هذا الوجه قوله تعالى: وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (41) وهذا لأنّ ابن نوح عليه السلام، لمّا جعل الجبل عاصما من الماء، ردّ نوح عليه السلام، ذلك، ودلّه على العاصم وهو الله تعالى، أو المكان الذي أمر الله بالالتجاء إليه، وهو السفينة.

فإن قيل: كيف صح أمر السماء والأرض بقوله تعالى وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي [الآية 44] وهما لا يعقلان، والأمر والنهي إنما يكون لمن يفعل ويفهم الخطاب؟

قلنا: الخطاب لهما في الصورة، والمراد به الخطاب للملائكة الموكّلين بتدبيرهما. الثاني: أن هذا أمر إيجاب لا أمر إيجاد، وأمر الإيجاد لا يشترط فيه العقل والفهم، لأن الأشياء كلها بالنسبة الى امر الإيجاد مطيعة منقادة لله تعالى، ومنه قوله تعالى: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82)[يس] وقوله تعالى:

فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً [فصّلت/ 11] كل ذلك أمر إيجاد.

فإن قيل: لم قال تعالى هنا: وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ [الآية 45] بالفاء، وقال في قصة زكريا عليه الصلاة

(1) . قوله (فظاهره يقتضي إلخ) لا يخفى أنه على هذا الظاهر لا ورود لصورة الإشكال، إذ هو عين ما صدر به في الجواب عنه فكان المناسب في تقدير السؤال، بقاء العاصم على حقيقته، وهو الحافظ، وجعل المراد ممّن رحم، المرحوم لا الراحم، وهو الله تعالى، كما هو أحد التأويلات.

ص: 94

والسلام إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا (3) قالَ رَبِّ [مريم] بغير فاء؟

قلنا: أراد بالنداء هنا إرادة النداء فجاء بالفاء الدالة على السببية، فإن إرادة النداء سبب للنداء، فكأنه قال:

وأراد نوح نداء ربه فقال كيت وكيت، وأراد به في قصة زكريا عليه الصلاة والسلام حقيقة النداء، فلهذا جاء بغير فاء لعدم ما يقتضي السببية.

فإن قيل: هود عليه الصلاة والسلام كان رسولا ولم يظهر معجزة، ولهذا قال له قومه: يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ ( [الآية 53] فبأي شيء لزمتهم رسالته؟

قلنا: إنّما يحتاج الى المعجزة، من الرسل، من يكون صاحب شريعة لتنقاد أمّته لشريعته، فإن في كل شريعة أحكاما غير معقولة فيحتاج الرسول الآتي بها، الى معجزة لتشهد بصحة صدقه، فأما الرسول الذي لا تكون له شريعة ولا يأمر إلّا بالعقليات فلا يحتاج الى معجزة، لأن الناس ينقادون الى ما يأمرهم به لموافقته للعقل، وهود (ع) كان كذلك. الثاني: أنه نقل أن معجزة هود كانت الريح الصرصر، فإنها كانت سخّرت له. فإن قيل: على الوجه الأول لو كان أمره لهم مقصورا على العقليات لما خالفوه وكذبوه ونسبوه الى الجنون، بقولهم كما ورد في التنزيل يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ إلى بِسُوءٍ.

قلنا: إنما صدر ذلك القول من قاصري العقول أو المعاندين المكابرين، كما قيل ذلك لكل رسول بعد إتيانه بالمعجزات الظاهرات والآيات الباهرات.

فإن قيل: هل قوله تعالى: إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا [الآية 54] لتتناسب الجملتان؟

قلنا: لأن إشهاد الله تعالى على البراءة من الشرك إشهاد صحيح، مفيد تأكيد التوحيد وشده معاقده وأما إشهادهم فما هو إلا تهكّم بهم وتهاون ودلالة على قلة المبالاة، لأنهم ليسوا أهلا للشهادة فعدل به عن اللفظ الأول، وأتى به على صورة التهكّم والتهاون كما يقول الرجل لصاحبه إذا لاحاه: اشهد إني لأحبك، تهكّما به واستهانة له.

فإن قيل: قوله تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ [الآية 57] جعل التولّي

ص: 95

شرطا والإبلاغ جزاء، والإبلاغ كان سابقا على التولّي.

قلنا: ليس الإبلاغ جزاء التولّي، بل جزاؤه محذوف تقديره: فإن تولّوا لم أعاتب على تفريط في الإبلاغ أو تقصير فيه، ودلّ على الجزاء المحذوف قوله سبحانه: فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ. الثاني: قال مقاتل تقديره: فإن تولّوا فقل لهم قد أبلغتكم.

فإن قيل: ما الحكمة من تكرار التنجية في قوله تعالى وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (58) ؟

قلنا: أراد بالتنجية الأولى تنجيتهم من عذاب الدنيا الذي نزل بقوم هود، وهو سموم أرسلها الله تعالى عليهم فقطّعتهم عضوا عضوا، وأراد بالتنجية الثانية تنجيتهم من عذاب الآخرة الذي استحقّه قوم هود بالكفر، ولا عذاب أغلظ منه ولا أشدّ.

فإن قيل: بُعْداً [الآية 44] معناه عند العرب الدعاء عليهم بالهلاك بعد هلاكهم.

قلنا: معناه الدلالة على أنهم مستأهلون له وحقيقون به، ونقيضه قول الشاعر:

إخوتي لا تبعدوا أبدا

وبلى والله قد بعدوا

أراد بالدعاء لهم بنفي الهلاك بعد هلاكهم الإعلام بأنهم لم يكونوا مستأهلين له ولا حقيقين به.

فإن قيل: قوله تعالى: وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ [الآية 84] نهي عن النقص فيهما، والنهي عن النقص أمر بالإيفاء معنى، فما الحكمة في قوله تعالى في الآية التالية: وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ.

قلنا: صرّح أوّلا بنهيهم عن النقص الذي كانوا يفعلونه لزيادة المبالغة في تقبيحه وتغييرهم إيّاه، ثم صرح بالأمر بالإيفاء بالعدل الذي هو حسن عقلا، لزيادة الترغيب فيه والحثّ عليه.

فإن قيل: قوله تعالى: وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85) والعثوّ الفساد، فيصير المعنى: ولا تفسدوا في الأرض مفسدين؟

قلنا: قد سبق هذا السؤال وجوابه في سورة البقرة. وجواب آخر معناه:

ولا تعثوا في الأرض بالكفر، وأنتم مفسدون بنقص المكيال والميزان.

ص: 96

فإن قيل: لم قال تعالى: بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [الآية 86] فشرط الإيمان في كون البقيّة خيرا لهم، وهي خير لهم مطلقا لأن المراد ببقيّة الله ما يبقى لهم من الحلال، بعد إيفاء الكيل والوزن، وذلك خير لهم، وإن كانوا كفّارا، لأنهم يسلمون معه من عقاب البخس والتطفيف؟

قلنا: إنما شرط الإيمان في خيرية البقيّة، لأن خيريتها وفائدتها مع الإيمان أظهر، وهو حصول الثواب مع النجاة من العقاب، ومع فقد الإيمان أخفى لانغماس صاحبها في عذاب الكفر، الذي هو أشدّ العذاب. الثاني: أن المراد إن كنتم مصدّقين، فيما أقول لكم وأنصح.

فإن قيل: لم قال تعالى: وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (89) ولم يقل ببعيدين والقوم اسم لجماعة الرجال، وما جاء في القرآن الضمير العائد اليه إلا ضمير جماعة، قال الله تعالى أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ [نوح/ 1] وقال تعالى لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ [الحجرات/ 11] .

قلنا: فيه إضمار تقديره: وما هلاك قوم لوط او مكان قوم لوط، ومكان قوم لوط كان قريبا منهم، وإهلاكهم أيضا كان قريبا من زمانهم. الثاني: أن فعيلا يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع، قال الجوهري: يقال ما أنتم منا ببعيد، وقال الله تعالى وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ (4)[التحريم] وقال سبحانه عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ (17)[ق] .

فإن قيل: قولهم، كما ورد في التنزيل: وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ (91) كلام واقع فيه وفي رهطه وأنهم الأعزة عليهم دونه، فكيف صح قوله كما ورد في التنزيل أيضا أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ [الآية 92] ؟

قلنا: تهاونهم به وهو نبي الله تهاون بالله، فحين عزّ رهطه عليهم دونه، كان رهطه أعزّ عليهم من الله، ألا ترى الى قوله تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [النساء/ 80] وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ [الفتح/ 10] .

فإن قيل: قد ذكر عملهم على مكانتهم وعمله على مكانته، ثم أتبعه بذكر عاقبة العاملين منه ومنهم، فكان المطابق والموافق في ظاهر الفهم أن

ص: 97

يقول: من يأتيه عذاب يخزيه حتى ينصرف من يأتيه عذاب يخزيه إليهم، ومن هو صادق إليه.

قلنا: القياس ما ذكرت، ولكنهم لما كانوا يدعونه كاذبا قال: ومن هو كاذب، يعني في زعمكم ودعواكم تجهيلا لهم.

فإن قيل: لم قال تعالى إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ [الآية 102] والقرى لا تكون ظالمة، لأن الظلم من صفات من يعقل، أو من صفات الحيوان دون الجماد؟

قلنا: هو من الإسناد المجازي، والمراد به أهلها، كما قال تعالى في موضع آخر أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها [النساء/ 75] لكن لما أمن اللبس أسند الظلم الى القرية لفظا، كما في قوله تعالى وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف/ 82] .

فإن قيل: كيف التوفيق بين قوله تعالى يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ [الآية 105] وقوله سبحانه:

يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها [النحل/ 111] وقوله عز وجل هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (35) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (36)[المرسلات] فإن الآية الثالثة تناقض الآية الأولى بنفي الإذن، وتناقض الآيتين جميعا بنفي النطق؟

قلنا: أمّا التوفيق بين الآيتين، الأوليين فظاهر، لأن المعنى تجادل عن نفسها بإذنه فتوافقت الآيتان، وأما الآية الثالثة فإنها لا تناقض الآية الاولى بنفي الإذن، إن قلنا إنّ الاستثناء من النفي ليس بإثبات، لأنّ الآية الاولى لا تقتضي وجود الإذن حينئذ، بل تقتضي نفي الكلام عند انتفاء الإذن فأما إن قلنا إن الاستثناء من النفي إثبات ناقضت الآية الثالثة الأولى، ولا تناقض الآيتين بنفي النطق، لأن يوم القيامة يوم طويل فيه مواقف ومواطن، ففي بعضها يكفّون عن الكلام فلا يؤذن لهم فيه، وفي بعضها يؤذن لهم فيتكلّمون، وفي بعضها يختم على أفواههم وتتكلّم أيديهم وتشهد أرجلهم، وهذا جواب عام عن مثل هذه الآيات، ويرد على هذا أن يقال قوله تعالى: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (35) نفى النطق عنهم يوم القيامة، ما يوجب انتفاءه في جميع أجزاء ذلك الزمان عملا بعموم النفي، كما يعم النفي جميع أجزاء المكان في قولنا، لا وجود لزيد في الدار، فاندفع الجواب باختلاف المواقف والمواطن

ص: 98

فيكون الجواب، أن الآية الثالثة أريد بها طائفة خاصة، غير الطائفتين الأوليين فلا تناقض.

فإن قيل: لم قال تعالى فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105) وكلمة «من» للتبعيض، ومعلوم أن الناس كلهم إما شقي أو سعيد، فما معنى التبعيض؟

قلنا: التبعيض هنا على حقيقته، لأنّ أهل القيامة ثلاثة أقسام: قسم شقيّ، وقسم سعيد، وهم أهل النار والجنة كما ذكر في هذه الآية مفصّلا وقسم لا شقي ولا سعيد وهم أهل الأعراف.

الثاني أنّ معنى الكلام: فمنهم شقيّ ومنهم سعيد، وهذا يقتضي أن يكون الشقيّ بعض الناس والسعيد بعض الناس، والأمر كذلك، ولا يقتضي أن يكون الشقي والسعيد كلاهما بعض الناس، بل كل واحد منهما بعض، وكلاهما كلّ، كما تقول من الحيوان إنسان، ومن الحيوان غير إنسان، وكل الحيوان إما إنسان أو غير إنسان.

فإن قيل: لم قال تعالى: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ [الآية 108] وأراد به بيان دوام الخلود، مع أنّ أهل الجنة وأهل النار مخلّدون فيهما خلودا لا نهاية له، والسموات والأرض ودوامهما منقطع، لأنهما يوم القيامة ينهدمان، قال الله تعالى: كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21)[الفجر] وقال تعالى: إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ (1)[الانفطار] وقال تعالى: يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ [الأنبياء/ 104] ونظائره كثيرة ممّا يدل على خراب السموات والأرض؟

قلنا: للعرب في معنى الأبد ألفاظ تعبر عن إرادة الدوام دون التأقيت، منها هذا يقولون: لا أفعل كذا ما اختلف الليل والنهار، وما دامت السماء والأرض، وما أطمت الإبل، ويريدون بذلك لا أفعله أبدا مع قطع النظر عن كون المؤقّت به له نهاية أو لا نهاية له.

الثاني: أنه خاطبهم على معتقدهم أن السموات والأرض لا تزول ولا تتغير.

الثالث: أنه أراد به كون الفريقين في قبورهم إما منعّمين أو معذّبين، كما جاء في الحديث «إن القبر إمّا روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار» ومن كان في روضة من رياض الجنة فهو في الجنة، ومن كان في حفرة من حفر النار فهو في النار، فعلى هذا يكون المراد بالتأقيت بدوام السماوات والأرض مدة الخلود الى

ص: 99

يوم القيامة. الرابع: أن المراد بها سماوات الآخرة وأرضها، قال الله تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ [ابراهيم/ 48] وتلك دائمة لا تزول ولا تفنى، ولأنه لا بد لأهل الجنة ممّا يقلّهم ويظلّهم، إمّا سماء يخلقها الله تعالى، أو العرش، كما جاء في الأخبار، أنّ أهل الجنة تحت ظل العرش، وكل ما أظلك فهو سماء وجاء في الأخبار أيضا في صفة الجنة، أنّ ترابها من زعفران، فدل أنّ لها أرضا والمراد تلك السموات، وتلك الأرض.

فإن قيل: إذا كان المراد بهذا التأقيت دوام الخلود دواما لا آخر له، فكيف صحّ الاستثناء في قوله تعالى:

إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ [الآية 107] ؟

قلنا: قال الفرّاء: «إلّا» هنا بمعنى «غير» و «سوى» ، فمعناه: خالدين فيها ما دامت السموات والأرض، سوى ما شاء الله تعالى من الخلود والزيادة فكأنه قال: خالدين فيها قدر مدة الدنيا، غير ما شاء الله من الزيادة عليها إلى غير نهاية، وهذا الوجه إنّما يصح إذا كان المراد سموات الدنيا وأرضها.

قال ابن قتيبة: ومثله في الكلام قولك: لأسكّنك في هذه الدار حولا إلا ما شئت، يريد سوى ما شئت أن أزيدك على الحول. الثاني: أنه استثناء لا يفعله كما تقول: لأهجرنّك إلّا أن أرى غير ذلك، وعزمك على هجرانه أبدا، وهو معنى قول ابن عباس رضي الله عنهما. إلا ما شاء ربّك، وقد شاء أن يخلدوا فيها. قال الزجّاج: وفائدة هذا الاستثناء، إعلامنا أنه، لو شاء سبحانه أن لا يخلّدهم لما خلّدهم، ولكنه ما شاء إلّا خلودهم. الثالث: أنه استثناء لزمان البعث والحشر والوقوف للعرض والحساب، فإنّ الأشقياء والسعداء في ذلك الزمان كلّه، ليسوا في النار ولا في الجنة. الرابع: أن «ما» بمعنى من، والمستثنى من يدخل النار من الموحّدين فيعذّب بقدر ذنوبه، ثم يخرج من النار ويدخل الجنة، وهذا الوجه يختص بالاستثناء من الأشقياء فقط. الخامس: أنّ المستثنى زمان كون أهل الأعراف على الأعراف قبل دخولهم الجنة وهذا الوجه يختص بالاستثناء من السّعداء، لأنهم لم يدخلوا النار لأنّ مصيرهم الى الخلود في الجنة. السادس: أنه استثناء من الخلود في عذاب النار، ومن الخلود في نعيم الجنة الأشقياء لا يخلدون

ص: 100

في عذاب النار بل يعذّبون بالزمهرير وغيره من أنواع العذاب، سوى النار، وهو سخط الله عليهم فإنه أشد وكذلك السعداء لهم سوى نعم الجنة ما هو أجلّ منها، وهو الزيادة التي وعدهم الله تعالى إيّاها، بقوله سبحانه:

لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [يونس/ 26] ورضوان الله كما قال تعالى:

وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [التوبة/ 72] وقوله تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة/ 17] فهو المراد بالاستثناء، ويعضد هذا الوجه قوله تعالى، بعد ذكر الاستثناء: إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (107) وقوله تعالى بعد ذكر السعداء: عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108) يعني أنّه يفعل بأهل النار ما يريد من أنواع العذاب، ويعطي أهل الجنة أنواع العطاء الذي لا انقطاع له، فاختلاف المقطعين يؤكّد صرف الاستثناء إلى ما ذكرنا، فتأمّل كيف يفسّر القرآن بعضه بعضا.

فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى غَيْرَ مَنْقُوصٍ (109) بعد قوله سبحانه وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ [الآية 109] والتوفية والإيفاء إعطاء الشيء وافيا:

أي تامّا، نقله الجوهري وغيره، والتامّ لا يكون منقوصا؟

قلنا: هو من باب التأكيد.

فإن قيل: قوله تعالى وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ [الآية 119] إشارة إلى ماذا؟

قلنا: هو إشارة إلى ما عليه الفريقان من حالي الاختلاف والرحمة، فمعناه أنّه خلق أهل الاختلاف للاختلاف، وأهل الرحمة للرحمة وقد فسّره ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فقال:

خلقهم فريقين: فريقا رحمهم فلم يختلفوا، وفريقا لم يرحمهم فاختلفوا.

وقيل: هو إشارة إلى معنى الرحمة وهو الترحّم، وعلى هذا يكون الضمير في «خلقهم» للذين رحمهم فلم يختلفوا.

وقيل: هو إشارة الى الاختلاف والضمير في «خلقهم» للمختلفين، واللام على الوجه الأول والثالث لام العاقبة والصيرورة، لا لام كي، وهي التي تسمى لام الغرض والمقصود، لأن الخلق للاختلاف في الدين لا يليق بالحكمة، ونظير هذه اللام قوله تعالى:

ص: 101

فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [القصص/ 8] وقول أبي العتاهية:

لدوا للموت وابنوا للخراب

فكلّكم يصير الى التّراب

وقيل: إنها لام التمكين والاقتدار، كما في قوله تعالى جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ [يونس/ 67] وقوله تعالى: وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها [النحل/ 8] والتمكّن والاقتدار حاصل، وإن لم يسكن بعض الناس في الليل ولم يركب بعض هذه الدواب ومعنى التمكين والاقتدار هنا، أنه سبحانه وتعالى أقدرهم على قبول حكم الاختلاف ومكّنهم منه.

وقيل: اللام هنا، بمعنى «على» كما في قوله تعالى: وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103)[الصافات] وقوله تعالى: يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً (107)[الإسراء] .

فإن قيل: كيف الجمع بين قوله تعالى وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ [الآية 120] وقوله تعالى وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً (164)[النساء] . قلنا: معناه وكلّ نبأ نقصّه عليك من أنباء الرسل هو ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ [الآية 120] ف ما في موضع رفع خبر لمبتدأ محذوف، فلا يقتضي اللفظ قصّ أنباء جميع الأنبياء، فلا تناقض بين الآيتين. الثاني: أنّ المراد بالكلّ هنا البعض، كما في قوله تعالى: ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً [البقرة/ 260] وقوله تعالى: وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ [يونس/ 22] وقوله تعالى وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [النمل/ 23] وقوله تعالى وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ [الإسراء/ 13] وقول لبيد الشاعر:

ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل

وكلّ نعيم لا محالة زائل

وكثير من الأشياء غير الله تعالى حق، كالنبي عليه الصلاة والسلام والإيمان والجنة وغير ذلك، وكذلك نعيم الجنة والآخرة ليس بزائل، ولبيد صادق في هذا البيت لقوله (ص) :

أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد، ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل.

فإن قيل: ما فائدة تخصيص هذه السورة بقوله تعالى وَجاءَكَ فِي هذِهِ

ص: 102

الْحَقُ

[الآية 120] مع أن الحقّ جاء في كلّ سور القرآن؟

قلنا: قالوا فائدة تخصيص هذه السورة بذلك، زيادة تشريفها وتفضيلها مع مشاركة غيرها إيّاها في ذلك، كما في قوله تعالى: وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ [الجن/ 18] وقوله تعالى: وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ بعد قوله سبحانه وَمَلائِكَتِهِ [البقرة/ 98] وقوله تعالى:

وَالصَّلاةِ الْوُسْطى بعد قوله الصَّلَواتِ [البقرة/ 238] ووجه المشابهة بينهما، أنه حمل قوله تعالى:

وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ على التشريف والتفضيل، عند تعذّر حمله على تعليق العداوة به، لئلّا يلزم تحصيل الحاصل وكذا في المثال الأخير تعذّر حمله على إيجاب المحافظة لما قلنا وهنا تعذر حمله على حقيقته، وهو الجنس بأن حقيقته انحصار كل حق في هذه السورة وهو منتف، أو حمل الحق على معهود سابق، وهو منتف، وحمله على بعض الحق، يلزم منه وصف هذه السورة بوصف مشترك بينها وبين كل السور، وأنه لا يحسن، كما لو قال:

وجاءك في هذه الحق آيات الله أو كلام الله أو كلام معجز، فجعل مجازا عن التفضيل والتشريف.

وقيل: الإشارة بهذه إلى الدنيا لا إلى السورة، والجمهور على القول الأول.

ولا يقال إنّما خصّت هذه السورة بذلك لأن فيها الأمر بالاستقامة بقوله تعالى فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ [الآية 112] والاستقامة من أعلى المقامات عند العارفين، لأنّا نقول الأمر بالاستقامة جاء أيضا في قوله تعالى: وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ [الشورى/ 15] ولا يصلح هذا علّة للتخصيص، والله أعلم.

ص: 103